الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

شجن عاشق للوطن

لن تكون بلادا تلك التي حميناها برموش العين وبأهداب القلب الرعاف، فرمتنا بسهام ترسم للريح خطى في قلوبنا.

لن تكون بلادا تلك التي نسجنا بأضلعنا سقوفها وزينا سماءها بلآلئ مآقينا وحرسنا أزهارها من قطرات الندى والفراغات الجارحة، فأعدت الأكفان للطيبين منا، وحولت الجلادين إلى نائحات في ليل مآسينا.

لن تكون بلادا تلك التي حصدنا الجمر في منتصف الطريق إلى ضفائرها فحولت جدائلها إلى مشانق لعشاقها.. ورسمت أمام خطانا جدولا من تعب.

لن تكون بلادا تلك التي علقنا على أسقفها سماء من حلم، وقمرا يحمي الساهرين على حدودها من الغمام وصدى الحسرات فجعلها الأوغاد نياشين من مجد الهباء.. يتاجرون بها في معارض لعاشقين يجمعون الصور.

لن تكون بلادا تلك التي ظللنا ننتظر ابتساماتها ونحن نرعى الأنجم حتى لا تغمض رموشها، فأبت إلا أن تعتصر برتقال أحلامنا ورحيق آمالنا المنمنمة، سلافة ونبيذا معتقا لسرّاق ما نتوق أن نكون عليه.. أحرارا في وطن حر.

لن تكون بلادا تلك التي علينا أن نغادرها ونلتقيها بالانكسارات نفسها وبالتمزقات ذاتها.

تأبى أن تبتسم لنا، وتمنح السيف والميزان للخائنين والحالمين ببيع جسدها بالجملة، أو بالتقسيط المريح على بطائق البريد التي تعرضنا مثل قرود في محافل الرقص.

لن تكون بلادا تلك التي نزين لقاءنا بها بانتظارات قاسية، بعد تقديم كل القرابين الممكنة والمستحيلة، فتتوج مغتصبيها على ابتهالات مآتمنا ونخيل حنيننا المبلل بالدم والدموع.

لن تكون بلادا تلك التي تستأجر قوارب البحر نعوشا لأطفالها الحالمين، لأنها تبخل عنهم بالكفن، بعد القوت ومقاعد المدرسة وأقراص الدواء.. وتمنح الأحصنة والبنادق لقتل الحمام المتمرد..

لن تكون بلادا تلك التي حوَّل اللصوص سماءها، بحرها، رملها وكواكبها إلى فضاء خصوصي مسيّج بالبوم وحراس الليل.

ترى إلى أي شاطئ جميل سنحمل باقي أيامنا وهشاشاتنا وما تبقى منأنين فينا؟

فحين نعتاد الموت والرحيل، تصبح كل الأمكنة فضاء محتملا لاحتضان جراحنا

فليست بلادا هاته التي تطارد الحلم والعشاق والعصافير.

وشي للحنين

 » ما أيسر ما نطلبه من هذا العالم » سعدي يوسف  

ليتنا لم نكبر..

لم تعد الحياة تهدهدنا على سرير ناعم، ملح البحر أضحى لا ينعش ذكرياتنا، والأغاني القديمة لا تنشط دورتنا الدموية لاجتياز درج في سلم الوجود.. الأشجار التي نمر عليها كل صباح سئمت وقوفها، ولم تعد قادرة على رفع يدها للتحية بسبب الكآبات العفنة في الضلوع.. كيف يمكن أن نعيد لأوراق الشجر المتساقط على الرصيف نسغ الروح، أوصاف الزهر وعطر النساء الجميلات وأغاني الحصاد القديمة.

صارت البراعم تذوي في الحديقة قبل أن يبتسم السنونو، جفت الوديان التي كنا نستلقي على حرير سريرها لنختلس النظر إلى السماء في وضع عائم، ولم يعد بمقدور المطر أن يفي بوعوده التي تجعلنا مثل خطاطيف تبشر بالربيع، الكلمات فقدت طرافتها وأخذت تنمو في أفواهنا مع تعب السنين.. وتشيخ، شياطيننا ذاتها أضحت خاملة، لم تعد تمنحنا ذلك النزق الطفولي للمغامرة..فجأة سقطنا في ركام الغبار وحطام بقايا الذاكرة وشظايا الأحلام الملتبسة برؤيا المنجمين في الكتب الصفراء..

هذا زمن المهازل والملاحم البليدة، ما بزغ منها وما بطن.. حتى الفراغ يدلي برأيه فيما صرنا إليه، فيما السماء تحاول أن تبدو محايدة ومحافظة على اتزانها في القضايا المتشابهة.. خلت الطرقات من أثر الدهشة وأمراضنا فقدت أسماء جنسها وأضحت تحيل على أصل الحيوان فينا، من جنون البقر إلى أنفلونزا الخنازير.

يساقط العمر على إيقاع رقص الساعة الحائطية مثل الدمعة المنهكة.. كم بحثنا عن حلم لا يلوي عنقه الريح.. حتى قراصنة الوقت وقائدو الحروب الصديقة، لم يدفعوا جزيرتنا قليلا عن موانئ الألم حيث ترسو سفن الجراح.. أضحت الهاوية سافرة نسير إليها بأقدام متبرجة، والأحزان أضحت مسكوكة، وليس لدموعها دفء ملح البحر.. وما عاد الهواء يتسع لنأمة طفل كان يسكننا، امتلأت قلوبنا بالبثور ووحل الطريق، وأضحت مثل كيس مليء بأصوات الجماجم، لم نعد قادرين على إبعاد شعر الليل عن السماء لنرى بكامل الوضوح شهوات الشمس على صفحة وجهها.. الورود اعتلاها الشحوب، العصافير فقدت شهية النشيد والحقول أضاعت بكارة نضارتها، والخيول باعت صوتها الأصيل في سوق النخاسة..

وزهرة الغنباز أصابها الوسن قبل وصول العقارب إلى الالتصاق في منتصف ساعة الجدار.

1975007_10153075122232638_8417389860269011533_n

الأصدقاء القدامى تناثروا في كل الزوايا، تساقطت نجومهم على اليابسة، والأحبة انفضوا خارج أحلامنا المشتركة، ولم يعد أحد منا يبحث في أصداف المحار عما يجعل رحيلنا له طعم المغامرة.. بالأمس كنا نحضن الأشياء بصدق العاشقين، نهرب أحلامنا الصغيرة إلى الظل، نربيها على حرير أيدينا ونعدها على أصابع من نحب.. اقتنعنا بسذاجة، بكوننا نملك سر الينابيع وفطرة الفراشات التي تفجر الحنين في الأزهار، مثل الشموع المضيئة كنا، وبذرة الحياة تختمر فينا مطرزة بحرير الحلم وعرق السواعد المشمرة لزرع حبة أمل.. كان للشوك ملمس الحرير تحت وجع أقدامنا ونيران الدروب الموجعة بردا وسلاما على أرواحنا، لأننا أسكننا الكون أعراسا ورؤى، وخبأنا في طرف الشمس مدائن وأسرار وكومنا في الأفق مطرا طاهرا يغسل به الجناة والجلادون سيوفهم من أثر دمائنا، كنا نسارع الخطو في بحر الأزمنة دون الوصول إلى عتبة واحدة من الأمكنة المشتهاة، لأننا سرنا إلى الحياة مسندين جباهنا إلى موت أجل.. ظللنا نكابر دفاعا عن وهم خيوط شمس ناعمة تدخل دروبنا العتيقة لتلامس الأجساد المسهدة وتمدنا بالدفء في ظل فراغ مهول للسياق التاريخي..

كنا نكدس سنابل الفرح الذي لا نسرفه كثيرا في مواسم الحصاد، لليالي العجاف وأيام الهلع.. نقيم المودة بكل التقسيط المريح مع ما يشاكس رغباتنا، ولا نترك فرصة للتجاعيد كي تصدح بركام العمر المتعب.. حتى خصوماتنا وشجارنا كان مثل بوح العصافير.. مثل بقايا عصر بطولي نبدو الآن، متضخمين في كل شيء: قاماتنا، شراهتنا وهواجسنا، خيباتنا وأحزاننا، فيما أصبح العالم الذي نقيم فيه ولا يقيم فينا، في قمة سلم التمدن الحضاري، « قرية صغيرة » تضيق عن الحالمين والتائهين.. مثل النسور كنا، نشتهي أعالي الأماني لا المواقع، اللاحد نربيه، نوسع به حدقة أعيننا من أجل الآخرين آه كم كانت أحلامنا بريئة وكانت الحياة أبهى. لماذا لم يعد يجرفنا الحنين إلى بهاء الغامض فينا؟

ذهب عمرنا سريعا في اتجاه مضاد لرياحنا المشتهاة، ولم نستطع اللحاق به، ولا بقينا في الميناء حيث ودعناه، لنستدفء بأمانينا عنه وبالذكريات الخوالي.. اهترأت ساعاتنا وحرقة اللوعة لغيوم بعيدة، وفجأة انطلقت في غفلة عنا جحافل الوحوش التي احتجزها تهذيب الطبيعة البشرية لقرون. صحيح أننا أصبحنا ندرك الفروق الدقيقة أكثر لكن « ما أصعب ما نطلبه من هذا العالم ».. ليتنا لم نكبر.

 

أحزابنا العتيدة من تنظيمات ديناصورية تنازع شرعية النظام إلى فزّاعات حقول جرداء

« يموت الجبناء قبل موتهم الأخير، أما الرجال الشجعان فيبقون أحياء حتى بعد موتهم«  وليام شكسبير

عبد العزيز كوكاس

هناك علاقة وطيدة بين الظاهرة الحزبية والنظام السياسي، فشكل هذه الظاهرة وطبيعتها البنيوية ومسار تطورها يحيلنا على طبيعة النسق السياسي وطبيعة الحياة السياسية في أي بلد، لذا لا يمكن مقاربة الظاهرة الحزبية بمعزل عن سياق تطورها وعن التربة التي احتضنتها بحكم الارتباط العضوي بين الأحزاب والواقع السياسي والمجتمعي الذي نبتت فيه، والمغرب ليس استثناء.

من هذا المنطلق وتأسيسا عليه يجب فهم طبيعة تفكك الأحزاب المغربية وعدم قدرتها على تجاوز تناقضاتها التنظيمية والسياسية، ليس كظاهرة منفصلة من جهة عن النظام السياسي، ومن جهة أخرى عن سياق تطور هذه الأحزاب في تربة مجتمعية محددة.

فللأسف لم تستطع أحزابنا النجاح في التمرين الديمقراطي بدرجات متفاوتة ولأسباب متباينة، فقد لجأ الحكم مبكرا إلى القمع الوقائي ضد الأحزاب المنافسة عبر تكتيكين متوازيين:

– تكتيك استبعادي ضد مكونات الحركة الوطنية والمكونات المتناسلة عنها.

– تكتيك استيعابي تجاه مقاطع متعددة من النخبة التي استعملت في أحزاب شكلية كإطارات واقية زمن الصراع السياسي، ونجح بالتالي في التحكم في الخريطة السياسية عبر آليتي التدمير والإدماج، ونجح النظام في خلق مهام و »وظائف سامية » جعلت مقاطع كبرى من النخبة تستفيد من العمل السياسي اجتماعيا وتنتفع ماديا ورمزيا، هذه الوظائف ربطت مسار هذه النخب بعجلة النظام، وسهرت أجهزته على خروج الكل راضيا من « معركة » الصراع السياسي، شريطة عدم تحول المنهزم أو المنتصر إلى خصم جذري، لذلك نلاحظ مع أي تعديل أو تغيير في المناصب الرسمية، هناك منصات شرفية تنتظر « المنهزمين »، قاعة باردة للانتظار تزداد انفتاحا مع مشهيات كل مرحلة من المسلسل الديمقراطي إلى التوافق والتناوب إلى الإجماع بتعاقد وبدونه…

__ 8

هذه الخطوة لم تنج من مآزق، خاصة مع حلاوة مشهيات المسلسل الديمقراطي وازدحام قاعة الانتظار بأطر لم تجد لنفسها مقعدا، وعدم قدرة المخزن على إشباع رغبات نخب انفتحت شهيتها أكثر من اللازم، خاصة مع تجاوز نظام الحكم للمغرب، ما يصفه هنتينجتون « بأولوية توافر النظام العام الشرعي والاستقرار السياسي »، لأن السلطة السياسية نجحت في الحفاظ على السند الشرعي وتحقيق إجماع شبه مطلق حولها، وظلت الأزمة الأساسية ليست هي إنشاء السلطة، بل الرقابة عليها لعدم وجود اتفاق وتعاقد واضحين بين الفاعلين المركزيين حول قواعد اللعبة السياسية.

قدرة النظام السياسي بالمغرب على دمج العديد من النخب التي أفرزتها عملية التحديث والتقليل من التناقضات المجتمعية عبر آليات الضبط والترويض أو التكييف أو توسيع المشاركة نسبيا والانفتاح الديمقراطي أحيانا، أو ربط مصالح هذه النخبة بعجلته أو بقمعها وتفكيكها أو الاستجابة الجزئية لبعض مطالبها بالشكل الذي يمكن النظام من التكيف مع الوضع الجديد، جعل للمخزن زبناء جدد حتى داخل الأحزاب الوطنية التي رفعت شعار التحديث والديمقراطية وسعت لاقتسام السلطة مع مركز القرار، ومع تطور مسار هذه النخب الحزبية، تحولت الأحزاب الأصيلة في المغرب من نمط الحزب التعبوي الذي يساهم في التنشئة السياسية إلى أحزاب متكيفة مع اتجاهات الواقع، أي المحافظة على القيم التقليدية عوض خلق قيم العقلانية، قيم العمل، دمقرطة السلوك والعلاقات، وطبقت النخب النافذة في أحزابنا، والتي تعرضت للقمع والاستبداد، إزاء معارضيها، داخل الحزب الواحد نفس أنماط ومستويات القمع الذي تعرضت له، وبذلك ساهمت في إعادة إنتاج نفس العلاقات غير الديمقراطية.

هذا المسار جعل الأحزاب المعارضة تنتقل من دور تجميع مصالح أوسع الفئات الاجتماعية باعتبارها مشتلا للأطر، إلى القيام بدور توزيع المنافع وتنظيم تقسيمها بين الاتجاهات النافذة وسطها، وعوض تقوية وظيفة التعاقد بين مختلف منخرطيها على أساس إيديولوجي مشترك تحولت إلى إطار لإشباع رغبات بعض الأطر دون تنظيمها أو عقلنتها، مما ساهم في قلب سلم القيم النضالية وشجع على بروز أدوار جديدة: الفساد، تحول مناصب التسيير والمسؤولية العمومية إلى مصدر للثراء الشخصي، يمكن الوقوف على هذا البعد من خلال نسبة المعطلين في الانتخابات المحلية ترشيحا ودعما، ظاهرة الرحل في البرلمان والأحزاب، طبيعة الزبناء السوسيو-ديمغرافيين الجدد لأحزابنا…)

هذا البعد أدى إلى جو من التذمر وسط المناضلين بحكم اعتبار القيادات الحزبية أن المزيد من توسيع مجال المشاركة في صنع القرار يعتبر تهديدا للقيم المتواطأ حولها، وأصبحت الأطر الهامشية تعزف عن المشاركة الحزبية، إما لعدم اقتناعها بمردودية هذه المشاركة، أو لأن طموح التدرج في المواقع التنظيمية والسياسية غير مرتبط برغباتها، وليس محددا بكفاءاتها ومردوديتها، بل هناك اعتبارات أخرى مثل الأصول والواقع الطبقي أو الولاء التنظيمي بل حتى الوراثي!

هكذا شكلت هذه العوامل المجتمعية وضعية جديدة داخل أحزابنا السياسية، التي تحولت من معادلة التنافس والصراع مع الحكم، إلى التنافس والصراع على حقائب الحكومة، ومن التنافس حول توسيع المشاركة في صنع القرار، إلى التنافس من أجل النفوذ في مؤسسات الدولة (إدارة، حكومة، برلمان، جماعات محلية…)، هذا التحول انعكس على لائحة المطالب الأساسية للتحديث التي رفعتها الأحزاب الأصيلة في المغرب، أقصد الأحزاب المستقلة في نشأتها عن الدولة ذات الامتداد التنظيمي في قلب المجتمع، فمن مناهضة الحكم الفردي الاستبدادي إلى وضع المعركة الدستورية على رأس لائحة المطالب، ومن المجلس التأسيسي إلى قبول الدستور الممنوح والانتقال إلى أن العطب ليس في الدستور، وإنما في الانتخابات، إلى غض الطرف نهائيا عن تعديل الدستور، بل المطالبة بإبقاء أكثر الفصول مثارا للجدل أو المطالبة بحذف أحد فصوله الديمقراطية لمجرد أنه يقصيها من رئاسة الحكومة بسبب تراجعها انتخابيا،الشيء الذي لا يساهم في تحديد الأدوار بشكل واضح من خلال توازن السلط، وذلك للاحتماء بالنظام من فاعلين جدد في الساحة السياسية، ويتعلق الأمر بالحركة الإسلامية، وتم الانتقال من رفض هيمنة التقنوقراط إلى المطالبة بعدم مزاحمتهم للسياسي أو طغيانهم في مراكز القرار إلى تلوين التقنوقراطي بصباغة حزبية!

هذا التحول أدخل أحزابنا بؤرة التوتر، ومع عدم ربط القيادة لأحزمة السلامة لاتقاء اهتزازات الاختبار الديمقراطي تفرقت الملل والنحل، وتحول الحزب الواحد إلى أحزاب تخرج من الصلب والترائب، أحزاب مستنسخة حد المسوخ، رغم نبل بعض أطرها.. لم تستطع خلق بديل قوي بسبب الخصاص الديمقراطي مجتمعيا وسياسيا، وزادت علاقات السيطرة والتبعية الشخصية وتضخيم المشروعية التاريخية للزعيم وفي مرحلة تالية النفوذ التنظيمي للزعيم حتى على رأس حزب أضحى مجرد هيكل عظمي، من حجم تفكك أحزابنا التي لم تستطع مواكبة التطور المجتمعي الذي ولد جماعات جديدة لم يستطع التشكل الحزبي استيعابها ولا القدرة على تلبية حاجاتها، خطابا وممارسة.. وأمام اتساع دائرة استقلال الفرد المغربي مع احتكاك المواطن بالإدارة، وتدفق المعلومات وتطور وانتشار التعليم وتعدد مصادر التكوين والمعرفة.. حدثت طفرة في إدراك المواطن المغربي لذاته في علاقته بكل أشكال السلط، لذلك سيحتاج الفاعل السياسي الغارق في جبة الاستعلاء عن نبض الشارع إلى فهم الحركة المدنية التي رافقت العديد من القضايا الاجتماعية، وإلى أحزمة الدفاع التي بدأت تنشأ في بعض المداشروالقرى النائية والأحياء الهامشية وحتى في قلب الحواضر التي اعتدنا تواجد الخلايا الحزبية فيها لتأطير وتوجيه وتوظيف أي حركية اجتماعية، مجموعة القضايا هاته التي ترفع مطالب جزئية وخاصة بالمنتسبين إليها تحاول الابتعاد دوما عن الهيمنة الحزبية والنقابية أيضا، حتى أضحى المجتمع ينظم نفسه في أنوية للتعبير عن مطالبه وحقوقه دون أي تأطير حزبي!

هذه العوامل مجتمعة جعلت مراكز القرار الحزبي تتربع على فزاعات لحقول جرداء لذلك تفرغت للاحتراب فيما بينها وحولت أحزابها إلى أصل تجاري وحده الزعيم يملك مفاتيحه ويرش حوارييه وأتباعه بما تساقط من متاع المناصب الدنيا الزهيد، لذلك أضحت تنظيمات محرومة من ماء الحياة.. الجماهير والنخب المنتشرة في المجتمع والذي لم تعد تجد ذاتها في قلب هذه التنظيمات، وجعل التنظيمات الحزبية التقليدية معزولة عن أي امتداد اجتماعي وبدون سلاح سوى الابتزاز والتفاوض حول الحصص الصغرى بلا أجنحة أو امتداد في عمق المجتمع وبلا مشاريع سياسية أو اجتماعية، وأضحت تتفرج على واقع متحول تعجز عن إدراكه وبالأحرى تأطيره، غير قادرة على الانخراط فيه لأنها مطعون فيها كدكاكين انتخابية ولعل حراك الريف أكبر دليل على ما آلت إليه التنظيمات الحزبية التقليدية…

 

عذرا أخي ناصر، عذرا أبا ناصر، لا يمكن الدفع بأجيال إلى المحرقة كغطاء سيكولوجي على فشلكم وفشلنا كجيل

68976498_2229660153810071_1731447564948996096_nعبد العزيز كوكاس

المعارك السياسة والحقوقية هي نفس طويل من الآلام والآمال لتحقيق مكاسب للمجموعة الوطنية، وإذا كنت أتفهم معاناة المعتقلين على خلفية حراك الريف ومآسي أسرهم، فإني صُعقت حقيقة من قرار ناصر زفزافي ومجموعته بقرار إسقاط الجنسية المغربية عنهم، واعتبروا ذلك بمثابة تصعيد احتجاجي ضد عدم إصدار عفو عنهم.. في تقديري يتعلق الأمر بسذاجة سياسية أخطأت أدوات النضال في معركة طويلة النفس لإقرار الديمقراطية بالمغرب..
كان النظام هو من يلجأ لإسقاط الجنسية عن مغاربة وطنيين قدموا الغالي والنفيس للوطن دون أن يتجملوا عليه، كما فعل مع الراحل أبراهام السرفاتي، ولم يسبق لمناضلين من عيار وازن أن طالبوا بالتخلي عن جنسيتهم، رغم أنهم ذاقوا الويلات في أحلك الظروف وسلطت عليهم الآلة القمعية كل أشكال العنف والسجن والتشريد والتعذيب، لأن الوطن والانتماء إليه ليس قرارا إداريا ولا سياسيا، إنه هذا الهواء الذي نتنفسه والتربة التي نتحرك فوقها، الجنسية ليست ورقة إدارية تسقط ببلاغ ولا لباس نغيره مثلما نغير جواربنا، الجنسية هي هذا الوطن..
أعتبر الأمر سذاجة سياسية لأنه يعيد النقاش حول محاكمة النوايا التي حملها بيان الأغلبية الحكومية ضد حراك الريف وتهمة الانفصال، ويبخس نضالات المغاربة في معركة طويلة امتدت لعقود في سبيل التحرر والديمقراطية.. الوطن ليس ملكا لأحد، والجنسية ليست مجرد رابط قانوني بين الفرد والدولة، وهذا الوطن الذي قدم العديدون أرواحهم وزهرات عمرهم في سبيل التحرر والتقدم والديمقراطية، ليس مجرد جواز سفر أو بطاقة وطنية بل هو تلك الظلال التي لا يراها سوى من اكتووا بعشق هذا الوطن الذي وإن لم نر منه نعيما ولا جنة خلد يظل حضننا الجماعي، حتى ولو كنا نتوسد فيه رصيف الشوارع لا وسائد ريش النعام..
لا يمكن الربط بن الجنسية والمخزن، وقرار إسقاط الجنسية الذي اتخذته مجموعة الخمس، خطأ استراتيجي يؤزم الملف بأسره ويضع عصا عريضة في عجلة المساعي لطي الملف، فهو ليس قرارا سياسيا ولا أداة للنضال الديمقراطي، مجرد يأس عام يعيدنا لدرجة الصفر، إن محاولة الابتعاد عن الحضن الاجتماعي لأي حركة نضالية يجعلها تقع في الأخطاء القاتلة ويحرمها من السند الاجتماعي والسياسي الذي يغذي القوى ذات المصلحة في التغيير، وما كان على مجموعة الخمس أن تزيد من عزلتها بعيدا، بعيدا خلف قضبان رمزية أخطر من قضبان السجون..
عذرا أخي ناصر، وعذرا أخي أبا ناصر، لا يمكن الدفع بأجيال إلى المحرقة كغطاء سيكولوجي على فشلكم وفشلنا كجيل.. فاليأس والارتجال هو ما يخنق كل حركة تغيير اجتماعي..

الإعدام ليس حلا أبدا، مجرد غريزة للانتقام المجتمعي باسم القانون

عبد العزيز كوكاس

إلى كل الغرائزيين البدائيين الساعين للانتقام باسم القانون

لا يمكن للمرء وهو يتابع أشكال العنف الإجرامي المتزايد بيننا والذي أصبح يُرصد بالصوت والصورة، إلا أن يحزن كثيرا للمآلات الجارحة للعدوانية والعنف وسط المجتمع، صور ذبيحتي شمهروش، شكل اغتصاب وقتل الشابة حنان بشكل وحشي من طرف مجرم حي الملاح، وهذه الفيديوهات التي أصبح المواطنون يلتذون بالتقاطها ونشرها بدل القيام بأي شيء لإنقاذ الضحية، أقله الصراخ لتقديم الدعم لشخص يتعرض للخطر، أو استعمال هواتفهم لطلب نجدة الأمن بدل توثيق المشاهد العنيفة ونشرها فقط… لا يسع المرء وهو يرى كل هذا التنامي غير المسبوق للجريمة بطرق عنيفة ووحشية، إلا أن يشجب ما آل إليه وضعنا.. ولا يمكن إلا أن نكون في صف الضحايا الذين قضوا نحبهم بطريقة وحشية، أو الذين تعرضوا لكل أشكال العنف من طرف منحرفين، لكن للأسف فالضحايا كثر حتى بين الفاعلين المجرمين أيضا..

ولكن لا يمكن أن نجاري هذه المطالب القادمة من قلب العمق الاجتماعي التي تنادي بتطبيق وتنفيذ حكم الإعدام اتجاه المجرمين، يجب أن لا نخلق حالة من الفوبيا لنعزز غريزة الموت/ « التيتانوس » فينا، لأن القوانين لا تصاغ بالعواطف ومشاعر الثأر والانتقام وردود الأفعال الآنية، فحكم الإعدام لا يقل وحشية عن سلوك هؤلاء المجرمين الموسومين بالخطر على المجتمع.. مع كل حدث عنيف من التشرميل في قضايا هزت مشاعر المجتمع وراح ضحيتها أبرياء في عدة مدن مغربية، ومع انتقال أشكال العنف حتى إلى البوادي والقرى التي كانت إلى وقت قريب رمزا للأمان والأمن.. ترتفع بحدة الأصوات المطالبة بإنزال عقوبة الإعدام بالمتهمين وتطبيقها، يجب أن نحذر من مجاراة هذه الدعوات التي تزايدت وثيرتها مؤخرا، لأن الأمر أشبه بداويني بالتي كانت هي الداء..

2012 (2)

هناك وعيان يخترقان المغرب: وعي الدولة المتقدم والنخب المطالبة بحذف عقوبة الإعدام، لأنه جريمة ترتكب باسم القانون، ووعي عام غريزي يخترق المجتمع وبعض النخب المحافظة التي لا ترغب في حذف هذه العقوبة من القانون الجنائي المغربي خوفا من تعريض نظامها الثقافي ومشروعها الإيديولوجي للانهيار..

لحسن الحظ تبدو الدولة المغربية جد متقدمة منذ توقيفها تنفيذ حكم الإعدام منذ عام 1994، ومؤخرا أصدر الملك محمد السادس، بمناسبة عيد العرش، عفوا على عدد من الموجودين في حالة اعتقال، ضمنهم استفاد 31 نزيلاً من تحويل عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد.. وهو ما خفض عدد المحكومين بالإعدام بالمغرب بنسبة كبيرة وغير مسبوقة، لقد كانت خطوة جريئة وذات طابع إنساني تصب في المنحى الحقوقي المطالب بإلغاء هذه العقوبة البدائية، وهو ما أشادت به ثلاثة ائتلافات مغربية مُعارضة لعقوبة الإعدام، حيث ثمّن « الائتلاف المغربي ضد عقوبة الإعدام » و »شبكة البرلمانيين ضد عقوبة الإعدام » و »شبكة المحامين ضد عقوبة الإعدام » هذا القرار وقدروا « من هيأ له وساهم فيه »، وهنأوا المستفيدين من العفو، كما عبرت الائتلافات عن أملها في أن « تأتي مناسبات للعفو قريباً لتغلق إلى الأبد ممرات الموت بالسجون وتفرغ من المحكومين بالإعدام »، ذلك أن عقوبة الإعدام لم يعد لها من مسوغ للبقاء ضمن الموسوعة الجنائية المغربية، بل أضحت متناقضة مع المقاربة المجتمعية والحقوقية للعقوبة.

لنضع الأسئلة الحقيقية التي تصدم وعي المجتمع قبل الحقوقيين: هل عقوبة الإعدام تشكل حلا للحد من العدوانية والوحشية، وتخفيض نسبة الجريمة النوعية؟ ماذا سيستفيد المجتمع المغربي من العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام بل والإبقاء على هذه العقوبة المتخلفة التي يصدرها القانون فقط لامتصاص غرائز الانتقام من المجتمع؟

إن الحكم بالإعدام هو جريمة في حد ذاتها، لا يمكن للمجتمع أن يقتص من أحد أفراده بدعوى تكافؤ العقوبة، لا عقوبة تكمن في سلب حياة تجاه شخص يعرف أنه سيموت حتما، وأن هناك الكثيرين ممن سيتفرجون عليه، أو يسمعون باسمه، ويقرؤون عنه في الجرائد، ما ثبت يوما أن تنفيذ حكم الإعدام في ساحة عامة، قد ردع آخرين عن القيام بنفس الشيء، بدليل أن جرائم القتل لازالت مستمرة، ثم إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا نظهر أمام العالم وأمام الناس والمجتمع الذي نمثله، مشاهد تنفيذ الإعدام، لكي يتعظ الناس كما يقول الأخلاقيون جدا؟ لماذا لا نكف عن الكثير من الهراء حول استفادة المجتمع من تطبيق حكومة الإعدام في الناس؟

لا أحد وهب الحياة للآخر لكي يسلبها منه، حتى المجتمع، والقصاص المجتمعي بدعوى العدالة وإثبات القوانين، هو نوع من الغريزية البدائية فينا، يجب أن نحاربها، ويجب أن نقول اليوم: لا لتطبيق الإعدام ونعم لحذف العقوبة من القانون المغربي، ليس هذا نوع من الرومانسية الحالمة، لا… يجب أن نبحث عن المجرم الحقيقي في كل هذا المسلسل، وغريزة الانتقام يجب أن تكون آخر شيء يفكر فيه المجتمع تجاه أبنائه، فلنكف عن الإعدام من فضلكم، ليس فقط تطبيقا، بل أيضا يجب أن نحذفه من نصوصنا القانونية، ذلك هو الوجه المتحضر الإنساني لبلوغنا قمة كبرى في المدنية، وإلا فنحن غرائزيون، ذباحون، قتالون، آكلو لحم البشر، حينما نؤمن أنه لا بد للإعدام أن يبقى مستمرا، وأن يبقى المغرب متحفظا على أجزاء من هذا القانون، فبئس المصير…

إن إلغاء عقوبة الإعدام، هي واجب للضمير البشري فينا، للإنساني فينا، يجب أن نكف عن العبث، المطالبة بحذف عقوبة الإعدام ليست ترفا فكريا، مهما كان المجتمع يعتقد بأنه يجب أن نقتص ممن أخلوا بشروط الإقامة فيه وأجرموا في حقه، وأضروا بسمعته وبقيمه وألحقوا الأذى بناس أبرياء بطريقة دموية وغير ذلك..

إن الأمر مجرد أوالية نفسية لستر عوراتنا، أخطاء مجتمعنا هي جزء مما نصنعه نحن، سواء كنا في القمة أو في القاعدة، المجتمع الذي لا يزال يطبق حكومة الإعدام حتى ولو كان في وسط الولايات المتحدة الأمريكية، هو جزء من غريزتنا الحيوانية البدائية..

يجب أن نكف عن العبث، ويجب أن نقول بملء فمنا: لا لعقوبة الإعدام، ليس لتنفيذه أو عدم تنفيذه، بل لا لعدم سنه كليا.. يجب أن نطالب بكامل قوانا لكي تلغى عقوبة الإعدام..

ستقولون أشياء كثيرة، ستحدثونني عن هذا المجرم الذي قتل وسفك دم أمه وأبيه، أو ذاك الذي شوه جثة زوجته ومثل بأطفاله، وهذا الوحش الآدمي الذي اقترف من الجرائم ما لا تعد ولا تحصى.. هل أعيدكم إلى إنسانيتكم المجردة؟

الدعوة إلى الإبقاء على عقوبة الإعدام أو تطبيقها هو محض مزايدات شعبوية، الكثيرون يعتقدون أن الجرائم النوعية كثرت لأن السجون المغربية أصبحت أجمل من السكن في المنازل في بعض الأحياء، ورجال السلطة أصبحوا وديعين وذهبت هيبة أيام زمان، بل هناك من يذهب إلى أبعد مدى فيما يشبه الحنين الجريح إلى أيام « سيبة السلطة » بلا مواثيق ولا عقود ولا قوانين للضبط… كل هذا مجرد رد فعل غريزي آني، يجب أن نفكر بعمق في تشديد العقوبات على حمل السكاكين والسيوف حسب نوعيتها وأغراضها، وأن نزيل أسباب الجريمة ودوافعها في الفرشة الاجتماعية بسياسات عمومية تحد من الانحراف والفقر والإحساس بالتهميش والإقصاء، ومحاربة تقريب المخدرات من قرقوبي وحبوب مهلوسة من المواطنين، أما المناداة بتطبيق عقوبة الإعدام فليس حلا، وإنما مجرد ثأر متخلف مغلف برداء قانوني..

لم يثبت أن نزل معدل الجريمة في الدول التي تطبق عقوبة الإعدام بل ازدادت وحشية أحيانا مما دفع العديد من الولايات الأمريكية إلى إلغاء العمل بهذه العقوبة، فعتاة المجرمين المنحرفين المغبونين اجتماعيا أصبحوا يرون في إذاعة ونشر خبر الحكم عليهم بالإعدام أصبح بمثابة الشهرة وتحقيق توازن نفسي كما لو أن المجرم المقصي سابقا أصبح يجذب اهتمام المجتمع بعد إهمال..

يجب أن تلغى عقوبة الإعدام، ليس فقط للخطأ البشري المرتبط بآليات القضاء والمحاكمة، ليس لأن هناك قصصا تروى وتحكى هنا في المغرب وليس فقط خارجه، بكون متهمين بالإعدام، وثبت وجود خطأ في حقهم وأنهم ليسوا المعنيين بالجريمة، بل فقط لأن الحق الدستوري للحياة لا يمكن أن يتعايش مع الإبقاء على عقوبة الإعدام.

 

محمد بلحسن: لم يكن أبا.. صاحبا بالألفة كان كلما ضاقت بنا الأرض صنع لنا سماء، ظل يدفع عنها اليباب  

 عبد العزيز كوكاس

نادرا ما نتحدث عن الأب وحضوره فينا -كتابا ومبدعين- رغم أننا ننتمي إلى مجتمع أبيسي، هل في ذلك علاقة ماكرة مع تضخم المركب الأوديبي لدينا.. قتل الأب، كما لو أن الحديث عن الوالد هو حديث بالضرورة عن سلطة القمع والكبت والترويض والأنا الأعلى داخل الأسرة والمجتمع.. ذاك لغز لا يسمح ما حصدته من معرفة لفك طلاسيمه..

ظل أبي دائم الحضور في إبداعاتي، لقد سبق أمي في إهداء أول رواية لي « ذاكرة الغياب »، حيث كتبت: « إلى أبي الذي لم ينضّ عنه تعب السفر وثياب الغياب.. الأب الاستثنائي الذي رفض أن يسكن مرتين: في قبره وفي قلبي ».

في مساري الشخصي، ظل الأب حاضرا بقوة- بالإضافة إلى الأم حنانا ورفقة وحبا بلا حدود- والحق أقول لكم ليس من باب كل ابن بأبيه معجبا، ولكن لأني عشت بقرب شخصية أبي، عبر المعيش والرفقة الدائمة من جهة، وعبر المروي والمحكي عن الوالد من جهة أخرى.. لم يكن مجرد أب بيولوجي.. صاحبا بالألفة كان، كلما ضاقت بنا الأرض صنع لنا سماء، ظل يدفع عنها اليباب، أذاقته كلفة السهر على زغب الحواصل، نتفا من كل ضائقة، وما استسلم ولا خلا من قلبه حب.. فيض حدبه وكرمه كان مثل نخلة لا تبخل بظلها حتى على الحطّابين.. ابتسامته وحدها كانت مثل الحبة التي تمنح الحياة لسنبلة بمائة حبة.. حتى حين خانته قواه لم يتعب قلبه ولا جف ماء واحاته التي آوت الكثيرين، لم يشتك أبي يوما من الحياة التي اجتهدت في محاولة إذلاله في أكثر من محطة من العمر.. ولعلي ورثت شبها غير يسير من هذا.

كان دائم السفر لأنه كان سائق شاحنة لنقل الأنعام التي لم يكن له منها شيئا، حتى صرنا نلقب نحن الأبناء ب »أولاد مول الكاميو »، كان ذلك يعطينا الإحساس ببعض التميز بين الأقران في حي الخير وبعدها في فم الأفعى بدوار الكورة، كلما رآه أطفال الدرب هرعوا إليه ليُقَبلوا يديه وينعموا بما يجود عليهم مما جلبه لأبنائه من حلوى الأسواق.. ومنه ابتليت بالضرب في الأرض والرحيل الدائم في الزمان والمكان والحب… كنت دوما رفيقه في السفر، في الشاحنة بجانبه قرأت كتبا بلا عد ولا حصر، واستمعت إلى حكاياته التي كان ينسى في كل مرة أنه أعادها على مسامعي أكثر من مرة، ولم أكن أسبقه بمكر نحو نهاية الأحداث، لأن الخواتم في حكاياته لها طعم خاص وما كان يزيد من حلاوة وقعها تلك الضحكة الصاخبة التي يعقب بها حكاياته ذات النهاية الطيبة، وهو ما كنت أنتظره..

لم يكن لدينا ما نسد به الرمق حين كنت في السنة الخامسة ثانوي (الجذع المشترك اليوم)، ساءت أحوالنا بعد حادثة سير للوالد.. قبل يومين من عيد المولد النبوي، قصدت أبي واقترحت عليه أن يشترى لي ثلاثة كتب كانت مقررة لدي، وهي « الأيام » لطه حسين و »الطيبون » لمبارك ربيع وكتاب فرنسي لمولود فرعون « ابن الفقير »، بدل شراء ملابس العيد، نظر إلي مليا، أرهبتني دمعة تلألأت في عينيه، شعرت بالذنب، لكن ابتسامته وطبطبته على كتفي أزالت مخاوفي، فقال لي بتأثر واضح: « أنا صابر على حفاتي وعراتي غير باش تقرا وتكون مستقبلك »، عبارة كانت أشبه بالوقود في قاطرة حياتي.. وأتذكر قبلها بزمن بعيد، أني حين رسبت في قسم الشهادة الابتدائية.. لم أقصد المنزل وإنما ذهبت إلى البحر، قصدت الانتحار، بدل أن أجلب العار لأبي.. لكن جبني أو عشقي للحياة كان أقوى!

 

حين علم أبي بانشغالي « الطَّفْلي » بالسياسة، بدأ يسدي إلي نصائحه المهولة عن المخزن وعن مصائر أقوام أعلى مقاماً من شأني.. وغيرها من الحكايات التي تشيب لها الأجنة في الأسابيع الأولى لتشكّلها.. حكى لي يوما رؤيا لا أدري إن كان قد رآها حقا أم كانت وليدة اليقظة : »خيرا وسلاما رآنت في الليل وقد اشتعلت النار في شعر رأسك يا بني، فسارعت إلى إطفائها »، وفسر هذا الأمر على أن النار هي السياسة، واشتعالها في الرأس شر مستطير، أبي لم يكن يقرأ غير القرآن ولم يعلم بابن سيرين الذي يرى أن اشتعال النار في الجسد « قد يدل على السلطان والسلطة وقد يدل على الجن والشياطين التي خلقت منها أو على مدلول أفعالهم أو الفتن خصوصا إذا احتوت على ألسنة الدخان أو تدل على العذاب أو الأمراض ».. وحين سُكَّت النقود الجديدة أخرج محمد بلحسن من جيبه قطعة نقدية من فئة 10 دراهم، اقترب مني بالشكل الذي لا يزعج أحلامي وقال لي بلهجة الحكماء: « انظر يا بني، إن المغرب هو هذه القطعة النقدية، وسطها فضة بيضاء صافية وهي الملك والمحيط بها نحاس وهم الشلة الفاسدة المحيطة بالملك »! كانت تلك خريطته في سياسة جموح الخواطر..

أُقدر صدق الوالد -رحمة الله عليه- الذي لم يُخرج من جيبه قطعة خمسة دراهم، فلكلِّ الوجه الذي يريد.. وحين ألقي القبض علي في مظاهرات التلاميذ في يناير 1984، وقضيت أسبوعا بين كوميسارية الدائرة العاشرة بشارع الكفاح و »الكاطريام » بحي المحيط و »الدوزيام » قرب الكنيسة بالرباط.. خانته دموعه وكاد ينهار، إذ فجأة اختفى ذلك الرجل/الجبل الذي خبرناه في الملمات الصعبة.. وخوفا -على ذلك الزمن الحارق- أن يتم تفتيش البيت، أحرق أبي كتبا في مكتبتي بريئة من أي إثم سياسي..

ولما أحس أننا كبرنا وتآخينا واشتد عودنا، علّق شمسا دافئة على سمائنا، جمع أغراضه وأسراره في بُقْجة لدوائر الزمان هناك، ورحل… أتذكر حين أودعته في أعماق الليل بمستشفى الشيخ زايد، كانت عيناه غير منطفئتين.. تبادلنا النظرات دون أن يتفوه بكلمة، وعدت وحيدا حزينا، وحتى اليوم لا أدري أأودعته اللحد أم أودعني، متعبا عدت إلى لا لا أين؟

لم تشرق الشمس من يومها كأنها استلقت بجانبه على سرير الأبدية، كل نسمة ريح تعيد إلي رائحته، أجده بهيّا كما كان، لم تأكل العتمة أشرعة قاربه.. يده تمتد وئيدا لتشذب ذبالة الشمعة التي كنت أتقاسم وإياها ما تبقى من آخر الليل.. صوته ظل مليئا بالحكايات والمغامرات، خال من التجاعيد.. رائحة عطره نفاذة، تحمل سحر الدوالي والكروم.. لقد مات بشرف النبلاء.. حيث ظل يخفي عنا كل انكساراته وخيباته الموجعة.

وعشتُ الأب كمحكي، تلك المرويات التي كان يحكيها عنه الرجال والنساء من الأصدقاء أو الجيران أو محيط العائلة الفخورين به جدا.. ثريا كان ومثل قمم الجبال التي تتعطل من الخصب، أضاع كل شيء في جنون عشق الحياة ومباهجها، جاء إلى الرباط ابن 17 سنة وتزوج أمي وهي ابنة 12 سنة، وصرف كل وسخ الدنيا على زينتها: الحب، السفر والكرم والبنون.. هو من حرر أمي من اللثام وقب الجلباب.. كان يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلا، وحتى حين شحت موارد رزقه، لم يكف عن عاداته القديمة..

طوقتنا مرويات الأب ومحكي الناس عنه- التي تصل حد الأسطرة- بمسؤوليات كبرى، واجب استحقاق الانتساب إليه وشرعية تأكيد شهادة النسل من بلحسن.. كيف نستطيع أن نشبهه، وأن أكونه أنا أيضا بعد فشل أخي الأكبر؟.. هل كان لدي أوديب استثنائي؟ كل ما أعرفه أنه ظل أكبر مني ليس في السن فقط.. لذلك لا زال من عاداتي حين تضيق بي الدنيا على شساعتها، أن أنط سور مقبرة الشهداء بالرباط حيث دفن، في ساعة متأخرة من الليل، أدفن خوفي وأسترشد بنجمة شاردة على قبره، ونتقاسم ما تبقى من الليل بالتساوي، نسترجع ذكرياتنا، أوجاعنا وما تساقط من العمر وأخبره عن أحلامي والزهرة التي عشقها وباقي السلالة، يمد يده إلى جيبه، تم يتذكر أنه هناك بلا جيب، فيمسد بيده الندية ما تبقى من شعر رأسي مبتسما ويتوارى في الغياب..

فشلنا الكروي ليس خيبتنا الوحيدة: بدل نصب المشانق للاعبين، حاكموا ثقافة ومجتمعا يصنع الهزيمة والإحباط

« العيب ما شي فاللي تيزرع فالسطح، العيب في اللي تيخمس عليه » مثل مغربي

عبد العزيز كوكاس*

الفكر المأزوم ينتج فكر الأزمة حيث تغدو الهزيمة فكرا وثقافة لها صناع ومنتجون.. معلمون ومتعلمون كما في الحرف التقليدية، ولها جمهور ومتلقون يستلذون جلد الذات والتنفيس عن الكرب المتراكمة هنا وهناك والإحباطات المغيبة قسرا في جوانب معتمة من الذات الفردية والجماعية، وأشكال الاحتماء من غارات الآخر، المتفوق، الغاشم، الكاسح..

سيتبارى المحللون المختصون للحديث عن فشل التدبير الرياضي بالمغرب وتعثر إستراتيجية الجامعة وسيحاول السياسيون شحذ أسلحتهم في الجلدة الساحرة بالحديث عن الفساد الرياضي بالمملكة، لكن النظرة التجزيئية لما حدث للفريق الوطني لكرة القدم في « كان » مصر الأخير، تجعلنا دوما قصيري النظر، حين يأتي الانتصار – الذي أصبح استثناء- ننتشي ونرفع المنتصرين إلى سماوات بعيدة حد الأسطرة، وحين نستفيق على الهزيمة، نُنزل الفريق الوطني إلى الدرك الأسفل، وننصب المشانق للاعبين أجمعين بمن فيهم لاعبو الاحتياط والحكم والمدرب والمساعد التقني ومدير الفريق ورئيس الجامعة والوزير و… هذا إذا كنا « عقلانيين » أكثر، إذا لم نرجع هزيمتنا للحظ الذي لم يحالفنا و »التقواس » و »الزهر » كما قال وزير الرياضة..

فقد تابعنا تعليقات المحللين والمعلقين حول أسباب نكسة المنتخب وصدمة المغاربة، وردود أفعال الجمهور في مواقع التواصل الاجتماعي، فأحسست كما لو أننا نؤمن أن الهزيمة شأننا الخاص، قدر جماعي لا يخطئنا أينما حللنا، لذلك فبعد التشجيع والإطراء على مستوى الظهور الجيد للأسود والاحتفاء الجماعي بالمنتخب الوطني وبرموزه، وبالثعلب رونار الذي تجاوز لأول مرة عقدة جنوب إفريقيا، تحولنا بمائة وثمانين درجة إلى معانقة وضعنا المقهور كما لو كنا في نزهة حلم قصير حين انتصرنا، وتعكس تعليقات وسائط الاتصال الاجتماعي هذا البعد: « الكأس الوحيد اللي تيصدق للمغربي هو كاس أتاي »، وصورة تبرز فريق بنين بتعليق « بنين » إشارة إلى الفحولة والرجولة والفاعلية مقابل الفريق المغربي « بنات » إشارة إلى المفعولية والاغتصاب والضعف، والأغنية التي يبدو أنها سابقة على حدث الهزيمة خرجت إلى الوجود فجأة: « الطيارة تتسنّا فيكم رجعوا بكري كيف ديما، حسن ما ترجعوا فالزحام ».

ولأن الانتصار له ألف أب فيما الهزيمة يتيمة لا أب لها.. لأن لا أحد منا تعلم الجرأة على تحمل مسؤولية الفشل، فإن التحليل والنقد ذاته هو جزء من النفسية العامة التي تحكمنا كمغاربة في كافة المجالات.. ويزداد هذا البعد حدة كلما تعلق الأمر بعلاقتنا بالآخر، حيث الانتصار حلم لا تدوم حبرته سوى لحظة من الزمن ثم يذوب مثل قطعة سكر.. لنعود لامتصاص حنظل الهزيمة، ليس في اللعب الرياضي فقط بل في الحياة العامة.. في الانتقال الديقراطي ودولة المؤسسات وفي التعليم والقضاء على الفقر وفي الدبلوماسية الخارجية…

لماذا لا ننظر إلى الأبعد؟ لماذا لا نجرب زوايا بعيدة للنظر؟

فالكرة والرياضة المغربية عامة هي جزء من تراكم الخيبات والانكسارات التي نتعايش معها في تفاصيل حياتنا اليومية.. من السياسة إلى المجتمع والثقافة وباقي مناحي الحياة، لاعبونا في المنتخب الوطني هم جزء من جلدتنا حتى ولو كبر معظمهم في بلاد الإفرنج، متشبعون بروحنا العميقة وثقافتنا التقليدية ونظم قيمنا السابقة على وجودنا، فنحن كمغاربة يحكمنا فكر القبيلة القادم من أعماق التاريخ، والذي ورثنا العيش في الرعب الناشئ عن التهديد الدائم لإغارة القبائل القوية والخوف المستمر من الوقوع تحت سطوتها الفتاكة وما ينتج عن ذلك من استعباد وعسف واغتصاب وإذلال… وبحكم خضوعنا للأقوى حتى داخل القبيلة للأسياد الذين يزرعون فينا اليأس من قدرتنا على الانتصار والتحرر من مشاعر الدونية والإحساس الدائم بالقهر، والرعب الذي يعشعش في نفوسنا من الآخر المتسلط.. من هنا ضعف مقاومتنا وعدم نهضتنا من كل سقطة.. محكومون في عمقنا النفسي وتكويننا الثقافي بهذا المخزون القبلي التاريخي.. بالاستكانة والمهانة والخوف من الآخر القوي الغاصب وغياب الجرأة وروح الإقدام والشجاعة والاندفاع، ما نراه اليوم له أساس في التاريخ العميق للمغرب لتراكم الخيبات والانكسارات، فأصبحنا ميالين لسيكولوجية الإخفاق مستسلمين للفشل..

لا يمكن أن نفصل اللاعب عن السياسي وعن المجتمع الذي تسوده ثقافة لا تكرس المبادرة والجرأة والشجاعة والثقة في الذات.. لقد حضرت مؤتمرات عربية وغربية كانت تُطرح فيها قضايا سياسية ساخنة، وحضرت ندوات دولية تجعلنا نحتك مباشرة مع الأعداء، وكنت ألمس في السياسيين المغاربة غياب الجرأة والإصابة بالشلل التام وقوة الانفعال والارتباك الذي يضيع عليهم فرصة الإقناع والانتصار، وفي قضايا صغيرة يبدو سياسيون مغاربة وازنون في حاجة إلى من يدفع بهم، إلى من يعطيهم الضوء الأخضر ليستعيدوا الثقة في أنفسهم، يفتقدون للمبادرة وحرية اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية نتائجه بجرأة.. هناك نوع من « بلوكاج » الإبداع والمبادرة والمغامرة.. أمة بكاملها تنهزم في لحظة لأتفه الأسباب وأمام خصوم فارغين أو متواضعين جدا..

مقابل هذه الخيبات العميقة والانكسارات المتجذرة في وجداننا، لدينا ردة فعل نرجسية للتغطية على ضعفنا، بالحديث عن كوننا استثناء والمغاربة « واعرين » و »ما يقَد عليهم غير الله ».. فيما يشبه التغطية على الجرح النرجسي الملازم لنا وتوفير سور وهمي للاحتماء، فشلنا في الانتقال إلى الديمقراطية وأضعنا فرصا تاريخية ذهبية نحو وضع أفضل، ونعيش الشيء ونقيضه، النفسية المنهزمة هي مقدمة للفشل في كل شيء، ما نراه في أحزابنا وفي مشهدنا السياسي العام وفي قلب التعليم والصحة… هو جزء من هذه الخيبات التي تسكننا ولا نملك الشجاعة على تسميتها.. ولا تفكروا في عويطة ونوال المتوكل والكروج وأسماء مثل التيمومي وفرس والظلمي.. إنهم أشبه ببيضة الديك.

ملحوظة*

-أنقل هنا خلاصة نقاش تلقائي جمعني رفقة الصديقين الدكتور محمد سبيلا والصحافي عبد الكبير العلوي الإسماعيلي مدير منشورات الزمن على إثر هزيمة المنتخب الوطني بمصر.. وإذا كان لي فيه من فضل فهو صياغته ومشاركة القراء ما دار في جلسة خاصة، أما ما في المقال من هنات محتملة فأتحمل مسؤوليتها لوحدي.

مذكرات « أيام زمان » للصديق معنينو: من ذاكرة السلطة إلى سلطة الذاكرة

« في دفتر مذكراتك، تجد تلك المواقف التي مررت بها وتعتقد اليوم أنك قد لا تنجو منها لو حدثت، لكنك فعلت! بل وكتبتَ عنها.. إننا نزداد حكمة بتذكر أنفسنا في الماضي، وتذكر كل ما مررنا به وواجهناه بكل شجاعة ». فرانز كافكا 

عبد العزيز كوكاس

في مجموعته القصصية « الأم الكبيرة »، يقول غابرييل غارسيا مركيز: « الآن، حلت الساعة التي يستطيع المرء فيها أن يضع كرسيا لصق باب الشارع ويبدأ من البداية سرد تفاصيل هذا الحدث القومي الجليل قبل أن يتسع وقت المؤرخين للحضور »، لعل هذا ما فعله الصحافي الصديق معنينو في مذكراته « أيام زمان » التي صدر منها حتى اليوم خمسة أجزاء منذ عام 2014، بمعدل إصدار في السنة.

يؤكد الكاتب منذ البدء أنه صحافي وليس مؤرخا.. يكتب ذاته من خلال ما عاشه من أحداث ووقائع في مشواره المهني في انتظار أن يصل المؤرخون، الذين عادة ما يصلون متأخرين، إذا جاؤوا كما تقول المغنية « تريسي تشابمن » عن الشرطة.. إنه وفيّ إذن لميثاق تعاقدي يشيده منذ البدء مع قرائه، فجنس المذكرات برغم أنه يقدم نفسه كنوع من أنواع الكتابة التاريخية ترتبط بوقائع وأحداث أمة مرصودة من ذات فاعل في قلب أحداثها فإنه وثيق الصلة بالسيرة الذاتية، من حيث استعمال ضمير المتكلم المفرد، وزاوية السارد/ المؤلف في وصف الأحداث وتعليلها، وبخاصة تلك التي لعب فيها كاتب المذكرات دورا أو تلك التي عايشها وكان في قلب طاحونتها أو شهدها أو سمعها من قريب، لذا تقع مذكرات « أيام زمان » في المنزلة بين المنزلتين تنهج موضوعية التاريخ بحيث أن الأحداث المروية عنها ترتبط بمسار أمة ووقائع عاشها جيل بكامله ولا زال بعض صناعها أو شهودها أحياء حتى اليوم، وتتكئ على ذاتية جنس السيرة الذاتية، لأن المؤلف غير محايد فيما يحكي.. ألم يُقل إن الصحافي هو الذي يكتب المسودة الأولى للتاريخ؟ وعلينا أن نكتشف مع مرور الزمن تلك الحدود الدقيقة بين المؤرخ والصحافي والكاتب السير ذاتي في مذكرات الصديق معنينو، الذي يعي هذه الفخاخ، فقد صرح قائلا: « لابد من التوضيح أنني كنت صحافيا في الإذاعة والتلفزة الوطنية، ومن خلال عملي هذا كنت قريبا من الملك الحسن الثاني، كي لا يفهم قراؤكم الأعزاء أني كنت أعلم أسرار الملك الراحل وأتكلم معه في كل حين، إن عملي المهني فرض أن أكون قريبا مرات عديدة من حيث المسافة من الملك الراحل.. لكن يفرض علينا التاريخ أحيانا ونحن بعيدين عن الحدث أن نتأمل اليوم الوقائع بعين أكثر حيادية ». (انظر حوار مع المؤلف عدد 782 من أسبوعية « الأيام » 23 نونبر 2017)

Maaninnou1

المغاربة يستعيدون تاريخهم المسروق عبر مذكرات الشهود

في بلد لم يتمرن على تطويع ذاكرته، وحيث لا زالت تتفشى الأمية القرائية والذاكرة الشفوية، في بلد يرحل زعماؤه وقياديوه ونخبه الفاعلة بصمت مع جزء من ذاكرة أمة، تعتبر كتابة الذاكرة مختبرا تجريبيا مفتوحا وجرأة أدبية استثنائية.. أمامنا مادة طرية، دمها على خدها لا تبعد كثيرا عن السياق الزمني الذي أطّر حدوث وقائعها.. لقد أنقذ الصديق معنينو إلى جانب السياسيين والإعلاميين الذين كتبوا مذكراتهم- على قلتهم- في هذه الفترة بالذات التي تميزت بزخم الذاكرة المغربية، (أخص بالذكر منها مصطفى العلوي « مذكرات صحافي وثلاثة ملوك »، الإذاعي محمد بن ددوش « حياتي وراء الميكروفون »، طلحة جبريل « صحافة تأكل أبناءها »، وعبد الله الستوكي في سلسلة حوارات حول مذكراته، وأستثني مذكرات أخرى كتبها صحافيون حول مسارهم المهني الشخصي أساسا دون أن يكونوا في قلب صناعة القرار…)، لقد أنقذوا الكثير من الأحداث التي بدونهم لبقيت غفلا منسيا.. ولذلك يُعزى لهم الفضل- في سياق سعي المغاربة إلى استعادة ذاكرتهم الذين أحسوا كما لو أنها سرقت منهم- في تقييد الذاكرة التي تعتبر قنصا فيما الكتابة قيدا وتسجيلا.. عقلا واعتقالا لما يطير قبل أن نتوكل على المؤرخين.

محمد الصديق معنينو أكثر من صحافي أو مجرد كاتب عام لوزارة الاتصال، لقد ظل لعقود طويلة في قلب الحدث الإعلامي والسياسي بالمغرب، مقربا من مراكز القرار، مقترحا ومنفذا وقريبا من الحدث الذي تجري تفاصيله أمام مرأى عينيه .. ومذكراته استثناء جميل، وفريد في بابه، لأنه قارب وقائع وأحداث ملتهبة كانت تدور في كواليس صناعة السياسة الكبرى بالمغرب، وكان يصعب الاقتراب منها أو الكتابة حولها، وتحدث عن شخوص وازنين ظلوا مسوّرين بهالة من القداسة وهيلمان السلطة، من هنا فقوة مذكرات « مغرب زمان » قادمة من حجم المعلومات التي أوردها الكاتب والوقائع التي تمتد حتى الآن على مساحة أربعة عقود، والبعد التوثيقي للعديد من المؤثثات الخلفية الكامنة وراء صناعة حدث أو في مسار شخص فاعل في الأحداث.. لذلك فإن شهادة معنينو تكتسي أهمية قصوى في لملمة الوقائع والأحداث من زوايا متعددة للاقتراب من حقيقة ما حدث ولفهم وقائع الماضي لتفسير العديد مما يحدث بيننا اليوم.. فالفائدة الأساسية للتاريخ ليست الغوص في الماضي فقط بل فهم الحاضر أيضا.

معنينو وريث سلالة باذخة في كتابة المذكرات

وقد ورث الصديق معنينو كتابة المذكرات وتشرّب بها، من خلال المخزون الكتابي الذي يجري في دمه، فوالدّه الحاج أحمد معنينو وثق ما عاينه كمناضل في حزب الشورى والاستقلال منذ الاستعمار حتى مرحلة بناء الاستقلال في كتابه « ذكريات ومذكرات »، والبيت الذي تربى ونشأ فيه كانت تتداول فيه مذكرات الزعيم الشوري محمد بلحسن الوزاني « حياة وجهاد »، حتى ليمكن اعتبار « مغرب زمان » تتمة لما كان قد خطه والده وبلحسن الوزاني في مسار التاريخ المغربي المعاصر من زاوية أخرى وبجرأة أكبر.. على اعتبار أنه مس مواضيع لم يعتد المغاربة الخوض فيها.

اختار الصديق معنينو التأليف العشري وتصنيف الوقائع حسب العقد أو نصفه حسب كثافة الأحداث، كما وقع في الجزأين الرابع والخامس من سلسلة « أيام زمان »، وما علينا إلا أن نحترم هذا التعاقد القرائي مع مؤلفاته.. يقول في ص13 من « السنوات العجاف »: « بين يديك الآن الجزء الرابع، من ذكريات « أيام زمان » يحكي عن عشرية واصلت فيها بلادنا مواجهة الكثير من المشاكل والمشاق، أبانت عن صعوبات اقتصادية واجتماعية وسياسية وحقوقية.. خلال هذه الفترة، تأثرت الباخرة المغربية من عواصف متتابعة وأمواج عاتية، ومصير غير واضح الأفق ».

من ذاكرة السلطة إلى سلطة الذاكرة

قدرت له كفاءته المهنية، أن يكون الصديق معنينو في حضرة السلطان الأعظم، يتعلق الأمر بالحسن الثاني تحديدا، حيث أدنى خطأ يمكن أن يكلفك الكثير، تلك « الغضبة المضرية » كما يسميها الكاتب التي لا تبقي ولا تذر.. الرهبة التي كان يعيشها الإعلامي معنينو في حضرة السلطان أثناء تصوير الأنشطة الملكية التي كان مكلفا بالإشراف عليها، استمرت رغم موت الحسن الثاني، إنه الآن متحرر من أي مسؤولية رسمية إلا رهبة السلطان، أقصد سلطان الحقيقة.. لكن هل قال معنينو حقا كل شيء؟

يجب أن نتسم بالكثير من السذاجة لنعتقد ذلك، بل إن المؤلف نفسه يخلصنا من عقدة ذنب هذا السؤال من خلال حواراته، خاصة فيما يرتبط بالأحداث التي لا زال تأثيرها مستمرا حتى زمن الكتابة، والأسرار الكبرى التي هي جزء من وجود الدولة واستمرارها، لكن لمعنينو مكر خاص في التسلل من ضغط الرقابة، حيث نلمس في بعض صفحات « أيام زمان » ما يمكن أن أسميه « إكراهات البوح » أو « سلطة الحجب »، إذ في الكثير من الأحيان يعرف معنينو كيف يقفز فوق الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، أو الوقائع التي تكثر فيها التأويلات وتعدد وجهات النظر، يستعين بتقنية السؤال- الذي يعرف إجابته- لينجو من فخاخ ذاكرة السلطة لمنح حرية أكبر لسلطة الذاكرة، أو عبر عدم الجزم بشيء يعرف جوابه حق المعرفة ويورد روايات متعددة لذات الحدث، وهو ما يعطي الواقعة أو الحدث المحكي عنه، زوايا متعددة للنظر كما لو أن لديه كاميرات متعددة.. كل واحدة ترصد الشخص أو الواقعة أو المكان من زوايا متعددة.

المذكرات بين جاذبية « نرجسية » الذات وموضوعية سرد الوقائع

في المذكرات دوما لدينا مشكل جاذبية تضخم الأنا، تلك النرجسية الغارقة في تمجيد الذات وإبراز البطولة مقابل طمس وقائع لا تخدم السارد في المذكرات أو حجب بعظها مما يستحيل البوح به، لأننا لسنا في بلد « اعترافات » روسو أو ديمقراطية التوزيع العادل للمعلومات، خاصة حين يكون منبع الأخبار والوقائع مرتبطا برأس الدولة، وأيضا لأننا مجتمع غير شفاف تسوده عقلية المطمورة و »سرك فبير »، كيف استطاع الكاتب تجاوز كل هذه الألغام؟

هذا سؤال.. المؤرخ وحده المؤهل لتقديم أجوبة شافية عنه، كما أن تعدد المذكرات وكثرتها من أشخاص كانوا قريبين من الأحداث التي تناولتها « أيام زمان »، ستظهر الخيط الأبيض من الأسود، ولكن في تقديري ليس للصديق معنينو عقدة مع ماضيه المهني ولا تاريخه الشخصي، فلا تمجيد ولا انتقام في المذكرات، لا تصفية حسابات مع الوقائع ولا مع الأشخاص، ويمكن اختبار ذلك في فصل حساس من « خديم الملك »، في لحظة معاناة شخصية للكاتب في تماس الإعلامي مع السياسي/ السلطوي بشكل أدق.. وإذا كانت الصحافية الأمريكية « جون ديديون » ترى أن « أولئك الذين يحرصون على تدوين مذكّراتهم هم من سلالة مختلفة؛ مقاومون وعاكفون على إعادة ترتيب الأمور، متذمرون، قلقون من الخسارة منذ الولادة »، فإن ما ظل يؤرق الصديق معنينو هو ضمان كيف يحيى الحدث مرتين: مرة كما وقع في زمن حدوثه في سياق ثقافي وسياسي مختلف، ومرة في المذكرات متأثرة بزمن الكتابة وأفقها وقصدية الكاتب وشروط الكتابة والممنوع والمباح في الكتابة وزمن التلقي، أو كما قالت تيري ويليامز: « هذه الكلمات التي دوّنتها بخط يدي في دفتر مذكّراتي أثبتت لي مراراً أنني عشتُ كل تجربة في حياتي مرتين: واحدة في العالم الحقيقي، وأخرى بين صفحات مذكّراتي »..

تبدو ذاكرة معنينو قوية، المعطيات مضبوطة بالتاريخ، الرسائل، قصاصات الجرائد، اليوم والساعة والشهر والسنة، الأحداث تحضر في كتبه الخمسة من سلسلة « أيام زمان »، بدمها ولحمها، ولكن الذاكرة ماكرة ولها ثقوب، وفي اعتقادي أن الصديق معنينو منذ وجد نفسه بالقرب من صناع القرار بالمغرب، إلى جانب الحسن الثاني وحاشيته، كان يعي أهمية ما يعايشه، ولذلك أخال أنه كان يدون منذ الستينيات ما يمر به من وقائع ويسجل رؤوس أقلام العديد من الأحداث ذات شأن، لذلك ظلت وقائع مذكراته حية ولم تغرق تفاصيلها في ضباب النسيان.. من هنا الحس الزمني للمؤرخ في مذكرات معنينو.
نؤاخي في مذكرات « أيام زمان » كتابة ذات أخلاق عالية تهمها الوقائع والأحداث أكثر من النبش في تاريخ الأشخاص والتقاط هنّاتهم وزلاّتهم المحض إنسانية، فلذلك لا يورد في سرده أسماء الأشخاص ممن كانوا في موقف ضعف، ويتحدث عن صفات تقريبية لا تعيينية مثل زعيم حزبي من المعارضة أو أحد الوزراء الذين مروا بالإعلام..

أسلوب « مغرب زمان » بين المفيد والممتع

يكتب الصديق معنينو بأسلوب ممتع، سرد سلس، إنه صحافي متمكن من لغة باذخة، تجربته المهنية حاضرة بقوة، في مذكرات « أيام زمان » بأجزائها الخمس هناك قصة تروى، زمن ومكان ينظم الحكي وفق مسار محدد، وشخوص يصنعون الحدث وهو قريب من فرنه الداخلي، ما يميز مذكرات الصديق معنينو « أيام زمان » بالإضافة إلى ما ترويه من أحداث مهمة جدا، هو لغتها، فالرجل متمكن من لغة أدبية رصينة، برغم كونه إعلاميا يتقصد الإفهام والإقناع، فإنه يتكئ على المجازات والاستعارات لتوصيف ما رأى وما سمع، يمكن الوقوف على ذلك من خلال عناوين مذكراته ذاتها: « السنوات العجاف »، « معركة الوجود »، « خديم الملك »، « الفتح المبين ».. لغة ذات منشأ إعلامي رصين، مسنودة بمقروء أدبي رفيع، تفيد وتمتع، ترصد الوقائع وتصورها بأسلوب لغوي، يحول خطية اللغة إلى صورة مرئية ومسموعة.. لقد أفادته خبرته في التصوير التلفزي ورصد المشاهد بدقة حتى وهو يكتب نحس كما لو أنه يحرك كاميرات عديدة، يبدو الحدث أو الفاعل في الواقعة منظورا إليه من زوايا مختلفة..

 

علال الفاسي.. السياسي الذي اختزل مسار أمة أوجعتها أحلامها في التحرر

عبد العزيز كوكاس
سيذكرني قومي إذا جدّ جِدّهم فالبدر يُفتقد في الليلة الظلماء
أبو فراس الحمداني
لم يكن علال الفاسي زعيماً سياسيا بالأفق المحدود للجماعة الحزبية، بل كان رمزاً لجيل، ووشماً بارزاً على جسد مرحلة بكاملها، في تأمل مسار حياته، مواقفه، كتبه.. كان لوحده أمة في رجل، منذ حداثة سنه اجتمع فيه ما تفرَّق في عظماء جيله، روح السلفية الوطنية، ظلال العلم الوارفة، عمق الأصول الثقافية، انفتاح واسع على الأفكار الجديدة القادمة رياحها من الشرق والغرب، خيال سياسي واسع، وهو ما سمح له بأن يكون أحد العلامات المضيئة في مغربنا المعاصر، كسياسي استراتيجي، وكرجل دين متنور، وكشاعر وطني، ومثقف يضع نعيم النظرية في جحيم اختبار الممارسة.. كان علال الفاسي فقيها، ولعل الكثيرين من خصومه كانوا ينظرون لخِرّيج القرويين من خلال هذا اللقب كرجل تقليدي محافظ، حين كان بريق النظريات العلمانية والشيوعية يلمع، قبل أن يُتبين أنها ليست ذهباً، وعلينا اليوم، في زمن هَجْمة الفكر الوهابي وعودة التحجُّر للعقل الفقهي، أن نستشعر حجم الخسارة لمفكر من حجم علال الفاسي، لقد كان بمثابة السور الواقي لتسرُّب الأصوليات غير المالكية لتربة الفقه المغربي، وشكل عمق تكوينه الديني واجتهاداته الواسعة في القضايا الفقهية المستحدثة، نبراسا للفكر الديني بالمغرب..

alal lfassi

لقد افتقدنا بموته منارة كبرى للاجتهاد الفكري، ولروح عالم الدين المنفتح على أسئلة عصره بأفق حداثي ينسجم مع جوهر الدين، لذلك لم ير الأحزاب بدعة، والدستور شِرْكا والديمقراطية كفراً وكان يستشهد دوماً بقول ابن قيم الجوزيه: »إن إمارات العدل إذا ظهرت بأي طريق كان، فهناك شرع الله ودينه، والله تعالى أحكم من أن يخص طرق العدل بشيء ينفي ما هو أظهر منه وأَبْين ». مضت اليوم 46 سنة على رحيل الزعيم علال الفاسي.. نحس معها حجم اتساع دائرة الفقد حين نعود إلى واقع الحال، وإلى هجمة فقهاء من الدرجة الرابعة والخامسة إلى مواقع الإفتاء والقرار في الأمن الروحي للمغاربة… كان نضج فكره أكبر من سن مرحلة سياسية بكاملها، من كتابه النظري « النقد الذاتي » إلى « مقاصد الشريعة »،ومن الحركات الاستقلالية في المغرب العربي » إلى « عقيدة وجهاد »… نشعر بأن علال حي فينا، لأنه كان يمتلك أعين زرقاء اليمامة على عصر كان يعرف أنه لن يعيشه، وعاش أسئلتنا بقلق من يتوقع ما على السطح قبل أن يتجاوز عتبة الدرج الأول من السلم. وها نحن بعد 46 سنة على موته نحس بيتم أبنائه الذين خرجوا من الصلب والترائب، وبفقر زعماء من ورق ينتشرون بيننا كالفُطر على واجهة الفِتْرينات السياسية.. في النقد الذاتي نحس بعلال المفكر الحر الذي يزن الفكرة بمثقال من ذهب، وفي التعادلية يُطوِّع الفكر الوافد على الإيديولوجية التي سطر عناوينها الأساسية ونادراً ما تتجمع في ذات واحدة نزاهة الفكر وبراغماتية السياسة. كان الراحل علال الفاسي سياسيا استراتيجيا ويمكن اعتباره إلى جانب الراحل عبد الرحيم بوعبيد، الكائن السياسي الذي يفكر ويمارس كرجل دولة وليس كزعيم حزب سياسي، كان يضع أسئلة الأمة المغربية فوق أسئلة الحركة السياسية التي كان أحد صناعها لذلك كان ميالا لفن الممكن على خلاف مجايليه، فآمن بالدستور كمدخل للحياة الديمقراطية. لم يكن النموذج الديمقراطي الذي يحلم به علال هو دستور 1962، لكن رأى فيه مدخلا أساسيا للعمل في ظل المؤسسات التي يحكمها القانون على علاته بدل ترك الهوى لِغُول الحكم الفردي الاستبدادي، لذلك طاف أطراف المغرب ينبه المواطن المغربي ليمارس حقه الدستوري.. لم يكن هاجس علال الفاسي جمع الثروة في مغرب الفراغ حيث كان يمكن أن يتربع على كنوز من ذهب، وفي خضم أحلام الثروات التي دوّخت العديد من مجايليه، كان يبدو محافظا وبنظر خصومه رجعيا لكنها رجعية خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين مُتَوَثِّبتين إلى الأمام.. لأنه كان أكثر وعياً من محمد بلحسن الوزاني المندفع وبن بركة الثائر والفقيه البصري المتمرد بحدود ممكنات الواقع، ورأى، ربما بتأثير من الإصلاحي محمد عبده والثائر عبد الرحمان الكواكبي والمصلح شكيب أرسلان، أن الجهل والأمية هما أكبر عوائق التغيير، لذلك أنشأ رحمه الله مدارس أبناء الشعب وجمعية بُناة الاستقلال التي كان وراءها المهندس خريج البولتكنيك محمد الدويري، لأنه آمن أنه طالما لم يفك قيد الجهل عن المغاربة.. فإن أي تحرر في المغرب يصبح مستحيل. هل مات علال الفاسي؟ علال قُمْ من مرقدك الأبدي، واشهر وجهك النوراني فينا لعلنا نصدق أنك مُتَّ وعلينا أن نتقبل كل هذا البؤس السياسي المخجل بكامل الحرية. أيها الشامخ مثل نخلة في واحات حقولنا، يا وردة نرثي فيها الزمن الجميل كلما أشاح بوجهه عنا امنحنا بعدا من نبوغك وحسك السياسي في زمن ربَّات الحجال وأشباه الرجال.. ما أحوجنا اليوم ليس لفكر علال الفاسي بالضرورة، ولكن لجرأة فكره وعمق تصوراته وبعد حدسه السياسي، نحن نعيش اليوم ظلمة السياسة وغياب المعنى في الممارسة السياسية حيث يسود الأدعياء وزعماء صندوق الوقيد. لم تعد النسور تعيش بشموخها في الأعالي بكبرياء الكبار، ولكن في السفوح الوضيعة مع الغربان. عش فينا يا علال لا لنمدحك ونزين صدرك بالنياشين، بل فقط لكي لا نفقد الأمل في أن على هذه الأرض مازال هناك شيء جميل يستحق أن نعيش من أجله. هل تكفي 46 سنة من النسيان لنتذكر عمقك، وبُعد بصيرتك؟ أومن بالخلف فقط لأني لست سلفيا مثلك، فدمت في أعز ما يمكن أن يحلم به امرئ في قلبنا وفي أعيننا منارة.

أرض أقل.. سماء أرحب

عبد العزيز كوكاس

téléchargement

على هذه الأرض ما يستحق الإبداع..

أرض أقل تكفي المبدع المصطفى غزلاني لينصب فوقها أحلامه، ذكرياته، خياله ومخلوقاته الإبداعية.. فالأرض ليست مجرد طوبوغرافيا هندسية أو مكان مسور بطول وعرض ومساحة، إنها هوية متجددة دوما قيد التشكل، قيمة إنسانية محملة بالرمزية اللامحدودة: التعدد الاجتماعي، التنوع والغنى، الوطن بأفقه المفتوح وكثافته التراثية والجمالية..

شيء من الأرض.. شيء قليل منها فقط يكفي المبدع المصطفى غزلاني ليتنسم هواء الحرية ويخصب بخياله موجوداته التي يخلقها بألم وأمل ثم يستريح..

الأرض معمار وتعمير، تدافع وجذب، خصوبة وجدب..

الأرض ذاكرة، خيال، حلم ممتد باعتباره مأوى الكائن البشري..

لا خواء هنا، لا عدم، لا سديم أولي.. القليل منها فقط يكفي، بياض يتسع لما في القلب من نبض الحياة، قطعة قماش، لوحة تتسع لبهجة الخطوط والألوان، قطعة من طين أو خشب أو صخر تحوي خيالات المبدع الذي يرتقي بالأشياء إلى رمزيات متعالية..

ولا أرض بلا سماء، بلا صراع بين الرموز، بلا هواء ولا نجوم وشمس وقمر، بلا عين أخرى تمنح المعنى للمنتوج الرمزي للمصطفى غزلاني، بذاكرتها الخصبة بآلامها وآمالها، بأفراحها وأتراحها، بانتصاراتها وانكساراتها..

إن اختيار المنظمين لعنوان « شيء من الأرض يكفي » لهذا اللقاء الذي نحتفي فيه بالمبدع المصطفى غزلاني، نابع أساسا من استكناه مسار الفنان ومنتوجه الرمزي، الذي توجد الأرض في قلب انشغالاته: شعرا، رواية وتشكيلا واهتماما نقديا، بخصوصية متميزة في المقاربة وتنوع مبهر في الأشكال التعبيرية والجمالية، وتعدد في اختيار أجناس أدبية  يُجري بينها المصطفى غزلاني حوارا يكسر الحدود، يُخصب الدلالات ويرفع الأسلاك الأجناسية بمهارة عالية..

إن المصطفى غزلاني كائن متعدد الأبعاد، من « خرائط الغيم »، « أشياء أخرى » إلى « بيضة الرماد » و »جراء » وباقي إبداعاته التشكيلية نلمح ذلك البعد الرؤيوي الذي عبره يصنع كائناته ورموزه من طين الأرض وصلصالها، وينفخ فيها من روحه.. الممكن، المختلف، المتحول والمتعدد… وهو ما يميز إبداعات المصطفى غزلاني الذي يغير أشكاله ويجري حوارا متواصلا مع إبداعاته بغاية التجاوز بالمعنى الكانطي للكلمة، بحثا عن صوته الخاص، بصمته الذاتية وعن مسكنه الوجودي على أرض الإبداع المتميز، حيث قليل من الأرض يكفيه، لأنه ينظر إلى الأرض عموديا لا أفقيا، هنا يجب الوقوف على الرهانات الإبداعية للمصطفى غزلاني، وإذا كانت الأرض حاضرة بقوة ليس فقط في منتوجاته التشكيلية المعروضة أو من خلال عناوين المعارض التي أقامها أو شارك فيها: « النشيد على الأرض »، أيتها الأرض أحسك » أو « يا الأرض أشعر بك »، « ولاء »، « الظل »، عنصر الأرض » أو من خلال مجموعة الأرض للفنون التشكيلية التي يعود له الفضل في تأسيسها.. بل أيضا في منتوجه الشعري والروائي على حد سواء حيث نلمس قوة حضور الطيني، ملمح التراب، ونشم رائحة الصلصال.. هنا نعثر على نواة البعد الرؤيوي الذي يشم الإبداع الزاخر للمصطفى غزلاني الذي يتجاوز الأصول القروية للمبدع والوفاء لتربة الأرض في صفائها وصيرورة فضاءاتها وحيوية كائناتها.. فالأرض هي ذلك المطلق الوجودي الذي يدركه الإنسان ويحسه، ولا غرابة أن تكون محاور الفلسفة الأولى هي الاهتمام بأصل الكون وعناصره الأولى: نارا، ترابا، ماء أو هواء، وأن تسعى الميثولوجيات القديمة إلى محاولة إدراك لغز الوجود الكوني.. وأن تكون الأسئلة الكبرى الموازية لهذا الاهتمام الجنيني بالأرض/ الكون/ الوجود… هي الوجود والعدم، المكان والزمان، الخلود والفناء، المادة والروح، الضرورة والاختيار أو الحتمية والاحتمال… فالوعي البشري الفلسفي والديني والجمالي هو انعكاس لصراع الإنسان على هذه الأرض و معه لغز هذا الكون، وسعي الإنسان/ المفكر/ المبدع لإدراك محيطه ويظل الخيال دليله للقبض على شساعة الوجود ومنح الأشياء معنى وقيمة.

هذا ما أكتشفه عميقا في إبداعات المصطفى غزلاني، هذا ما ألمسه بيداي، أشم رائحته وأتذوقه بعذوبة رائقة في منجزه الممتع والحمال أوجه.

كلمة ألقيت في اللقاء الاحتفائي بالمبدع المصطفى غزلاني بمناسبة معرض الكتاب بن سليمان- في 3 أبريل 2019

Navigation des articles