الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

أيها الفاسدون العابرون.. لكم مغربكم ولنا مغربنا

عبد العزيز كوكاس

« مكافأة الفساد لم تكن يومـًا سوى إطعام ديناصور لا يعرف معنى الشبع » ياسر ثابت

عشقنا هذه الأرض بلا حدود، ولو أننا أشباه مواطنين في شبه مساكن أو دور، شبه أموات في شبه أحياء مهمشة ونتنة، من ماء هذا الوطن وهوائه وتربته.. سحنة بشرتنا، وهج أحلامنا التي لا نمدد أقدامها بعيدا عن سرير نومنا.. وكل آمالنا وآلامنا.. حتى من هاجرها منا، ركب الموت واتشح بعراء السماء، قنطا من قطران البلاد وطمعا في عسل « بلادات الناس »، ظل متشبثا بالحنين إليها، ولم تغادره رائحتها.

وأنتم الطارئون علينا، الذين تسيدتم في زمن الهباء وتدني سماواتنا التي علقنا عليها نجمة رايتنا.. استلاما.. نحن سواد عين الأمة، جوهر هذه الأرض وأنتم عرضها وأعراضها المرضية.

لستم إلا ظل التخلف البليد، الاستعمار القديم والجديد، شره الرأسمالية الجبان، اخرجوا من دمنا ولحمنا.. ضعوا في جوف حقائبكم وأرصدتكم وبطونكم المتكورة، ما شئتم: أموالنا المستنزفة قسرا، نساؤنا اللواتي عهّرتهن ورضين بمساراتكم، احملوا ما شئتم من خمر أرضنا، زهر عطورنا، وما تساقط من لآلئ وجواهر من عرق جباهنا، وارحلوا من جرحنا.. بعيدا نحو الهباء.

أيها الفاسدون العابرون في زمن عابر.. أيها الملتصقون بجلدنا، المفسدون في الأرض.. لا تقنعونا بالقسمة الضيزى في الأرزاق، وبالأيام التي نداولها بين الناس، غلبة وسقوطا.. كفوا أيديكم عما تبقى من لحمنا.. احملوا قذاراتكم ومغانمكم وكل وسخ الدنيا المستنزف من جرحنا، وارحلوا.. فنعود بالله من شر ما خلق، من بشر كالعلق..

أيها المفسدون العابرون إلى مزابل التاريخ.. لقد أصابنا القرف من وجهكم، من خطاباتكم، من حيواناتكم المنوية.. ومن انتصابكم في وجهنا مثل رائحة الفضيحة. ومن سماع خطابتكم التي تأكل آمالنا كما يأكل الحسد الحسنات..

صمَتنا ليس جبنا، ولكن فقط لأننا لا نسعى إلى إيقاظ من أنزل الله البلادة على قلوبهم والغشاوة على عيونهم، لحكمة يعلم الله وحده أسرارها. نريد أن حررت قطرة المعلقة المعلقة في صنبور الأحلام، ونطلق الذكريات من مرابضها، ونجعل الأنهار تنام بأعين مفتوحة خارج نفاياتكم..

1932387_10201328000817847_1888657001_n

أيها الفاسدون المتسيدون على رملنا ومائنا، على سمائنا وأرضنا، النابتون في حقول أحلامنا وهوائنا مثل الفطر.. كونوا بشهامة الفرسان، صهيل الخيول.. تعالوا في مبارزة شريفة الند للند، وأزيلوا أقنعة الشركات، القوانين، الجنسيات المستعارة وباقي الأكاذيب التي لا تنبت رغيفا في حقل، لا تسمن من جوع ولا تأوي يتيما ذا مسغبة أو مسكينا ذا متربة..

لا تتصيدوا ما انزوى في الجزء المظلم فينا، لا تركبوا حاجاتنا وخصاصنا، لا تصطادوا في مستنقعات ضعفنا الآدمي..

لنا ما لنا على هذه الأرض، وطن مهما قسا علينا فهو جنة الخلد وأهله كرام.. كفوا عنا أذاكم.. أيها « المناقطية »، من يسرقون حقنا في أن نكون على غير ما نحن عليه، أنيقين بدون ياقات بيضاء، زاهدين في وسخ الدنيا، متحابين في الأخوة والدم.. والانتماء الإنساني جنسيتنا، بناة للوطن ومخَلّصيه من الجينات الفاسدة..

مللنا سخافتكم.. أميتكم المتعالية بلا سقف، اذهبوا بعيدا خارج جلدنا، وصلصال ترابنا.. وكفوا عن حلبنا وعصر دمائنا..

لكم الثروة ولنا جحيم الفقر والتخلف

لكم السلطة ولنا بؤسنا وجحيم تشرد أبنائنا

لكم المغانم كلها ولنا ما تساقط من فتات مزابلكم

وعلينا ما عليكم من سماء وما نقتسم من هواء

ليس عدلا أن تظلوا على رقابنا جاثمين ولخيراتنا ناهمين، ولأفق أحلامنا مغتصبين.. لهذه الأمة الحق في أن تغدو وطنا، فردوسا، أو مأوى يتسع للجميع، لأحلام الشيخ والرضيع.. أن يكون لهذا الوطن الأم أنبياؤه وكتبه، جغرافته وتاريخه، أساطيره وخرافاته، أن نقتسم آلامنا بالتساوي، ونشهر حبنا عاليا للوطن بلا خجل انتماء..

أيها المفسدون في أرضنا.. اخرجوا من هوائنا، من سمائنا.. كدسوا أوهامكم في أرصدتكم المنتفخة مثل بطونكم، خذوا كل حصتكم من برنا وبحرنا، لنا أحلام هنا نربيها، ذكريات من وجع وحب، لنا وصايا من أجدادنا، أثر ذكرياتهم نحميها.. فارحلوا عنا، نريد أن نحيا في وطن يليق بنا ونليق به.. به هواء نقتسمه بالتساوي، لكل حسب حاجاته، لكل حسب عمله.. وحيز مهما ضاق، نستطيع أن نمدد أرجلنا على سريره بلا رهبة من الكوابيس.

أيها العابرون إلى مزابل التاريخ.. ما عاد فينا حيز للصبر.. أيوب ثاب من حملنا.

لهذا البلد أن يحيا كما يشاء، ويذهب بعيدا خارج الحدود التي رسمتها عفونتكم ومطامحكم.. ولنا الماضي، الحاضر والمستقبل.. ارحلوا بعيدا كالغبار المر والذكريات السيئة، ولتعيثوا فسادا في أي بقعة شئتم.. فلنا مغربنا ولكم غربتكم.

وعلينا أن نحرس حلم البلد من كوابيسكم.. أيها الفاسدون آن لكم أن تنصرفوا واتركوا لنا ما تبقى في هذا البلد، متسع للحياة لنا ولذويكم من غير فساد في الأرض أو قلب جامد لا يقيم فيه بلد… وبئس المصير.

Publicités

الصحراويون بمخيمات تندوف.. هل هم لاجئون أم محتجزون؟

« لا يصبح الخطأ على وجه حق بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ لأن لا أحد يراها » المهاتما غاندي

عبد العزيز كوكاس

يعتبر مشكل الصحراويين المقيمين بمخيمات تندوف صلب قضية الصحراء، فهؤلاء الصحراويون الذين في سياق ظروف ملتبسة تم نقلهم في آناء الليل إلى منطقة تندوف وتجميعهم في مخيمات أقيمت في منطقة خاضعة للسيادة الجزائرية، مفتاح حل قضية الصحراء، بالنسبة للمغرب فهم صحراويون مغاربة محتجزون في مخيمات العار، وبالنسبة للجزائر هم لاجئون بالتراب الجزائري..

منذ دخول القضية إلى أروقة الأمم المتحدة تم التغييب التدريجي للجانب الإنساني لهؤلاء الصحراويين وظل الصراع دبلوماسيا وقانونيا بين أطراف النزاع، في حين أن الأمر يتعلق بمأساة إنسانية، هناك عائلات كبرى تم شطرها بين من ظل أو عاد إلى أرض الوطن وبين من لا زال هناك، نظرا للظروف الحاطة بالكرامة التي يعيشها هؤلاء الصحراويون الذين انتزعوا من أرضهم في ظروف يعرفها العالم، حين كانت الشاحنات الجزائرية  في ذروة مفاوضات مدريد لعام 1975 التي حتمت الجلاء الإسباني تجوب الأقاليم الصحراوية، لتهريب السكان عبر التغرير والقوة، وحين تبين أن أعداد المرحلين قسرا لا تفي بالغرض المطلوب، أي الإيهام بإمكانية إقامة دولة، عمدت الجزائر إلى إيواء نازحين أفارقة من بلدان الساحل جنوب الصحراء لتضخيم أعداد اللاجئين.

وقتها تبادلت الجزائر الأدوار مع أوساط إسبانية متشددة لم ترغب في الرحيل عن المستعمرة السابقة، إذ في الوقت الذي كان صعبا على هؤلاء المتغلغلين داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية وفي الإدارة، القيام بدور مباشر ضد الأوفاق التي وقعت عليها دولتهم علنا، استطاعت الجزائر أن تنوب عنهم في أداء المهمة نفسها، لكن ليس من طرف دولة الاحتلال التي أذعنت إلى حتمية التاريخ، ولكن عبر دولة عربية مجاورة، لم تهضم بدورها في أي مرحلة تداعيات حرب الرمال لعام 1963، وبقيت تتحين الفرصة من أجل الانتقام.. دون نسيان الظروف الداخلية التي عرضت مظاهرة بطانطان لقمع غير مبرر كما شرحت ذلك سابقا.(انظر كتابي: جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال، رؤية مغايرة).

في كل تجارب النزوح، ليست هناك دولة في العالم تقبل باستضافة آلاف الأشخاص من غير مواطنيها على أراض واقعة تحت نفوذها لعقود طويلة مع كل المشاكل المترتبة عن هذه الاستضافة التي تكون مؤقتة، بل إن الدولة التي تستضيف مثل هؤلاء اللاجئين ترفع صوتها عاليا وتضغط على المجتمع الدولي لإيجاد حل من أجل عودة هؤلاء إلى موطنهم الأصلي، وهو ما لم يسبق أن قامت به الجزائر التي لا تريد لهؤلاء الصحراويين أن يغادروا أراضيها أبدا بل تعرض الفارين منهم إلى عقوبات شديدة، وهذا خرق سافر لاتفاقية 1951 المتعلقة بلاجئين والبروتوكول الملحق به لعام 1967.

ففي القضايا المرتبطة باللاجئين والنازحين لاعتبارات مختلفة، تعمل الدول التي تحترم التزاماتها الإنسانية والقانونية والسياسية، بكل الوسائل من أجل إنهاء معاناتهم، خصوصا حين تكون الطريق إلى ذلك واضحة المعالم، أي السماح لهم بالعودة الطوعية إلى بلدهم، أو السماح بإحصائهم لتحديد حاجياتهم وتقديم المعونة الكافية لأعدادهم قبل البحث عن السبل الكفيلة بعودتهم إلى الموطن الأصلي الذي قدموا منه، ليست هناك دولة تتمسك ببقاء لاجئين فوق أراضيها، في ظل انتفاء شروط اللجوء الاضطراري، إلا أن يكون لها أجندة خاصة تستغل فيها وجود أولئك الأشخاص لأهداف غير بريئة.. لأنها تدرك أن عودة أولئك السكان إلى بلدانهم يعني تبديد آخر آثار قضية الصحراء التي ارتدت الأبعاد التي توجد عليها الآن، استنادا إلى وجود لاجئين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، وهي ترفض ذلك نتيجة خشيتها من انفضاح الخطة التي دبرتها في الخفاء لإقامة تلك المخيمات.. لم يحدث إلى الآن أن سلطت الأضواء الكاشفة عن ظروف نزوح أولئك السكان في اتجاه المخيمات، من جهة لأن العملية تمت بتواطئ بين السلطات الجزائرية والإدارة الإسبانية قبل انسحابها من الأقاليم الصحراوية، ومن جهة ثانية لأن تلك العملية ارتبطت بممارسات وانتهاكات طالت حقوق الإنسان، عبر اقتلاع الأهالي، وخصوصا الأطفال والشيوخ والنساء من أماكن إقامتهم للزج بهم تحت العراء والخيام الفاقدة لأبسط ظروف الحياة.

Capture

لا يمكن للمغرب أن يغير جيرانه، ذلك قدر الجيولوجيا والتاريخ، في الشمال هناك جار اشترك معه حضارة باذخة وظل وسمه الاستعماري قائما.. وفي الشرق، بلد احتد به التنافس حد الاكتئاب السياسي، هل هو مجرد سوء فهم كبير؟

كانت إسبانيا تعول على إقامة دويلة تابعة لها في الصحراء، وحين واجهت رفضا مغربيا قاطعا، بلورته الإرادة التحررية للسكان الوحدويين، حاولت الالتفاف على الموضوع بطرق أخرى، وهذا الموقف ينسجم مع كل التحركات الجزائرية على امتداد أطوار القضية، وكما أن الإدارة الإسبانية قامت بإحصاء ناقص للسكان قبل انسحابها، فإن الجزائر زادت على ذلك برفض القيام بأي إحصاء لسكان المخيمات.. أليس غريبا أن يحدث هذا التلاقي في الأدوار والممارسات والخلفيات، ماذا يجمع إسبانيا والجزائر وماذا يفرقهما في التعامل مع قضية الصحراء؟ أليس وجود المغرب في قلب هذه المعادلة هو مصدر كل المتاعب؟ لم استنكرت الجزائر نزول بضع جنود مغاربة على جزيرة ليلى المغربية، بعيدا عن مفاهيم مناصرة القضايا التحررية وفي مقدمتها استرجاع ثغور المغرب الشمالية المغتصبة من طرف إسبانيا؟

لنُعد ترسيم ملامح الصورة، إسبانيا كانت المستعمر السابق للساقية الحمراء ووادي الذهب، وهي بهذه الصفة التي لا تشرف تاريخها، كما لا يليق بها أن تستمر في احتلال مدينتي سبتة ومليلية وباقي جزر شمال المغرب، حرصت على ألا تغادر الصحراء، إن لم يكن لها وجود عسكري ومدني ملموس، فمن خلال الانشغال بالملف إلى درجة أن النظرة الاستعمارية يتم التغاضي عنها في كثير من الأحيان.. إنها بدورها معنية باستضافة صحراويين على أراضيها، وإن كان سوء التقدير يصدر عن تنظيمات غير حكومية في إطار صراعات داخلية، غير أن الجزائر تزايد أكثر على هذه التنظيمات وتنوب عنها في تصدير سياسة العداء تجاه الجار المغربي.

عندما نعرض إلى إشكاليات رفض إحصاء اللاجئين المقيمين في تندوف، فإن ذلك يحيلنا على جوانب من أزمة الصحراء، ارتبطت بتوزيع السكان بين بلدهم الأصلي.. المغرب، وبين الجزائر وموريتانيا، وبالتالي نتج عن ذلك مضاعفات عدة لا تتعلق فقط بسمات وخصوصيات الحياة في الصحراء التي تفرض الترحال والتنقل في مساحات شاسعة، وإنما انعكست سلبا على جهود حل النزاع.

كل العراقيل التي واجهت مساعي الأمم المتحدة توقفت عند هذه النقطة تحديدا، أي معرفة الأعداد الحقيقية لسكان المخيمات المنحدرين من أصول صحراوية، وغني عن البيان أن إعاقة التسوية السلمية كان هدفها عدم تمكين أولئك السكان من العودة الطوعية التي تصدت لها الجزائر بكل الوسائل، إذ يذكر في هذا الصدد أن خطة التسوية الأممية لعام 1991، قبل انهيارها، كانت تنص حرفيا على أن يقترعوا في مكان ازديادهم وانتسابهم داخل الأقاليم الصحراوية.

ثمة وجه آخر لأزمة اللاجئين أو المحتجزين بمخيمات الحمادة يرتبط بأنهم يوجدون في وضع يتناقض كليا مع القانون الدولي، ويتعلق بالبند رقم 94 للمفوضية السامية للاجئين التي أقرته لجنتها التنفيذية في 8 أكتوبر 2002، والذي ينص على أنه لا يتم الإقرار بصفة لاجئ وتقديم الحماية للاجئين إلا في ظل الطابع المدني السلمي، والحاصل أن مخيمات بوليساريو الموجودة على التراب الجزائري هب مخيمات عسكرية تضم أسلحة لا توجد لدولة قائمة الذات في بعض الدول الإفريقية وجيش منظم ويتلقى مساعدات عسكرية من البلد المضيف، في غياب أي حماية دولية كما تنص على ذلك الأوفاق الدولية وهو ما يعمق من الوضع المأساوي للصحراويين المحتجزين في هذه المخيمات.

يوم قال معمر القذافي: « بوليساريو، نحن الذين أسسناها ودربناها وسلحناها.. »

عبد العزيز كوكاس

-

The flags of Algeria (L) and Morocco flutter AFP PHOTO

في خطابه بمناسبة ثورة الفاتح في شتنبر 1987 صرح العقيد الراحل معمر القذافي قائلا: « أستطيع أن أتكلم عن قضية الصحراء أكثر من أي طرف آخر، لأن بوليساريو، نحن الذين أسسناها عام 1972، ونحن الذين دربناها وسلحناها لتطرد الاستعمار الإسباني من الساقية الحمراء ووادي الذهب، ولم نسلحها لإقامة دولة »، إنه نفس الخطاب المعلن عنه غداة القمة العربية بالرباط سنة 1974، حيث دعم الرئيس الليبي موقف المغرب لإنهاء الاستعمار الإسباني للصحراء، وخلال زيارته للمغرب في 16 يونيو 1975 عبر العقيد معمر القذافي عن مساندته اللامشروطة للمغرب حيث صرح بأن « القوات الليبية المسلحة رهن إشارة المغرب لتحرير صحرائه ».

ويذكر الراحل الحسن الثاني في حواراته « ذاكرة ملك »، أن الغاية الأولى التي حركت العقيد معمر القذافي كانت هي هاجس إجلاء الاستعمار الإسباني من الصحراء، بدليل البرقية الرسمية التي بعث بها القذافي إلى الملك الراحل بمناسبة عزمه تنظيم المسيرة الخضراء في 1975، مما جاء فيها « بصفتي ثوريا، فإني أساندكم ألفا في المائة، وإني أريد القدوم إلى المغرب على رأس وفد ليبي للتصدي للاستعمار، عدونا المشترك ».

الموقف عينه، عبِّر عنه الرئيس هواري بومدين في مؤتمر القمة العربية المنعقد بالرباط في أكتوبر 1974، حين اعتبر أن مشكل النزاع حول الصحراء يهم موريتانيا والمغرب، وأنه يدعم تحرير كل أجزاء التراب الوطني بما فيها سبتة ومليلية من يد المستعمر الإسباني، وأنه لا مشكل للجزائر في استرجاع المغرب لصحرائه.

لكن ما الذي حدث بين 1974 و1976 حتى تحول الخطاب الليبي والجزائري عن موقفهما الأصلي من استعادة المغرب لصحرائه؟ وكيف تم تحويل حركة مغربية للتحرر الوطني (بوليساريو) إلى حركة انفصالية تحمل السلاح في وجه الوطن الأم؟

إضاءات الفقيه البصري، كأحد شهود المرحلة، في حوار سيرته الذاتية مع حسن نجمي، تلقي بعض الضوء على مناطق الصمت المعتمة في التبدل من سياقات الدعم والمساندة للمغرب إلى معاكسته في استرجاع أقاليمه الصحراوية، يصف الفقيه البصري تحول الجبهة من خلال تحولات مؤسسها مصطفى السيد، قائلا: « الذي ساعد على انحرافه هم الإخوة في ليبيا آنذاك، ففي الوقت الذي كان نقاشنا مع الوالي قد تبلور في إطار مغربية الصحراء وأسسنا الإذاعة، وشرعنا في توفير الدعم لمشروع تحرير الصحراء، ذهب عبد السلام بوجلود رئيس وزراء الجمهورية الليبية حينذاك إلى إسبانيا وخطب خطبة وَسَاوم الإسبانيين بالمصالح مقابل تحرير الصحراء، طبعاً ظهر للقذافي أنه من الممكن عن طريق الصحراء أن يربط مشكله مع الأرض التي اقتطعها الفرنسيون من ليبيا وألحقوها بالخريطة الجزائرية، وهي أرض ليبية غنية بالنفط، ومن ثم ظهر له أحيانا أن يستعمل قضية الوحدة، وأحيانا حاول الالتفاف على الصحراويين ومساعدتهم على أساس خلق مشكل الصحراء والمساومة به فيما بعد، وعلى أساس تحقيق طموحه في أن ينفذ نحو المحيط الأطلسي، ولذلك ضغط على الجزائر في هذا المنحى في الوقت الذي لم نكن نلمس – للحقيقة – أية ميول جزائرية لتبني ودعم بوليساريو كمشروع انفصالي.

كان لبومدين مشكل تيندوف، هذا صحيح، لكن تفكيره في كيفية الاستفادة من الحديد جعله يُنجز عدة دراسات علمية حول المسافات الناجعة والأقل تكلفة لنقله من تندوف، وكذا حول أهمية الحديد في الصادرات ومستقبله في السوق الدولية… وهكذا ظهر له أنه لابد من التفاهم مع المغرب، إذ يمكن تصدير الحديد عبر المحيط الأطلسي مرورا بالصحراء، وفي هذا الإطار سعى لإنجاح تصالح بين المغرب وموريتانيا.. »

في هذا السياق ستظهر النسخة المعدلة للجبهة التي تحولت من حركة تحرر إلى حركة انفصال، لقد احتضن الزعيم الليبي عناصر بوليساريو وفق المبدأ المعلن وهو تحرير الصحراء من الاحتلال الإسباني وباطنه صراع النظامين الليبي والمغربي الموصوف في طاحونة الحرب الإعلامية، بالنظام « الرجعي والمحافظ والعميل للاستعمار والموالي للإمبريالية »… وعبر خلق مشكل الصحراء للضغط به على الملكية بالمغرب والتفاوض والمقايضة به مع الدول الغربية خاصة إسبانيا.

أشرفت القيادة الليبية على تدريب عناصر بوليساريو ومدها بأسلحة جد متطورة، كان المشكل هو كيف ستصل إمدادات القذافي من الأسلحة إلى تندوف، واقترح على الوالي التحرك من أجل أن يسمح الجزائريون بمرور الأسلحة التي سيبعثها، وهنا جاء جواب هواري بومدين، « إننا على استعداد لمساعدة بوليساريو شريطة أن تصلني الأسلحة الموجهة إليه وأقوم أنا بعد ذلك بتسليمها » كما جاء في رسالة موجهة إلى ملك ملوك إفريقيا.

إنها بداية التلاقي في استراتيجيات جديدة تقوم على أساس توزيع الغنائم في التركة الاستعمارية بجنوب المغرب، فيما يشبه الانفصام بين الشعارات المنادية بالوحدة والتحرير وبين السياسات الهشة التي ولدها اختلاف الأنظمة ونزوعات الهيمنة بالمنطقة، بما يخدم مشاريع المستعمر القديم عبر تدعيم الانفصال الذي أدخل قضية الصحراء بعد تحريرها سنة 1975، في دائرة حرب بين أبناء البلد الواحد بأصابع تأكل مع الشيطان من ذات الصحن، إذ كيف تصبح إسبانيا البلد المحتل مخاطبا ودياً للجزائر وليبيا بشأن منطقة تم تحريرها بطريقة شعبية ذكية، تجند لها كل المغاربة بمختلف شرائحهم ومشاربهم السياسية والإيديولوجية؟ وكيف يغدو المستعمر الإسباني حليفا استراتيجيا وحاضنا لجبهة بوليساريو؟

13775566_654537534710451_1895251844665966956_n

الحسن الثاني

كان ممكنا أن تتحول المسيرة الخضراء عام 1975، إلى عامل بناء للوحدة والتنمية وحسن الجوار في منطقة الشمال الإفريقي، فإذا بها تتحول إلى ورقة حارقة تذكي الصراع والتوتر بالمنطقة، فليبيا التي ساندت حق المغرب في تحرير صحرائه، وصرح زعيمها في أكثر من مناسبة بأنه ضد تمزيق الوحدة الترابية للمغرب، هي نفسها التي ذهب رئيس وزرائها عبد السلام بوجلود للتفاوض مع إسبانيا عبر ورقة الصحراء، وليبيا التي بعث قائدها برسالة رسمية إلى الملك الحسن الثاني ليشارك في المسيرة الخضراء، هي ذاتها ليبيا التي أسست بوليساريو وأشرفت على رعايته بالمال والسلاح والدعاية الإعلامية، وهي التي ساندت إعلان « الجمهورية الصحراوية ».

في 28 فبراير 1976 أرسل العقيد معمر القذافي رسالة إلى الملك الحسن الثاني مما جاء فيها « إنه في 1972/06/11 أعلنت بنفسي في خطاب عام أن الجمهورية العربية الليبية ستتحمل مسؤوليتها القومية وتتبنى حرب تحرير شعبية في الصحراء الغربية ما لم تنسحب إسبانيا من هذه المنطقة، وإلى عام 1975 عندما أصبحتم طرفاً بارزاً في القضية أكدْتُ لك عن طريق مبعوثيك الذين تفضلت بإرسالهم في تلك الفترة، إن إمكانيات الجمهورية العربية الليبية العسكرية، رهن إشارتكم إذا قررتم تحرير الصحراء الغربية من الاستعمار…. والله يعلم كم حاولت إقناع قيادة الجبهة بالانضمام إليكم ».. لكن مع سحب الهواري بومدين البساط من يد الجماهيرية، أخذت القيادة الليبية تعزف على الوحدة التي أصبحت تمر عبر البتر، من خلال دعوة معمر القذافي في 24 دجنبر 1977 إلى تجاوز أطراف الصراع لمطالبهم الجزئية وتشييد كونفدرالية كبرى تضم الدول الخمس، كما سيساهم بريق شعارات المرحلة في إدخال المنطقة كلها في دائرة الالتباس منذ منتصف السبعينيات، والذي لا زالت إسقاطاته قائمة في الراهن اليوم بعد إدخال القضية في دهاليز حسابات لعبة الأمم وموازين القوى.

لقد أشعلت الحرب الباردة الكثير من بؤر التوتر في العالم في إطار التقاطب الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي، الاشتراكية والرأسمالية، التقدمية والرجعية… وكان لبريق حركات التحرر ونماذج حرب التحرير من تجربة غيفارا إلى الأفكار الماوية والنجاحات التي حققتها حركة الفييتكونغ لمعانها القوي، لذلك جرى ترويج مشروع خلق كوبا جديدة في شمال إفريقيا لتكون مثل الشوكة في حلق الإمبريالية، فاستغلت ليبيا والجزائر أحلام فتية مغاربة دائخين بالنماذج الاشتراكية والتحررية وأيضا حرقة عدم تفهم قادة بلدهم لمطالبهم التحررية من الاستعمار الأجنبي، لمحاولة تطويق المغرب في شريط قماط حدود يعيق حركته ويضيق الخناق على طموحاته في لعب أدوار إقليمية تليق بإدارته المتمرسة وتاريخه العريق، لذلك تم خلق التماثل على مستوى الرموز والشعارات بين جبهة بوليساريو وحركات التحرر الوطني التي كانت تعتبر فلسطين عتبتها العليا.. فقد لجأ قادة بوليساريو بتوجيه من بومدين إلى إعلان قيام دولة المنفى، واستعارة رمزية العلم الفلسطيني وقاموس القضية الفلسطينية، الانتفاضة، الاحتلال وقواته، جدار العار، تقرير المصير، الشعب الصحراوي… وخلق نوع من التماهي بين حركة تحرر وطني وحركة ستتحول منذ منتصف السبعينيات، بعد تحرير الصحراء من المستعمر، إلى حركة انفصالية… جرى تنافس قوي بين الجزائر وليبيا بشكل غير متستر في تقديم الدعم المادي واللوجستيكي لجبهة ستتحول إلى حركة مسلحة توجه فوهات بنادقها ودباباتها اتجاه الوطن الأم فيما يشبه حربا بالوكالة متحكم في إسقاطاتها.

 

رسالة إلى إرهابي

 كيف تسلقت هذا الأطلس الشامخ بعيدا عن أعين شمهورش قاضي جن الأرض، واغتصبت ثقتنا في أماننا؟

عبد العزيز كوكاس

« تتألم لأنك لا تتألم، ذلك هو الحجر الوجداني » أنسي الحاج

أيها الإرهابي الذي يتسلق دمنا.. كن ابن من شئت، لكن كن واضحاً كما الحقيقة، لنسير نحو المبارزة كندَّين يتصافحان وجها لوجه، قبل الاقتتال على الحلبة والموت بشرف الأبطال الكبار!

لماذا تطعنني من الخلف، بخنجر الغدر مثل أي جبان، وتهرب لتختبئ في محجرك مثل خفافيش الظلام.. وتنشر يأسك وعار جهلك ونتانتك فينا، أيها المتكئ على أساطير بناء بيت في الجنة من أشلاء الأبرياء.. أنت الإرهابي، الرافض للتقنية المستخدم لها، كيف أباح لك الرب الرحيم ذبح شابتين في رحيق العمر، بأعين عسلية جاءتا من بلدين سعيدين لتتقاسما على أعلى قمة للشموخ مع البسطاء في هوامشها بعضا من حب ومرح، كانتا تتقاسمان بثقة أحلامهما وتضحكان على بعض صور اقتنصاها من مباهج هذه الحمراء الساحرة وشواهقها الشامخات، أرض سبعة رجال.. مدينة هذا اليوسف الذي ترمونه- أنت وصحبك- في الجب باسم الذئب الداعشي؟ من أين تسللت بعيداً عن يقظة الحياة؟ كيف تسلقت هذا العلو السامق لتغتال حق الناس في الحب وتقاسُم الحنين والذكريات.. ما أجبنك!

images

هل لابد من الموت المتوحش لنَقيس حجم مغانم الحياة؟ هل كان ضروريا لتهيئ للموت وجبة من أشلاء تجاورت في محبة الحياة وتفصل الجثث تحت صرخات الرب المقدس، بسبب بغضك وأحقادك، بالدم ورائحة الكراهية؟ نحن الذين كنا نتغنى باستثنائنا الجميل، بتساكُننا وتعايُشنا بالود والمحبة، نحن المتدافعين في الأرض، من أجل أن يكون لهذا البلد وجه طفل له شكل الزهرة وطعم البرتقالة، وأن يكون لأبنائه الحق في الترقي في سلم الحياة وصناعة مستقبلهم بكل الأمان والتفاؤل اللازمين، كنا نعرف السبيل لتساكن الشر والخير فينا، لأننا لسنا ملائكة تماماً، ولسنا شياطين مطلقاً..! ولكن فقط نُحس بجاذبية المكان وألفة الذاكرة ورائحة الأجداد في هذا الوطن، فأي جحيم قادك إلينا؟ بأي حق تتجاوز عتبة الدم دون استئذان نسمة الحياة فينا؟!

تتسلل في واضحة النهار هذا الأطلس الشامخ بعيدا عن أعين شمهورش قاضي جن الأرض، استغللتم كبر سن هذا الحكيم، واغتصبت حق الحياة لسائحتين وثقتا في أماننا وطيبة ناس هذه الحمراء وهوامشها لتمنحهما تذكرة الرحيل إلى الجحيم.. لماذا تقتلنا لتحيى، تغمس فرحتك من أشلاء الأبرياء ودماء الضحايا التي اختلطت بماء وتراب أرض النخيل..؟! هل كنت في رحلة صيد، أو باحثا عن مغانم تؤثث بها جنتك الموعودة وتتلذذ بتفصيل جثتتين بريئتين بوحشية الذئاب؟! لم تسللت بمكر الثعالب إلى أحلامنا المخبأة لتغرس فينا مُديتك وترحل مثل غُراب البين؟!

نحن المنذورون اليوم للحزن، لسد ثقب في الرئة خلفته وحشيتك القاتلة، نقف على عتبة الدار ونستقبل المعزّين، ونحصي كم تابوتا علينا أن نخبئ فيه شهداءنا وضيوف أرضنا الطيبة، ونحرس سجَّاد هيكل أحلامنا من أقدامك النَّجسة.. علينا أن نتعلم كيف ننظف أحلامنا من كابوسك، وننزع شوك إرهابك من طريقنا.. وفي ظل كل هذه القيامة التي زرعتها في يقظتنا.. علينا ألاَّ نستكين لاستراحة القيلولة ولحزن الجنازة، ولظل الليل الذي يريد أن يطفئ أزهار الحديقة.. وأن نتعلم كيف لا نستسلم للعتمة التي أصابت قطارنا في التباس المنعطف التاريخي لجيل له عينان بسَعة الحلم تضيئان عتمة النوافذ.

كم يلزمك أيها الإرهابي من ألم لتبتسم لأسيادك؟ كم تحتاج من تابوت ومن عتمات ليل لتختبئ وراء نتانتك؟! كم من رصاصة غدر لا زالت في ماسورتك أيها الصياد، أنت يا ذئب..

نحن لا نستسلم للخديعة.. للهواء الأسود، لنقطف عنقوداً أو نجمة عالقة في السماء، لا يحجب الغيم طريقنا نحو ما نريد أن نكون عليه، فلنا مالنا من قوة الريح لنُزيل الغبار عن طريقنا، ولنا ما لنا من مطر يكفي لينبت عشب الحقيقة.. ولنا ما لنا من قدرة على تذكر أسمائنا بعد كل حرب أو حادثة سير، نحس بالألم لأننا لا زلنا أحياء، ولك ما لك من صرخات الموتى مثل عُواء الذئاب الجريحة تفترس ما تبقى فيك من مغنَم حياة، ولك ما لك من فلول الندم لتأكل ما تبقى فيك من زمن الساعة الرملية.. وأمامنا الغد يحفر أخدوده عميقاً صوب شجرة الأمل.. وقدرة الجسد على تحمل الجراح لأن به نسمة حياة.. وغداً سنُسقط جراحك من ذكرياتنا، ورمل ساعاتنا، ونغسل شجرنا مما تطاير علينا من قذائف حقدك لنزهو بالحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

خسئت أيها الإرهابي.. فأنت مجرد جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب أمام طموح أمة لا يثني عزمها سم الغدر وسكين الخيانة، وما تراكم على الطريق من شوك وهباء!

*كتب هذا النص في الأصل كخواطرعلى وهج تهديد إرهابي قديما كان قد أصاب هذه الحمراء الفاتنة ذات طعنة جارحة وها أنا اليوم أخرجه كما خطته يدا الحزن فينا مع بعض التحيين.. لنصرخ في وجه كل إرهابي محتمل.. كفى، اتق الله فيما تبقى فيك من طين آدمي واعف عن هذا البلد الأمين.. لنا ما يكفي من جراح نود أن نداويها بكامل الحب بيننا بالإيخاء الإنساني النبيل بدل حقدك.

 

 

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

« بستان السيدة ».. رواية زئبقية مسكونة بالحلم والرؤيا

عبد العزيز كوكاس

Capture-3

يمنح نص « بستان السيدة » للمبدع عبد القادر الشاوي معنى حيويا لمفهوم أن الرواية جنس حر حد الاعتباطية، أي جنس مفتوح على كل الإمكانات الجمالية، تستدعي الحلم والتأمل والوهم وأشباهه، عبر كتابة تسلط الأضواء وتضع نقط الاستفهام، ليس فقط حول القيم والعواطف والعلاقات والأنساق والبنيات والتمثلات… ولكن أيضا حول معنى وقيمة مكانتها التاريخية والاجتماعية كما يؤكد ميشيل زيرافا.

إن النص السردي الأخير للشاوي، غير قابل للاحتجاز النصي، برغم تنصيص المؤلف على جنس الرواية على صدر الغلاف، لكنه ذاته سرعان ما يخرق هذا العقد القرائي في مفتتح النص بالحديث عن الحلم، وهي العبارة التي أضحت مثل عنوان فرعي في الصفحة الموالية للغلاف، بل إن سارده يمنح القارئ حرية التجنيس، « في هذا العمل(سمه رواية إن أحببت) ». (ص5)

يرسم النص مساره الحر في ذاكرة المتلقي المفترض ليرسو على شكله الأجناسي، إذ المؤلف لا يفرض صيغة « رواية » إلا بما تفرضه مواضعات المؤسسة الأدبية، لكنه في فجوات النص ومضمراته، يقوم نص « بستان السيدة » على الالتباس، الاشتغال على النص أثناء كتابته ومساءلة أدوات الكتابة، موضوعا وأسلوبا وبرنامجا سرديا، يقول السارد في ص24: « الرواية التي كانت تُكتب بمداد الذكريات وعواطف التوله والبعد النفسي كما القرب الموهوم والاشتباه والانفعال بكل ذلك وغيره انتهت.

كالإحساس النازع قصدا إلى الفراغ من مخاض متدافع التوترات توقف الألم الممض.

لا ولادة، لا صراخ، لا تركيب، أريد القول إنني لم أعد أجد في ذاتي ما يكفي من المبررات السردية للاستمرار في الكتابة، لقد أصبحت الرواية بين يدي على النحو الذي يفيد أنني انتهيت منها وكأنني لم أبدأ في كتابتها بعد ».

القلق بدل اليقين، الشك بدل الجزم والقطع بالرأي، النفي بعد الإثبات، الحلم بدل الواقع.. هو ذا ما يؤسس اللعب السردي في رواية « بستان السيدة »: « هنا تغير المسار، مسار الرواية أعني.. لاعبتها بالفعل في أوائل عام 2007 عندما كنت موظفا في شركة » ص17.. اللعب هنا بالمعنى الذي حدده « هزينكا Hezinga » باعتباره حركة حرة يُشعر بالحيوية، يستقر خارج الحياة اليومية قادر على الاحتواء التام للاعب ». يقول سعد: « فكان هدفي، صراحة، أن أتملك عالما اختلقته في وحدتي ». ص19

الموت نهاية أم بداية.. انقطاع أم اتصال؟

إذا كان « الموت تشويشا على نظام الأشياء » على حد تعبير جورج باطاي، فإن الكتابة عنه تفرض تشويشا على اللغة وأدوات الكتابة وبنية الحكاية ذاتها.. تولد رواية « بستان السيدة » من تأملات فلسفية حول الانتحار، انتحار حنان الداودي المعشوقة الافتراضية لمؤلف الرواية الافتراضي، نهاية بعد بداية حب مفترض، حالم، واهم.. موت حنان جاء في سياق تجربة ترجمة كتاب من العربية إلى الفرنسية، أي منح النص المراد ترجمته حياة جديدة في حضن لغة أخرى، مشروع الترجمة لا نعرف عنه سوى أنه بداية علاقة إلكترونية، أو تواصل افتراضي بين جسدين لم يلتقيا إلا في الحلم.. رجل وامرأة.. يؤشر الكاتب على ملاحظة في نهاية الرواية قائلا:  » لم تُعن هذه الرواية بالكتاب الذي ترجمته حنان الداودي، فوجب التنبيه. »

نهاية حياة حنان المنتحرة هي بداية ميلاد الرواية، نهاية دراماتيكية حزينة بعد انبثاق علاقة حب موله ملتبس، يشرع الباب واسعا أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، يستعيد الذكريات العذبة في أماسي حزينة، يختبر العواطف والانفعالات اللاواعية والهشاشات المصاحبة للوجود الإنساني القلق..

انتحرت حنان وتركت أشعارها ورسائلها وما قالته وما لم تقله، لسعد الحي الذي يحتاج إلى الإحسان أكثر من الميت كما يقول انتيفان.. ف »من يموتون يضعون حيلة خبيثة نحو الأحياء، يتوارون تاركين لهؤلاء مهمة تفسير فكرهم أي أن يتجادلوا حول ما قالوه وما كان ممكنا أن يقولوه، وما كان عليهم أن يقولوه، بل وحول ما لم يقولوه أبدا » (« لسان آدم » عبد الفتاح كيليطو). أو كما يقول كارل ماركس:  » ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضا « فالميت يمسك بالحي » (رأس المال المجلد 1 ص 7).

رحلت حنان الداودي وتركت لسعد ما ينقده من الموت : » إلى جانب رغبة متأججة، كلية ومطلقة، كنت أداريها طول الوقت، أقصد أن أكتب رواية وانتهى الأمر.. بعد أن جافيت عالم الكتابة والنشر سنوات كدت أموت فيها من الانحباس ». (ص21)

تبدأ أحداث الرواية- إن قدّر لنا حقا أن نمسك بخيوطها على النحو التقليدي، أقصد رأس الحكاية- من مشروع ترجمة كتاب من العربية إلى الفرنسية، بعد أن طلب صاحب دار نشر من سعد مساعدته على إيجاد مترجم، ستتدخل صديقته وحبيبته السابقة مريم البدري لتقترح عليه اسم صديقتها الحميمة، الشاعرة حنان الداودي التي اشتغلت على العديدة من الترجمات واستطاعت أن تمنح نصوصا عديدة حيوات أخرى في لغة أجنبية، وعجزت عن أن تبقي على حياتها.

سعد وسيط الترجمة، سيصبح ترجمانا للأشواق الدفينة، مُشعلها وموقد حرائقها التي سيصطلي بها أيضا، وستمنحه حنان المنتحرة، مذكرات ويوميات ورسائل… ما ينقذه من الموت.. أقصد ذلك الجفاف والانحباس في الكتابة الأدبية الذي أنهكه، إذ نشأت علاقة عشق سرية حالمة أو واهمة أو مقترضة، بين سعد الموظف في شركة إسبانية للاتصالات وحنان المتزوج من كريم السعداني الذي يوجد على حافة الموت بسبب مرض عضال، وإذا صح أن وراء كل رواية عملية قتل ما، فإن الكاتب يمنح موتاه جنازة تليق بهم، أو يعيد بعثهم في نص حكائي باذخ مبنى ومعنى.. هو « بستان السيدة ».

تنمو الحكاية انطلاقا من الذاكرة، وعبر الأثر الذي تركته حنان الداودي مكتوبا أو موشوما في رسائل إلكترونية حارقة وقلقة بين سعد وحنان، وحين تكتمل الحكاية في ثنايا الألم وتواشجاته، يمنح سعد مشروعه الإبداعي بدمه على خذه إلى قارئه الأول لنصوصه الإبداعية صديقه أحمد الناصري، الذي يوسع متاهة الحكاية عبر فتح كوة نحو نص روائي إسباني « الوداع الأخير » للكاتبة الإسبانية سليبيا جويس، الذي يتحدث عن علاقة مستحيلة بين ساندرا وعشيقتها/ معشوقتها مونيكا..

المكر هو ما يؤسس لعبة الحكاية في « بستان السيدة »

في تتبعه لهذه الهشاشة التي تتلبس بشرط الوجود الإنساني، وفي محاولة سبره لأغوار العواطف وتموجات المشاعر والإحباطات الغامضة المحيطة بانتحار حنان الداودي وهي على وشك إخراج حب مزلزل من حالة الكمون إلى حالة الوجود.. يلجأ الكاتب إلى نصب الفخاخ لنسج خيوط الحكاية، تبدو للوهلة الأولى مفككة وصادمة للقراءة المسطحة والاستعجالية، لكنها ذات معمار ملتبس وملغز يرسمه سرد بلغة أنيقة، وما يبدو غير متناسق أو غير مركب وفق النسق التقليدي للحكاية، يمنح القراءة العاشقة حرية اللعب، وقراءة النص من أي فصل شاء ليقبض على خيوط الحكاية، رأسها وذيلها ويمكن أن ينجز التكملة بنفسه.. ن أنأ

ليس هناك غير المكر- خارج أي بعد أخلاقي- في رواية « بستان السيدة »، فالناشر وبدافع ترجمة كتاب لا نعرف عنه شيئا، من العربية إلى الفرنسية، يورّط سعد في كتابة رواية شخصيته التي ليست هو، في علاقة دراماتيكية مفترضة مع حنان الداودي، ومريم البدري بمكر تورط صديقها القديم بأن تقوده نحو بستان السيدة، الشخصية المأساوية المتزوجة من كريم السعداني، تمده ببريدها الإلكتروني مرفوقا بصورتها التي ستقوده نحو مهاوي سحيقة.

وأحمد الناصري/ القارئ الماكر يوجه، برسالة ملغزة وماكرة، الكاتب سعد نحو النص الإسباني « الوداع الأخير »، الذي سيكون هو الرواية المفتتح بعد فصل « كيف أن الانتحار نهاية »، كنص حواري يهاجر من لغة أخرى، وسعد نفسه أو شخصيته الأخرى المفترضة، سينشئ حكايته في تداخل نصي مع رائعة سليبيا جويس، حيث « سينتهي التراسل في رواية سليبيا جويس بالانقطاع الذي هو الانتحار أيضا، وينتهي في روايتي بالانتحار الذي هو الانقطاع أيضا، أعني بذلك الفعل الذي أصبح بقوة الفجع انتحارا أقدمت عليه حنان الداودي » (ص41).

ذات المكر يقيمه المؤلف سعد مع شخوصه وفي مقدمتهم حنان الداودي التي لم تكن رسائله الإلكترونية نحوها بلغة الوسيط بين الناشر والمترجم، وإنما كانت رسائل ملغزة مليئة بالشجون والتدفق العاطفي والتوقعات والاستمالات والفخاخ والإشارات والألغاز… يقول: « غير أن رسالتي ، فيما أذكر وحتى حين لا أذكر شيئا، كانت تخفي، كعادتي كلما خاطبي النساء أساسا، شيئا من الطمع، الطمع الدفين الذي لا أعرف كيف استولى على عواطفي واستقر في نفسي، الطمع الذي يمكن أن ينتهي بالمفاجأة » (ص14)، رسائل سعد الإلكترونية كانت أشبه بنصب الفخاخ نحو « فريسته » صنو عزلته الباردة، مبرئة من سقم علاقة سابقة بصديقتها « أريد في البداية أن أقدم لك نفسي لكي تسهل مهمتي » (اللعين أنا، لماذا أريد فعل ذلك، وكان من الممكن أن أشرح لها مباشرة ما كنت أريده منها؟ ما المهمة أيها اللعين؟) (ص15)

لقد كتب رسالته الأولى المفترض أنها جد عادية للتعريف بنفسه وكيف حصل على بريدها الإلكتروني عبر صديقتها، وأن الهدف من التواصل هو أن يعرض عليها مقترح ترجمة كتاب، بدل أن تصبح هي ذاتها ترجمان للأشواق.. إنها رسائل مناورة غامضة وماكرة وغير محايدة ألبته.. ذات المكر سيتعامل به السارد اتجاه قرائه المفترضين حين يوهمهم بعلاقة افتراضية مع حنان الداودي بعد أن يبدأ بالشكوى من أنه لا يملك موضوعا للكتابة، إذ « اللغة تسعفني ولا يسعفني الموضوع »، ثم يؤكد  » ها الموضوع فأين اللغة؟ »

وستكون الوحدة القاتلة والعزلة الباردة دافعا له لكي يختلق علاقة افتراضية لم تتحقق مطلقا بين كائنين (الشخصية والمرأة).

« بستان السيدة » رواية زئبقية بامتياز، بلغة إشارية ذات نفس صوفي، فالعنوان نفسه ذو منشأ صوفي من بستان السيدة فاطمة الزهراء إلى « بستان الواعظين ورياض السامعين »، لابن الجوزي وكتاب « بستان العارفين » ليحيى بن شرف النووي، وحلقات المديح والسماع الصوفي الذي يسمى لدى الصوفية « بستان السماع »، ولغة الحلم لأن الرواية كلها هي خيال ورؤيا، « غير أنني أرى لقاء ما يدعوني إليه »(ص63)، و »حلمت بأن اللقاء الباريزي » و »أنت في حلمك يا هذا ذاهب إلى باريس »(ص65)، و »كانت تلك الأيام في الحلم باردة »، « هل كان من المفروض أن أتوقع كل شيء في الحلم » (ص66).

 

غزو الرداءة للسياسة والتفاهة تتسيد إعلامنا

« قتلتنا الردة يا مولاي.. حتى أن الواحد منا يحمل في الداخل ضده » مظفر النواب

عبد العزيز كوكاس

ZOL_0371

????????????????????????????????????

لم نعد قادرين حتى على تسمية ما نعيشه حقيقة، تبدو أدواتنا في التحليل غير مسعفة على وسم وتوصيف هذا الواقع السياسي الذي أضحينا نعيش في خضمه، بلا بوصلة، وبلا خرائط تنقذنا من التيه، ومن المسارات الأكثر إيلاما.

لم تعمل السياسات التحكمية بالمغرب سوى على تدجين حواسنا وتنويم الوعي النقدي فينا، وها نحن شهود على ما يشبه الدراما الحزينة لتبدلات السياسة، والممارسين في حقلها، وتراجع القيم، والانغلاق على هويات متوحشة دينية وعرقية وإثنية.. حتى أصبحنا غرباء عن ذاتنا، وزاد الإعلام الجديد العابر للقارات، في تسطيح الوعي، وأصبحنا نميل إلى الشاذ ونستهوي  »الفضائحي »، حتى تحول الفضاء الأزرق إلى ما يشبه « جنة السماء » في مقابل ما وصفته حنا أرندت ب « جحيم الأرض »، ممزقين بين الواقعي والافتراضي، نعيش حالة فصام بين الإنساني والحيواني فينا، المنطقي/العلمي والخرافي.

بالأمس كان العدو واضحا في السياسة كما في الثقافة، إنه الآخر تشكل في صورة المستعمر أو النظام الاستبدادي الفردي، أو الكومبرادور أو التحالف الطبقي أو المركب الإداري، المناهض للتغيير، كان العدو على مرمى حجر منا، نحدده بدقة ونمتلك عبقرية استثنائية لتوصيفه وتعيينه، كنا مثل ملائكة في مواجهة شياطين، مناضل انتحاري في مواجهة مناضل انتهازي.. لم تكن شاشة رصدنا سوى بلوني الأبيض والأسود..

وفجأة، انهار كل شيء، واكتشفنا أن الشياطين ينبعثون بيننا ومنا، وأن الشر ليس من وظيفة الغير، والجحيم هو ذواتنا وليس الآخر بالضرورة..

اتسع ذلك الثقب الأسود الذي تحدث عنه الشاعر دانتي، ليلتهم  بشهية لا توصف، قيم البراءة، التضحية، النزاهة، نكران الذات والإيمان بفضيلة العيش المشترك، أما الوطن والشرف فأضحت ـ لدى النخبة كما في قاع الطبقات الاجتماعية ـ مثل خردة متلاشيات أو نفايات لا تصلح حتى لإعادة التدوير..

وأنا أتأمل كل هذا الانحطاط السياسي المحيط بنا، لم أجد شيئا أصف به حالنا اليوم غير ما عبرت عنه جوليا كريستيفا ب « الجثث الحية »، وهي تشكو الرداءة والعنف الذي أصبح يغزو الحياة الإنسانية التي تحولت إلى شيء يخلو من أي قيمة، من خلال تفجير الشر باعتباره ثقافة.. ليس الأمر خصيصة مغربية إذن، فالتفاهة والعنف والإسفاف أرضية مشتركة، لم يعد هناك حزب سياسي قادر على المبادرة دون أن يتعرض للشيطنة، وافتقد الفاعل السياسي للوعي النقدي، وانفصلت التنظيمات الحزبية والنقابية والمدنية عن عمقها الاجتماعي، وتراجع الإعلام الأنيق، وأصبح المغاربة غارقين في تفاصيل اليومي حتى قُنّة رأسهم، تمطرهم الهواتف الذكية والحواسيب وشاشات التلفزيون بكل أشكال المسخ الوجودي، محاصرين بأشباه السياسيين الذين زحفوا مثل الجراد على التنظيمات الوسطية بين الدولة والمجتمع، والتي تتمثل وظيفتها الأساسية في تليين الغرائز المتوحشة، وترسيخ السلوك المدني لدى المواطنين، وتسلق بهلوانيون ومهرجون أعلى سلم في مؤسسات الدولة والإدارات، والتنظيمات الحزبية والنقابية والمدنية، بلا كفاءو ولا استحقاق.. وها هي الساحة السياسية تغرق بكائنات سطحية، جشعة، متملقة، وخردة أغبياء لا تليق بمعظمهم حتى سلة مهملات التاريخ..

وها نحن شهود على ذلك الانفصام بيننا كجثث حية وبين شرطنا الإنساني، نفتقد لأس الارتكاز الوجودي، الذي هو فن مقاومة الرداءة والتفاهة وكل أشكال الشر الذي تحول إلى ثقافة منوه بقيمتها.. مستسلمين كأبطال تراجيديين لهذا التسونامي الجارف، وعلينا أن نغرق في وحله، ونساير مساراته أو نقاوم كل من موقعه ككائن فاعل، منتج وحيوي ضد ما يسلب المغاربة شرطهم الإنساني، أقصد: الفعل، الأثر، الحركة.. أو نتمسك بنخوة أمير ميكيافيلي لنصالح جوهرنا الحيواني، ونتصرف بمنطق مزدوج: قوة الأسد ومكر الثعلب حتى نحافظ على وجودنا البيولوجي كجثث حية، فالصدق لم يعد فضيلة، والدهاء والأكاذيب هي جوهر العمل السياسي، والحقيقة محض كلمة لبناء جملة، كما يقول صاحب « المناضل الطبقي على الطريقة التاوية ».

نحتاج اليوم إلى زلزال كبير، ليس لنعود إلى ما كنا عليه، فلا يمكن أن نستحم في ذات النهر مرتين، وإنما لنتعرف على أنفسنا، ونصالح شرط وجودنا الإنساني ضد الرداءة والانحطاط ونتعرف على ذواتنا في المرآة، ونقاوم هذا الاستسلام الجماعي لقيم التفاهة والإسفاف، فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.

 

الأبعاد الشعرية في ديوان « نديم الطير » لمصطفى ادزيري: فتنة العتبات، صوفية المعنى وتعدد الدلالة

عبد العزيز كوكاس

يتكون ديوان « نديم الطير » من 13 قصيدة، جل عناوينها ذات حمولة صوفية « إشارة، سفر، عشق، هيام، وصال، تهجد، مدام الحبيب، الحضرة، مواقف، إبدال، سالك…). ويتعزز هذا البعد الصوفي بمعجم يستقي نفَسه ودلالاته من ذات الحوض اللسني الذي يخترق الديوان بكامله (خرَق، البلاء، السريرة، الحيارى، التيه، الغيوب، المعارج، الظنون، الفقر، لوعة، السكرة، المجاذيب، كومة..)

لا يلجأ الشاعر مصطفى ادزيري إلى التصوف، باعتباره موضة وأحد مآزق الحداثة كما يعلمنا أدونيس، ولا كهروب من واقع لا يتسع لقلق الشاعر، إنه ابن الحقل الصوفي شعرا وحياة، من أصوله ونشأته وهو القريب من مداغ سكنا وإقامة وولعا، إذ ظل يحضر احتفالات الطريقة البوتشيشية ومثَل أكثر من مرة بين يدي شيخها حمزة.. بل إن أطروحة الدكتوراه التي أخذت ثلث عمره، كانت حول موضوع التصوف، وخزانته الباذخة تضم جل المصنفات الأساسية لكبار رجالات التصوف والنقاد الذين اهتموا بالظاهرة الصوفية وتأريخها..

بهجة الخط وانتشاء الحرف.. مبدعان في واحد

بشكل استثنائي، يعود مصطفى ادزيري إلى استعادة الخط المغربي العتيق في تشكيل قصائد ديوان « نديم الطير »، مما يذكرنا بتجربة أعضاء مجلة « الثقافة الجديدة » محمد بنيس، أحمد بلبداوي والراحل عبد الله راجع، مع ما صاحب ذلك من جدل ثقافي باذخ حول دلالات استخدام الخط المغربي، ومحاذير استعادة الجانب الميتافيزيقي والتقليدي لهذا الخط في القصيدة المغربية المعاصرة.

تبدو الصفحة مثل جسد يحتفي بالوشم، وشم الحرف الذي خطه المبدع التشكيلي والخطاط إبراهيم حمامي، بتموجاته، يسبح في بياض الصفحة الشعرية، خالقا عوالم متداخلة الأبعاد. هذا البعد الكاليغرافي يمنح حياة إمبراطورية لعالم الدلالة، فالخط كما يقول عبد الله بن عباس « لسان اليد »، و »ترجمان الإنسان » و »حلية الكتب » بتعبير عبد الحميد الكاتب،  وكلما كان باذخا فهو » سمط الحكمة وبه تفصل شذورها وينتظم منثورها » كما قال جعفر بن يحيى، وبحكمة الفيلسوف وخبرة العالم يرى أُقليدس « الخط هندسة روحية وإن ظهرت بآلة جسمانية ».

ليس الخط هنا مجرد تجسيد للحروف وصورة للكلمات إنه تجربة إبداعية ذات دلالات فكرية وجمالية تستقي وهج حياتها من التصوف ومن هذا التآلف والتآخي بين الصورة والدلالة، المادة والروح، السماوي والأرضي، الناسوتي واللاهوتي، هذا الهوس الذي جمع شاعرا وخطاطا تشكيليا في بوتقة « نديم الطير »، كلاهما يقول الآخر بالصناعة التي يتقنها ويملك بزمام آلتها، مصطفى ادزيري الشاعر وإبراهيم حمامي التشكيلي.. يرقص الحرف في جذبة الكلمات، تنتشي الحروف وهي تتمايل بغنج على جسد الصفحة الشعرية في محاكاة لما يعتمل في فرن الذات/ الباطن بلغة التصوف من آلام وآمال، من انتصارات وانكسارات، من حال الجذبة الصوفية في حضرة هذا الذي لا يطاله خيال، من الاشداد إلى الواقع المادي وأمل في الانفلات من جاذبية العالم السفلي والسباحة في برزخ وملكوت العالم العلوي..

DSC_0011 (2)

شعرية العتمة في عتبات النص

تعكس لوحة الغلاف المخاض الذي صاحب السديم الأولي، هبة الفراغ، الأصل الأول للنشأة، ما بعد خراب الزلزال يبدأ البناء، التشكل.. يمتد التشكيل الكاليغرافي للفنان التشكيلي إبراهيم حمامي بتموجاته الساحرة على بياض الغلاف، تشكيل بالنيلة، بلون الغمام، الرمادي كرمز للمطر، الماء الذي « جعلنا منه كل شيء حي »، الرمادي كرمز للفناء، للطير الأسطوري الذي ينبعث من موته أرقى وأقوى، الشيبلغ الفارسي، العنقاء العربية، والفنيق اللاتيني، في البدء كان الحرف، الكلمة، وكان الشعر، لذلك تتخذ التشكيلات الكاليغرافية للغلاف، شكل « طير » عبر تطويع الحرف.. كما لو أن التشكيلي حمامي، ظل وفيا لأصول اسمه، ووضع عمق روحه في هذه التشكيلات التي تحتفي بالطير من خلال إعادة صهر الحروف، إلى جانب روح قصائد « نديم الطير »، حيث يعيد المبدع التشكيلي الحرف إلى أصوله الأولى ذات الطبيعة المادية.. جسدا وصورة، قبل أن يتعرض لعملية التجريد، لكنه بملمس خاص يتغيى الاشتغال على العلاقة الحميمة بين الحرف والجسد، ولعل هذا هو السر في اختيار حمامي مادتين أصيلتين، هما النيلة والصمغ، في تشكيلاته الكاليغرافية في صورة وخط ديوان « نديم الطير »..

النيلة ذات اللون الأزرق الذي يتجسد في الغلاف بشكل أقرب إلى الرمادي لون الغمام، الذي يمنح تلك الصلة الطبيعية بين السماء والأرض من خلال رمزية الماء، ولذلك تحدث القدامى عن ماء النص ورونقه وبهائه، فمادة النيلة تحيل إلى الأعلى، السماوي، الروحاني فيما الصمغ الذي يميل لونه إلى التراب، اللون البني يحيل على الأرض، العالم السفلي، إن الأمر أشبه بمحاكاة الحالة التي يعيشها المتصوف في الصراع المستمر بين الإنساني والإلاهي، الأرضي والسماوي، المادي والروحاني، العلوي والسفلي، لذلك يقيم التشكيلي ابراهيم حمامي، ومن خلال لوحة غلاف ديوان « نديم الطير »، حوارا مستمرا بين النيلة والصمغ، الأزرق والبني، الترابي والسماوي، وحوار بين شكلين: الدائري والهندسي، الدائرة تحيل على كل المخلوقات الإلاهية / الطبيعية، والهندسي (خاصة المربع والمستطيل، الذي يمثل إبداعا إنسانيا، كما تمثله لوحة الغلاف، وعموم الإبداعات التشكيلية للفنان إبراهيم حمامي.

ثم يأتي الطير، كمكون أساسي في عنوان الديوان بإيحاءاته الدينية والميثولوجية الباذخة، من الغراب الشاهد على أول جريمة قتل في تاريخية البشرية، الذي علم الإنسان (قابيل) دفن الجثة لإكرامها أو إخفاء لأسرار الجريمة في جوف الأرض إلى هدهد سليمان الذي أتاه بالنبأ العظيم عن بلقيس ملكة سبأ، إلى طير أبابيل التي رمت جيوش أبرهة الحبشي بحجارة من سجيل، والطيور الخرافية التي يزخر بها الأدب العالمي من العنقاء إلى الرخ والفنيق..

يحدد مصطفى ادزيري منذ صفحة الغلاف، جنس وهوية منتوجه الإبداعي كشعر، ويحدد أفق تلقيه، اختار له عنوان « نديم الطير »، الذي يحيل على ديوان فريد الدين العطار « منطق الطير »، وهناك دواوين شعرية عديدة تمتح من نفس العنوان الأصلي، أذكر منها ديوان « خبط الطير » لمحمد بشكار، « طير الله » لمراد القادري و »خلوة الطير » لعائشة البصري… وجل هذه العناوين تستوحي تمتح بشكل أو بآخر من هذه البنيات المرجعية العميقة مثل ديوان « منطق الطير » لفريد الدين العطار (ترجمه إلى العربية بديع محمد جمعة)، »رسالة الطير » لابن سينا و »رسالة الطير » للغزالي، وتستحضر أيضا مسرحية « العصافير » لأرستوفاتس.

« نديم الطير » هذه الثريا المضيئة في سماء صفحة الغلاف مثل زمرة متعددة تسبح في ملكوت البياض المشع مثل زمرة متعددة الأضلاع، نديم مفرد معرف بالإضافة، وهو مشتق من الندم، حيث أن تقديم الديوان بمقولة « كشاجم » التي تقول « أخبرني جماعة من الموثوق بهم في اللغة، أن العرب إنما سمت النديم نديما لأنه يُندم على فراقه »، يعتبر بمثابة تكثير وتعديد للمعنى الذي يستعمل به الشاعر هذا المفهوم، النديم هو الخل، الصاحب، الرفيق الحلو المعاشرة الذي تحس بمرارة فراقه، وقوة الفقد عند رحيله.

هيمنة الحوارية على ديوان الشاعر ادزيري 

يأتي ديوان « نديم الطير »، ليزكي خيارات الشاعر مصطفى ادزيري منذ ديوانه الأول « كتاب الخرَق »، محملا بلغة شعرية شفيفة وحس جمالي يعكس ذائقة فنية متميزة، تطارد هذا الذي لا يقال، البعيد رؤية ورؤيا، كما في قصيدة عشق (ص 30):

« يسبل

الغزال العينين

يرى ما لا ينقال »

وفي قصيدة « الحضرة » حيث يمثل أمام ذي الجلال (ص 84):

« قال لي: انظر وتمعن

فيك وحولك ما تراه وما لا تراه

ما يحيط به الحرف وما

لا يحيط به الحرف

جرار وكؤوس وفنان

فيها سكبت عتيق نبيذي

فاشرب »

ليس في نديم الطير غير السمو، حوار الأعالي، حيث يسبح الطير، القمر، الجبال السامقة، الشواهق، البرزخ، طلاسم الغيب، السموق، السحاب والغيم.. والشاعر يبدو مأخوذا بلغز هذه العوالم الساحرة يطوف بين جنائن سرية ومروج محجوبة:

 »كيف يحدث

أن تلبسني الغيوم

عاليا عاليا بي تطير

وأصير سيمرغا

تظلله الزرقة

كل حين ومن ريشه

تنتقي النجمة للغيمة

عذب الكلام

كيف يحدث

أن يلبسني السنا

من بعيد بطيوفه الساحرة

وأصير فراشا » (ص 73/74).

حيث يبدو نفَس المعري في « رسالة الغفران » وعوالم « الكوميديا الالاهية » لدانتي حاضرة في لاوعي النص، ويحضر الخيام، السهروردي، فريد الدين العطار، ابن الفارض… كبنية مرجعية، لكن في أفق مغاير تحكمه أسئلة الحاضر وقلق الذات الكاتبة في زمن مغاير ورؤيا شعرية تمتح من زخم النصوص وتفاعلها ومن السياقات الذاتية والجمعية لزمن المبدع:

« يراع جميل

المحيا

إلى غابة الليل

يزحف بي

يعلمني

كيف أوقد

النار

في جسدي

أجعل

عتمة

هذا

الكون

ضياء » (ص 35)

وفي قصيدة لهفة نقرأ:

« لهفة لافحة

تقود المواجع نحو الحطام

والتجلي يظل بعيد المنال

اقترب يا نديمي

وقدني إليه

فبعض البصيرة صار

عماء ». (ص 55)

إن السمو والصعود لا يكون فقط نحو الأعالي، بل في مدارج الهبوط أيضا، الوصول إلى نسغ الأصل الأول الذي فاضت عنه الأشياء والكائنات والكلمات..

« بذرة بي تسافر

في غور

الأرض

تعلمني

كيف أرى

ما لا تراه العين

كيف تقاس المسافات

بين البذرة في حضن

التراب

ووجه الهواء » (ص 39).

من العنوان يبدو الطابع الحواري للنص جليا، فالنديم هو الصديق الملازم الذي يوقظ السؤال والبسمة والكلام والألفة في الأشياء والكلمات.

لا يستقيم وجود النديم خارج الحوار الذي يبلغ ذروته في قصيدة « اعتراف »:

« للقصيدة قال المدام

أما ماؤك لولاي

ما مالت حروفك

ما أشرقت إشاراتك

ما سالت معانيك

للمدام تقول القصيدة

سناك أنا، لولاي كنت العتمة

ما سرى دبيبك

ما صرت ترياقا

للروح والخيال

لولاي ما تحررت

من خوابي العبارة

في مملكة الأشربة » (ص 26/27).

في قصيدة « عشق »، نعثر على ذلك التناغم الذي يتقطر شاعرية في حوار بين مصيدة وغزال، مناجاة آسرة مكثفة العبارة واسعة الدلالة تجعلنا مثل غزلان/ قراء نقع في غواية المصيدة/ القصيدة:

« هي

تفتح صدرا

في غنج

تشرع اليدين

تبسط اللسان

بين العشب

وبين الماء

هو يقفز

ثم يخطو

يتشمم عطرا مألوفا لا يتردد

ينجذب كعاشق

يغلبه الشوق

يرتمي في حضن المعشوق

بين ذراعيها تعصره

المصيدة

تلحفه وتغطيه

بحرير الكلام

وبحر الأشواق

تهمس وتناجيه:

حبيبي

تمدد واسترخ

مسافة هذا

التهجد

سكرة أو شهقة

أو منام » (ص 28/29)

وفي تلك الحوارية بين العاشق والمعشوق، العبد والرب:

حبيبي يقول:

تفضل كؤوس المدام

حياة

يليق بسعيك نحوي الشراب

أقول حبيبي مجاهل كأسك

تغري يباب رؤاي » (ص 62).

من الغزال إلى المصيدة، من الأيل إلى النورس الذي يأتي من سماء الخيال، يصحب الشاعر إلى جنة المعنى، واليراع الجميل المحيا الذي يعلم الذات كيف تحلم بتحويل عتمة هذا الكون إلى سنا وضياء، إلى الغيمة الأنثى التي تذيب مصطفى ادزيري، هذا المائي القادم من سلالة الطين، تزرع فيه غيمة المجاز والاستعارات ثورة، تحوله إلى سيل يجرف المجتر والمعاد، والطير هذا النديم يقوده نحو مدارج السماء، في الأعالي، للهروب من الدنو، الذبول، والحلول في ذات الجلال، الحق، الجمال، الخير، يسير نحو تلك الهزة المشتهاة، ذلك التيه الأبدي، يقول في قصيدة « رشفة »:

رشفة ثم تخطفنا

الدهشة العابرة

من أقاصي اليقين

إلى عرصات التوهم

رشفة ثم نغيب

كأننا لم نكن ها هنا ذات صحو

(…)

منذ صارت أجنحة الحلم تسمو بي

عاليا صوب مملكة الحب ».

DSC_0010 (2)

الزمن في ديوان « نديم الطير »

الختم هو ما يحكم نصوص « ديوان نديم الطير »، ذروة النهايات حيث الموت عشق، والفناء حياة، وكل موت هو بعث جديد في البرزخ العلوي حيث لا تُبصَر سوى القمم الشاهقة، وبراري يغسلها العطر وأرواح تهيم في ينابيع الضوء، والطيور المحلقة في سماوات بعيدة، حيث صفاء الرؤيا، غنيمة التيه، توحد الحال والمحلول، هناك يطارد الشاعر معنى المعنى بدون سياط، في جبهة البرزخ، ليس الطير سوى الشاعر، ليس سوى القصيدة والباقي مؤثثات السكرة: العشق، الفناء، المدام، الكتابة، البوح…

يبدو الزمن في قصائد « نديم الطير » دائريا، نقطة البدء هي نقطة الختم، الفناء والحلول، العودة إلى الأصل النقي:

« كما

الماء يعود إلى النبع

كما البذرة تعود إلى التراب

كما الطين يعود إلى الطين

تعالي » (ص 30).

ويحاكي الخط هذا الزمن الدائري الذي يحكم قصيدة « عشق »، ليست رحلة الصوفي سوى العودة إلى ما كان يبحث عنه، فيجده في داخله، في عمق ذاته، يعبر الشاعر أيضا كل هذه البراري أسوة بطيور فريد الدين العطار التي يقودها الهدهد في سفر طويل وشاق، مثل طائر »سيمُرغ » يرحل الشاعر نحو معشوقه، الذي سيكشف أنه وهو في حضنه، ليس غير ذاته وعلى عكس فريد الدين العطار، الذي كان أميل إلى صاحب « تهافت الفلسفة »، فإن مصطفى ادزيري، أقرب إلى « مواقف النفري »، حيث « صفاء الرؤيا غنيمة التيه » و »مطاردة معنى المعنى تتم بدون شباك »، و »قمر بجلال سموقه » يحمل الشاعر إلى أعلى ويعلمه كيف يفك طلاسم الغيب وكيف يقرأ كتاب السماء »، والسؤال زاد القلق.

« ويسأل:

خوابي الغيوب

وما من مجيب » (ص 24).

هذا البعد المتمثل في دلالات الزمن الدائري الذي يحاكي دورة القمر في بعده الجمالي والفزيائي يعكس بعدا فلسفيا يجعلنا في قلب الأسئلة العميقة لمفهوم الحداثة التي قطعت مع النظرة التقليدية للماضي والحاضر والمستقبل، ولمفهوم التقدم… فمنذ « فينومينولوجيا الروح » لهيغل أعدنا ترتيب حسابنا مع الزمن الهندسي بنية ورؤيا، الزمن الدائري في نص « نديم الطير » يتراوح بين الفناء والحلول، في الحياة والموت والبعث من جديد، في زمن قلق من جاذبية الترابي فينا ومحاولة السمو ثم العودة بعد جذبة الأعالي إلى عمق الذات بنقاء وعمق أكبر.. وهو ما يشي برفض الثبات والديمومة والتقليد… والانتصار للحركة، للتطور وللتجديد والإيمان العميق بفاعلية الذات الإنسانية في وشم مسارها الخاص وتغيير العالم، الزمن والنصوص… وهو شيء قريب مما أسماه فوكو ب »أنطولوجيا نحن ذاتنا ».

ميلاد اتحاد مغاربي دخل غرفة الإنعاش بعد أول حادثة سير عام 94 ولم يخرج منها حتى اليوم

عبد العزيز كوكاس

حين اجتمع قادة الدول المغاربية وأقروا منح شهادة الميلاد لتكتل تاريخي واقتصادي وسياسي اسمه اتحاد المغرب العربي، الذي اعتُبر إنجازا تاريخيا يحسب للقادة المغاربيين في القدرة على استشراف الآتي، برغم أن لكل قطب إكراهاته وحساباته السياسية.. كان ذلك بمثابة مفتاح جديد للمستقبل.

سيرى الاتحاد المغاربي النور في مراكش عاصمة الموحدين في 17 فبراير 1989، في ظل إرهاصات كانت تطرق الأبواب والنوافذ مبشرة بتحولات قادمة كان يجب الاستعداد لها.. الأهم في تكريس هذا التوجه الذي سيصطدم لاحقا بالعديد من العراقيل، أنه لم يكتف باستحضار الروابط التاريخية والدينية واللغوية والجغرافية التي انصهرت فيها المنطقة، وإنما شملت إضافته النوعية، إقرار الجزائر للمرة الأولى بأن مكونات الاتحاد تضم خمس دول لا أقل ولا أكثر، أي استبعاد قيام كيان آخر على الحدود، يفصل بين المغرب والجزائر أو المغرب وموريتانيا، وهو ما كان يعني وعي الأطراف بمردودية التكتل وثقل كلفة دعم كيان منفصل في التراب المغاربي، وهو ما أكَّدهُ بعد مرور نصف جيل على القمة التأسيسية لاتحاد المغرب العربي، اللواء الجزائري المتقاعد ووزير الدفاع الجزائري السابق، خالد نزار في تصريحاته لأسبوعية « لاغازيت » المغربية في عددها ليوم 10 مارس 2003 ، حين قال: « إن الجزائر ليست بحاجة إلى دولة جديدة بمحاذاتها ».

كان هذا الإقرار الذي تحول إلى التزام مبدئي وسياسي وأخلاقي، كافيا لتبديد الغيوم العالقة في سماء البلدين الجارين، وانسحب تفاهمهما بطريقة مباشرة على مسار الأحداث في المنطقة برمتها، فقد قطع مع سياسة المحاور التي كانت بصدد النشوء، مع بيان جربة بين ليبيا وتونس عام 1974 ومعاهدة مستغانم بين ليبيا والجزائر، وتحديدا عندما نزعت الجزائر وموريتانيا وتونس نحو إبرام معاهدة الإخاء والوفاق والتعاون في 19 مارس 1983، في مقابل إبرام المغرب وليبيا معاهدة الاتحاد العربي الإفريقي عام 1984 في لقاء وجدة.

تطلب اختيار السير على هذه الطريق خطوة شجاعة متبادلة، لا مكان فيها لأي حسابات ضيقة أو مصالح شوفينية، وكما أن الجزائر انخرطت على عهد الرئيس الشاذلي بن جديد في مسار خطة التسوية التي كان بإمكانها أن تجنب المنطقة مضاعفات التوتر، قبل أن تعيد النظر في التزاماتها المعبر عنها صراحة في معاهدة مراكش، فإن المغرب لم يمانع في رد التحية بأجمل منها، عندما وافق على استقبال أعضاء قياديين من بوليساريو، ولم يكن يهمه الإطار الذي اندرجت فيه تلك المقابلة، بقدر ما كان يعنيه أن تُسهم في خلق أجواء مشجعة للمضي قدما على طريق التسوية السلمية، وقتذاك أصغى الملك الراحل الحسن الثاني لكلمات تصدر من أفواه جزء من أبنائه ممن كانوا يوجهون المدافع ضد السكان الآمنين في الأقاليم الصحراوية، ولاشك أنهم بدورهم استمعوا بإمعان إلى عرضه الذي لم يكن يخلو من صفح وتسامح ومد اليد لبناء المستقبل في إطار الوحدة المغربية، كسرت مقابلة مراكش التي سيكون فيها للمكان دلالاته القوية والموحية، حواجز نفسية وسياسية، وفُهمت الرسالة في الجزائر بأنها تزيد عن السعي لإيجاد حل مشرف، نحو المساعدة في جمع الشمل عبر إزاحة العوارض التي كانت تحول دون بناء الثقة بين المغرب وجاره الشرقي.

اعتُبر التزام الجزائر بالمضي قدما في مشروع البناء المغاربي كافيا لأن يشجع المغرب على الإقدام على مبادرة جريئة من هذا النوع، بعد أن كان أقصى ما تتوق إليه بوليساريو أن يُصغي إليها المغاربة كطرف معني بالتطورات، وإن كان واضحا أن الإصغاء لا يعني الاعتراف بشرعية تمثيليتها، مادام أن تلك الشرعية هي أساس البحث في أي تسوية.

بيد أن الالتزام بالبناء المغاربي في إطار الدول الخمس، وكذا محاولة إزاحة الحواجز النفسية والسياسية التي نمت بين الإخوة الأعداء، كان هو المحرك الأساسي لانطلاق الحوار، مادام أن الأبعاد الإستراتيجية لهذا الخيار المغاربي تكفل إذابة الخلافات وتصون وحدة وسيادة الدول، سيما وأن المعاهدة التأسيسية ذات المرجعية الواضحة تحظر استخدام أراضي أي دولة مغاربية كقواعد لحركات معارضة ضد أي من الدول المغاربية، فقد نص الفصل 115 من الميثاق المؤسس لاتحاد المغرب العربي على التزام الأطراف الموقعة عليه: « بعدم السماح في ترابها لأي نشاط أو حركة قد تهدد الأمن والوحدة الترابية للدولة العضو أو تهدد نظامها السياسي أو الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو سياسي موجه ضد استقلال تراب الدول الأعضاء الأخرى »، وهذا ينسحب بالدرجة الأولى على بوليساريو كحركة مسلحة، وُظفت أساسا لمناهضة هذا التوجه.

-

بعد ذلك بسنوات، وعندما أصبح الاتحاد المغاربي تكتلا يُنظر إليه بكثير من التقدير والفعالية، إلى درجة أن دولة مثل جمهورية مصر العربية طلبت الانضمام إليه، حين بدا لها أن إشعاعه في طريقه لأن يعيد ترسيم موازين القوى عربيا وإفريقيا وأوربيا، كونه أكبر تجمع بهذه المواصفات، التئم في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط قبالة العيون الأوربية.. سيحدث انعطاف سلبي في مساره.

ولأنه بني أساسا على روح وفاقية بين الجزائر والمغرب، فإن الاستهداف سيركز على الجار الجزائري، في ضوء تداعيات الأزمة الداخلية التي دفعت الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الاستقالة، ثم امتدت الأيادي الآثمة إلى اغتيال خلفه الرئيس الجزائري محمد بوضياف الذي كان يجسد الشرعية التاريخية في صراع السلطة داخل الجزائر، يروي وزير الدفاع الجزائري سابقا، اللواء خالد نزار لأسبوعية « لاغازيت » في 10 مارس 2003، أن الرئيس بوضياف « طلب مني شخصيا التخلص من هذا العبء »، يقصد جبهة بوليساريو واقترح حلا وفق صيغة « لا غالب ولا مغلوب »، لإيجاد مخرج للقضية التي اتضح فيها الصراع بشكل غريزي بين المغرب والجزائر، بالشكل الذي تحول إلى نرجسيات جريحة تبحث لذاتها عن مجالات حيوية لتصريف آلامها الذاتية على حساب مستقبل أمة ومسار شعب.

كانت الأحلام كبيرة في محاولة جعل الاتحاد المغاربي تكتلا إقليميا يصلح كأرضية لفض النزاعات وتحطيم الحواجز النفسية بين البلدان الخمسة، وفضاء لإنضاج الرؤى حول العلاقات المشتركة والقضايا المصيرية بُغية خلق جو من الثقة بين الأطراف المعنية في جو من التعايش والتفاهم والتعاون وحسن الجوار.

في مراكش  يوم 17 فبراير 1989، حين اصطف القادة الخمسة معلنين في القمة التأسيسية ميلاد الاتحاد المغاربي، بدا كما لو أن هناك إرادة مشتركة لوصل العناصر المشرقة في التاريخ بين الحاضر والماضي، حين اجتمعت الأحزاب المغاربية: حزب الاستقلال المغربي، الحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائري في طنجة بين 28 و30 أبريل 1958، ونظرا لانشغالات الدول المكونة بإشكالات التحرير ومحاولة بناء الاستقلال، فقد تأخر إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي لتنشيط الروابط الاقتصادية بين الدول الثلاث إلى سنة 1964..

كانت السنوات الممتدة بين 10 يونيو 1988 حين التقى القادة الخمسة لدول المغرب العربي بزيرالدة على هامش القمة العربية المنعقدة بالجزائر، وشكلوا اللجنة المغاربية العليا لإعداد الظروف المادية والتنظيمية لتأسيس الاتحاد، وهي اللجنة التي عقدت اجتماعها الأول بالجزائر العاصمة في 13 يوليوز 1988، حيث تكاثفت اللقاءات لإعداد القمة التأسيسية.. وبين 2 و 3 أبريل 1994 بمناسبة انعقاد الدورة السادسة لاتحاد المغرب العربي بتونس، كانت تلك السنوات بمثابة العصر الذهبي لعلاقات الدول الخمس التي عادت بالفائدة على المنطقة ككل، وعلى أبرز الفاعلين فيها على الخصوص (المغرب والجزائر).

ظهرت في غضون ذلك محاولات لجر البناء المغاربي إلى الوراء، من خلال إحياء الخلافات الجزائرية – المغربية حول قضية الصحراء مجددا، وتحديدا في غشت 1994، لم تعد تحكمها أوفاق الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، اهتزت أركان الأسس السليمة لذلك الصرح، وانهارت الكثير من الأحلام التي شُيدت على ضفافه، بعد فترة لا تزيد عن خمس سنوات.

كانت النتيجة مشجعة في بداية الأمر، ليس فقط بالنسبة لحَلحلة الأوضاع في منطقة الشمال الإفريقي، ولكن أيضا على صعيد تعاطي المنطقة مع استحقاقات عربية هامة، من ذلك أن المغرب سيضع يده في يد الجزائر والمملكة العربية السعودية في تحركات هامة، تمثلت في الدور الذي اضطلعت به لجنة الحكماء الثلاثية في إنهاء الأزمة اللبنانية التي أدت إلى اتفاق الطائف، فقد عادت المنطقة المغاربية مرة أخرى إلى واجهة الأحداث كدرع قوي لدعم القضايا العربية العادلة.

من المفارقات التي تدعو إلى التأمل أن الأزمة اللبنانية التي بلغت ذروتها في عام 1975 بتزامن مع اندلاع قضية الصحراء في الجناح الغربي للعالم العربي، وجدت طريقها إلى الانفراج عبر مساع حميدة بذلها المغرب والجزائر والسعودية، في حين أن قضية الصحراء التي تعني الدولتين الجارتين: المغرب والجزائر استعصى حلها، وإن توسطت المملكة العربية السعودية نفسها في الملف مرات عديدة!

على صعيد العلاقات المغاربية – الأوروبية ستبدأ معالم حوار أنداد، مبعثه أن الشركاء المغاربيين باتوا يشكلون ثقلا حقيقيا في المفاوضات ذات الارتباط ببناء علاقات جديدة، وكان في الإمكان، لو تم الحفاظ على هذه الدينامية، أن تحقق الأطراف كافة مكاسب أشمل، بدل الحوار الانفرادي الذي كان عنوان ضعف وتشرذم، غير أن إطار الحوار المغاربي- الأوروبي، سيستقر عند هواجس أمنية أكبر من خيار الشراكة الشاملة، ولا يُعزا ذلك فقط إلى تغلغل الهاجس الأمني لدى الأوربيين، على خلفية تنامي الهجرة غير الشرعية والإرهاب والمخدرات ومظاهر الانفلات الأمني فحسب، وإنما أيضا إلى ضعف المُحاور المغاربي الذي كان يذهب إلى المفاوضات بعقلية أحادية أفقدت المنطقة قوتها الاقتراحية المفترضة.

كما تأثرت العلاقات المغربية- الجزائرية بقضية الصحراء، سينسحب الموقف ذاته على وضع الاتحاد المغاربي الذي سيدخل غرفة الإنعاش بعد أن أصيب بغيبوبة لم يفق منها بعد، فقد عُلقت أجندة البناء المغاربي الذي كان يُفترض أن يقوم على أسس سليمة وثابتة وموضوعية، لا مكان فيها لأي نزعة تروم التفرقة وتمزيق وحدة الدول المكونة لهذا الفضاء.

 

كتابات محمد شويكة: التجريب كرؤيا والمسخ ككينونة

عبد العزيز كوكاس

منذ إبداعاته الأولى:  »الحب الحافي »، « النصل والغمد » إلى إبداعه القصصي الأخير « الكراطيط »، مرورا ب »خرافات تكاد تكون معاصرة » و »القردانية » و »درجات من واقعية غير سحرية »… يبدو التجريب هو الهاجس الذي يقود الأعمال الإبداعية لمحمد شويكة، التجريب بوصفه تأملا دائما في التجربة الذاتية للمبدع القاص بحثا عن أسلوبه الخاص، ذلك الحس النقدي الذي لا ينام على وسادة المألوف والمتوارث، ليس هوسا في البحث عن الجديد المغاير، أو ما يمكن أن نسبيه بالاستحداث والمغايرة الشكلية وركوب موجات العصري والجديد، وإنما بحثا عن الملمح الشخصي والرؤيا الفلسفية العميقة والتقنيات المناسبة لتشكيلها فنيا في الإبداع القصصي.. إنه بتعبير تودوروف « النص الأدبي الذي يحطم قواعده النوعية ».

وإذا كان شبه مؤكد أننا يمكن أن نختلف حول ماهية التجريب ومقوماته، فالأكيد أننا لا يمكن أن نخطئ أثره وتجلياته في إبداع شويكة القصصي، أقصد التجريب كخرق للنمطية والتقليد القصصي، انهيار الحدود بين الأجناس الأدبية، تعدد الأصوات، الترميز والتجريد برغم أن شخوصه من القاع الاجتماعي ولغته تمتح من الواقعي واليومي.. مما جعل كتاباته تبدو مثل مختبر مفتوح لا يستكين إلى منجزه الخاص حتى، ألهذا اعتاد تسمية بعض قصصه بالورشة؟

والورشة كما تعرفها موسوعة « ويكيبديا » هي « المساحة المخصصة للمشروع (عتاد، عمال، مواد، مشروع..) ويمكن القول إن تنظيم الورشة هو تنظيم لمراحل وفعاليات العمل ضمن شروط معينة تضمن سرعة التنفيذ وجودة العمل وكذا اقتصادية المشروع ».. إن النص الأدبي في إبداعات محمد شويكة يبدو دوما ورشة مفتوحة، نص قيد التشكل، في « الكراطيط » على سبيل المثال، يصر المبدع على وسمه بقصص، وإذا ما كنا وقحين ولم نحترم هذا الميثاق الأدبي للقراءة، فإننا نعتبره مشروع رواية أو قصة واحدة.. الشخصيات نفسها وإن تغيرت ملامحها الشكلية وفضاءاتها، الوقائع والأحداث تنمو وتتطور وفق مسار لولبي والعقدة الكبرى هي ما يتحكم في سيرورات النص ومساراته.

تبدو قصص محمد شويكة بروليتارية المضمون بورجوازية الشكل السردي، شخوصها وأحداثها مستجلبة من الهم الاجتماعي ومن الطبقات الأكثر بؤسا وعطالة، من بائعة القبعات، إلى الحارس الحكواتي في « الحب الحافي » إلى « الخادمة » و »الممرضة المريضة » في « النصل والغمد »… وجل شخصيات « الكراطيط » هي من المقصيين والمهمشين، بالإضافة إلى الحدث والأمكنة التي تدور فيها وقائع القصة: قرية، مقهى شعبي، حقل أو مرعى، منزل متواضع.. لكن اللغة السردية جد باذخة ليس لغموضها أو لتعاليها النخبوي، إذ يستعمل شويكة لغة اليومي، وتتسلل اللغة العامية إلى لغة الحكي لديه بشكل مكشوف، ولكن لتملك هذا التكنوقاص » للغة الحكي، ويبرز هذا البذخ أساسا في عشق التفاصيل، جل كتابات شويكة تحفل بذلك الوصف الدقيق، فتَنني هذا الإغراق في الدقة لوصف السروال في نص « الكراطيط » والحزام الجلدي وما حدث بعدها حين لم تسعف هذا القروي الحداثة في قضاء أبسط حاجياته الإنسانية « واجب إفراغ البطن »، أو في وصف الفتاة حليمة وهي تتبول وذكرني بما قاله رولان بارث عن (بوفار إي بيكوشي): « أقرأ جملة تلذ لي « سمط ولحاف ومناشف تتدلى عموديا، مشدودة إلى حبال متوترة بمقابض خشبية »، أتذوق هذا إسرافا في الدقة، ونوعا من الضبط اللغوي المهووس، وجنون الوصف (..) ونجد أنفسنا أمام هذه المفارقة: يتعرض اللسان للارتجاج والتجاوز، التجاهل في الحدود نفسها التي يتطابق فيها اللسان الخالص، اللسان الأساسي، اللسان النحوي (وليس هذا اللسان، بطبيعة الحال، إلا فكرة) ولا يأتي التدقيق المذكور من غلوّ في العناية، ولا هو بفائض قيمة بلاغية، وكأن الأشياء كانت توصف بكيفية أفضل فأفضل، وإنما يتأتى ذلك الضبط من تغيير في القانون، فلا يعود النموذج (البعيد) الذي يحتذيه الوصف، هو القول الخطابي/ (فنحن لا « نرسم » شيئا) بل يصير نموذجه نوعا من الاصطناع القاموسي (لذة النص ص 32 ـ 33).

إن لغة شويكة لغة بصرية بامتياز، لا نجد ذلك فقط في مجموعة « القرادنية » التي تحولت إلى فلم قصير، ولكن في الإبداعات القصصية للمبدع شويكة في « النصل والغمد »، في « درجات من واقعية غير سحرية »، غير أنها في « الكراطيط »، تصبح السيد الشاغل، لقد أملى ذلك الرهانات السردية للكاتب الذي يسعى لملاءمة إبداعه القصصي لرؤيته للعالم، الذي يقول في أحد تصريحاته أنه لا يفهمه إلا كشذرات، وهذا ما تعكسه قصته « شذرات هستيرية في النصل والغمد »، لقد ساهم التكوين النظري الباذخ لمحمد شويكة وانشغاله بمجالات إبداعية كالتشكيل والسينما والتلفزيون في منح سرده القصصي طابعا مشهديا، حيث يبدو الفعل السري مقدما لنا لحظة اشتغاله، بدمه على خده، إن الصورة في إبداع شويكة لا تحضر كخلفية تزيينية، واللقطة ليست تشذيرا لزمن الحكي، بل تدخل في هذا البعد التجريبي الذي يسعى إلى خلق بعد بصري للغة السردية، وتكسير خطّيتها حتى لأننا نضطر إلى تشغيل كل حواسنا من شم وسمع وبصر وذوق لالتقاط تفاصيل المشهد القصصي..

42946597_10156827041478854_6694618893538820096_n

نقف في الإبداع القصصي لمحمد شويكة على هجرة تقنيات حقول إبداعية عديدة إلى نصه الإبداعي من خلال درامية الحوار، واستثمار « هارمونية » الموسيقى في ثنايا التصوير اللغوي للشخصيات والأحداث والأمكنة، أو إلى أسلوب الكولاج  كما فى الفن التشكيلى وغيره… هذا التعدد الباذخ ناتج عن الاهتمامات المتنوعة للمبدع بحقول ما اعتدنا من مؤلف الاشتغال عليها إلا من باب الهواية لا الاحتراف كما حال المبدع محمد شويكة، وهذا ما يُمكن نصوصه الإبداعية من الانفلات من التحنيط الأجناسي ومقاومة التقيد بخانة إبداعية مخصوصة.. تنقاد تجربة شويكة القصصية برؤيا عميقة للتجربة الإنسانية تنفلت من أسر العرض المجاني للأفكار واستعراض الآراء، رؤيا مسكونة بعمق فلسفي وقلق إبداعي عبرها يستعرض محمد شويكة الطموحات والتجارب، يستكنه المكبوتات والغرائز، الآلام والآمال، الانتصارات والإحباطات الإنسانية، في سرد جليل يأسر قارئه، يجعله متورطا في شباك متنه القصصي.

نقرأ في مجموعة « الكراطيط » الذي أعتبر نصا ممتدا أو مجموعة قصصية ترابطية  »غطى رأسه بقب الجلباب ناسيا قارورة اللبن التي وضعها به دون أن يحكم إغلاقها، سال السائل الأبيض فوق رأسه، انحنى كما تتجلى ألوان فنان تشكيلي، حاول أن يرسم لوحة تجريدية تحت وقع الأمطار ». (ص 17)، وكذلك في وصف مشهد « التكواز » الذي تحاكي فيه اللغة الأشياء في وقاحتها (وسأتجاوز التدقيق في هذا التفصيل الباذخ والمشهد التصويري، من جهة لكي لا أفسد على القارئ المحتمل مستقبلا لهذه المجوعة الرائعة حقا، ومن جهة أخرى لأن لغتي أقل مسخا من لغة الكاتب شويكة.

ما يصنع الأدب هو الغرابة، كما يعلمنا عبد الفتاح كيليطو، من هنا احتفاء نص « الكراطيط » ببُعد الغرائبي والعجائبي، في نصوص ساحرة توهمنا دوما بواقعيتها، لذلك يهيمن « المسخ » كثيمة مركزية في « الكراطيط » في محاولة وصف حالنا، هذا المسخ يتمظهر بدءا من صورة الغلاف التي تشبه « جراثيم » إلكترونية سوداء مختلفة الأشكال والأحجام تمتد على مساحة الغلاف، تندرنا في اللعب الإلكترونية بالخطر والشر المستطير، في اللغة نعثر على الدلالات التالية للمسخ: « مسخ الطعام ونحوه: قلت حلاوته، أو لو يكن له طعم، ويعني القبح وتشوه الخلقة، وفي الطب.. المسوخ: وليد طمست معالم وجهه خلقه، ومسخه الله: شوه صورته أو أفقده طبيعته الخاصة أو هو اعتقاد بانتقال النفس من بدن الإنسان إلى بدن حيوان يناسبه في الأوصاف ».

لذلك حين انتهيت من قراءة « الكراطيط » اتصلت بالصديق المبدع شويكة وقلت له مبتهجا: « امحمد، الله يمسخك »! ليس في الأمر أي مسحة أخلاقية، فكلمة « الكراطيط » نفسها تشير إلى العجب والداهية والشيء القليل أو القصير والمغاربة يتحدثون عن السروال الكرطيط وعن اللفعة الكرطيطة، إن محاكاة واقع مفعم بالتناقضات تعاني طبقاته المسحوقة من التهميش وطمس الهوية، ونقل هواجس وهموم تفاصيل صراع الإنسان في هذا الواقع المعيش، لا يوازيه إلا المسخ، مسخ الأحداث، الشخصيات، الأمكنة والأزمنة واللغة ذاتها، « الكروش البطيخة، فالإقطاعي ينادي « الزيطي »، المكنى على ثنائية ما بين الفخذين، وما يشبه اللوزتين ب »أيها البهيمة » و « كلب بسبعة أرواح »، إنها لغة تحاول أن تحاكي هذا المسخ الوجودي.

Navigation des articles