الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

المعلومة الأنيقة والضجيج المنظم

عبد العزيز كوكاس

« أكثر الناس قلقا في السجن هو السجان » برناردشو

تعليم

تعليم

تعليم

ثمة شح كبير في المعلومات في حقل التداول العام، والمقياس الأساسي لندرة الأخبار نلمسه في صحفنا السيارة، فالإعلام هو معيار نبض حركية الفاعلين وجس مبادراتهم، وهو مرآة لكل الوقائع والأحداث التي يزخر بها المجتمع..

إن محنة أي صحافي مغربي اليوم هي نضوب مصادر الخبر، فالمعلومة لا تدور، وهو ما يفسر ارتكان الكثير من الأقلام إلى التحليل والتفسير والتعليق والتوجيه.. بدل الدور الجوهري للصحافة، الذي هو مد الناس بنصيبهم من المعلومات!

في مقابل شحوب مصادر المعلومات، هناك وعي متزايد لدى عموم القراء بالحاجة إلى الخبر، وهو ما يبرر بعض أحكامهم، من مثل تشابه الصحف، جريدة واحدة تغنيك عما تناثر على الأرصفة من عناوين، بالإضافة إلى بروز نوع من التشكيك في صحة ما تقدمه الصحف من أخبار بدون سند، اللهم « المصدر المطلع » و »العليم » الذي لا يعرف من العلم إلا الزيادة فيه، حيث أصبحنا أمام أخبار تخلق الوقائع والأحداث خلقا.

لا يمكن أن نطالب الصحافي بالإتيان بحليب العصفور، في حقل سياسي جامد تشوبه الكثير من مساحات البياض، وفي ظل مجتمع يتحصن فاعلوه بثقافة « المطمورة » و »سرّك في بير ».. فما أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن رشدت أرشد على قول الشاعر القديم.

تروي كتب التاريخ أن زعيم قبيلة عربية جمع الشعراء والخطباء ولامهم على خمولهم وعدم نظمهم للشعر وإلقاء الخطب الحماسية مثل ما يحدث بالقبيلة المجاورة، فأجابه حكيم منهم، بأن القبيلة الأخرى لها أيام ووقائع وأحداث، في كل يوم لهم غارة، يصنعون بها أمجاد يتداولها الشعراء والخطباء، أما قبيلتنا فلا شهدت غارة ولا صنعت مجدا، فعمَّ سيتحدث الشعراء والخطباء؟!

هو ذا ما ينطبق على علاقة صحافيينا بالمعلومة، ويفسر خلو صحفنا من الأخبار المتنوعة.. لكن ما مصدر هذه المعلومات التي تروج في جل صحفنا؟ أقول جازما، إن جل الأخبار التي تروج في صحفنا الوطنية اليوم، والتعميم فيه ظلم كبير لإبداع بعض الصحافيين وإنكار لجهد بعض الصحف، مصدرها واحد وإن تعدد الفاعلون داخل هذا المصدر، وهم الدائرة المقربة من مركز القرار السياسي في المملكة، من هنا ذلك التشابه الكبير في المعطيات والعناوين بين مختلف الصحف.

إننا أمام المعلومة الموجهة، تلك المعلومة الأنيقة المقدمة إلى الصحافي بكافة ملامح الإغراء، بقوام ممشوق وقامة هيفاء وشعر مصفف.. حتى أنه يخاف أن يضيف إليها عبارة واحدة قد تنقص من جماليتها.. بهذه المعلومة الأنيقة يخلق الفاعلون المعنيون بتسريبها ضجيجا منظما، المشكل في الأمر أن الخبر لا يخدم بالضرورة مصلحة الوطن، بل يعزز إصطفافات مصادر الخبر الدائرة حول مركز القرار، عبر تصفية الحسابات، وإعطاء هالة لواقعة هامشية، وتحطيم المتنافسين، وتزكية المواقع.. وهي كلها حروب صغيرة أمام القضايا الكبرى للمغرب.

فرجاء أعطوا الناس حقهم في المعلومة غير الموجهة.. واتركوهم يحكمون بأنفسهم على الوقائع والأحداث.

بهجة الاستياء

طائر

عبد العزيز كوكاس

الاستياء ينتمي إلى جنس الأمراض الطويلة الأمد، إنه ذلك التوعك الصحي الذي يحسه كل من يتأمل الوجود بألم لذيذ..

الاستياء هو ما يمكن أن يصلح عنوانا لفصل كبير من رواية حياتي، افتقاد الإحساس بالوجود

كنعمة، ما يُسعد الآخرين يحزنني، منذ داومت التفكير في من أكون، وما الذي أصير عليه،

صرت أفتقد معنى للفرح خارج ألم التأمل في معنى الأشياء، الزمان، الموت..

أحيانا كثيرة لا يمكنك العثور علي في مكان أتواجد فيه باستمرار. وحدي على الرصيف

مثل باغية خانها العمر، ورفيق الدرب والزَّبون المحتمل.. مثل فكرة مهجورة من المعنى،

أحتسي كأس الفراغ وأنزع عن الهواء ما تناثر من لهب الكلام وظلال الحروف.

إن أكبر متمتع بلذة الحياة هو من يرفض أن يوجد فيها كشيء، حيث يتلقى العالم كجرح مثير للضجر، ويتعلم أصول قواعد فروسية دون كيشوت للدفاع عن نبل مختبئ في أحاسيسه وفي ظلال الأشياء .. أي تعبير يصلح للاستياء أقوى مما قاله المتنبي، حين أنشد قرآنه:

أي محلٍّ أرتقى … أي عظيمٍ أتقي
وكل ما خلق الله … وما لم يخلق
محتقر في همتي … كشعرة في مفرقي !

قلقي.. أناي لا آخر

عبد العزيز كوكاس

ثمة شخصان لا يملان من النظر لبعضهما البعض: أنا وقلقي.

22779 _n

حملة الأقلام عبيد السلطان

لقلقي شخصية غريبة وعجيبة، فهو دائما معتد بذاته، يأتيني متعجرفا، مزهوا بكبريائه..

ويسعى باستمرار لمحاولة إقناعي بأنه ليس شخصية مستقلة عني، فأناه هو.. هو أناي أنا!

لقلقي جسارة ملحوظة في التدليل على أنه ليس آخر، لكي يحافظ على المسافة الضرورية بين هويتين: أنا جسدا وروحا وهو كحالة كئيبة تقع بين السحر والسيكولوجيا، وأنه له مدة محددة لانتهاء الصلاحية حيث يهزمه مرح جميل يلمس نبض القلب وفكرة هيفاء في الدماغ..

قلقي لا يكف عن الاعتداد بذاته، وأن لي شرف أن أكون أناه الأخرى، لأن القلق – بحسب تعبيره- صديق الشعراء، خل العشاق، صنو المغامرين ورفيق المبدعين وظل الأنبياء، وأن جذوره نبيلة لا علاقة لها بفصيلة الدم المنحط أو المختلط.

أنا بحجم ما أراه

عبد العزيز كوكاس

10277779_596820567080712_9190830656377044414_n

ذوبان

أرى موتي مثل حبل قصير للمشنقة

كيف سأعبر عن ذلك؟ ذاك هو ما ينقصني، سيقال عني:

كان هنا ودخل في ال »ليس »، خلا منه المكان، كف عن الوجود، انتهى منه الوقت، وتعطل منه الكون، وبلغة مجازية: لقد جف مجراه الخاص..

أحس بنوع من نوستالجيا الوجود أني غبت في أقاصي غير شهية، ما عاد منها الراحلون ليحدثوننا عن الهناك.. دخلت دائرة العماء، أصبحت منفيا عن الوجود، عدما محضا،

أنا أصبحت « اللا أنا »، لم أعد « أنا »، هباء وزوالا أضحيت.

لا قبر يتسع للزعيم

عبد العزيز كوكاس

نادراً ما مات الديكتاتور على سرير نومه بشكل هادئ وبدون زوابع، فموت الطاغية مستفز، استثنائي، فرجوي، ميلودرامي، مليء بالإثارة.. يموت الحاكم المستبد وتتناسل حكايات وأساطير تنمو مثل كرة ثلج حول شكل موته الغريب والوحشي.. ولأن الطغاة دهاة حتى في موتهم فإن الأحياء يستمرون في القلق من جثثهم التي لا يتسع لها قبر.

تشكيل

تشكيل

جثة الطاغية ذات مكر خاص، تظل مصدر خطر داهم بالنسبة للأحياء.. حتى الثوار منهم لا يثقون بنصرهم إلا بعد إحراق جثته وذرها في البحر، أو إخفاء معالمها عن عامة الناس، هكذا هم الطغاة يحيروننا لما يحكموننا، ويحيروننا لما نقتلهم ويموتون.

في ذكرى ياسر عرفات.. حين يتوقف تاريخ أمة على نبض قلب رجل

عبد العزيز كوكاس

لم يختلف الفلسطينيون على قائد مثل ما اختلفوا حول ياسر عرفات ولم يتفق الفلسطينيون على رجل مثلما اتفقوا حول « أبو عمار »، رجل يبدو كما لو أنه قد من حديد، بين الرصاصة والأخرى ينحني قيلا، ثم يصعد مثل شجر السنديان.

ياسر عرفات

ياسر عرفات

ظل ياسر عرفات منذ نشأته في القاهرة إلى امتطائه الطائرة في اتجاه سرير بارد بباريس شاهدا على قرن بكامله، بمعجزاته وخياناته لشعب يطالب بأرض يرى عليها ظله.

 

برغم « تخلفه » الدراسي في مجال الهندسة، تخصصه الذي قاده إلى أن يكون رئيسا لاتحاد الطلبة الفلسطينيين سنة 1952، كان محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسني، مهندسا استراتيجيا لمسار الجرح الفلسطيني، ورغم أقمطة الحرير التي احتضنت الطفل ياسر عرفات في حي أرستوقراطي بشارع أمبان بالقاهرة، فإنه اختار الانتماء إلى منطقة الجرح، هكذا في 1952، وهو في منتصف عقده الثالث، جذبه بريق الإخوان المسلمين، وفيما يشبه حادثة سير في منعطف التاريخ، وجد عرفات نفسه إلى جانب خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) يضعون اليد على الجمر، ويطلقون الشرارة الأولى لحركة فتح.. ولأن الفلسطيني ظل وليمة للعديد من الأنظمة العربية، فقد كان عرفات في وضع الرجل الصبور الذي لا يستعجل التاريخ، لذلك سماه المقربون ب « ياسر » لأنه لم يجد صعوبة في امتطاء كل صعب.. من رام الله إلى غزة، ومن جرح فلسطين إلى قلبه.. من فلسطين إلى الأردن، ومن عمان إلى بيروت، تمتد الطريق إلى المنافي.. حيث ظل عرفات يحمل الحقيقة التي تحمله من ميناء إلى ميناء، من مطار إلى مطار بحثا عن وطن ظل يسرق من شعبه بالتقسيط المريح، وتحت حماية الأنظمة العربية، أتذكر بعد الرحيل عن بيروت نحو تونس سأله صحفي: « والآن إلى أين؟ » فأجاب بحكمة رزينة: « الآن إلى القدس » معشوقته المسلوبة.

لم يكن يحتاج طوال مساره إلى بوصلة حتى حينما وضعوا أمامه خريطة الطريق، لأنه كان يحمل القضية في قلبه، رافعا بيد بندقية وبالأخرى غصن زيتون وحمامة.. من مذبحة أيلول الأسود سنة 1970، حيث تم اغتيال الحركة الفدائية بأرض عربية إلى حصار إسرائيل لبيروت في 1982، كان يربي تربة فلسطين بيديه، قاد العاصفة على رصيف الحلم نحو الشهادة، ووجد نفسه في كماشة ما بعد حرب الخليج الأولى مضطرا لمصافحة إسحاق رابين بواشنطن في شتنبر 1993… لينقلب عليه الإخوان قبل الأعداء، ويحس إلى أي درجة أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند.

ظل القائد أبو عمار يمشي على أسلاك كهربائية عالية الضغط من أجل فسحة في الأرض فوجد نفسه يقضي بقية من العمر في غرفة محاصرا بدبابات إسرائيلية تزرع الموت من حوله، وما استكان، بل صرخ بوجع أيوبي: « يريدونني أسيرا أو شريدا أو قتيلا وأنا أقول لهم: سأكون شهيدا، شهيدا، شهيدا »… إذ ليس للمستلبة حريته سوى قيوده.

ظل يمد يده من أجل السلام، قبل أن تصاب بالارتعاش، وفي لغز تاريخي شائك، تساوت الضحية  والجلاد، وسارا وحيدين نحو مائدة التفاوض، واقتسم الشهيد والقاتل جائزة نوبل للسلام، في دجنبر 1994 بين ياسر عرفات وإسحاق رابين وشمعون بيريز.

ليرقد  في الأخير فيما يشبه لغز الحياة بمستشفى بفرنسا، التي ساعدته على إنقاذه من أنياب الموت سنة 1982 صحبة بيروت، في الكثير من الانعراجات كان يتوقف على نبضات قلبه مسار تاريخ شعب برمته.. حين وجد ياسر عرفات نفسه وجها لوجه مع قرار أممي بحجم قرار 181، أعلن في الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية، ومهد الطريق نحو أوسلو وهو يرى رفاق الدرب يسقطون تباعا بخطط الموساد ويرى بحسرة خروج 400 ألف فلسطيني غضبا من الكويت بسبب دعم صدام حسين الذي أصبح مدعم للانتفاضة، حينها بدأ يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام وبالاعتراف المتبادل باجتراحات اللحظة القاسية في ظل السواد العربي المنكفئ على هشاشاته الصغرى، لقد كان حقيقة يؤمن بالسلام، وحدها إسرائيل كانت تعرف أن الرجل الذي خبر دهاليز السياسة الإسرائيلية في مفترق الأزمنة، لن يضع أوزار الحرب حتى وهو مكبل داخل « قصره ». ولم تستطع المغامرة باقتحام  هوليودي لمقر إقامته، لأنها كانت تؤمن بامتلاك الرجل قدرة سحرية على النجاة من الموت وتتذكر جيدا كيف تسلل إلى بيروت إلى جانب مقاتليه، وكيف سقطت طائرته في صحراء ليبيا وظل وحده حيا على قيد الجمر. مثل طائر الفينق كان ياسر عرفات يستيقظ بين الأنقاض أكثر تجددا وصمودا.

وحتى حين كان ممددا على سرير الموت الذي لم يختره بعناية فائقة،  ظل يحلم بشرف التتويج حين قال للشرق الأوسط: « أنا مستعد لأن أكون نلسون مانديلا، أنا موافق، لكن بعد قيام دولة فلسطينية أتولى رئاستها في البداية ثم أتركها بعد ذلك للآخرين ». ومات وفي نفسه شيء من رائحة القدس التي لا زال صوت فيروز طريا يتردد في الآذان مبشرا بوعد الصلاة في القدس.

إلى صحافي(ة) ناشئ(ة)

عبد العزيز كوكاس

وأنت في أول الطريق نحو منعطف مهنة النبل التي اخترتها صدفة أو عشقا جارفا، أو بمحض حادثة سير في تاريخك أو تورطت فيها، هل تحتاج إلى بعض المنشطات، من غير المحظورة دوليا في سباق المسافات الطويلة نحو مهنة الوهم لاجتياز الطريق؟ هل تحتاج إلى ما يشد عضدك ويكون سندك في رفع الدهشة عن ممارسة مهنة الصحافة، ها إني أمنحك بعض الزاد، من خبير جابت أشرعة مركبه بحاراً لجاجا في صحافة هذا الوطن.

وأنت في أول الطريق تصاب بالرعشة، لقد تلقنت كل فنون السباحة دون أن تلمس الماء… تجد أشقاء في المهنة يسبحون بطرق غير التي تعلمتها، ويقودون أنفسهم نحو شاطئ النجاة بسلام، أتصور وضعك وأنت تدق باب أول جريدة..  خجلك الزائد عن الحاجة وأنت تمسك الهاتف لتحدث مسؤولا متواضعا ظللت تتهرب من جحيم لقائه، كي لا تنفرط حبَّات سبحة كل الكلام الذي نظـمته مسبقا، كم أود أن أهديك النجدين، أن أرشدك إلى ما يدلك على نفسك فيك!

نحت

الحق أقول لك: إذا كنت تريد أن تكون صحافيا ناجحا، فاحرق كل كتبك المدرسية، واتْفُل على جميع وصايا أساتذتك الذين شحنوك بما لا يصلح لحمل صارية على مركبك في لجاج الصحافة، وضع كل وصاياهم البليدة وراء ظهرك، إذ عليك أن تختار منذ البدء، بين أن تكون صحافي ظل، ليس مثل حكومة الظل في الدول ذات التقاليد الديمقراطية الباذخة، بل أن تكون في الصفوف الخلفية في جريدة ما، تُكلف بتغطية أو تعرية بعض الأحداث الهامشية وتكتب التعازي والتهاني… وبين أن تتبوأ سماوات الأعالي ليطلع اسمك بالبنط العريض في الصفحات الأولى!

عليك أن تختار بين أحد النجدين، أن تكون صحافيا يراعي نبل المهنة وأخلاقها ولا تأخذه في قول الحقيقة لومة لائم، وبين أن تقترف مهنة الصحافة وتدس ألغام الكذب في طريق الحقيقة، ولكل طريق تختاره ضريبته وفوائده، إذا كنت تريد أن تكون صحافيا وفق ما تعلمته فاعلم أنك ستفقد مصادر خبر نافذة، لأنك تخرج عن طوعها أو « تُحرِّف » حقيقتها، وسيكون عليك الوقوف أمام المحاكم أكثر من مرة بشبهة قول الحقيقة، وستتعرض لعملية سلخ الجلد من طرف زملاء محسوبين على المهنة  » يغمسون » مداد ما يُدبجون من دم جراحك وقد يترقوَّن على حسابك بسبب ما أبدوه من جسارة في مواجهتك، وبين أن تختار الانتساب للكتابات المسطحة التي تشبه خُطب الجنائز، تلك الكتابات التي لا تجلب عاراً ولا شنآناً، إنه طريق الرفاه لتفترش وسائد ريش الـ » نْعام أسِّي »!

اعلم أن أيسر السبل، هو أن تمارس هواية الارتشاء أو أن تمارس وظيفة قُطاع الطرق، قراصنة البحر الذين يختارون ملاجئ قصية لمراكمة خزائنهم من المنهوبات، اقبل عزومات مصدر الخبر، أنشئ معه حميمية تصبح أولى من الخبر.. لا مفر، لا إخوة لك في درب النزاهة والكرامة، والأخلاق المهنية مجرد كلمات لبناء جملة مفيدة، لا تجلب فائدة!

إذا لم يتفقدك برلماني أو وزير أو أي مسؤول سام، فاكتب عنه بشكل سيء، لن تحتاج إلى الكذب، بل فقط إلى بعض توابل الخيال لتضخيم الوقائع، فأنت ستجد، كما في أي عمل إنساني، وخاصة إذا كان صناعة مغربية، نقائص وثغرات… ضخمها كما تشاء، فالشعبوية لها موطئ قدم ببلادنا، حينها لن تعدم صحبة، وبعد صدور مقالك، سينادي عليك المسؤول لتفتح ملفك المطلبي، وسيقول لك زميله إن المسؤول الفلاني كاموني إذا لم « تعصِّيه » فلن يستجيب، وسوف تجد معجما خاصا بفن الضرب المباح في مجال الصحافة..  وستلتقي صحافيين يشاركونك تبادل الأدوار بتسليم ضحيتك مقابل ضحية جديدة، ستعرف أن هناك فنونا للكتابة عن مسؤول لم يفهم رأسه:

فهناك الغمز.. وهو مرحلة خفيفة من النقد الودي، ثم « القرص » ثم « تجبيد » الأذنين، ثم الصفع، ثم « الجمع بنص وتتلاقَّى ليه » أو الجمع بنص على الدَّص » والفرق بين الجمعين هو أن الجمع الأول بنص يبقى أرحم من الثاني، ثم ضربة الكاو… وفي المدح لن يخلو معجمك من مفردات تُتداول بين الصحافيين من « الترقاد في السمن » إلى « التَّخْمار »…

وأنصحك بعدم فتح « جريدة » في هذا البلد، إلا إذا كنت تُتقن فن التسول لتستجدي الإشهار وصدقات أولي الأمر في البلد، أو أن تملك مهارة القراصنة وقطاع الطرق الذين يهددون الفاعلين بمختلف أشكالهم بما شحَّ من أخبار، ليفرشوا طريقهم بالورود.

ما لك ومكافحة الرشوة، وصداع الرأس مع أخلاقيات جمعية ترانسبرانسي والوصايا الثقيلة لفقهاء أخلاقيات المهنة، اذهب حيث تقودك دروب الأظرفة المغلفة بالنعيم وذات الملمس الحريري، وتقبل كل الرشاوى المعروضة عليك بأنفة ولا تأخذ غنيمة وأنت صاغر خافض جناح الذل.. بل اقبضها بكبرياء، وشهامة باسم العادة و.. إذا عمت هانت!

تذكر أن زميلا لك ذهب في زيارة بلد خليجي صحبة زميلة له، وحين رفض تسلم « هدية » الأمير المسمومة باسم النظافة والنزاهة والبلادة وجد نفسه بدون تذكرة العودة إلى البلد، وتم حرمانه من كل الامتيازات التي كانت رهن إشارته، لقد كان بليداً! وحين رفض زميل لنا في  رشوة من وزير وازن في حكومة سابقة، منعت جريدته من كل إشهارات الوزارة المعنية إلى الأبد! لا تكن ساذجا فتتبع أهواء الذين فشلوا من قبلك!

هل تريد ألا يكون لك بيت فخم وتحرم أسرتك من العيش في رغد وهناء؟

إذن عليك أن تمشي بحذر في مشوارك الصحافي المليء بالألغام وتجاوز الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، كن مرناً كي لا تُعصر أو تُكسر، فالمقدسات تتجاوز حدود المكتوب، وعليك أن تتوفر في كل مرة على عبقرية استثنائية أو على عيون زرقاء اليمامة لترى إلى أفق ما يتوقعه أُولو الأمر.. فعين رضا المسؤول مرتبط أيضا بنوع الخدمة التي تقدمها  له، ويستفيد منها .

اتبع هذه الوصايا  تتجاوز كل وجع الرأس، وتُحول بذكاء مهن المتاعب إلى مهنة المغانم!

 

سيناريوهات اختطاف واختفاء الزعيم السياسي المهدي بن بركة

عبد العزيز كوكاس

محتفظا بهدوئه التام، سار المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفواتو، كانت تلك آخر نظرة للزموري وهو يرى المهدي يسير أمام « الشرطة »، وحسب إدعائه فإن تلميذ المهدي بثانوية مولاي يوسف بالرباط، أعتقد أن الأمر كان يتعلق بحملة تفتيشية ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولأنه أصيب بالرعب ولم يرد التورط في العملية، فقد ذهب ليختبئ عند إحدى عشيقاته، لكن لماذا لم يبلغ الشرطة لتدارك الأمر؟ ولماذا لم يخبر أوساط الطلبة، أو أحد أقارب المختطف إلا بعد وقت متأخر؟

هذا الصمت أثار الكثير من القلق، خاصة وأن زوجة الزموري السكرتيرة في مقر حلف الناتو ببروكسيل ستصبح بعد الاختطاف السكرتيرة الخاصة لسفير الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، والزموري نفسه سيوجد مشنوقا بعد ذلك.

ما العلاقة بين هذه الخيوط؟ ألا يتعلق الأمر بأيادي المخابرات المركزية الأمريكية؟ وحسب جوردون توماس في كتابه « التاريخ السردي للموساد »، فإن الموساد كانت حاضرة في عملية التحضير للاختطاف غير أن عميلها « أوحنا » الذي وصل مع بن بركة من جنيف إلى فرنسا أحس بمحاولة إبعاده من طرف صقور المخابرات الفرنسية، فأخبر رئيسه بالموساد مائير عاميث، الذي استشعر خطورة ما يُدبر في الخفاء، فطالب من العميل الإشراف على تقديم الدعم دون التورط المباشر في الاغتيال!

على متن سيارة « SDECE » جهاز محاربة التجسس الفرنسي سيُختطف بن بركة ويُقتاد إلى فيلا المجرم بوتشيش في فونيتاي لوفيكونت.. أمام المنزل الريفي في ضواحي باريس كان باليس وبوتشيش ينتظران « الطرد الجاهز »، إنه المهدي الذي أنزل بهدوء، قيل له: « إن الرئيس يريد رؤيتك » فصدق، وفي الطابق الأول طلب بن بركة كأس شاي فجاء به المجرم دوباي، لحظة يلتحق فيغون عبر سيارة أجرة بالمجموعة، كان بن بركة يقرأ موسوعة للشباب، يدخن سيجارته ويحتسي الشاي، لكن مع مرور الوقت سيتقدم بوتشيش ليخبر المهدي أن الرئيس سيتأخر نظرا للطوارئ!

المهدي بن بركة

بوابة الجحيم

في الجهة الأخرى كان أصدقاء المهدي في حيرة من أمرهم، فهذا الرجل الملتزم بمواعيده لدرجة يمكن ضبط عقارب الساعة على خطواته، غاب فجأة بشكل ملتبس، فالسيد الطاهري الذي ظل ينتظر بن بركة طيلة الصباح ليحضر معه عرضا مسرحيا سيقوم بإبلاغ خبر اختطاف المهدي وهو نفسه ما قام به أخ المهدي عبد القادر بن بركة خاصة بعد اتصالات جرت بين الطاهري وسي ناصر أحد مناضلي الأوساط الطلابية حيث أبلغه في الأخير الطالب الزموري بواسطة زوجته خبر إلقاء الشرطة القبض على المهدي، وفي 12 زوالا سينتدب مفتش الشرطة « كايد » من طرف رؤسائه لإخبار السيد عبد القادر بن بركة بأن أي مصلحة للأمن الفرنسي لم تقم بإلقاء القبض على أخيه.

ما بين الواحدة والواحدة والنصف زوالا اتصل لوبيز هاتفيا بالسيد بوالو مساعد لوروي لإشعاره بما حدث، ولم تفقد خيوط الهاتف بين الرباط وباريس حرارتها، ففي 4 و19 دقيقة بعد الظهر اتصل لوبيز وسوشون من مكتب للبريد بمطار أورلي مباشرة بإدارة الأمن الوطني وبوزارة الداخلية بالرباط، وفي التاسعة مساء يتصلان بأوفقير بمكناس: « ألو إن الطرد وصل – طيب نحن قادمون » وبالفعل فقد أخبر الجنرال الدموي لوبيز وسوشون وهو بفاس حوالي العاشرة وعشرين دقيقة بأنه قادم إلى باريس في الغد على الساعة الثالثة مساء وهو ما تم تأجيله إلى ساعتين فيما بعد، حيث حل المسؤول المغربي ووجد في استقباله الشتوكي والغالي الماحي الذي صرح بأنه كان ينتظر قدوم زوجته ليلى بالمطار فطلب منه الجنرال حجز غرفة بفندق روايال، لن يستغلها أبدا.

نام بن بركة يوم الجمعة دون تناول عشائه، فقد بدأ يستشعر بعض ما يُدبَّر له، وزوال يوم السبت 30 أكتوبر سيصل الدليمي مدير الأمن الوطني إلى مطار أورلي على الساعة الثانية بعد الزوال وبعد ثلاث ساعات يصل الجنرال أوفقير في نفس المطار ويتوجه رفقة لوبيز إلى فيلا بوتشيش، وصل الدليمي رفقة العشعاشي إلى فونطوناي لوفيكونت على متن سيارة لوبيز، فصعد دوباي ووضع منوما في كأس شاي للمهدي شربه على التو، وبعد ربع ساعة صعد بوتشيش إلى الطابق الأول ففهم بن بركة أنه ضحية مصيدة، فقفز من كرسيه وأخذ يدافع عن نفسه بجنون، إذ كان لمنوم فيرغان مفعولا عكسيا تحول معه بن بركة إلى مقاتل شرس.. نجح المجرمون الأربعة دوباي ولوني وبوتشيش وباليس في شده بعد أن أشبعوه ضربا وأوثقوه، فصعد الدليمي والعشعاشي وعندما رآهما المهدي هدأ..

حينما وصل أوفقير كان يبدو مرحا للغاية لوقوع عدوه الأول في المصيدة، وحسب رواية دوباي التي وردت في كتاب علي بوريكات (الذي كان بإحدى المعتقلات السرية بالرباط وأطلق سراحه فطلب اللجوء السياسي إلى أمريكا، وفي كتابه يتحدث عن رواية دوباي الذي كان معتقلا معه أيضا ويرسم خريطة مكان دفن جثة بن بركة التي تم نقلها من فرنسا عبر طائرة عسكرية)، فإن أوفقير أخذ سكينا وبدأ يذبح حنجرة المهدي وصدره بطرف السكين بلذة سادية، أما لوني فيحكي أنه حين جاء أوفقير ارتمى على المهدي بن بركة وشدَّ خناقه صائحا: « ها أنت أيها الوغد بين أيدينا » واستل خنجرا لكن بوتشيش اعترض قائلا: ليس في منزلي! » أما صاحب كتاب « التاريخ السري للموساد » فيحكي كيف أشرف الجنرال أوفقير شخصيا صحبة الدليمي على استنطاق بن بركة وتعذيبه حتى الفجر فأعدموه والتقط أوفقير مجموعة من الصور الفوتوغرافية للجثة قبل أن يتم دفنها في حديثة المنزل، طار الوزير المغربي ومعه الصور!

نشوة القتل

كان للخبر الذي نشرته « لوموند » حول اختفاء المهدي والزيارة الخاطفة التي قام بها الجنرال أوفقير إلى باريس مساء يوم 30 أكتوبر 1965 دوي الصاعقة في الأوساط الفرنسية.

مع حلول الليل كان المنفذون والمخططون للعملية يشربون كؤوس الشامبانيا لمداراة الجريمة، ففي 10 و30 مساء رافق أنطوان لوبيز عائلته إلى لولواري عائدا إلى بيته حيث وجد أوفقير والحسوني (ممرض تخدير) ودوباي وفيغون مجتمعين.

في اليوم الموالي (31 أكتوبر) سينتشر الخبر القنبلة، ففي الساعة السادسة صباحا سيتناول الجنرال أوفقير فطوره مع لوبيز صحبة مغربيين آخرين قبل أن يتوجه إلى جنيف في طائرة الثامنة والنصف، وفي التاسعة سيقدم عبد القادر بن بركة شكوى لدائرة الأمن شانزليزي ثم يتوجه إلى مقر الشرطة القضائية حيث سيستقبله في الساعة العاشرة العميد المداوم مارشان، في نفس الوقت ومع 9 و35 دقيقة كان الدليمي والشتوكي والحسوني الممرض والصقلي يستقلون الطائرة نحو المغرب.

وفي الحادية عشرة و35 دقيقة، يهاتف لوبيز لوروي ليخبره بتوجه أوفقير إلى المكان الذي أقتيد إليه بن بركة بالأمس وهكذا كان المخبر لوبيز يضرب عصفورين بحجرة واحدة، فمن جهة يقدم المعلومات التفصيلية لتحركات المسؤولين المغاربة وتنقلاتهم للمخابرات الفرنسية، ومن جهة أخرى، يعمل لحسابه الشخصي خاصة وأنه كانت هناك ترتيبات لتعيينه في منصب بإدارة عملاقة بالمغرب.

في فاتح نونبر 1965، مع التباشير الأولى للصباح يخبر العميد « كأي » من الاستعمالات العامة لولاية الأمن بأن أحد الخيوط المؤدية لاختطاف المهدي بن بركة تتمثل في جورج فيغون الذي شارك في العملية، ويحاول الاتصال بمحاميه السيد بيير لومارشان النائب الديغولي، ومع 9 و40 دقيقة سيتوجه المجرم بوتشيش إلى الدار البيضاء حسب الترتيبات، وفي 11 والنصف تتم أول جلسة استماع للصحفي فيليب برنيي حيث اتهم الشتوكي وأوفقير بتدبير الاختطاف ووصف موقف جورج فيغون بالمشبوه.

وهكذا توالت الأحداث بشكل متسارع يوم الإثنين 2 نونبر 1965، مع الساعة الثامنة صباحا النائب والمحامي بيير لومارشان يُتلفن إلى العميد كاي، هذا الأخير يصرح أنه علم بالدور الذي لعبه المخبر أنطوان لوبيز في الاختطاف، ومع الساعة 12 يقابل فيغون محاميه لومارشان، في ذات الوقت كانت أسرة بن بركة تسارع ضد الوقت لرفع الصمت عن مصير إبنها، حيث قام عبد القادر بن بركة مع الواحدة و45 دقيقة بالإجراءات القانونية للشكوى ونصَّب نفسه طرفا مدنيا، وتم تعيين السيد بويس زولينجر قاضيا للتحقيق في الملف.

ولما عاد نائب مدير الشرطة القضائية لولاية الأمن بباريس ورئيس الشرطة الجنائية العميد موريس بوفيي من عطلته استأنف عمله في « الكي دي زورفيفر » وتسلم مسؤولية البحث في اختفاء المهدي بن بركة، حيث يُستنتج من المعطيات الأولى التي أعدها العميد المياوم في إدارة الاستعلامات العامة بأن فيغون ولوبيز متورطان في القضية، وكانت أول خطة قام بها موريس بوفيي هي الاستماع إلى شقيق المهدي عبد القادر بن بركة واستدعاء الصحفي فيليب برنيي.

بعد التفتيش توصل « كانتان » والشرطة الجنائية إلى وجود ضيعة واسعة في ملكية المجرم « جورج بوتشيش » الذي تربطه علاقات ودية بصديق الطفولة « أنطوان لوبيز » صاحب فيلا جان دارك، وأنه كانت هناك حركات مشبوهة بين الفيلتين يوم الحادث، يوم الأربعاء 3 نونبر 1965، يعترف سوشون أمام مديره السابق في شرطة الآداب العميد أندري سامبي بمشاركته في الاختطاف بمعية فواتو، وسيرفع العميد سامبي تقريرا في القضية إلى مدير الشرطة القضائية ماكس فيرني الذي سيخبر بدوره موريس بابون والي الأمن الذي تولى نقل تقرير إلى السيد روجي فراي وزير الداخلية الفرنسي، الذي لم يخبر النيابة العامة ولا قاضي التحقيق بالأمر! وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام تبقى مفتوحة رفقة بياضات واسعة لم يجب عنها التحقيق إلى اليوم، فقد صرح مفتش الشرطة الممتاز سوشون بأنه عندما اقتاد بن بركة على متن سيارة مصلحة وبدون رخصة إلى فيلا بعيدة في الضاحية بمعية مجرمين معروفين عوض التوجه إلى مقر الشرطة القضائية، فإنه لم ير في ذلك ما هو غير سوي! إنه أراد إسداء خدمة لعميله لوبيز الذي أراد تسهيل اقتياد بن بركة لملاقاة أوفقير، مقابل ما كان يسديه المخبر لوبيز للشرطة! وبأنه أخبر مرؤوسيه بذلك، وهو ما نفاه وزير الداخلية الفرنسي روجي فراي منكراً أي علاقة تربطه بأوفقير الذي لم يتعرف عليه أكثر من مرة!

هل كان الأمر يتعلق بمحاولة حماية جهاز الأمن الفرنسي المنخور بعد تورطه في العملية القذرة؟ وما علاقة روجي فراي بالقضية؟ وكيف صرح فيما بعد أمام الجمعية الوطنية بأنه أول من فوجئ بحضور أوفقير دون أن يُخبر بذلك؟ يذهب جاك دوروجي وفردريك بلوكان في كتابهما: « لقد اغتالوا بن بركة » إلى أن روجي فراي الذي ذكر أنه لا يعرف أوفقير إلا من خلال إقامة قصيرة مع إبنه في المغرب، أنه قضى في شهر شتنبر 1965 أسبوعا كاملا في ضيعة أوفقير بالمغرب وأن العلاقة بينهما كانت جد حميمية! ألم يكن ذلك جزءاً من ترتيبات عملية الاختطاف؟ أم الأمر مجرد مكر الصُّدف؟!

المهدي بن بركة

المهدي بن بركة

نجاح أوفقير ونجاته

مع توتر البحث والتحقيق ستؤدي اعترافات لوبيز، الذي سلم نفسه للشرطة الجنائية، بروجي سوشون إلى غرفة الجنايات حيث سيشرع في الاستماع إليه – ومع الظهر سيعود الجنرال أوفقير من جنيف إلى مطار أورلي حيث سيقابل وزير الداخلية الفرنسي خلال حفل استقبال نُظم بوزارة الخارجية على شرف أربعة عمال أنهوا تداريب دراسية دامت ثلاثة أشهر في فرنسا، وأمام إحراج الصحفيين سيصرح بأنه مرَّ بباريس يوم 30 أكتوبر وذهب لرؤية أبنائه المقيمين بسويسرا، وعاد إلى باريس ليحضر نهاية التدريب الدراسي الذي يجتازه العمال المغاربة، كما أنه جاء من أجل تهييئ الزيارة الملكية التي كانت مقررة في 11 يناير، وأعلن أنه فوجئ باختطاف خصمه السياسي…

لقد كان العمل متقنا بدهاء من كل النواحي: عناصر التمويه، حفل السفارة والعمال المغاربة الذين أنهوا تداريبهم وذلك بتقديم الذرائع وتبرير التنقلات بين باريس والرباط.

ومساء نفس اليوم سيحضر أوفقير حفل عشاء بفيلا سعيد « مقر إقامة السفير المغربي وذلك برفقة الدليمي الذي عاد كذلك إلى باريس، وخلال هذا الحفل سيتسلم باليس أحد الفارين من العدالة من يد الغالي الماحي، اليتيم الذي تبناه أوفقير، ما قدره 10 آلاف فرنك فرنسي خصَّه بها وزير الداخلية المغربي مقابل وصل! وهو ما سيثير حيرة الماحي حسب تصريحه بعد اعتقاله.. كان أوفقير ينوي العودة ليلا إلى المغرب، غير أنه لم يجد أي طائرة، فأقام ليلته بمنزل المستشار الاقتصادي للسفارة المغربية. فيما ذهب الماحي مع زوجته والكاتب الأول للسفارة إلى فندق لوري للقاء المجرمين باليس ولوني ودوباي ليعود بعد ذلك إلى محل إقامة أوفقير عند المستشار الاقتصادي، المدير العام للأمن الوطني (62/1965) (تولى فيما بعد ولاية الأمن بباريس خلفا لموريس بابون)، وقام بترحيل الجنرال أوفقير ومدير الأمن الدليمي إلى الدار البيضاء على متن طائرة تابعة للخطوط الفرنسية بدعوى وجود خطر اضطرابات في المغرب!

وعوض البحث عن الحقيقة، فإن مصالح فرنسا في المغرب ستُغلِّب طابع العلاقات الدبلوماسية وهو ما عكسه حوار بومْبيدو الوزير الأول الفرنسي مع وزير الداخلية روجي فراي، وتلك الخيوط المتحركة بين باريس والرباط، إذ يوم 5 نونبر سيحل فيليب مالو مدير الخارجية الفرنسي بالرباط ويتوجه صحبة سفير فرنسا روبير جيلي للقاء السلطات المغربية بفاس بعد تصريحات لوبيز التي وجهت الاتهام لأوفقير، غير أن المغرب رفض تسليم المتهمين تبعا لتأويل الاتفاقية القضائية بين البلدين، وطلب إخبار باريس بأنه سيحيل الملف فورا على القضاء المغربي، فيما ظل الطلب الفرنسي واضحا: التخلي عن أوفقير تفاديا لمصالح البلدين، وهو ما اعتبره الملك الراحل تدخلا في الشؤون الداخلية للمغرب، إذ حتى بعد صدور حكم محكمة لاسي في يونيو 67 على أوفقير بالسجن المؤبد ظل هذا الأخير وزير الداخلية حتى غشت 71.

يوم 11 نونبر 1965 سيوضح لويس سوشون المفتش الممتاز مدير مجموعة قمع تهريب المخدرات ونائبه الضابط روجي فواتو تحت الحراسة النظرية، وسيتكلف العميد موريس بوفيي ونائبه روجي بوابلون باستنطاقهما وذلك بناء على المكالمات التي تمت من طرف إيلي تورجمان وبينهما يوجد رقم سوشون، وعلاقات لوبيز بالضابطين.

ومع استمرار الغموض حول اختطاف المهدي بن بركة ستصدر وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس بريس) تصريح أحد موظفي وزارة الداخلية ينفي فيه تورط مصالح الأمن الفرنسية في القضية، غير أن وقائع اليوم الموالي ستكذب البلاغ بعد اعتراف سوشون فواتو رسميا بتواطؤهما في عملية الاختطاف.

ارتباك المغرب الرسمي

أما في المغرب ومع ضغط الحملة الإعلامية الفرنسية وتوجيه أصابع الاتهام للجنرال الدموي، فقد اتخذت أزمة العلاقات المغربية الفرنسية أبعاداً خطيرة، كان أوفقير قد خرج من صمته وصرح لمراسل فرانس بريس: « إن اتهامات العدالة الفرنسية مختلقة » بل إن وزير الفلاحة السيد المحجوبي أحرضان أفصح ببلاغة نادرة قائلا: « إن الجنرال أوفقير لا يمكنه من تلقاء ذاته ليقوم بعمل يمكن لعواقبه أن تحرج جلالة الملك(…) إن المهدي بن بركة بالنسبة لي شخص شرير ويستحق الاحتقار مصيره في الحقيقة لا يهمني، لكن ما أرفض التسليم به هو أن تنجح قضية شخص من أمثاله في زرع الخلاف بين بلدينا! » وفي 6 نونبر 1965 أصدرت وزارة الإعلام بلاغا تشجب فيه « مرتكبي الاختطاف »، وفي نفس الآن تهاجم المنظمات والمنابر المغرضة التي اعتادت الصيد في الماء العكر!

يوم 10 نونبر تصدر الحكومة المغربية بيانا يتهم الإعلام الفرنسي بالكذب مما جاء فيه: « إن المغرب الذي التزم صمت الفضيلة إلى حد الساعة يدين الاتهامات الموجهة ضده، ويشد على ثقته في مسؤوليه »، وسيزداد هذا السعار الرسمي مع تصريح وزير الخارجية الفرنسي « كون دومور فيل » حول أمله في إقالة أوفقير أو إبعاده، ومع الندوة الصحفية التي نظمها شارل دوغول والتي كانت فيها أصابع الاتهام تتجه إلى السلطات المغربية التي قدَّمت الحماية للمجرمين. ولإتمام مسطرة البحث وجه القاضي زولينجر المكلف بالتحقيق في الملف طلبا للسطات المغربية للانتداب القضائي من أجل الاستماع إلى تصريحات أوفقير والدليمي يوم 14 نونبر، خاصة مع بروز جزء من شبكة الخيوط السرية الرابطة بين الدليمي مدير الأمن وفواتو وسوشون من الشرطة القضائية الفرنسية الذي كان يحمي لوبيز كعميل سري، وبوتشيش شريك لوبيز في فنادق الدعارة وجوعطية كزعيم عصابة وأصدقائه، باليس دوباي ولوني، ومحور العملية جورج فيغون.

هذا التلاقي الغريب بين عناصر الإجرام وضباط الشرطة هو ما دفع صاحبا كتاب « لقد اغتالوا بن بركة » إلى القول: « إن بن بركة سقط في فرنسا ضحية هذا التحالف الشاذ، الذي يربط بعضاً ممن هم مطالبين بالدفاع عن القانون مع من يحتالون عليه »!!

في نفس الأسبوع توصلت النيابة العامة بالرباط من وزارة العدل المغربية بأمر اعتقال دولي وطلب ترحيل المجرم بوتشيش، وقد اجتمع إثر ذلك مجلس الوزراء لمدة يومين للتداول في الأمر.. أما على مستوى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فقد كان لوقع الخبر أثر الصاعقة، فقد أصدرت الأمانة العامة بيانا تدين فيه الاختطاف وتطالب بكشف الحقيقة وإدانة أي مناورة لتحريف طريق التحقيق رابطا بين الاختفاء ووجود مسؤولين مغاربة كبار لمدة طويلة بباريس… أم الشهيد السيدة فطومة بوعنان لم تجد أكثر من مراسلة دوغول تستفسره حول مصير فلذة كبدها، وخارج البروتوكول يتصل شارل دوغول عبر سفارة فرنسا بالرباط بأم بن بركة مطمئنا إياها على أن العدالة الفرنسية ستأخذ مجراها.

رغم مرور خمسة عشرة يوما لم تقم الشرطة الفرنسية سوى بأربعة اعتقالات رغم أنها جمعت قرائن تدل على مسؤولية الجهاز المخابراتي وتورط كبار موظفي الأمن المغربي وأحد أعضاء الحكومة النافذين في الرباط، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي دوغول يستشعر وجود عراقيل في التحقيق، وفي الوقت الذي أثارت فيه الأسبوعية الديغولية « جمهوريتنا » فرضية تورط المصالح السرية الفرنسية في العملية واكتشاف الخيوط الإسرائيلية في الملف، غضب دوغول وصرخ « إن العملية برمتها عليها خاتم تل أبيب »، ونتيجة لذلك تجمدت العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية، وهو ما فجر الصراع داخل إسرائيل، حيث انهال النقد على رئيس الموساد عاميث من كل صوب رغم تأكيده بأن الموساد لم يتجاوز دورها توفير بضعة جوازات سفر واستئجار سيارات، وظل سلفه إيسارهاريل يردد أن عملية بن بركة لم تكن لتحدث على عهده وهو ما خلف نقاشا كاد يعصف بالحكومة الإسرائيلية.

mahdi-bn-barka

« أسرار الدفاع » تحجب الحقيقة

مازالت قضية اختفاء المهدي بن بركة تطرح الكثير من الغموض بحكم تداخل مصالح أكثر من دولة في القضية وهو ما يترك بياضات كبرى في خيوط العملية، وحتى في تحديد طبيعة القضية قضائيا: هل هي سياسية؟ أم تمس الأمن؟ أم تتعلق بالتجسس؟ أم الإجرام؟ أم هي جمعت كل هل هذه الحيثيات؟

فحين جاء قرار غرفة الاتهام يوم 25 نونبر 1965 وأخبر العميد بوفيي بإغلاق الملف بعد ثلاثة أسابيع من التحقيق لم يقدم أجوبة شافية لا حول مصير المهدي ولا عن طبيعة الملف!

وإذا كان الملف قد أحيل على أنظار المحاكم مرتين، في خريف 66 وربيع 67 بباريس فإن القضاة حكموا بالاختطاف وليس بالاغتيال، وهذا ما دفع أبناء الزعيم الاتحادي إلى رفع شكوى جديدة حول « القتل العمد والمشاركة في القتل »، فالقضية التي حقق فيها القاضي زولينجر بعد الدعوة التي رفعها عبد القادر بن بركة توبع فيها المتهمون بتهمة « الاعتقال غير القانوني والحجز لمدة شهر والمشاركة »، حيث صدر الحكم في 67 بتبرئة الدليمي والماحي وفواتو ولوروي والصحفي برنيي وحكم لوبيز وسوشون بثمان و6 سنوات سجنا نافذة على التوالي، وعلى أوفقير والمجرمين الهاربين بالمؤبد.

وقد ظلت القضية مجمدة حتى تم إحياؤها في أكتوبر 1975 حيث أسندت إلى القاضي هوبير بانسو وناب عن المهدي المحامي موريس بوتان الذي كان حاضرا في محاكمتي 66 و67 حيث راسلا كل الرؤساء والوزراء في الدول المعنية لرفع اليد عن الوثائق المرتبطة بالملف، لكن بدون جدوى، إذ لم يتمكن القاضي في 14 ماي 1982 من الإطلاع على 200 وثيقة الموجودة بوزارة العدل الفرنسية بدعوى « سر الدفاع » كما أن المخابرات المركزية الأمريكية أغلقت الباب في وجه البشير بدعوى « الأمن القومي »!

وتزداد صعوبة البحث اليوم في القضية بسبب إغلاق أرشيف الأجهزة الحساسة من جهة. وأيضا بسبب عامل الزمن الذي أدى إلى موت عدد كبير من المشتبه فيهم والشهود الأساسيين والمساعدين من الجنرال دغول إلى جاك فوكار ووزير الداخلية روجي فراي والجنرال أوفقير والدليمي وجورج فيغون محور العملية الذي تم إدخاله إلى مستشفى المجانين حيث وجد مشنوقا يوم 17 يناير 66، ولويس سوشون والمجرمين الأربعة الذين تمتعوا بحماية السلطات المغربية قبل أن تعمل على تصفيتهم حسب إبن الزعيم الاتحادي، وآخرهم جان باليس الذي توفي بالرباط في شتنبر 79.

إعادة تركيب سيناريوهات اختطاف واختفاء الزعيم السياسي اليساري:جثة المهدي بن بركة وتفاصيل موت ملغز

عبد العزيز كوكاس

المهدي بن بركة

في قضية المهدي بن بركة، نحس أن الموتى يظلون متشبثين بتلابيب الأحياء، إنه هنا الحاضر الغائب، ذاكرة وجثة، فكراً وموتاً ملغزاً.. في أي محاولة لبناء معرفة دقيقة بالشهيد المهدي بن بركة يحتاج المرء إلى الكثير من الموضوعية والصدق، وإلى ما تسميه الكاتبة زكية داوود بـ « البراءة » في محاولة كتابة حياة هذا الزعيم السياسي الذي وشم مرحلة بكاملها، لكن كيف يمكن للمرء أن يكون موضوعيا وبريئا أمام لغة ليست محايدة، فكلمات: شهيد، مناضل تقدمي، عريس الشهداء، اغتيال.. تجعل المرء متورطاً في السياق التاريخي الذي ما زال يجذب إليه، أحياء عديدين، إذ مثلما رأى دانييل غيران: « هذا الميت ستكون حياته صعبة، هذا الميت ستكون له الكلمة الأخيرة الحاسمة »!

تختلط في صورة المهدي بن بركة تناقضات المرحلة، فهو لدى البعض مجرد ثوري انقلابي، وهو عند آخرين وقود لأحلام مرحلة وجيل بكامله.. أستاذ لملك رمز، ورمز لمغرب مستقل قيد التشكل، وبين الهاذين، هناك من يرى في بن بركة دكتاتوراً، شيوعيا مندفعا أخفى ميولاته الانقلابية، سياسيا متهوراً وطائشاً، جمهوريا في مدرسة ملك… في كل هذا يظل المهدي حلما عصياً عن التملك.. بل إنه أكبر من حلم وأوسع من جرح.

هل مات المهدي بن بركة؟

للموت طقوس، جثمان وقبر.. والأسرة لم تتسلم جثة ولا أقامت مأتماً حول الجثمان، لذلك فموت بن بركة يظل موتا افتراضيا معادلا لطبيعة جريمة الاختطاف وسياقها، ولهذا الغياب الطويل.. لعل هذا ما جعل زوجة بن بركة السيدة « غيثة » تصرخ: « هذا الانتظار تقريبا منهك »! ودفع أحد رفاق دربه، عبد الرحمان اليوسفي، في استجواب مع القناة الفرنسية TV5 يوم 13/9/1999، إلى القول: « لا أعتقد أن ما نعرفه الآن حول قضية المهدي بن بركة من الحقيقة المؤكدة في شيء، رأيي الشخصي أن المعطى الثابت والموضوعي هو أن بن بركة قد ركب السيارة مع لوبيز، كل ما تبقى، يظل في رأيي مجرد سيناريو تم رسمه من طرف السيد لوبيز ».

ما طبيعة السيناريو الذي رسمه لوبيز؟ وما هي مختلف الروايات التي حاولت إعادة سرد وقائع الاختطاف بناء على تصريحات الشهود وعلى تأويل ملفات القضية؟

في السياق التالي نحاول تركيب سيناريو عملية الاختطاف بناء على ما تداولته العديد من الكتب التي اهتمت بالقضية في تفاصيلها والأطراف المخططة والمنفذة، ونحاول تسليط الضوء على جوانب من موت ملغز.

المهدي بن بركة

الشتوكي يلقي بالطعم

مثل بطل تراجيدي كان المهدي يسير نحو الموت كقدر شخصي لإثبات وجود آلهة ما، ظل يتحرك بديناميته المعهود ومرحه المشوب برائحة الطفولة، في الوقت ذاته كانت خيوط عملية الاختطاف تُنسج بدهاء في الأروقة السرية لأجهزة الاستخبارات المغربية، الفرنسية، الأمريكية والإسرائيلية، كانت لكل طرف دوافعه المختلفة.. ومنذ عام 1965 ستبدأ عملية تعبيد طريق اختطاف الزعيم الدولي بن بركة.. من خلال اتصالات العميل الغامض « العربي الشتوكي » الذي يرمز له تارة بـ « هـ. ت » مدير أمن سابق بوجدة وتازة، وتارة بـ (الميلود. ت) ويسميه لوبيز « عباس ».. أجرى الشتوكي اتصالات مع الصحفي العامل بمجلة « مينوت » فيليب بيرتيي الذي كانت له علاقات مع زعماء حركة التحرر المغربي.. في مقهى السلام سيتم إغراء الصحفي الفرنسي بإنشاء وكالة الصحافة التي كان يحلم بها مقابل استدراج بن بركة للقاء الجنرال أوفقير، وسيَقترح الشتوكي منانسبة المؤتمر الأفرو – أسيَوي بالجزائر لتمرير بن بركة عبر الحدود المغربية، بدعوى أن السلطات الجزائرية ستغمض العين مقابل تسليمها المعارض الكولونيل صادوق الذي يأتي عادة إلى المغرب.

كان العرض مغريا، لكن بيرنيي لم يساير الخطة، لذلك سيفكر في اقتراح بديل، إنجاز فيلم حول التحرير، وسيتعرف فيما بعد على جورج فيغون الذي سيصبح الرجل المفتاح في القضية، وفي اللقاء الثاني مع الشتوكي الذي كان برفقة فرنسي بعد أسبوع، سيطمئن العميل المغربي الصحافي بيرنيي إلى أن كل شيء سيكون تحت رعاية السلطات العليا الفرنسية والمغربية، وحسب الكاتب « جان بول مارك »، فإن برنيي قرر ألا ينغمس في الخطة دون احتياطات، لذلك سينذرُ شقيق المهدي بما يحيط بالزعيم المغربي من مخاطر لضمان قربه من بن بركة حتى إذا فشلت الخطة بقي محافظا على حسن نيته!

من جهته قام الشتوكي بفتح قنوات أخرى، حيث تعرف على بوتشيش الذي بدوره قدمه إلى أصدقائه ووضعهم تحت إمرته.

في ماي 65 سيستضيف أوفقير بالرباط العميل أنطوان لوبيز، الذي كانت له شبكة من العلاقات الواسعة مع الفرنسيين والمغاربة الإسرائيليين والأمريكيين.. لقد كان يلقب بـ « صديق المغاربة » وسبق لزوجته « أوديت لوبيز » أن انتخبت كملكة جمال للمغرب، كان لوبيز يعمل كمخبر لشرطة الآداب، وكمفتش رئيسي في الخطوط الجوية الفرنسية بأورلي، وقد استغل وظيفته لربط علاقات مع شخصيات وازنة في المغرب، وأخرى إجرامية بباريس، وسيعتبر لوبيز الوسيط الأساسي في تنفيذ خطة اختطاف بن بركة.

في يونيو 65، سيبعث مارسيل لوروي مذكرة إلى جهاز الاستخبارات الفرنسية (SDECE) يفصل فيها المعلومات التي استجمعها عميل الأمن الخارجي لوبيز حول استرجاع بن بركة بمبادرة من أوفقير وسيتم استعمال طعم الصحفي برنيي الذي فاتح بن بركة في شأن مشروع فيلم عن زعماء التحرير بعنوان « Basta! كفى » حيث تم ذكر إسم فرانجو كمخرج وجورج نيغون (مخبر للشرطة كممول.. لكن مارسيل لوروي لم يتلق أي جَواب، وَهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، فالسلطات الفرنسية كانت على علم بجميع التفاصيل، فلماذا لم تقم الحماية للزعيم المغربي؟

الفيلم وسيناريو الاستدراج

في الضفة الأخرى كان بن بركة يتنقل بين عدة عواصم في أفق انعقاد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر القارات الثلاث حيث حلَّ بالقاهرة يوم 2 شتنبر 65، وهناك ستبدأ الخيوط الملتبسة للعملية… أحست المخابرات المصرية بتعقب الشتوكي لخطوات بن بركة وأفشلت محاولة فرقة خاصة تعمل تحت إمرة أوفقير لاختطاف بن بركة، الذي نصحت عائلته بتغيير مقر سكناها، في 15 شتنبر بمطار أورلي بفرنسا، نزل بن بركة وصديق يهودي يدعى « جو أوحنا » قد يكون استخدم من ماتير عاميت رئيس الموساد الذي كان يوجه رسائل مشفرة إلى أوفقير، لم يكن المهدي يتخذ الحذر الكافي، لقد ظل متابعاً في كافة تفاصيل حياته من استخبارات عواصم عدة.. في ذلك الحين كان الشتوكي على موعد مع الصحافي برنيي في حانة مونطانا بسان جيرمان دي بري برفقة شخص هيأته هيأة مجرم ضليع، وفي الوقت الذي كان الراحل الحسن الثاني يبحث عن حل لمعادلة رياضية، كانت تجري محاولة إلباس كل أحداث 23 مارس 1965 للمهدي بن بركة.

في 20 شتنبر سافر الشتوكي إلى جنيب، حيث سيلتحق به فيغون وبرنيي على نفس الطائرة التي كان بها المحامي والنائب الديغولي بيير لومارشان الذي ادعى في التحقيق أنه سافر من أجل موكل له يدعى « إيتنبول »، ومع توالي البحث، تبين أن أحد الركاب يدعى إيتنبول سافر إلى المغرب بعد اختطاف بن بركة يوم 30 أكتوبر 65.

ولربط حلقة الوصل بين المغرب وفرنسا، يوم 5 أكتوبر 1965 سيعود الماحي الغالي عميد شرطة ممتاز كان يعمل بديوان مدير الأمن المغربي، وقريب أوفقير من جهة زوجته، سجل نفسه في المدرسة العليا للدراسات التجارية في غشت 65 كموظف تابع لوزارة الداخلية، حَل الماحي بباريس والتقى الشتوكي أحد مساعدي الدليمي، الذي طلب منه أن يدله على منزل أنطوان لوبيز ملك الخدمات المتبادلة، الذي سيصبح دليل أوفقير الأساسي، هو وصديقه بوتشيش المجرم الخطير في عصابة « جوعطية »، وهو ما يدل على أن المخابرات المغربية بدأت تستقطب الأيادي القذرة لتنفيذ اختطاف بن بركة.. الذي بدأ يطلع على بعض تفاصيل فيلم « Basta » وقد رفض أن يكون بتمويل إسرائيلي وحين مده فيفون بنصف مليون فرنك فرنسي رفض تسلمها ونصح باستثمارها لصالح أعمال اجتماعية.

المهدي بن بركة

إتقان الفخ

مع توالي أيام تحضير عناصر الدراما الحزينة بدأت تبرز إلى الوجود خيوط جديدة.. ظلت الاجتماعات والتحضيرات جارية على قدم وساق بين رجال الأمن المغاربة والعملاء والمجرمين الفرنسيين، وهكذا تم وضع اللمسات الأخيرة على الخطة يوم 25 أكتوبر بمنزل أحد أصدقاء بوتشيش، حيث حضر لوبيز والشتوكي والكولنيل الصفريوي والعربي الشلواطي والماحي، ويتعلق الأمر ببييردو باي أحد الحراس الخاصين للمجرم « جوعطية، وجان باليس وجوليان لوتي ».

يوم 27 أكتوبر على الساعة التاسعة ونصف سيتصل المهدي بن بركة من جنيف بمنزل برنيي ويقترح عليه تخصيص الأيام الثلاثة الأخيرة من أكتوبر لمناقشة الفيلم بعد قدومه إلى باريس محدداً معه موعداً للغذاء بأحد مطاعم سان جيرمان، مبلغا إياه أنه سيكون صحبة مؤرخ شاب قد يفيد في التعاون معه وهو ما وصل إلى علم الموساد، من جهته سيقوم الصحافي برنيي بإخبار فرانجو كمخرج للفيلم ويكلفه بإبلاغ فيفون، وسيجري الشتوكي محادثات مع لوبيز وسوشون يوم 28 أكتوبر لوضع آخر اللمسات على خطة اختطاف المهدي بن بركة.

نحو الجحيم السري

لم يكن يوم 29 أكتوبر 65 عاديا بكل المقاييس، بالنسبة للمهدي بن بركة، الحي/ الميت الذي كان محافظا على مواعيده دون اتخاذ أي احتياطات، وهو المناضل الأممي الثوري المطلوب رأسه من أكثر من جهة.. وبالنسبة لمهندسي ومنفذي خطة الاختطاف التي أخذت تقتربُ نحو الصفر.

في التاسعة صباحاً، اتصل أنطون لوبيز برئيسه في المخابرات لوروي لإشعاره بمقابلة بن بركة لبعض المغاربة ظهر اليوم، وأنه لن يحضر إلى أورلي لاستقبال الجنرال جاكيي المدير العام للمخابرات الفرنسية العائد من ليشبونه، في نفس الوقت كان بن بركة ليتوجه إلى مطار أورلي.

بزقاق جان ميرموز يستودع المهدي أمتعته عند صديقه « جو أحنا » ويجري بعض المكالمات الهاتفية، في نفس الآن كان المخبر لوبيز والمفتش الممتاز سوشن يتواجدان في فناء نوتردام، ينتظران إشارة الضوء الأخضر، من مراكز السلطة العليا التي هي أوبير مدير ديوان وزير الداخلية الفرنسي حسب سوشون، ولو مارشان حسب نقابة الشرطة.

ينتقل سوشون إلى مكتبه للبحث عن مساعده فواتو الذي صرح بأن المفتش الممتاز سبق أن قال له بأنه سيحتاجه في خدمة تتعلق باعتقال مهرب مشهور يحمل وثائق مزورة!

المنعطف الأخير

على الساعة 11 صباحا يلتقي بن بركة الطالب الزموري في ساحة الشان زليزيه، ثم يتوجهان إلى سان جرمان دوبري على متن سيارة أجرة وذلك قبل الموعد المقرر في مقهى ليب، حيث طلب المهدي من الطالب إنجاز دراسة وتحليل تاريخي حول حركات التحرر في القارة الثلاث بالإضافة على المساهمة في فيلم « Basta »، وقدم له السيناريو الذي أنجزه فرانجو، بالموازاة مع ذلك سيطلب العميل الشتوكي من لوبيز الاتصال بالرباط ما بين الرابعة والخامسة مساء بمدير ديوان الدليمي ومدير ديوان الجنرال أوفقير، محتوى المكالمة لا يتجاوز الشفرات الملغزة: « ألو، طردك جاهز »، « لقد وصل ضيفك ».

كانت عناصر العصابة المكلفة بتنفيذ العملية هناك، قرب مقهى ليب، لوبيز متنكراً، ولوني يجوب الشارع جيئة وذهاباً، وفي الجانب الآخر هناك سوشون وفواتو وآخرين، البعض يطالع جرائد فرانس سوار للتمويه، والبعض الآخر يراقب حركات الفريسة، والكل ينتظر التعليمات، وفيما كان المهدي يتجول مع الطالب التهامي الزموري في انتظار الموعد، تقدم الشرطي سوشون نحو المهدي مبرزاً لوحته المعدنية مع الساعة الثانية عشر وربع زوالا، وخاطب المهدي بلطف: « اتبعني من فضلط » والتمس من الطالب الزموري الابتعاد.

محتفظا بهدوئه، استسلم المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفوات، كانت تلك آخر نظرة ألقاها الزموري على المهدي، وآخر حلقة مجمع عليها من طرف كل الحكايات.. أين حمل المهدي بن بركة؟ متى حضر الدليمي وأوفقير إلى منزل العصابة المجرمة؟ ما مصير جثته، هنا يوجد الخيال أكثر من الحقيقة، وتتضارب الروايات..

في الجزء التالي تركيب لسناريوهات ما حدث تلك الليلة بين باريس والرباط

أبتر

عبد العزيز كوكاس

نحت

من لا ذراع له كيف سيرفع أكفه إلى السماء؟

كيف سيمد يده للريح مثل جناح فراشة

يطير..

من لا ذراع له .. كيف يوقد الحنين في جذر الزهرة

ليبشر بالربيع

من أين له أن يوقد شمعة في محراب الله ويتلو صلواته

بتضرع المؤمن؟

من لا ذراع له، كيف يلمس جسدا مرتعشا مثل الزئبق

وينتشي

وحده قلبه مقبرة للحنين، للعناق، للوداع وللوعيد

للسلام وللغضب..

Navigation des articles