الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

امحمد بوستة: لا تتركوا الملك وحيداً وسط المفسدين

استجوبه: عبد العزيز كوكاس
Monday, February 07, 2011
هذا الحوار المطول مع الأستاذ امحمد بوستة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، يعود إلى فبراير 2011 وخارج ماورد في برنامج الشاهد على القناة الأولى فإنه أطول حوار يتيح للقراء معرفة تفاصيل كثيرة من الحياة السياسية

محمد بوستة وعبد العزيز كوكاس

محمد بوستة وعبد العزيز كوكاس

تفصلنا عن عام 1994، 16 سنة، وهي مدة كافية ليتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، نريد أن نعرف السر الحقيقي لرفضكم عرض الملك الراحل حول التناوب؟
في الحقيقة، كل ما قيل عن تلك المرحلة من نهاية القرن الماضي، كان مرتبطاً بمسألة جوهرية في النضال السياسي في المغرب، وهي نزاهة الانتخابات، لقد كان الاتفاق هو أن نتحمل ككتلة ديمقراطية بعد انتخابات يونيو 1992 وشتنبر 1993 أمر تسيير الشأن العام، وعرض عليَّ الملك الراحل أمر تشكيل الحكومة، فأجبته رحمه الله، بكل وضوح.. نحن على استعداد لتحمل مسؤوليتنا لكننا نرى أنه لم يتم احترام الاتفاق الذي كان بيننا.
ما هي تفاصيل هذا الاتفاق؟
لقد كنا بصدد إرساء تغيير جذري للإصلاح في المغرب، ينطلق من قاعدة نزاهة الانتخابات وضمان شفافيتها، ووعد الملك الراحل بأن يستعمل كل سلطاته وصلاحياته الدستورية لضمان نزاهة الانتخابات، وأن تنبثق الحكومة، في احترام تام لإرادة الناخبين، من صناديق الاقتراع، وأن تأسيس الحكومة يكون من طرف جلالة الملك، وهذا حق تمْنحه جل الدساتير لرؤساء الدول، وأن تكون هذه الحكومة مساندة من قبل أغلبية برلمانية، ثم بُعْدُ سلطة مؤسسة الوزير الأول، أي أن جلالة الملك يعين الوزراء، بناء على اقتراح الوزير الأول. وفي هذا السياق جاء العرض الملكي لتحمل الكتلة مسؤولية التسيير الحكومي.. والكل يعرف اليوم الأجواء التي مرت فيها انتخابات شتنبر 1993 بالخصوص، الشيء الذي جعلنا ككتلة ديمقراطية بمجموعنا لا نحصل على أغلبية تمكننا من تشكيل الحكومة، بمعنى أن القاعدة السياسية التي بُني عليها الاتفاق، لم تُحتَرم، وبالتالي انهارت كل التعاقدات الأخرى.. فلم تكن الانتخابات نزيهة،ولم نحصل ككتلة على أغلبية سياسية في البرلمان.. و
(مقاطعا) لكن كان الحسن الثاني قد ضمن لكم دعم حزبي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية خاصة؟
صحيح، لكني رفضت هذه الأغلبية المستعارة، لأني لا أقبل مثل هذه التلاعبات.. بأن يُضمن لي آخرون خارج الكتلة، للتصويت على برنامجي السياسي.. وقد سبق لي قبل شهور قليلة على العرض الملكي، أن ألقيت خطاباً قوياً في البرلمان، أقول فيه بالحرف، إن الكارثة الكبرى في المغرب هي تزوير الانتخابات الذي يجعلنا دوماً في صفوف الدول المتخلفة المطعون في انتخاباتها، والتي لا تمتلك مؤسساتها أي مصداقية، فما معنى وجود حكومة منبثقة عن برلمان ناتج عن انتخابات مزورة، هذا ما قلته بالجهر في البرلمان، وخاطبت يومها رئيس الحكومة آنذاك السيد محمد كريم العمراني وبجانبه وزير الداخلية إدريس البصري، وقلت لهما أنتما السبب في الكارثة التي يعرفها المغرب، واستغربت كيف يهنئ الوزير الأول السيد كريم العمراني وزير الداخلية على نزاهة الانتخابات.. وقلت لهما: « أنتما لم تحترما إرادة الملك الذي وعد بانتخابات نزيهة وشفافة.. »، فلما عرض عليَّ الملك الراحل أمر تشكيل الحكومة، قلت له أولا نحن ليس لدينا أغلبية بسبب تزوير الانتخابات، وثانيا، أمام أخلاقي والتزاماتي بمبادئ أدافع عنها، لن يُقبل مني أبداً أن أقف أمام برلمان بهذا الشكل، وأقدم حكومة وبجانبي إدريس البصري الذي كنت أقول فيه كل هذا الكلام.
هل هو بالفعل التزام بقناعات مبدئية واحترام لتعاقدات أخلاقية مع مناضليكم ومع الرأي العام، أم أن الأمر أصبح ذا طابع شخصي في المواجهة بينكم وبين وزير الداخلية؟
لم يكن لدي أي صراع شخصي مع إدريس البصري، لقد كان لي صراع مع وزير الداخلية وسلوكاته في عدم احترام الإرادة الشعبية والإساءة إلى المغرب ومؤسساته، وأعتبر أن كل الإخوان في الكتلة أو في حزب الاستقلال، كانوا يساندون موقفي، واعتبروا أني على حق. وما معنى ألا يحترم السياسي التزاماته وتعاقداته؟! إنها هي الرابط الوحيد التي تجمعه بالرأي العام.. أنا لا أفهم كيف يمكن أن أنعت وزير الداخلية بكل ما قلته فيه في البرلمان، وآتي بعدها وأشكل حكومة فيها إدريس البصري؟! هذه هي الأسباب الحقيقية.
ألم تندموا على هذا الموقف، ليس فقط لمصلحة شخصية في أن يكون محمد بوستة وزيراً أول وحزب الاستقلال هو عصب الحكومة إضافة إلى الكتلة، بل أيضا لمصلحة المغرب، خاصة وأنه بعد أربع سنوات قَبِل صديقكم عبد الرحمان اليوسفي أن يكون وزيراً أول وفي ظل شروط أدنى مما توفَّر لديكم في 1993 و1994 عبر العرضين الملكيين؟

16807398_1126485064127591_798033759807984785_n

محمد بوستة وعبد العزيز كوكاس

أنا لم أندم على هذا الموقف أبدا، رغم أنه كانت هناك معارضات في صفوفنا تدفع باتجاه الانخراط في الحكومة.. كيف تطورت الأمور فيما بعد؟ وكيف قبل السي عبد الرحمان اليوسفي الدخول إلى الحكومة في 1998؟ هذه مسألة أخرى، ربما كانت هناك ظروف جديدة قد تغيرت.. المهم بالنسبة لي كان عندي مبدأ، ظللت أدافع عنه بشكل معقول وواضح..
ذكرتم أنه كانت هناك معارضات لموقفكم من عدم الدخول إلى الحكومة، هل كانت من داخل قيادة حزب الاستقلال أم من طرف أصدقائكم في الكتلة؟
كانت من الطرفين معا في الحقيقة، لكني تمكنت من إقناع من لم يكونوا على نفس رأيي، وقد أبرزت الوقائع التالية في المغرب، صحة وجهة نظرنا كحزب وككتلة.
بم فسرتم صدور بلاغ للديوان الملكي في 11 يناير 1995، يرفع وزير الداخلية إلى مؤسسة دستورية، ويصبح إدريس البصري..
(مقاطعا وهو يضحك) من المقدسات.. بالفعل اتصل بنا أحمد رضى اكديرة، أنا والسي محمد اليازغي، وقال بأنه نظراً لرفضك العرض الملكي، أن جلالة الملك قرر إصدار بلاغ وأمر بألا يُذاع قبل أن تطَّلع عليه، قلنا له مرحبا، ولما تلى علينا نص البلاغ، قلنا له، أنا وسي محمد اليازغي، ها هو ما زال حياً، من حق صاحب الجلالة أن يؤخر التناوب، لأنه ارتأى أن شروطه لم تنضج بعد، لكن اعتبرنا إدخال إدريس البصري ضمن المقدسات، عيبا وأمرا مشينا. فالمقدسات معروفة لدى كل المغاربة من النظام الملكي إلى الدين الإسلامي، أما أن نتحدث عن الأشخاص بالمقدسات فهذا عيب.. لكن اكديرة، رحمه الله، أصرَّ على أن هذه الكلمة وضعها جلالة الملك ويجب أن تبقى في نص البلاغ، فقلنا له حينها، لكم الحق أن تصدروا البلاغ الذي تريدون، لكن بالنسبة لنا نرى أمر تقديس وزير الداخلية فيه قذف في حق المغرب، وفي حق الملك.. لذلك نطلب من جلالة الملك حذف هذه العبارة، لكنه أصر على بقائها، وتم تأخير صدور البيان وأعاد الاتصال بنا ليلا، لمراجعة موقفنا وظللنا مصرين على موقفنا، وبالتالي لم يُذع نص البلاغ إلا في صبيحة اليوم الموالي..
ما هي رسالة إلحاح الملك الراحل على الإبقاء على هذه العبارة.. « رفع وزير الداخلية إلى مؤسسة دستورية ».. خارج أن هذا الشخص الذي رفضتم عرض الملك لتولي الحكومة بسببه.. يرفعه الحسن الثاني إلى طابع القداسة؟
والو، أعتقد أن أحمد رضا اكديرة كان يقوم بدوره، وهو إفساد هذا التلاقي بين الملك والكتلة، وكان ضد أن يصبح حزب الاستقلال على رأس الحكومة.. لذلك قام بتصريف هذا الأمر، فهو له نظرية في هذا البعد ضد حزب الاستقلال من زمان، وظل يكشف عن مخططه كلما سنحت له الفرصة بذلك.
هل كان رأي محمد اليازغي على نفس موقفكم؟
تماما، فقد ظل السي محمد اليازغي يلح أيضا على حذف هذه العبارة، وكان موقفه مشرِّفاً جداً، كنا متفقين على طول الخط في هذه المسألة.
ألم يقل لكم الحسن الثاني جرِّبوا إدريس البصري في حكومتكم وعلى ضماناته؟
هو ألحَّ عليَّ، لم يقل جرِّبوه، ولكن قال بأن إدريس البصري في خدمة البلاد وسيكون رهن إشارة الحكومة، لكن هذا لا يغير شيئا من موقف مبدئي وعلني، لأنه إذا كنا سنحترم اتفاقاتنا، وسنكون جديين في تحقيق التغيير الجذري الذي اتفقنا على أسسه، من الانتخابات النزيهة إلى تعيين الوزير الأول من الأغلبية، واحترام صلاحيات الوزير الأول في اقتراح أسماء الوزراء الذين يعينهم جلالة الملك وهذا من حقه، فأنا شخصيا لن أقبل أن يكون بين وزراء حكومتي، رجل ارتبطت به كل أشكال التزوير والفساد.
لقد كان هناك شيء من العبث السياسي.. في 1992 يخطب الملك الراحل بأنه لا يقبل بالتزوير وأنه حرَّمه على نفسه وعلى حكومته، ومع ذلك تم تزوير الانتخابات.. وفي 1996 قال رحمه الله: « سأستعمل كل صلاحياتي الدستورية لمنع التزوير »، ومع ذلك يحدث التزوير بشكل أفظع من الأول… كيف تفسرون التزامات نظرية لأكبر سلطة دستورية في البلد، وانتخابات على أرض الواقع تظل تتعرض للتزوير والإفساد؟
هذا هو المشكل فهاذ البلاد حتى اليوم، مع كامل الأسف، منذ أول استشارة شعبية في 1963، عندما تأسس الفديك حتى الآن، لقد كان التزوير علنيا، وحتى حين وقع تغيير في فكر الملك الراحل في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، فإن كل ما أعلن عنه جلالة الملك لم يطبق، وهنا تبقى دائرة الغموض واضحة جدا.
إن الأمر لا يعني إلا أحد شيئين: إما أن الملك الراحل كان يؤمن بما يقول ومحيطه هو الذي لم يحترم خطبه وما التزم به أمام الرأي العام، وهنا سندخل إلى من له سلطة القرار، وهو أمر صعب أن نقول بصدده أن الملك الراحل لم يكن يعلم بوقائع التزوير أو بأنه يُفرض عليه الأمر الواقع، وإما أنه لم يكن يُسوِّق سوى أوهام هو أول من يعرف أنها لن تطبق.. كيف تؤِّولون الأمور بشكل جلي؟
(ضاحكا) ها أنت بدأت توسع من دائرة الغُموض!
لا حظوا معي أستاذ محمد بوستة هذه المفارقة: دستور 1992 كان أقوى من دستور 1996، رفضتم الأول وصادقتم على الثاني، انتخابات 1992/1993 أقل تزويرا، وفي 1994 كانت الضمانات السياسية أقوى منها كما في 1998، رفضتم أنتم تشكيل الحكومة في 1994 لاعتبارات أخلاقية، وقبل صديقكم اليوسفي بها في 1998 في ظل انتخابات أكثر تزويرا.. أين يوجد المنطق هنا؟
كل ما قلْْتََه صحيحا، ويمكن أن أذهب معك بعيداً إلى الوراء، لأقول لك إن دستور 1962 كان جد متقدم على الدساتير التي تلته، بما فيها دستور 1996 الذي يحكمنا الآن. لكن للأسف، وبحكم آثار الانفصال مع إخواننا، لم نكن على نفس الرأي، إخواننا الاتحاديون كانوا يطالبون بمجلس تأسيسي لوضع الدستور، وكان علال الفاسي رحمه الله، يقول لهم الآن الدستور موجود، فلا ينبغي أن نُعيد أسئلة من وضع الدستور؟ ومن منحه؟ لأنه يجب أن نخرج من حالة اللادستور إلى حالة الدستور، وحينها نخوض معركة من أجل إصلاحه وتغييره، وهي معركة طويلة النفس، لقد اعتبر السي علال، أن دستور 1962 يضع اللبنات الأولية والأساسية لخروج البلاد من حالة الفوضى إلى دولة المؤسسات، ومن داخل هذه المنظومة الدستورية يمكن أن نصلح ونغير الأوضاع، خاصة فيما يخص سلطة الوزير الأول واختصاصاته..
برأيكم، لماذا لم يكن الملك الحسن الثاني يسمح باختصاصات أوسع للوزير الأول؟
في المجال الدستوري، هناك أمور تكتب في الدستور وهناك أمور تفرضها الممارسة الدستورية، مثلا تسمية الوزراء، هذه مسألة أساسية، فرئيس الدولة هو الذي يسمي الوزير الأول وباقي الوزراء، لكن الاقتراح يدخل في مجال الممارسات الدستورية، كذلك استقالة الوزراء يجب أن تكون للوزير الأول قبل الملك، وكان الاتفاق مع الحسن الثاني، أنه ليس من الضروري أن تُكتب هذه الأشياء في الدستور، ولكن أن تمارس وتُقعَّد في العمل الدستوري… « هاذ الشي ما يَمْكنش نْسَتْروه كثر من اللازم ».. لقد كان بجانب الملك، أحمد رضى اكديرة الذي أعتبر أنه هو صاحب مثل هذه الفتاوى على الحسن الثاني.
لحظة تعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيراً أول في فبراير 1998، كان أول شخص يزوره بعد مغادرته للقصر الملكي، هو أنت، أعتقد في هذا المنزل الذي أحاورك فيه الآن، ماذا دار بينكما بالضبط؟
نعم، بالضبط في هذه القبة.. صراحة ولا أخفيك أني لم أُفَاجأ كثيراً لأمر تعيين السي عبد الرحمان، لكني تفاجأت قليلا… لم أتفاجأ كثيرا، لأنه لما غادر اليوسفي المغرب احتجاجا على تزوير انتخابات شتنبر 1993، واستقر بفرنسا بمدينة « كان »، كنت من الناس الراغبين جداً في عودة عبد الرحمان اليوسفي باتفاق مع جلالة الملك، لأننا كنا نريد أن نُتم ما بدأناه مع المرحوم عبد الرحيم بوعبيد منذ 1989، الذي وَقَّعت وإياه مذكرة مهمة جداً، للإصلاح الدستوري والسياسي، لم تطبق حتى الآن.. وقد زرته في « كان » وألححت عليه كثيراً للعودة، وكان الملك الراحل، أرسل إليه مستشاره أحمد عواد وبوشنتوف.. المهم، عاد عبد الرحمان اليوسفي إلى المغرب، واستقبلنا الملك الحسن الثاني، أنا وإياه، حيث عرَّفه على ولي العهد، جلالة الملك محمد السادس الآن، بصفته مقاوماً ومناضلاً.. يومها قال لنا الحسن الثاني، بأنه يجب أن نتجاوز بعض الأمور، « أنتما ما تْحَكْروش بزَّاف وأنا غا نساعد »، بقيت الأمور هكذا، حتى تفاجأت بمكالمة هاتفية من عند السي عبد الرحمان اليوسفي، الذي قال لي: « أنا خارج من القصر الملكي وجاي عندك »، قلت له: « مرحبا بك ».. جاء عندي وقال لي: « إن الملك أرسل في طلبي، وقال لي إن الأمور كلها يمكن أن تسير بالشكل المطلوب والمغرب في حاجة إلينا، والسي محمد بوستة رجل أقدره وهو مستعد كل لحظة لخدمة بلده و.. و.. إلى آخره. وعرض علَيَّ الملك أمر الوزارة الأولى وقَبلت، على أساس أننا سننقذ البلاد من الأزمة، و »نعملوا مع بعضنا وراني قبلت بشرط يكونوا الاستقلاليين معانا » »..
وهنا تفاجأت قليلا، فقلت له: « مبارك مسعود، ولكن كاتعرف آسي عبد الرحمان أننا عقدنا مؤتمراً استثنائياً باتفاق معكم، وقلنا إن الانتخابات كانت مزورة، وأن حزب الاستقلال لن يزكي أو يتعامل مع أي مؤسسات منبثقة عن التزوير، لذلك فأنت قبلت من جلالة الملك أمر تحمل مسؤولية الوزير الأول دون أن تستشيرني، أنا أحترم رأيك، لكن لا يمكن أن أقول لك، نعم سنشارك معك في الحكومة التي ستشكلها، فهذا أمر ليس بيدي، وليس من اختصاصي، لأنه شأن المؤتمر ولا يمكن أن أعقد مؤتمراً استثنائيا آخر لألغي بيان المؤتمر السابق »، ومن الصدف أن المؤتمر الوطني لحزب الاستقلال كان سينعقد في نهاية نفس الشهر، فبراير 1998، وقلت له: « المؤتمر هو الذي سيقرر أمر المشاركة من عدمها.. » ظل السي عبد الرحمان اليوسفي يلح علي لمشاركتنا في الحكومة، فقلت له: « كل ما أستطيع أن أضمنه لك، وأعدك به.. هو أني سأكون من المدافعين عن مشاركة حزب الاستقلال في حكومتك، نظراً للالتزامات الأخلاقية التي بيننا.. ولكن مستحيل أن أقول لك الآن: نعم سنشارك ».. وكذلك كان، حيث انعقد المؤتمر الوطني وكنت من الذين طالبوا من المؤتمرين برفع الحجز السابق، من أجل مشاركة الحزب في حكومة السي عبد الرحمان.

محمد بوستة وعبد العزيز كوكاس

محمد بوستة وعبد العزيز كوكاس

هل كنت مقتنعا بضرورة مشاركة حزب الاستقلال في حكومة اتحادية؟
كنت مقتنعا، ولازلت حتى الآن، بفكرة واحدة، وهي الحفاظ على العمل الوحدوي مع إخواننا في الاتحاد الاشتراكي، لقد كنت حريصاً على تطبيق وصية سيدي علال، الله يرحمو. وسأقولها لك لأول مرة، ساعة واحدة قبل موته برومانيا، ببوخاريست، كنت صحبته أنا وسيدي حفيظ القادري، لقد أعطانا وصيتين: الأولى ألا نبتعد عن الملك، لأن المحيطين به يفسدون عليه العمل، « ها الأرض » تتمزَّق في اتفاق إفران واتفاق تلمسان، ها الكارثة الكبرى، إذا قضى ونزل، لو انقلب الجيش على الملك أو قتله، فإن المغرب سيدخل إلى متاهات الأنظمة العسكرية التي لن تأتي بأي خير إلى البلد.. أما الوصية الثانية، فهي أن العمل السياسي لحزب الاستقلال يجب أن يكون مع الوطنيين، الإخوان الذين انفصلوا عنا.
هذه الوصية التي حافظت عليها طيلة مسار تحملي لمسؤولية الأمانة العامة للحزب، هي التي أملت عليَّ موقف المساندة، لما خاطبني السي عبد الرحمان اليوسفي في شأن تشكيل الحكومة.
لماذا لم تشاركوا شخصيا، بوزنكم السياسي والرمزي، في حكومة التناوب التوافقي إلى جانب اليوسفي؟
الأخ عبد الرحمان طلب مني أن أشارك شخصيا إلى جانبه، والحقيقة أننا كنا اتفقنا في قيادة حزب الاستقلال ألا نكون خارج الحكومة ولكن ألا نشارك كثقل بالقيادة وأن نقدم جيلا جديداً من المناضلين، والحقيقة أننا قدمنا شباناً مشرفين قاموا بواجبهم على أكمل وجه، وباتفاق مع الأمين العام السي عباس الفاسي، الذي قاد المفاوضات حول تشكيل الحكومة مع السي عبد الرحمان في هذا البيت نفسه.
هل كان الأمر يتعلق برفض مبدئي، بالنسبة للسيد بوستة، أم هو مرتبط ببعد شخصي.. من مشروع وزير أول إلى مجرد وزير في حكومة اليوسفي؟
المسؤوليات في حياتي السياسية كانت هي التي تأتي إليَّ لا أنا الذي أذهب لاهثا وراءها، لأنني كنت أقدِّر دوماً متاعبها، وما همتني يوماَ قشور التسميات والمناصب، لأن مصلحة الوطن كانت دوماً – كما علَّمنا سيدي علال – أقوى من مصلحة الحزب، فبالأحرى المصلحة الخاصة.. لذلك أقول لك، من حيث المبدأ لم يكن هناك أي رفض، لأنني دافعت على مساندة إخواننا في الاتحاد الاشتراكي إبان تشكيل الحكومة، لكن اتفقنا ألا ننزل بثقل القيادة الحزبية، هذا كل ما في الأمر.
عشتم إلى جانب علال الفاسي، الذي كان يتصرف كرجل دولة، لا كقائد حزب سياسي، و…
(مقاطعا) كان أكثر من رجل دولة.. علال الفاسي الذي رافقته وتتلمذت عليه، كان شخصا خارقا للعادة، يمتلك بُعد نظر قوي، ويفكر بشكل بعيد في الأمور الظرفية نفسها، كان يملك القدرة على التأمل وحدس المستقبل، وله فراسة لا تخطئ في النظر إلى عمق الأشياء، كان يرى بنور الله.. وقد وقعت لي معه إشراقات تُبرز أنه لم يكن إنساناً عاديا بكل المقاييس.
مثلا؟
حين عاد سيدي علال من المنفى، بعد حادث الانفصال في 1959، وقت التشنج مع الإخوان الاتحاديين، جاء رحمه الله، من مدينة طنجة إلى الرباط، وكان مريضا بمرض النقرس « la goute »، كنا مجموعة ضمنها السي محمد اليزيدي، محمد بنشقرون وآخرون، أدينا قسماً لنفوٍّض له أمر تسيير شؤون الحزب، ولما جاء دستور 1962، كان التباين واضحا بين طرحنا وطرح الإخوان الاتحاديين، وجاءت انتخابات 1963، وهنا تبرز عبقرية سيدي علال، كان الاصطدام بين الاستقلاليين والاتحاديين يصل إلى الاحتكاك الجسدي ووصل إلى أبعد مدى، ومع ذلك قال لنا علال الفاسي لا بد من مخاطبة إخواننا لكي ندخل الانتخابات بمرشح مشترك في 1963، وبالفعل تشكلت من حزبينا لجنة كان يمثل الاتحاديين فيها المهدي بن بركة الله يرحمو ومحمد منصور شافاه الله، وكنت أنا والطاهر غلاب عن حزب الاستقلال، واتفقنا على المرشح المشترك في بعض المناطق، وفي مناطق أخرى كان كل واحد منا يتنازل عن المنافسة في الدائرة التي يتقدم فيها الآخر..
مسألة ثانية، كنا كشباب، مثل باقي الجمهور العربي، منبهرين بالتجربة الناصرية وبرمزية شخصية جمال عبد الناصر وما قام به في مصر في بداية انقلاب يوليوز 1956، لكن سيدي علال كان يقول: « هاذ الشي مزيان، لكن يجب أن تكونوا حذرين، هاذي راها ماشي ثورة لصالح الشعب، هذا إجهاض للثورة، بسبب غياب الأحزاب والمؤسسات الديمقراطية الحرة وإعلام خارج سلطة الدولة، ووجود اختلاف في الرأي وحرية المعارضة.. » والتاريخ أبرز صحة وجهة نظره الثاقبة، أكثر من هذا، كان السي علال دائما يجد لنفسه مخرجا ذكيا من الورطات التي يجد فيها نفسه، معنا في القيادة أو مع الملك الحسن الثاني…
(وهو يضحك) مرة خلال سفره الأخير الذي رافقته فيه، ذهبنا إلى شيراز حيث قدّم عرضاً حول ما كان يسميه « المدرسة النحوية للغرب الإسلامي: الأندلس والمغرب »، ولاَحِظْ أنت فقط هذا الاختلاف في اهتمامات السي علال، ها اللغة نحواً وبلاغة، ها الفقه وأصوله.. ها الفلسفة والفكر القانوني والدستوري، ها الشعر والأدب، ها التنظير العميق للمقولات المذهبية، ها إنجاز التقارير السياسية والمحاضرات والندوات التي يطوف بها العالم وداخل المغرب أيضا، ها الممارسة السياسية التي يحضر في كل تفاصيلها… أي طاقة خارقة كانت لهذا الرجل؟!
المهم كانت الذكرى الـ « 1200 » لوفاة سيبويه بشيراز، وحضر سيدي علال بمداخلته.. كنت أنا والسي عبد العزيز بن عبد الله، جاء إيراني إلى المنصة وقدم سؤالا إلى سيدي علال المحاضر، باللغة الفارسية، ولم يذكر سوى آيتين وحديث نَبوي شريف باللغة العربية: « أنا أبلغ العرب، بيد أني من قريش.. »، فقط هذا ما نطقه بالعربية، فأخذ سيدي علال الكلمة ليجيب المتدخل.. ويجب أن تعرف من كان حاضراً في هذه الندوة: علماء ومفكرين كبار أمثال عبد الرحمان بدوي الذي كان إلى جانبي، وسألني: « هل الأستاذ يعرف الفارسية؟ » فلما قلت له: « لا ».. لم يصدق، لكنه أردف بإيماءة إعجاب وتقدير، وهو يقول: « كيف يجيب بكل هذه البلاغة وهذا الوضوح على سؤال لم يفهم لغته؟ » إنها إحدى إشراقاته رحمه الله.
كنتم إلى جانب المرحوم علال الفاسي برومانيا، حين لفظ أنفاسه الأخيرة، إحكوا لنا التفاصيل الأخيرة للراحل؟
بعد محاضرته التي كانت بشيراز، التي سبق أن أشرت إليها، انتقل إلى الكويت، حيث سفيرنا السي أحمد بلمليح رحمه الله، هذه الجولة التي ستقودنا إلى بوخاريست، جاءت بعد أن نبا إلى علم سيدي علال أن الإسبان يهيئون أرضية لإعطاء « استقلال » داخلي في الصحراء في سيناريو محبوك ضد الوحدة الترابية، وخاطب رحمه الله جلالة الملك في هذا الموضوع قبل أن يسافر، وعقد ندوة صحافية حيث ناشد الدول العربية لمساندة المغرب في استكمال تحرير الأجزاء الجنوبية للوطن. سافرنا معا من شيراز إلى بوخاريست، حيث وجدنا عبد الحفيظ القادري في انتظارنا لأنه جاء من الرباط، كان لنا كوفد موعد مع الرئيس الروماني الأسبق تشاوسيسكو في السادسة مساء، في الرابعة جاء وفد فلسطيني إلى مقر إقامتنا، وفي مقدمته هاني الحسن، وعقد أعضاؤه جلسة عمل مع سيدي علال، وطلبوا منه أن يتدخل لدى تشاوسيسكو الذي علموا بمقابلته له، من أجل فتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في بوخاريست…

16807725_1126484057461025_978222991883961598_n

محمد بوستة وعبد العزيز كوكاس

بعدها أخذنا نتجول في حديقة أنا وسيدي حفيظ صحبة علال الفاسي في انتظار السيارة التي ستُقِلّنا عند تشاوسيسكو، فأخذ رحمه الله يتكلم بصوت مرتفع، ويقول لنا: هذه هي الوصايا التي أتركها لكم في حزب الاستقلال، مباشرة حين عودتنا إلى الرباط، سنقترب من القصر، لم يعد ممكنا أن نترك الملك وحده، لأن المحيطين به يفسدون الحكم بالبلاد، ونحن إذا استطعنا أن ننقص حتى ولو 10 في المائة أو 20 في المائة من الفساد.. فذلك سيكون لمصلحة المغرب »، لأن الرشوة كانت ضاربة الأطناب في دواليب الدولة، وزراء يحاكمون، انقلابات متتالية للجيش.. وأضاف « هادشي حدث بسبب أننا أيضا ابتعدنا عن الملك، وخلينا كمشة من الفاسدين تحيط به، لذلك أوصيكم دوماً بالبقاء إلى جانب الملك.. والوصية الثانية هي العمل الوطني التنسيقي مع الإخوان الذين انفصلوا عنا، بهذه الوحدة سنحمي الملكية ونبني مستقبل مغرب ديمقراطي ».
جاءت السيارة التي ستقلنا إلى المقر الرئاسي.. رحَّب بنا تشاوسيسكو، وأثنى علال الفاسي على الحسن الثاني كعادته، وهذه دائما كانت ميزة سيدي علال ما أن يكون خارج المغرب حتى ينسى الخلافات الداخلية ويتكلم عن الملك والمغرب بشكل إيجابي جداً، لأنه يمثل وجه المغرب هناك.. والتمس منه منذ البداية السماح للإخوة الفلسطينيين بفتح مقر لهم ببوخاريست، فأعطى تشاوسيسكو الأمر ساعتها للقيام بذلك اليوم قبل الغد، ثم بعدها بدأ يتحدث عن الأراضي المغتصبة بالصحراء وعن المخطط الإسباني.. ثم وقف على حين غرة.. وبدأ يصرخ: « الهواء، الهواء.. ما كاينش الهوا »، مع العلم أننا كنا في قاعة كبيرة جداً، فقصد رحمه الله إحدى النوافذ وفتحها بقوة، كان يحس بضغط كبير في التنفس.. وقف تشاوسيسكو وأنا وسيدي حفيظ الذي أمسك بسيدي علال، ودار فِيَّا أنا، وقال لي: أتمم ما بدأته مع تشاوسيسكو، أنت على دراية بالملف، أحطه علماً بكل التفاصيل لتساند رومانيا قضيتنا العادلة »، أتكأ على سيدي حفيظ القادري ورفع سبابته وأخذ يشهِّد، وبعد أن حمل إلى المستشفى العسكري حيث أُجريت له عملية على القلب، ظللنا ننتظر في قاعة المستشفى، ثم خرج علينا من كان اليد اليمنى لتشاوسيسكو، وقال لنا كلمة واحدة: « إنها صاعقة ».. لقد مات رحمه الله.
باعتبار خبرتكم الكبيرة في ملف الصحراء، لماذا وصلنا إلى كل هذه التعقيدات اليوم، أين أخطأنا في تدبير الملف، ما هي الفرص التي ضيَّعناها؟
ليست هذه تعقيدات، كل ما في الأمر أن المغرب تساهل أكثر مما ينبغي في قضية الصحراء.. الحسن الثاني رحمه الله كان دائما يرى أن مشكل الصحراء لا يجب أن يؤدي إلى أي قطيعة مع الإخوة في الجزائر، وأن الأمور يجب أن تسير بالتي هي أحسن، يجب أن تتذكروا أنه بعد قيام المغرب بالمسيرة الخضراء، واندلاع المشكل في المحافل الدولية، « كانت حالتنا في العالم، لا نحسد عليها »، فالجزائر جمهورية وهي رمز للمقاومة والتقدمية والثورة والتحرير، باعتبارها بلد المليون شهيد، بالإضافة إلى إغراءات النموذج الاشتراكي، والملكية رجعية ومتخلفة، ونحن كنا في صف معين.. إلى غير ذلك مما كان زمن الحرب الباردة.. ولكن جلالة الملك كان مصراً على الحفاظ على الصحراء، لكن في ظل جو أخوي مع الجزائريين.
لقد جئتم إلى وزارة الخارجية في هذه الظروف مع حكومة أحمد عصمان في سنة 1977؟
بالضبط، كان المغرب آنذاك في شبه قطيعة مع محيطه الإفريقي، لم تكن تساند قضيتنا الوطنية إلا دولتان أو ثلاثة، إلى أن وردت فكرة إجراء الاستفتاء عام 1981 حين ذهبنا إلى نيروبي، وقتها مورس ضغط على الملك الحسن الثاني، تغمده الله برحمته، من أصدقائنا والمساندين لنا، سيما من الكبار منهم، فرنسا، إنجلترا والسعودية، قام الحسن الثاني بقبول الاستفتاء استجابة لإخواننا زعماء الدول الشقيقة وذلك بهدف إرضاء الطرف الجزائري وفق التصور الذي كان له رحمه الله عن العلاقة مع الجار الشقيق.
أكثر من ذلك، كان الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد قد دعا المغرب فقط إلى ملاقاة جبهة بوليساريو على التراب الجزائري سرا وأن قيادتهم ستقبل بإنهاء النزاهة.. رغم ترددنا في البداية، عقد لقاء مهم بوجدة في قرية العقيد آنئذ، لكن هذا لم يشفع في تغيير مواقف الجزائر الثابتة من قضية وحدتنا الترابية، وإن كنا التقينا ببوليساريو في وفد ضم الراحلين أحمد رضا اكديرة وإدريس البصري وعبد ربه، التقينا بقيادة بوليساريو دون أن نصل إلى نتيجة مرضية بفعل لعب الإخوة الجزائريين. ففي وقت من الأوقات هاجمتنا قوات من عناصر بوليساريو والجيش الجزائري بعد واقعتي « أمغالا 1 و2 » ووصلت إلى مدينة طنطان، وكانت القوات المغربية تهم بمتابعة المعتدين إلى من حيث قدموا، انسجاما مع مضامين « حق المتابعة » الأممي، لكن الملك الراحل رفض الفكرة وأمر الجيش بعدم التوغل في التراب الجزائري لمتابعة ما تبقى من مهاجمين. وهنا أقول بكل موضوعية، إذا جاز لي الحديث عن الموضوعية في هذا الباب، أقول بصدق إن الجزائر لم تكن أبدا تستسيغ مثل هذا الموقف المغربي المهادن والمسالم، لقد تساهلنا إلى أبعد حد والجزائريون لم يكونوا في مستوى فهم رسائل المغرب.
إذا عدنا الآن، إلى سنة 1981 ترى من كان على حق: هل الملك الراحل الحسن الثاني أم عبد الرحيم بوعبيد في مبدأ الاستفتاء؟
هنا أقول: إنه كانت هناك نرفزة من الجانبين، فالحسن الثاني رحمه الله – كما أسلفت – مورس عليه ضغط كبير للقبول بمبدأ الاستفتاء في الصحراء ويجب أن تعرفوا أن الجزائريون « جَهْلوا » حين سمعوا بقبول المغرب للاستفتاء و »مارْضَاوش »، بينما كان الاتصال بعبد الرحيم بوعبيد نادرا ما يتم ولا أعرف السبب، لقد تم تهميشه، وأقول، لو كنت هنا في المغرب، واستغفر الله العظيم، من أن أعطي لنفسي أكثر من حجمها، لم يكن ليقع ما حدث.
أين كنت حينها؟
كنت في زيارة طويلة صحبة ولي العهد سيدي محمد في إفريقيا وغبت مدة طويلة عن المغرب.. المهم كما قلت، لو كنت بالمغرب لما حدث ذلك التشنج بين مولاي الحسن والراحل بوعبيد، والسي عبد الرحيم كان فاهم هاذ الشي.. ولا يمكن أن نتحدث هنا عمن أخطأ، ذاك عمل المؤرخين، لأن كل واحد منهما انطلق من روح وطنية خالصة، فسي عبد الرحيم اتخذ موقفا وطنيا كان يسانده كل المغاربة، ولكن أخطأ من الناحية التكتيكية أو أسلوب إبلاغ المراد، مع العلم أنه كان أكبر رجل تاكتيكي واستراتيجي..
احتككتم مع الملك الراحل، وقتها كان هناك نوع من السياسة لم يعد موجودا حاليا، السياسة المستندة إلى تكثيف الرموز ودلالاتها؟
(يضحك).. يجب أن نفهم أولا أن الحسن الثاني رحمه الله كان هو الملك طبعا، كان يحمل لي نوعا من « العاطفة »، كان يلتقيني في عدد من المناسبات خارج الإطار الحكومي، يستضيفني بمقره الخاص، نناقش الكتب والمؤلفات والإصدارات.. وكانت بيننا « مذاكرات » خارج سياق المسؤولية الحكومية. كان تغمده الله برحمته إنسانا لطيفا ولبقا في تعامله، يحب الاستماع والإنصات إلى الرأي الآخر.. غير أنه لم يكن يحبذ أن تواجهه. كان الحسن الثاني يحترم مواقفي التي كان يأخذها بجدية، لكن مع ذلك سبق وأن وقع نوع من المشاداة بيننا، لم تكن هناك قطيعة بل مجرد مشاداة، من ذلك على سبيل المثال زيارة الملك الراحل لتقديم اقتراحه الخاص بالصحراء إلى نيروبي خلال يونيو وشتنبر، تم وقتها تكوين لجنة للحكماء على أن تقترح حلا معينا، حينها قدمت الجزائر مقترحا ضاغطا يقضي بإفراغ الصحراء من الإدارة والجيش.
كان موقفنا صعبا لأننا كما قبلنا بإجراء الاستفتاء، كان علينا أيضا القبول بالشروط التي يتضمنها، نحن كذلك قمنا بدراساتنا واقتراحاتنا واتصالاتنا، لكن لما حان أوان ذهابنا إلى نيروبي، قرر الحسن الثاني عدم الذهاب، كنت آنذاك متواجدا بأمريكا وجرى الاتصال بي من لدن أحمد رضا اكديرة وأحمد العلوي والجنرال الدليمي، كل مرة تايجي عندي واحد تايقول لي ما طَّيرهاش لسيدنا، سير بوحدك، وما توقفش الأمور.. كنت وضعت حضوره كضرورة وفهم أنني سأنسحب من وزارة الخارجية والحكومة، ولما التقيت الملك الراحل قلت له: « إذا لم تذهب إلى نيروبي فستضيع الصحراء، خاصة وأن لك ثقلا وازنا على الساحة »، فأجابني رحمه الله بالتأكيد على « أن الصحراء ديالنا وما غادينش نخرجو منها، فإذا أنا ذهبت إلى نيروبي وقيل لي على الإدارة والجيش مغادرة الصحراء، فإن المعني بالمواجهة سيكون هو أنا، ولدي الحل، وإذا ذهبت أنت إلى هناك وجرى اقتراح نفس الطرح، فوقتها سأقول لك.. ما قابلك لا أنت لا ذاك المقترح.. فأنا هو المرجع ولسْْتَ أنت ولهذا فأنت الذي سيزور نيروبي.. » وأوصاني ببذل كل الجهود، مانحا إياي كل المتطلبات والتوجيهات.
بذهابي إلى نيروبي بمعية الجنرال الدليمي تم اقتراح بقاء الإدارة المغربية بالصحراء، إلا أن الجيش يجب إدخاله إلى الثكنات ثلاثة أشهر قبل موعد الاستفتاء.
إذن، كان ذلك مكسبا كبيرا على ما يبدو؟
نعم، كان الأمر مكسبا هاما جدا، حيث حدثني الحسن الثاني مبديا انشراحه الكبير للأمر، بل بعودتنا إلى مراكش فوجئنا بمظاهر الفرح والاستبشار تعم المكان، بعدها عقد مؤتمر القمة العربية الأولى في أبريل 1981 عقب بذل عمل مضني من لدن المغرب مع أمريكا و الدول العربية وأعددنا كل المستلزمات بما في ذلك القرارات المتفق بشأنها، لكن كانت هناك نقطة خلافية بين الرئيسين الراحليين السوري حافظ الأسد والعراقي صدام حسين، خصوصا بشأن النزاع مع الطرف الإيراني ونظام حزب البعث، وقتها دشنت زيارتين إلى كل من سوريا والعراق للتباحث مع الطرفين لساعات. وتقرر عقد المؤتمر العربي يوم 8 أبريل بحضور كافة الزعماء، عشية انعقاد أشغال المؤتمر عقد اجتماع تحضيري لوزراء الخارجية العرب، حيث جرى الاتفاق على كافة المضامين والمقررات، وفي الصباح الباكر، فوجئت بوزير الخارجية السوري حينها عبد الحليم خدام يطرق باب محل إقامتي ليخبرني أن الرئيس السوري حاف الأسد اعتذر عن المشاركة في تلك القمة. وقبل الثامنة صباحا اتصل بي الملك الحسن الثاني قصد الاطمئنان على السير الطبيعي لأمور عقد مؤتمر القمة العربية، وأخبرته بأن حافظ الأسد لن يشارك لوعكة ألمت به، فأجابني « لن تكون هناك قمة في غياب الأسد ».. وطلب مني الالتحاق به على الفور، إذ اتصلنا بالملك الأردني الحسين بن طلال وفهد بن عبد العزيز الذي كان ينوب عن العاهل السعودي خالد، وأكد جلالته أنه لن يكون هناك مؤتمر بدون حضور الرئيس الأسد على الفور.. وفي شتنبر قمنا بزيارة الأسد ووضحنا له المستجدات، إلى جانب كيفية مساندة ودعم العراق…
الآن، كيف ينظر السي محمد بوستة إلى الواقع السياسي بالمغرب والمشهد الحزبي منه خصوصا؟
أعتقد أن بلادنا تسير بخطوات موفقة في الجانب السياسي، لكن هناك بطء يطال جوانب أخرى أساسية، أولها على مستوى قضية الصحراء التي أضعنا بشأنها فرصة كانت سانحة في 2001 مع المخطط الأول الذي كان جيمس بيكر قد قال فيه بفكرة الحكم الذاتي الموسع بالأقاليم الجنوبية، بل وأعطى تصورات بهذا الخصوص في دائرة السيادة الوطنية واحترام الحدود المغربية.. هذا مكتوب.. وقد اتصلت هنا بوزير الخارجية محمد بنعيسى، قال لي، أنا نجي عندك قلت ليه: أنا للي غانجي عندك، وأكدت له صواب قبول المغرب بهذا المخطط.. كانت تلك فرصة بأيدينا للاتفاق على مسألة الحكم الذاتي التي بتنا نجدد المطالبة بها الآن، وبشكل موسع أكثر من مخطط جيمس بيكر..

15.jpg
لكن هذا الأمر كان سيكون في ظل خمس سنوات لتهييء الاستفتاء؟
كنا حينها سنعمل على إدماج الساكنة وننهي المشكل وتدخل بوليساريو إلى الصحراء، وإذا لم تقبل فستجد نفسها وحيدة خارج رمال الصحراء. وانتهينا.. أما على مستوى المشهد السياسي الحالي وفي قضية الصحراء، كما في كل قضايا التحرير بصفة خاصة، كان واجبا أن يكون لنا رأي واحد إذا أردنا إنجاح مطالبنا بالتحرير، فلا يجب أن تكون هناك عشرات الآراء والمواقف « هذا غادي هكذا، ولاخور هكذا ».. مثل ما وقع ونحن نطالب باستقلال المغرب، كانت هناك مواقف تطالب بالحرية والاستقلال، ومواقف أخرى تنادي ببقاء الفرنسيين، فالصراعات الناشبة حاليا بين حزب الاستقلال والبام لا تخدم القضية الوطنية بأي حال من الأحوال، وبخصوص المسؤولين بالأقاليم الصحراوية فليس ضروريا أن يكونوا منتمين إلى أحزاب بالقوة يجب أن يترك لهم حرية الاختيار، أما عن تدبير أمور البلاد فلا بد هنا من اعتماد التعدد، يجب أن يكون هناك تنافس حقيقي بين البرامج والمخططات الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، حتى ولو كان هناك خلاف في الآراء. وجلالة الملك بطبيعة الحال يظل هو الحكم والفيصل، لكني أجدد التأكيد على أنه في موضوع التحرير خصوصا، ينبغي أن يكون هناك موقف واحد.
في زمن تقلدكم للمسؤولية، كانت ثمة خاصيات أخلاقية في التعامل السياسي والحزبي، الآن ما تبريركم لاندثار هذه الأخلاق؟
هذا هو السؤال الذي لا أملك إجابة عنه.
طيب، كيف تنظرون إلى ما حدث بتونس؟
ما حدث يظل أساسيا ما في ذلك شك، فكما أوردت ذلك جريدة « لوموند » الفرنسية « لا أحد يقبل بتواجد نظام ديكتاتوري بوليسي فاسد داخل بلده »، ولذلك فإن كل الأنظمة الحاكمة التي تسير وفق هذا النهج فمصيرها لن يخرج عما وقع بتونس، لا يمكنني قول المزيد، سوى أن نتمنى لتونس الشقيقة كل الخير بنهج النزاهة والشفافية واعتماد انتخابات نزيهة ديمقراطية، وعندنا في المغرب يجب السعي حتيتا نحو إبطال مفعول التزوير في الانتخابات، ونظامنا الملكي لا نقاش حوله، وأساليب تدبير شؤون البلاد لابد أن تكون على أسس متينة ومعقولة، ونلتفت أساسا إلى معضلة عطالة الشباب وقضية الرشوة، فإذا نحن استجبنا لهذه الشروط ستكون أوضاع بلادنا على أفضل ما يرام.
حدث خلال الاحتفال بذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بعث رسائل سياسية من طرف نبيل بن عبد الله وعباس الفاسي، كيف تقرؤون مضامينها؟
يبدو لي أن هناك خيطا ما زال يربط بين الناس على هذا المستوى على الأقل، أتمنى أن يتقوى هذا الربط، فتلك كانت وصية السي علال الفاسي رحمه الله.
كيف تنظرون إلى الراحل عبد الرحيم بوعبيد؟
بوعبيد إنسان تعاملت معه لمدة طويلة كان إنسانا وطنيا ذا رؤية واضحة، وكان رجل دولة متميز بآرائه وحضوره ومواقفه الواضحة عن المغرب وشمال إفريقيا.
بنسعيد آيت إيدر؟
رجل عظيم حقيقة، تعرفت عليه متأخرا نوعا ما، لكني لمست في شخصه إنسانا صاحب فكر نير وقلب صاف، يعمل بكل تفان وإخلاص للمصلحة العامة رغم ميولاته اليسارية.
نوبير الأموي؟
نقابي وطني لديه بعض لحظات الغضب والتشنج، غير أني اختبرته في مواقف عصيبة ووجدت فيه رجلا متفهما يستوعب معطيات الواقع.
عبد الرحمن اليوسفي؟
صديق حميم تعرفت عليه عام 1938 بـ « كوليج سيدي محمد » في مراكش، ولجنا المؤسسة معا في يوم واحد، وكنت بجانبه منذ تلك اللحظة، ثم افترقنا بعدها لنلتقي بباريس، كنت أرى اليوسفي شخصا يشتغل دائما بهدوء ولكن بعمق كبير، أعتز كثيرا بصداقته الحميمية.
عباس الفاسي؟
إنسان مناضل يشتغل بجد، وإن كان يواجه حاليا صعوبات، وهذا طبيعي، سررت بانتخابه أمينا عاماً لحزب الاستقلال.. يعمل بثبات رغم بعض المشاكل.
فؤاد عالي الهمة؟
لا أعرف الشخص تماما.

المهدي المنجرة في حوار مع عبد العزيز كوكاس:مهاجر إلى حيث تُقدس حرية التعبير

 غادرنا المهدي المنجرة إذن بهدوء ظاهر وبغليان في دواخله، الزميل عبد العزيز كوكاس صاحبه لمدة يوم ونصف اليوم الأخير قبل هجرته الاختيارية التي يقول إنه لا يعرف نهايتها.. في هذا المقال/ الخواطر والكلمات الأخيرة لصاحب « يطو » الذي يحرس « مستقبلنا »،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حاوره: عبد العزيز كوكاس

كوكاس رفقة الراحلين المهدي المنجرة ومليكة ملاك والروبيو

الأحد 11 أبريل الجاري على الساعة 11,30 بالضبط أقلعت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الفرنسية في اتجاه باريس وعلى متنها الدكتور المهدي المنجرة، الذي من المقرر أن يلتحق بطوكيو، استجابة للدعوة التي وجهتها الجمعية اليابانية للتقدم العلمي إلى الباحث المستقبلي قصد الاشراف على مشروع بحث حول « مقاربة الحداثة في العالمين الإسلامي والياباني »، بتنسيق مشترك مع البروفسور الممتاز يوزاإتاغاكي قيدوم كلية الاتصالات بجامعة العلوم الاقتصادية والرئيس المشرف على الأبحاث اليابانية حول الشرق الأوسط، وعضو المجمع الياباني للثقافة والعلوم، كما سيشرف الدكتور المنجرة على مشروع يندرج ضمن أعمال مركز الأبحاث القطرية حول: « التنوع الثقافي وانعكاساته المستقبلية على الهجرة » بتعاون مع خمس عشرة باحثا، إلى جانب أكير المتخصصين اليابانيين في الدراسات الأكاديمية حول العالمين العربي والإسلامي يوزاإتاغاكيوأكيراغوتو. وسيقوم هؤلاء الباحثون الذين يشرف عليهم أكاديميا البروفسور المنجرة منذ 97، بإصدار حصيلة أبحاثهم خلال شهر ديسمبر 1999. من جهة ثانية، سيعرض على الجمهور الياباني في طوكيو كتاب: « صوت الجنوب »، الذي يضم العديد من أعمال وأبحاث البروفسور المنجرة، مترجمة إلى اللغة اليابانية.

قصاصة وكالة الأنباء التي صدرت يوم 9 أبريل 99 تكتفي بالإشارة إلى المشاركة العلمية، وهو ما يعني أن الباحث المستقبلي غادر أرض الوطن لستة أشهر فقط، لكن لماذا كل هذه الضجة التي أثيرت منذ مارس الماضي، إذا كان الأمر يقف عند حدود التعاقد العلمي مع مؤسسة جامعية يابانية؟ هل يشعر الدكتور المنجرة بأنه لم يحظ بالمكانة اللائقة به في المشهد العلمي المؤسسي؟ هل تزامن حدث إلغاء معهد الدراسات والأبحاث حول المرأة التابع لجامعة فاس واستضافة الجمعية اليابانية للتقدم العلمي للبروفسور المهدي المنجرة تزامن اعتباطي؟ ثم بعد ذلك، هل يعود إلينا قيدوم الأساتذة الجامعيين؟

كل هذه الأسئلة كانت تتصارع في ذهني وأنا أرافق الدكتور المنجرة طيلة يوم ونصف قبل مغادرته أرض الوطن، بمكتبه بأكدال، بشارع محمد الخامس بمقهى باليما، وقد شجعني عقد الألفة الذي منحني إياه الرجل على إمطاره بكل هذه الأسئلة، وتساءلت عما إذا كان الأمر يتعلق بنوع من البنارويا، أو عقدة الاضطهاد، وكان الدكتور المنجرة يجيبني بارتياح.

– أذن قررت أن تغادرنا؟

– هناك ثلاث وقائع مرتبطة ومتشابكة في حياتي، علمتني الكثير، فقد غادرت المغرب في يونيو 48، متجها نحو الولايات المتحدة الأمريكية لا لشيء إلا لمواجهتي لأساتذة التاريخ واللغة، وأنا تلميذ باسم الهوية والحقيقة وسلطة المعرفة، فحصلت على تنبيه وتوبيخ وطرد، حينها لم يبق أمام والدي سوى إرسالي خارج المغرب. وفي ماي 60 طلب مني العودة وتمت تسميتي من طرف المرحوم محمد الخامس في الإذاعة وطلب مني تهييئ قانون أساسي شبيه ب « بي بي سي ». وقد اجتهدت في إعداد الكثير من الأرضيات، لكن لم أستطع ضمان حرية التعبير بسبب العراقيل التي جاءت من أوساط متعددة أهمها سيطرة الداخلية، فقدمت استقالتي ثلاث مرات. وفي المرة الثالثة دعاني جلالة الملك لأكون رئيسا للجامعات المغربية، وحضرت أكثر من قانون، لكن …

رحل عنا الدكتور المنجرة وفي نفسه شيء من « لكن… » المغربية، طيلة اليوم ونحن نتجول في الشارع الرئيسي للرباط كان المهدي يتوقف كل لحظة، يأخذ نفسا كأنه يملأ رئتيه بهواء البلد، يدردش مع بائع الصحف، يطل على واجهات المكتبات، ولحظة أشار بيده إلى قبة البرلمان وقال بلهجة حزينة: « إني جد متألم ونحن في هذه الظروف التي نتكلم فيها عن « التغيير »، أحس بحصار غريب، وهذا ليس تصريحا سياسيا، لأن تقديري لما قبل « التغيير » أقوى مما حصل بعد ذلك بالمقارنة مع ما وعد به هؤلاء، خاصة فيما يتعلق بالحريات العامة.

– ألا تحس بأنك تريد ترميم محنة شخصية وتعميمها كواقع عام؟

– (يضحك) ما حصل لي كان يمكن أن يعتبر مبالغة في رد الفعل، لكن الواقع الذي كنت أخشاه هو ما حصل في مجال الحد من الحريات، إن حادثة المنجرة بسيطة كحدث شخصي لكن الوقائع عرت وبينت أن الأمور أكبر من ذلك، كما أن ردود الفعل التي كانت أكبر مما يمكن توقعه من الشباب والمحامين ورجال الإعلام وبعض الرموز النزيهة التي لم يكن همها فقط شخص المهدي، لذلك فهذا التضامن عضوي ضد كل ما يمس الحرية بالمغرب… والله العظيم في الماضي كان يقال: هل يستحق هذا الشباب جيلي؟ وأنا اليوم أقول العكس: هل يستحق جيلي مثل هذا الشباب المليء بالحيوية والقدرة على المبادرة وعشق الحرية؟

– يبدو الأمر كما لو كان متعلقا بمرجعيات مختلفة؟

– صحيح، فالحرية ليست في النصوص، ولعل موقع تجربتي يميل بي أكثر إلى الموقف الأنكلوساكسوني الذي يعطي أهمية أكبر للبراغماتية ولممارسة الحقوق أفضل من الموقف الفرنسي الذي ورثناه والمبني على النص (المجالس، اللجان، المقررات، اجتماعات مصغرة أو مكبرة…) نتكلم عن النص أكثر مما نتكلم عن ممارسة الحقوق في الحياة، وهذا واقع نعيشه للأسف، والأمر يرتبط بذهنية معينة.

– قد يبدو للبعض أنك رفعت سلاح الهجرة نحو اليابان، لأسباب أخرى مرتبطة ب « وضعك المؤسسي » بالمغرب؟

– أنا رايح إلى اليابان كبلد يقدس الحرية والمعرفة ويشجع البحث العلمي لمدة، والله وحده يدري كم ستستغرق.

– ستة أشهر فيما أعتقد؟

– هناك مسؤولية أكاديمية والتزامات بالنسبة لأبحاث علمية، الالتزام الإداري الآن هو ستة أشهر لكنه يمكن أن يمتد، والله وحده يدري كم سيستغرق مكوثي باليابان، أما الوجه الثاني فصدقني أنا لم أطلب شيئا.. كلما تقدم الانسان في السن يتساءل: ما هي النتيجة التي حصل عليها والحمد لله ليست لي مصالح مالية وطموحات اقتصادية أو سياسية، ما يبقى لي هو هذا الاستثمار المرتبط بترويج الأفكار والإيمان بقوة إشعاع الرأسمال الرمزي، وحياتي معروفة في هذا الميدان، فعندما استقبلني رئيس الدولة الذي أهداني كتابه بلطف كبير، وطلب مني أن أكون رئيسا للجامعات  المغربية. كان لي الشرف ليس كمهتم بالبحث العلمي ولكن كمواطن مغربي، قال لي: « هذه ليست وزارة ولا سفارة، هذاعمل مرتبط بصنع الأجيال وبتجربتك الخاصة في الخارج وفي المنظمات الدولية »، من الصعب أن أعبر عن شعوري بهذا الكلام، قلت على الأقل أن هذا الرجل قد فهم طموحي في الميدان الذي يدخل في مجال اختصاصاتي، نفس الشيء لما اقترح علي منصب مندوب أو سفير بأمريكا.

– ألم يكن يتعلق الأمر بسباق معين لانتخاب مدير اليونسكو؟

– لم أبق في اليونسكو، ولم أترشح لمنصب مدير اليونسكو، لأن العمل الذي قمت به بلذة والتزام وبفخر، لم أكن أطمح من خلاله لقبض الثمن، أن أذهب إلى الصندوق وأتقاضى الثمن، والحمد لله إني سأترك البلاد وأنا جد مرتاح، لأني وجدت أن الدفاع عن الحريات ليست مسألة مرتبطة بمؤسسات فقط، لا هذا تجنيد خاص لأننا إذا لم نفهم أن الحرية لها علاقة بقانون الشخص وبداخل الإنسان، يصعب أن نفهم دورها في المجتمع. الحرية لها شروط، وأنا مرتاح وسأبقى على اتصال خاصة مع هؤلاء الشباب الذين أعطوني دروسا عظيمة، ما كنت أتصور هذا التضامن من طرف الشباب، الشباب الذي يمثل ثلثي السكان بالمغرب، وهذا أساس أمل حقيقي ليس في التغيير، التغيير لا يكفي إذ نحتاج إلى انقلاب بمفهومه العضوي غير الدموي، انقلاب في التركيب العقلاني وفي الذهنية، فنحن نعاني الآن من غياب التواصل بين الجيل السابق وهذا الجيل من الشباب، عندنا الآن نوع من الشمال والجنوب في رقعة الأجيال.

– ألا تحس دكتور بأن الكثيرين ينظرون إليك على أنك « شخص مزعج »، ولذلك تناصرك طلائع المستقبل فيما تحاربك رواسب الماضي؟

– والله إن كل ما أملك هو الإيمان، والإيمان سواء كان لدى البوذي أو الملحد أو المسلم هو القناعة بأنك على حق، وهذه القناعة هي التي تحرك ذاتك وحياتك. أنا أؤمن بأن هناك حقا، وفي بعض الأوقات أتساءل هل كان معي الحق، من آمن بشيء فله قوة تأتي من داخل ذلك الحق، الأمر كله يتعلق بقناعة، والقناعة لا تعني أنك دائما على حق لأنها تستند على النية بأنك على حق.

فأنا لم أدخر جهدا لخدمة وطني وخدمة الإنسانية بغض النظر عن مكان تواجدي، وإذا صدقتموني فأنا لدي طفل آخر، وهو هذا الفضاء في الأنترنيت، صار لي أكثر من 150 إلى 200 زائر على أن أطعمهم بالمراجع والمعلومات  والآراء والمقالات، فأنت  شخص واحد صرت تقوم بوظائف مؤسسة، لا يهم أن تكون في طوكيو أو الرباط أو هلسنكي أو بغداد، إذن لم أترك أي شيء لخدمة المعرفة والبحث العلمي، وضميري جد مرتاح. وأنا أشكر جميع المخلصين الذين تضامنوا معي، الذين أعرفهم أولا أعرفهم: ياريت لو أن بعض الأشخاص الذين مارسوا حصارهم على المنجرة في الجرائد والأحزاب بتعليمات، فهموا أن الحصار مضروب عليهم هم أيضا. أربع منظمات شبابية تجتمع للتضامن معي دون طلب مني أو حتى استشارتي ومع ذلك فهناك جرائد تابعة لأحزاب تلك المنظمات مارست الرقابة ولم تنشر هذه البيانات، تجاهلني أيضا الاعلام الناطق باللغة الفرنسية والذي لم أعتبره مغربيا مائة بالمائة، فهذا الإعلام الفرنكفوني مازال تابعا لل (ماس) وغير الماس. وتجاهلني الزملاء الذين قضيت معهم أكثر من 25 أو 30 سنة باستثناء واحد أو اثنين، إن الخوف ينهشهم حتى النخاع كأنني وحش من الغابة راح إلى جاوا يمكن أنقض عليهم.

لم نستطع عبور الشارع إلا بشق الأنفس، أساتذة وطلبة وبائعو صحف وغيرهم يطلبون أخذ صورة مع الدكتور المنجرة ويهمسون في أذنه « رجاء، لا تغب عنا، لا تترك لهم الملعب فارغا »، حينها ابتسم الرجل وقال: « أنا لست أنانيا، فهؤلاء الشباب لديهم تعطش للتعبير عن إحساس على هذا المستوى، لأنهم لم يجدوا مناسبات كافية للتعبير عن مشاعرهم لذلك فهم يفرغون أحاسيسهم، ونحن بشر، مما يعني أننا نعيش وسط حصار عاطفي، حصار في التعبير، وإذا كان هناك حصار على الأحاسيس فمعناه أننا نعيش وسط حصار ثقافي وفني وجمالي، حصار على مستوى الخلق والإبداع، هذا الشيء الأول السلبي، أما الشيء الثاني الإيجابي، هو أن هذا التعاضد، وهذه المشاعر النبيلة لم تكن موجهة لشخصي، وهي وجه آخر من عدم مصداقية « آخرين »، إذن ما أتاني ليس سوى حصيلة لعدم وجود اتجاهات وهوامش، مثل الماء الذي يذهب عبر مسرب واحد إذا لم يجد منافذ أخرى أمامية وهذا لم يأت بظهير ولا بمرسوم، بل بعملك اليومي والجدي. هذا هو قدري.

حين تركت المنجرة ذلك الصباح، كانت أسراب من الطيور البيضاء تفرد جناحيها في السماء ممددة أعناقها إلى الأمام، متجهة نحو الشمال، ألم يكن الدكتور المنجرة واحدا منها، أم أنه طائر يغرد خارج السرب؟

الصحيفة عام 1999

زعامات الإسفنج

عبد العزيز كوكاس

« التاريخ الحقيقي يخلف عقداً » بول فاليري

13707692_1060207977392973_5915054781146794979_n

نفتقد في هذه اللحظة المصيرية لرجالات دولة نبهاء.. نفتقد الحس الاستراتيجي لعبد الرحيم بوعبيد، الحس الصوفي لعلال الفاسي، الاندفاع النبيل للمهدي بن بركة، الحس الوطني لبوستة واليوسفي.. مع هؤلاء كنا نشعر بأن السياسة هي هوية جماعية لذات الأمة.. إذ كان هؤلاء، وأمثالهم كثيرون في الزمن الغابر، يستحضرون مستقبل المغْرب ومصالحه بشكل أقوى مما يفكرون بأنانية في جماعاتهم السياسية.. كانوا كزعماء أحزاب يتصرفون كرجالات دولة، مستقلين في أفكارهم، مالكين لرؤيا استشرافية عميقة، عارفين بخميرة البلد وخروب أهله..

الراحل علال الفاسي الذي كان قادراً على ضرب الطاولة ضد الاستبداد الفردي للحسن الثاني هو نفسه الذي مات ببوخاريست وهو يدافع عن الدولة المغربية وكانت وصيته: « لا تتركوا الملك وحيداً وسط المفدسين »!

الزعيم عبد الرحيم بوعبيد رفض الاستفتاء الذي قبله الحسن الثاني في نيروبي، وعمل على خلق ما يشبه العصيان المدني بالدعوة إلى إضراب وطني في 20 يونيو 1981 ووجد نفسه في السجن، لكن حين اقتضت المصلحة الوطنية تحمل المسؤولية الحكومية للدفاع عن « الوحدة الترابية » كرجل دولة لا كزعيم حزبي أدى ضريبة السجن على موقفه، ولم يكن يدر بخلده أي حس انتقامي ،وكان الرجل في مستوى اللحظة التارخية.. المهدي بن بركة الاشتراكي الثائر، المتقد حماساً، قام بكل شيء لمواجهة الاستبداد وقدم جثمانه الملفوف بالكتمان والغموض، من أجل ديمقراطية حقة في المغرب، لكن حين مدَّ له تلميذه يده عن طريق إبن عمه، ليحل له أستاذه المهدي معادلة صعبة في الرياضيات، أرسل أخاه عبد القادر بن بركة للتفاوض، وأخذ يُعد العدة للعودة إلى أرض الوطن لتحقيق تناوب ظل موءودا حتى نهاية الألفية الثانية.. وقد يكون ضحية لحسه الوطني الذي تغلب على حسه الثوري ليعود إلى الأرض لولا « المفسدين » الذين كانوا بالمرصاد لأي التقاء بين الملك والحركة الوطنية..

قس على نفس النمط ما قام به مناضلون كبار أمثال بوستة، اليوسفي وبن سعيد آيت يدر.. ولو في زمن غير الزمن!

لن أتكلم عن الأدعياء من داخل دواليب الحكم الذين قاموا بنشر كتاباتهم بيننا بعد رحيل الحسن الثاني، فيما يشبه عملية تبييض الأَسْود من ماضيهم، ليبرزوا أمامنا كرجالات دولة كانوا يأنفون الظلم، ويواجهون السلطان ليقولوا له :لا ،حيث يجب أن تقال، مهما كان سيعرضهم ذلك للعقاب أو على الأقل للإبعاد والتهميش، فبن سعيد آيت يدر تحدث عن سجن تازمامارت وسط البرلمان رغم تحذير الحسن الثاني له، وبوستة اشترط في تولي مسؤولية الوزارة الأولى ضرورة إبعاد المرحوم إدريس البصري، وعبد الرحمان اليوسفي انتفض بعد 17 شتنبر 1993 وغضب غضبته الشهيرة على إخلاف الحسن الثاني لوعوده بنزاهة الانتخابات، ولما عَيَّن محمد السادس إدريس جطو، قال له بكل الاحترام الممكن، « لقد تم خرق المنهجية الديمقراطية »!

نرثي لحالنا مع زعماء أحزاب أضحوا ثقيلين على قلوبنا، لا يريد البعض منهم أن يفارق البرلمان وهو الذي يخطب في شبيبته، « ندعو إلى ضرورة التشبيب » وهو يقصد « الشيب »

لن أتكلم عن أثاث الدولة الحزبي من الأحرار إلى (G8)، لأنه مجرد ديكور لتأثيث الواجهة السياسية، ومفتاح باب قراراته لا يوجد بين قياداته الموضوعة لتزيين الفترينة الديمقراطية، وتُحال على الرف مع إبدائها لأي إيماءة بالرفض أو معاكسة توجهات المالك الحقيقي للأصل التجاري لما يشبه الحزب السياسي الذي أصبح عليه شبه زعيم فيما يشبه المؤتمر الوطني من طرف ما يشبه المناضلين..  وإنما حرقتي على الأحزاب الحقيقية التي كانت مستقلة في قراراتها ويؤسفني حقا هذا الحضيض الذي وصلت إليه.

لا نريد نموراً من ورق، نريد فقط زعامات سياسية تشتغل بوزن رجل دولة، ممن يمتلك حاسة استشرافية للمدى البعيد للمستقبل، ويستطيع أن ينتصر لهوية أمة على مصالح حزبه، ويزن بميزان من ذهب حسابات الربح والخسارة في كل ما يتخذه من قرارات ونتائجه على الأجيال الصاعدة لمجموع المغاربة.. لا نريد ثواراً ولا نطمح لزعامات انقلابية لا تعرف إلا الرفض، ولكن حلمنا أن يكون لنا في مثل هذه اللحظة التاريخية زعماء استراتيجيون يضعون مصلحة البلد فوق المصالح الأنانية لحزبهم.

إعلام البلاهة

« لا خبر في البلد » محمود درويش

11207332_642739912522560_3341392556930974956_n

الوظيفة الأساسية التي وُجدت من أجلها وسائل الإعلام هو الحق في اقتسام المعارف والمعلومات والسلط، هو نقد البداهة ومواجهة الاستبداد والفكر المتوحش.. منذ أن علَّم عز وجل آدم الأسماء كلها، ثبت تميز الإنسان ليس بخلقته فقط، ولكن بالمعلومات التي جعلته مخلوقاً استثنائيا في الوجود، لأن الإنباء يعتمد الحق في اقتسام الحقيقة ومنح الناس نصيبهم من المعرفة، نصيبهم من أدوات مقاومة الوجود عبر فهمه.. كان ميلاد المطبعة ثورة كوبرنيكية مع جوتنبرغ، فتدفقت وسائل الإعلام كامتداد لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكل ما يُرسخ تمثلات الحداثة.

تلك هي البدايات التي أسست لأخلاقيات مهنة النبل: الصحافة..

اليوم تبدو وسائل الإعلام عندنا بكافة تفريعاتها: السمعي – البصري، المكتوب، الإلكتروني – باستثناء بعض الانفلاتات – كما لو أنها ضد وظائفها الطبيعية في التنوير والتحديث، إذ أضحت تقتات، عبر نشر البلاهة وترسيخ اللامعقول، الميل إلى الفضائحي، وإعادة إنتاج سلوكات الاتكالية والميولات الغريزية وعدم احترام الحياة الخاصة للناس ومراعاة حميمياتهم الإنسانية جداً.

أكبر ضحية لوسائل الإعلام الوطني – والتعميم قاتل – هو الصدق والحقيقة.. فن الكذب أضحى سلطة في الإعلام الذي يخترق حياتنا.. ينشر القيم الجاهزة، يدعم التقليد والمحافظة، يقتل الحس النقدي، ويلتفتُ إلى الهامشي (ليس بمعْناه الفلسفي منذ نيتشه إلى هيدغر)، أقصد باستغلال الهامشي في وسائل الإعلام المغربي تضخيم الجزئي، التافه والعابر، والذي ليس له كفاية علمية أو منهجية لجعلنا نفهم الأحداث والوقائع في سياقها السليم، وهي بذلك لا تحافظ على قيمة الخبر وجدوى المعنى، و »حين يهجر المعنى العالم، يصير كل شيء مستباحاً » كما يعلمنا الحكيم دوستويفسكي.

ثمة ملمح آخر للتوجهات الجديدة لأغلب وسائل الإعلام بالمغرب، باستثناء منارات قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ويتمثل في كونها أضحت غير مزعجة، ملساء، يهمها المغايرة لا الحداثة، السطحي من الزبد الذي يذهب جفاء، لا العميق مما ينفع الناس ويمكث في أذهانهم وقلوبهم، سلاحها هو البداهة لا الشك والسؤال في صحة المعلومات، والاستسلام للمعطى الجاهز والمعلومات المغلفة والموجهة وترسيخ الوهم.

الملمح الآخر المرتبط بهشاشة المقاولات الإعلامية السريعة العطب هو التحول عن الوظيفة الإخبارية أي مد الناس بالمعلومات وتركهم أحراراً ليتخذوا المواقف المستقلة لهم باعتبارهم أفراداً يمتلكون حرية الاختيار.. القبول أو الرفض، التشكيك أو التصديق، حيث أضحت العديد من وسائل الإعلام تلجأ إلى التوجيه، التعليق أسبق من الخبر…

جزء كبير من هذه الأثافي مرتبط بتحكم الإعلاني في الإعلامي، التجاري في الإخباري، لذلك لا تُمس شركات الإشهار السخية بأي نقد حتى ولو كان أثر ضررها على الناس واضحاً، فقد نبا إلى علمنا أن صحافيا حمل قالب سكر وسطه قطعة قصديرية صدئة، فما كان من مدير النشر إلى أن سلَّم القطعة إلى المكلفة بالإعلانات التجارية لابتزاز الشركة المعنية وتحويل القيمة الإخبارية التي تنقذ مجتمعا من المستهلكين إلى قيمة تجارية كربح صافي للمؤسسة الإعلامية، نفس الشيء حدث مع بضائع من مختلف الأشكال تُضر بمصلحة المستهلكين ويتم حجبها عن الناس وتحويلها إلى أداة لابتزاز الشركات المعنية مقابل الصمت على الفضائح في كل المجالات، أبمثل هذا الإعلام يمكن بناء مجتمع ديمقراطي أفراده معلومون بشكل جيد؟!

 

بشار الطبيب، بشار الأعمى

عبد العزيز كوكاس

« الكلب يُطاع وهو يحتل منصبا » « الملك لير » لشكسبير

سوريا

للسلطة شهوة لا تُضاهى في القتل، باعتبارها مقدسة ومحرمة، فإن مالكي زمام أمورها وحدهم لهم تميز امتلاك معنى الأشياء والأسماء، التاريخ والجغرافيا، مماليك البر والبحر، وحق التحكم في الماء والهواء والنار والتراب أصل الوجود كما لدى فلاسفة الإغريق القدامى.. لأن السلطة نظام كلي لا يقبل التنازع في جزئيات الوجود المشكلة لبنائه.. باعتبارها روحاً مطلقة وفكراً كليا..

لقد عشنا ورأينا كيف ابتلعت غوايات السلطة الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي، الواحد الأحد الذي لا ترفع صلاة إلا بأمره، ولا تغرب أو تشرق شمس خارج علم أجهزة مخابراته التي دخلت الجامعات وبيوت الله وبيوت العباد أيضا.. لقد انتصرت إرادة الشعب التونسي حين أراد الحياة، وصدق شاعر إسمه أبو القاسم الشابي وكذب رئيس أصبح إسمه شين الهاربين بن علي، وكذب الزعماء حتى ولو صدقوا وهم يخاطبون شعوبهم: « فهامتكوم، فهامتكوم »!

وجاء الدور على الزعيم الأبدي حسني مبارك فيما يشبه أكل القطة الجائعة لأبنائها، لأن السلطة لا تترك للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم وفستان أحلامهم، تسكرهم بخمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم.. فالداخل إلى السلطة مفقود والخارج منها مقدود، لذلك أشفقنا على رجل هرم يحاكم وهو ممدد على سرير وسط سجن المحكمة، رجل قادم من أبهة الجيش من مصر أم الدنيا التي لا تُضاهى في شموخ أهرامات أبي الهول، إلى مكائد السلطة، وجثم على صدر شعب، كما لو أن الفراعنة ما ذبلت شهبهم في الأعالي، كأن أساطير مومياتهم عادت إلى الحياة منذ عهد الفرعون رَعْ.. لكن زال وما زال شعب حتى وهو يحيى في نتوءات المقابر، أبدع النكتة ليحيى في كنف سلطة باغية مجحفة سادرة في غيها، لا يكبح جماحها قيد، ولا يحد من سيطرتها عرف ولا قانون.. لأن السلطة مثل عسل على شفرة حادة، هوس لتفريغ العقد حتى على أعواد مقصلة، وتفريغ للمكبوت في قالب مرصوص بالذهب.

حتى بعد انهيار نظام زين العابدين ومبارك، ظلت السلطة قائمة، حية ترزق فيما قضى عشاقها نحبهم ومنهم من لا زال ينتظر، لأنها هي روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجامش، هي الأنثى التي روضت أنكيدو وأفقدته قوة الطبيعة الزافرة.. وحده معمر القذافي زعيم رؤساء إفريقيا، ملك الملوك، ظل لحكمة ما ماتت معه للأسف يؤمن بأن « السلطة مصيبة والجالس على كرسيها دوما مصيب »، لقد نسي أن ليبيا دخلت العقد الثاني من القرن العشرين، وأن الشعب الذي حكمهُ منذ نهاية الستينيات قد تبدلت أحواله على مستوى البنيات والمواقف والأفكار.. لذلك حين خرج الناس عن سيطرته وصمهم بالجرذان والحشاشين والمقملين.. لأنه في ظل السلطة تختنق الحقيقة وينطفئ الصدق، حيث تتدلى ضفائر السلطة مثل مشانق وسط السراديب، لم يكن القذافي يعي أن موسم الصيد قد بدأ، والسلطة لا تعود إلى كرسيها مثل صياد خائب لأن لها دوماً نفس إحساس التذمر والانتقام الذي تحمله شباك الصياد الفارغة! وحده معمر القذافي لم يقرأ المثال الكلاسيكي المعكوس في اللغة العربية كما تمثله العرب « ساكب كاس »، لحسن الحظ أن « ليبيا » تقرأ بشكل سليم سواء من ذات اليمين أو ذات اليسار.. لذلك احتاج القذافي إلى القلب.. فوجد نفسه مثل الجرذ بين يدي الثوار يلتمس العفو والرحمة، كأب يحن إلى جميع أولاده.. كانت السلطة قد أشاحت بوجهها عنه وولتها شطر شلقم وعبد الجليل.. فكلما اهتز عرش عشاق السلطة.. غادرتهم نحو الغزاة الجدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة.. لأن السلطة عاهرة تمنح ذاتها للآخرين للأعداء كلما أصاب الجالس عليها سهو أو وسن، أو بعض عبث الصبية!

وجاء الدور على صالح اليمن، الذي أصبح طالحاً بالنسبة لغالبية شعبه الذي طالبه بالرحيل، ورغم جراح السلطة ظل الرجل يداوي ثورات شعبه بالتي هي أسوء إلى أن رحل إلى الأبد، أما طبيب العيون بشار الأسد فيوجد في قلب الزوبعة، لم يحفظ الولد المدلع أي حكمة عربية، وإلا كان استفاد من قول الشاعر:

لا تحتقرن صغيراً في مخاصمة # فإن البعوضة قد تدمي مقلة الأسد

وكم في الشرارة من ضعف # لكنها قد تأتي على بلد

لم يستوعب الرئيس السوري، أحد دول الممانعة يا حسرة، سياق الثورة العربية وأفقها، فحول رشاشات بنادقه وفوهات مدافعه نحو شعب أعزل أعمل فيه تقتيلا… كأن طبيب العيون لم ير ما حوله؟!

أيهما أعمى، أبو العلاء المعري الشاعر الحكيم الذي كان يرى أن الأعمى عورة يجب ستره في كل أحواله، لذلك لم يكن يخرج من سردابه الذي كان يمد له منه الغذاء والشراب، حدث ذلك في القرن الرابع الهجري، أما بشار الأسد إبن القرن الواحد والعشرين الميلادي، طبيب العيون الذي تزوج زهرة الصحراء ونهل من علوم أم الدنيا، الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس ذات قرن، وأصبح طبيب العيون، من سيداوي من العور، أبو العلاء المعري الأعمى أم بشار الأسد طبيب العيون ؟ المعري الحكيم أم بشار القتَّال لشعب من الأبرياء؟

تُرى لو كان القاضي أبو جعفر، الذي كان يكره الشاعر أبو العلاء المعري، لا زال على قيد الحياة، لمن كان سيوجه هجوه إلى الشاعر المعري أم إلى الحاكم بشار الأسد؟ حين قال:

كلب عوى بمعرة النعمان # لما خلا من ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبْتِ # إذ خرجت منك معرة النعمان.

للتاريخ أن يحكم خارج متاهات القول كما رسمها الرائع عبد الفتاح كيليطو.

المعلومة الأنيقة والضجيج المنظم

عبد العزيز كوكاس

« أكثر الناس قلقا في السجن هو السجان » برناردشو

تعليم

تعليم

تعليم

ثمة شح كبير في المعلومات في حقل التداول العام، والمقياس الأساسي لندرة الأخبار نلمسه في صحفنا السيارة، فالإعلام هو معيار نبض حركية الفاعلين وجس مبادراتهم، وهو مرآة لكل الوقائع والأحداث التي يزخر بها المجتمع..

إن محنة أي صحافي مغربي اليوم هي نضوب مصادر الخبر، فالمعلومة لا تدور، وهو ما يفسر ارتكان الكثير من الأقلام إلى التحليل والتفسير والتعليق والتوجيه.. بدل الدور الجوهري للصحافة، الذي هو مد الناس بنصيبهم من المعلومات!

في مقابل شحوب مصادر المعلومات، هناك وعي متزايد لدى عموم القراء بالحاجة إلى الخبر، وهو ما يبرر بعض أحكامهم، من مثل تشابه الصحف، جريدة واحدة تغنيك عما تناثر على الأرصفة من عناوين، بالإضافة إلى بروز نوع من التشكيك في صحة ما تقدمه الصحف من أخبار بدون سند، اللهم « المصدر المطلع » و »العليم » الذي لا يعرف من العلم إلا الزيادة فيه، حيث أصبحنا أمام أخبار تخلق الوقائع والأحداث خلقا.

لا يمكن أن نطالب الصحافي بالإتيان بحليب العصفور، في حقل سياسي جامد تشوبه الكثير من مساحات البياض، وفي ظل مجتمع يتحصن فاعلوه بثقافة « المطمورة » و »سرّك في بير ».. فما أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن رشدت أرشد على قول الشاعر القديم.

تروي كتب التاريخ أن زعيم قبيلة عربية جمع الشعراء والخطباء ولامهم على خمولهم وعدم نظمهم للشعر وإلقاء الخطب الحماسية مثل ما يحدث بالقبيلة المجاورة، فأجابه حكيم منهم، بأن القبيلة الأخرى لها أيام ووقائع وأحداث، في كل يوم لهم غارة، يصنعون بها أمجاد يتداولها الشعراء والخطباء، أما قبيلتنا فلا شهدت غارة ولا صنعت مجدا، فعمَّ سيتحدث الشعراء والخطباء؟!

هو ذا ما ينطبق على علاقة صحافيينا بالمعلومة، ويفسر خلو صحفنا من الأخبار المتنوعة.. لكن ما مصدر هذه المعلومات التي تروج في جل صحفنا؟ أقول جازما، إن جل الأخبار التي تروج في صحفنا الوطنية اليوم، والتعميم فيه ظلم كبير لإبداع بعض الصحافيين وإنكار لجهد بعض الصحف، مصدرها واحد وإن تعدد الفاعلون داخل هذا المصدر، وهم الدائرة المقربة من مركز القرار السياسي في المملكة، من هنا ذلك التشابه الكبير في المعطيات والعناوين بين مختلف الصحف.

إننا أمام المعلومة الموجهة، تلك المعلومة الأنيقة المقدمة إلى الصحافي بكافة ملامح الإغراء، بقوام ممشوق وقامة هيفاء وشعر مصفف.. حتى أنه يخاف أن يضيف إليها عبارة واحدة قد تنقص من جماليتها.. بهذه المعلومة الأنيقة يخلق الفاعلون المعنيون بتسريبها ضجيجا منظما، المشكل في الأمر أن الخبر لا يخدم بالضرورة مصلحة الوطن، بل يعزز إصطفافات مصادر الخبر الدائرة حول مركز القرار، عبر تصفية الحسابات، وإعطاء هالة لواقعة هامشية، وتحطيم المتنافسين، وتزكية المواقع.. وهي كلها حروب صغيرة أمام القضايا الكبرى للمغرب.

فرجاء أعطوا الناس حقهم في المعلومة غير الموجهة.. واتركوهم يحكمون بأنفسهم على الوقائع والأحداث.

بهجة الاستياء

طائر

عبد العزيز كوكاس

الاستياء ينتمي إلى جنس الأمراض الطويلة الأمد، إنه ذلك التوعك الصحي الذي يحسه كل من يتأمل الوجود بألم لذيذ..

الاستياء هو ما يمكن أن يصلح عنوانا لفصل كبير من رواية حياتي، افتقاد الإحساس بالوجود

كنعمة، ما يُسعد الآخرين يحزنني، منذ داومت التفكير في من أكون، وما الذي أصير عليه،

صرت أفتقد معنى للفرح خارج ألم التأمل في معنى الأشياء، الزمان، الموت..

أحيانا كثيرة لا يمكنك العثور علي في مكان أتواجد فيه باستمرار. وحدي على الرصيف

مثل باغية خانها العمر، ورفيق الدرب والزَّبون المحتمل.. مثل فكرة مهجورة من المعنى،

أحتسي كأس الفراغ وأنزع عن الهواء ما تناثر من لهب الكلام وظلال الحروف.

إن أكبر متمتع بلذة الحياة هو من يرفض أن يوجد فيها كشيء، حيث يتلقى العالم كجرح مثير للضجر، ويتعلم أصول قواعد فروسية دون كيشوت للدفاع عن نبل مختبئ في أحاسيسه وفي ظلال الأشياء .. أي تعبير يصلح للاستياء أقوى مما قاله المتنبي، حين أنشد قرآنه:

أي محلٍّ أرتقى … أي عظيمٍ أتقي
وكل ما خلق الله … وما لم يخلق
محتقر في همتي … كشعرة في مفرقي !

قلقي.. أناي لا آخر

عبد العزيز كوكاس

ثمة شخصان لا يملان من النظر لبعضهما البعض: أنا وقلقي.

22779 _n

حملة الأقلام عبيد السلطان

لقلقي شخصية غريبة وعجيبة، فهو دائما معتد بذاته، يأتيني متعجرفا، مزهوا بكبريائه..

ويسعى باستمرار لمحاولة إقناعي بأنه ليس شخصية مستقلة عني، فأناه هو.. هو أناي أنا!

لقلقي جسارة ملحوظة في التدليل على أنه ليس آخر، لكي يحافظ على المسافة الضرورية بين هويتين: أنا جسدا وروحا وهو كحالة كئيبة تقع بين السحر والسيكولوجيا، وأنه له مدة محددة لانتهاء الصلاحية حيث يهزمه مرح جميل يلمس نبض القلب وفكرة هيفاء في الدماغ..

قلقي لا يكف عن الاعتداد بذاته، وأن لي شرف أن أكون أناه الأخرى، لأن القلق – بحسب تعبيره- صديق الشعراء، خل العشاق، صنو المغامرين ورفيق المبدعين وظل الأنبياء، وأن جذوره نبيلة لا علاقة لها بفصيلة الدم المنحط أو المختلط.

أنا بحجم ما أراه

عبد العزيز كوكاس

10277779_596820567080712_9190830656377044414_n

ذوبان

أرى موتي مثل حبل قصير للمشنقة

كيف سأعبر عن ذلك؟ ذاك هو ما ينقصني، سيقال عني:

كان هنا ودخل في ال »ليس »، خلا منه المكان، كف عن الوجود، انتهى منه الوقت، وتعطل منه الكون، وبلغة مجازية: لقد جف مجراه الخاص..

أحس بنوع من نوستالجيا الوجود أني غبت في أقاصي غير شهية، ما عاد منها الراحلون ليحدثوننا عن الهناك.. دخلت دائرة العماء، أصبحت منفيا عن الوجود، عدما محضا،

أنا أصبحت « اللا أنا »، لم أعد « أنا »، هباء وزوالا أضحيت.

لا قبر يتسع للزعيم

عبد العزيز كوكاس

نادراً ما مات الديكتاتور على سرير نومه بشكل هادئ وبدون زوابع، فموت الطاغية مستفز، استثنائي، فرجوي، ميلودرامي، مليء بالإثارة.. يموت الحاكم المستبد وتتناسل حكايات وأساطير تنمو مثل كرة ثلج حول شكل موته الغريب والوحشي.. ولأن الطغاة دهاة حتى في موتهم فإن الأحياء يستمرون في القلق من جثثهم التي لا يتسع لها قبر.

تشكيل

تشكيل

جثة الطاغية ذات مكر خاص، تظل مصدر خطر داهم بالنسبة للأحياء.. حتى الثوار منهم لا يثقون بنصرهم إلا بعد إحراق جثته وذرها في البحر، أو إخفاء معالمها عن عامة الناس، هكذا هم الطغاة يحيروننا لما يحكموننا، ويحيروننا لما نقتلهم ويموتون.

Navigation des articles