الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

أرض أقل.. سماء أرحب

عبد العزيز كوكاس

téléchargement

على هذه الأرض ما يستحق الإبداع..

أرض أقل تكفي المبدع المصطفى غزلاني لينصب فوقها أحلامه، ذكرياته، خياله ومخلوقاته الإبداعية.. فالأرض ليست مجرد طوبوغرافيا هندسية أو مكان مسور بطول وعرض ومساحة، إنها هوية متجددة دوما قيد التشكل، قيمة إنسانية محملة بالرمزية اللامحدودة: التعدد الاجتماعي، التنوع والغنى، الوطن بأفقه المفتوح وكثافته التراثية والجمالية..

شيء من الأرض.. شيء قليل منها فقط يكفي المبدع المصطفى غزلاني ليتنسم هواء الحرية ويخصب بخياله موجوداته التي يخلقها بألم وأمل ثم يستريح..

الأرض معمار وتعمير، تدافع وجذب، خصوبة وجدب..

الأرض ذاكرة، خيال، حلم ممتد باعتباره مأوى الكائن البشري..

لا خواء هنا، لا عدم، لا سديم أولي.. القليل منها فقط يكفي، بياض يتسع لما في القلب من نبض الحياة، قطعة قماش، لوحة تتسع لبهجة الخطوط والألوان، قطعة من طين أو خشب أو صخر تحوي خيالات المبدع الذي يرتقي بالأشياء إلى رمزيات متعالية..

ولا أرض بلا سماء، بلا صراع بين الرموز، بلا هواء ولا نجوم وشمس وقمر، بلا عين أخرى تمنح المعنى للمنتوج الرمزي للمصطفى غزلاني، بذاكرتها الخصبة بآلامها وآمالها، بأفراحها وأتراحها، بانتصاراتها وانكساراتها..

إن اختيار المنظمين لعنوان « شيء من الأرض يكفي » لهذا اللقاء الذي نحتفي فيه بالمبدع المصطفى غزلاني، نابع أساسا من استكناه مسار الفنان ومنتوجه الرمزي، الذي توجد الأرض في قلب انشغالاته: شعرا، رواية وتشكيلا واهتماما نقديا، بخصوصية متميزة في المقاربة وتنوع مبهر في الأشكال التعبيرية والجمالية، وتعدد في اختيار أجناس أدبية  يُجري بينها المصطفى غزلاني حوارا يكسر الحدود، يُخصب الدلالات ويرفع الأسلاك الأجناسية بمهارة عالية..

إن المصطفى غزلاني كائن متعدد الأبعاد، من « خرائط الغيم »، « أشياء أخرى » إلى « بيضة الرماد » و »جراء » وباقي إبداعاته التشكيلية نلمح ذلك البعد الرؤيوي الذي عبره يصنع كائناته ورموزه من طين الأرض وصلصالها، وينفخ فيها من روحه.. الممكن، المختلف، المتحول والمتعدد… وهو ما يميز إبداعات المصطفى غزلاني الذي يغير أشكاله ويجري حوارا متواصلا مع إبداعاته بغاية التجاوز بالمعنى الكانطي للكلمة، بحثا عن صوته الخاص، بصمته الذاتية وعن مسكنه الوجودي على أرض الإبداع المتميز، حيث قليل من الأرض يكفيه، لأنه ينظر إلى الأرض عموديا لا أفقيا، هنا يجب الوقوف على الرهانات الإبداعية للمصطفى غزلاني، وإذا كانت الأرض حاضرة بقوة ليس فقط في منتوجاته التشكيلية المعروضة أو من خلال عناوين المعارض التي أقامها أو شارك فيها: « النشيد على الأرض »، أيتها الأرض أحسك » أو « يا الأرض أشعر بك »، « ولاء »، « الظل »، عنصر الأرض » أو من خلال مجموعة الأرض للفنون التشكيلية التي يعود له الفضل في تأسيسها.. بل أيضا في منتوجه الشعري والروائي على حد سواء حيث نلمس قوة حضور الطيني، ملمح التراب، ونشم رائحة الصلصال.. هنا نعثر على نواة البعد الرؤيوي الذي يشم الإبداع الزاخر للمصطفى غزلاني الذي يتجاوز الأصول القروية للمبدع والوفاء لتربة الأرض في صفائها وصيرورة فضاءاتها وحيوية كائناتها.. فالأرض هي ذلك المطلق الوجودي الذي يدركه الإنسان ويحسه، ولا غرابة أن تكون محاور الفلسفة الأولى هي الاهتمام بأصل الكون وعناصره الأولى: نارا، ترابا، ماء أو هواء، وأن تسعى الميثولوجيات القديمة إلى محاولة إدراك لغز الوجود الكوني.. وأن تكون الأسئلة الكبرى الموازية لهذا الاهتمام الجنيني بالأرض/ الكون/ الوجود… هي الوجود والعدم، المكان والزمان، الخلود والفناء، المادة والروح، الضرورة والاختيار أو الحتمية والاحتمال… فالوعي البشري الفلسفي والديني والجمالي هو انعكاس لصراع الإنسان على هذه الأرض و معه لغز هذا الكون، وسعي الإنسان/ المفكر/ المبدع لإدراك محيطه ويظل الخيال دليله للقبض على شساعة الوجود ومنح الأشياء معنى وقيمة.

هذا ما أكتشفه عميقا في إبداعات المصطفى غزلاني، هذا ما ألمسه بيداي، أشم رائحته وأتذوقه بعذوبة رائقة في منجزه الممتع والحمال أوجه.

كلمة ألقيت في اللقاء الاحتفائي بالمبدع المصطفى غزلاني بمناسبة معرض الكتاب بن سليمان- في 3 أبريل 2019

Publicités

الإعلام الجديد يقود « الجماهير » لتحويل الشارع إلى ساحة للفعل ومسرح استعراضي للرموز

عبد العزيز كوكاس

في بداية القرن الماضي أطلق غوستاف لوبون صيحته الشهيرة « إننا ندخل عصر الجماهير »، وما حدث في بداية القرن الجاري لم يكن سوى تحقيق نبوءة المفكر الفرنسي، لنضع في الاعتبار أننا حين نتكلم عن الاحتجاجات في المغرب الكبير إنما نتكلم عن مجال جغرافي أكثر من وجود وحدة وتماثل في هذه الاحتجاجات التي اتخذت منحنيات ومسارات مغايرة، حسب كل دولة من تونس إلى ليبيا ومن الجزائر إلى موريطانيا أو المغرب، في إطار ما يمكن أن نسميه الهبّة الأولى للربيع العربي كما انطلقت مع ثورة الياسمين في تونس، إلى الحركات الاحتجاجية في موريطانيا بين 2011 و2018 حتى حركة 20 فبراير بالمغرب والمسارات الدرامية التي آلت إليها انتفاضات الليبيين ضد القذافي، أو مع الموجة الثانية للربيع العربي كما تجسدها بامتياز الاحتجاج المدني بالجزائر اليوم..

ثورة، انتفاضة، ربيع عربي، انقلاب، حركة، احتجاج.. قل لي كيف تسمي الأشياء، أقول لك من أنت، هل هذا الاضطراب في توصيف ما حدث في المنطقة المغاربية بداية القرن الجاري، مرده عجز اللغة الواصفة عن القبض على ما ينصهر من تفاعلات في فرن الواقع أم أن غموض ما يحدث وتشابكه وتمايزه عما اعتدنا العمل به كمفاهيم وتصورات، هو السبب في هذا الاضطراب المفهومي؟

أميل إلى اعتبار ما حدث في دول المغرب الكبير ولا زالت تفاعلاته قائمة، هو احتجاج اجتماعي زخم من حيث نوعية وكثافة المشاركين فيه واتساع رقعته والفئات الاجتماعية التي انخرطت في معمعانه، الأمر يتعلق في تقديري بفعل منظم جمع جماهير أو فئات اجتماعية أو عمرية نزلت إلى الشارع للتعبير عن نفسها وتبليغ رسالتها إلى من يهمه الأمر.. بغض النظر عن الاتجاهات التي انتهت إليها أو مسارات هذه الاحتجاجات في كل بلد، إن الشرط السيكولوجي وحّد جماعات الاحتجاج في الأهداف والمطالب والوسائل والشعارات.. وتقارب فئة الشباب والطبقات المتوسطة هو ما أعطى لحركات الاحتجاج المغاربية هوية وشكل وقودها.. ويجب أن نرصد مكونات المحتجين وخصائصهم ككتلة واسعة اتخذت من احتلال الفضاء العام ساحة للفعل، وأصبح الشارع مجال حسم الصراع والمطالب والتعبير عن هويات ورموز جديدة بجرأة غير مسبوقة مع زخم جماهيري قوي واستثنائي ساهمت فيه وسائل الإعلام الجديدة.

أول ما يلفت انتباهنا هو أن كل هذه الاحتجاجات الاجتماعية انطلقت من وسائط التواصل الاجتماعي، الذي وسع من دائرة المحتجين، لنتذكر قولة غوستاف لوبون: « إننا نعيش عصر الجماهير »، لذلك لم يكن وراء هذه الحركات الاحتجاجية التي سواء كانت فئوية أو اجتماعية أو قطاعية أو إقليمية.. أبطال أو زعماء كبار لهم صراع طويل مع السلطة، اختبروا السجون وذاقوا مرارة النفي والقمع والتعذيب، أو لهم تكوين سياسي عميق، ولكنها أنتجت رموزا درامية أقرب إلى الأبطال التراجيديين مثل البوعزيزي في تونس والزفزافي وأسامة الخلفي بالمغرب.. وجل هؤلاء الرموز هم شباب من أبناء الطبقات الوسطى ولهم مستوى متوسط من التكوين، واتسم ظهورهم بالفجائية والسرعة والتلقائية..

المؤطرون أو متزعمو الاحتجاجات أضحوا نساء ورجالا على مستوى الفعل أو في التغطيات الإعلامية المرافقة للاحتجاجات، لم تعد الذكورية هي السائدة والمهيمنة، أيضا تميزت هذه الحركات الاحتجاجية خاصة في تونس والمغرب والجزائر، بالسماح لهويات عرقية ولغوية ومذهبية… بالتعبير عن نفسها جنبا إلى جنب برغم تناقض اختياراتها (السلفي، الصوفي، القومي، الأمازيغي، الليبرالي، الشيوعي…).

ما ميز حركات الاحتجاج المغاربية التي لا زلنا نعيش تداعياتها هو دور وسائط الإعلام الجديد، التي أصبحت أداة لحشد الجمهور والتعبئة، وأضحت وطنا بلا حدود ولا جمارك، تبيح حرية أكبر وتمتاز بالسرعة والجرأة والفعالية ويسر الاستعمال… وهنا ملمح محايث لهذه الحركات الاحتجاجية هو حجم تدفق المعلومات، سيل جارف من الأخبار والمعلومات واكب هذه الاحتجاجات وقوة التفاعل معها، لقد منح الإعلام الجماهيري إحساسا عميقا للشباب بالحرية والفردانية ولكنه أيضا أسنده بمجموعات تسمح لهم بالتواصل والتفاعل، لم يعد المتلقي هنا مجرد منفعل سلبي، ينتظر الجريدة أو المنشور الحزبي ليخبره بما يجري، أو مجيء الفاعل السياسي أو النقابي الرسمي أو المعارض إلى الراديو أو التلفزيون ليمده بنصيبه من المعلومة المكيفة أو الموجهة، ولم يعد بحاجة إلى الزعيم الحزبي الذي يعقد تجمعات جماهيرية حاشدة تستسلم لسحر كلامه وقوة بلاغته وجرأة خطابه وكثافة المعلومات التي تهدهده وتقوده إلى جنان للنعيم يستسلم للنوم في عسلها ويسلس القيادة للزعيم السياسي، لقد سمح الفايسبوك، التويتر، اليوتيوب والوسائط التطبيقية للهواتف الذكية في أن يمتلك الجمهور بلاغته الخاصة، وتعبيراته ورموزه وسخريته وإبداعاته.. إذ نجح الإعلام الجديد في بروز المدونين المعارضين وصحافة المواطن، وساهم في تحرير عُقد الألسن وتوسيع صبيب الحرية في التعبير والجرأة غير المعهودة والصادمة أحيانا… وقد تابعنا في المغرب سيل المعلومات الجارف الذي صاحب حملة المقاطعة الشهيرة.

أتت حركات الاحتجاج في الرقعة المغاربية بفاعل جديد اسمه الجماهير إلى ساعة الفعل السياسي والاجتماعي، فاعل نوعي حطم أسطورة النخبة، إن المحتجين هم من عامة الشعب، فالتطور الديمغرافي وانتشار التعليم برغم أعطابه، وساهم تطور وسائط الاتصال الرقمي، في تجاوز الوسائط التقليدية للتنشئة الاجتماعية (مدرسة وجامعة، مسجد، أسرة، حزب، نقابة وإعلام تقليدي…)، لذلك يتساءل الكثير بنوع من الحسرة عن دور النخبة والحنين إلى المثقف الغرامشي، أمام طوفان الجماهير الزاحفة بقوة إلى ساحة الفعل لتعبر بنفسها وتستعيد لسانها وتخلق لغتها ورموزها بنفسها، لتستعيد الشارع الذي لم يعد هو المكان العمومي بالمعنى الذي حددته حنة أرندت، ولا بالمعنى النخبوي الذي أعطاه إياه هابرماس، لقد احتلت العامة/ الجمهور الشارع الذي كانا مقصورا على النخبة أو الصفوة، أولئك المؤطرون في حضن جماعات ومؤسسات حزبية أو نقابية أو حقوقية أو بين أحضان المجتمع المدني، المشتركون نفسيا في الأهداف والمطامح المتوحدون في الشعارات الحاملون لذات الرموز، المؤطرون قبليا في المقرات الحزبية أو النقابية أو الجمعوية أو موجهين بالمقررات المدرسية والمساجد والتلفزيون والراديو..

لقد سمح الإعلام الجديد بصحوة الجماهير واستعادتها للفضاء العام، من هنا وجود انحرافات تمجها النخبة، لقد تتبعنا جميعا كيف تحولت مدرجات كرة القدم من ساحة للفرجة الكروية إلى منصة للاحتجاج وتبليغ الرسائل، أغنية « فبلادي ظلموني » التي تجاوز صيتها حدود الوطن ورُفعت في الجزائر وتونس وخارج الرقعة المغاربية هي ملمح لهذا التحول.. هل يمكن أن يأتي الخطر على الديمقراطية من اكتساح هذه الحشود لساعات الفعل السياسي، نحن وسط المختبر ولا ندري مآلات الأمور واتجاه التاريخ، فقد رأينا المآسي الدرامية التي غرقت فيها ليبيا والتي لا زال الضوء الآخر من آخر النفق لم ينبلج بعد، ولا يمكن وصف الحديث والاشتغال عليه لمحاولة فهمه إلا في التغطيات الصحافية العابرة، أما الفكر فيحتاج لزمن طويل لاستكناه أحداث تتسارع بوتيرة فائقة وتبدو عصية عن الفهم اليوم..

لقد لعب الإعلام الجديد خلال القرن الجاري دورا كبيرا في انتشار وامتداد الحركات الاحتجاجية، وليست محاولة التلفزيون الجزائري نقل الاحتجاجات التي عرفتها شوارع الجزائر منذ مارس الماضي في سابقة اعتبرت الأولى من نوعها، سوى محاكاة انفتاح وسائط التواصل الاجتماعي، ويكفي أن تكون جل الحركات الاحتجاجية المغاربية والعربية عموما قد انطلقت من الشبكة العنكبوتية التي مدت هذه الحركات بطاقة استثنائية في الاستقطاب والانتشار وتداول المعلومات والتفاعل مع المطالب والتوحد في الشعارات الأساسية: رفض الظلم و »الحكرة »، الدفاع عن الكرامة، مواجهة الاستبداد والفساد، وتحقيق المساواة والعدل والإنصاف.. حيث ساهمت وسائط التواصل الاجتماعي في استعادة الشارع المغاربي وفي تطوير السلوك الاحتجاجي الذي تخلى في معظم الدول المغاربية عن طابعه العنيف/ الوحشي / الغرائزي.. (ليبيا تظل ذلك الاستثناء الذي يزكي القاعدة في المغرب الكبير لأن البلد بتركيبته الاجتماعية القبلية وطبيعة نظام السلطة التي حكمه لعقود وتدخل الأطراف الأجنبية والتيارات الإرهابية في مطبخها الداخلي جعلت الوضع أكثر تعقيدا)..

من هنا شعارات سلمية سلمية، وابتداع المنظمين أشكالا تحمي المسيرات والتظاهرات والتجمعات الاحتجاجية من أي انفلات، على خلاف ما كان عليه الوضع في الهزات الاجتماعية التي كانت على شكل انتفاضات كما في انتفاضة الخبز في تونس في يناير 1984، انتفاضة كوميرا بالمغرب في يونيو 1981 وثورة الخبز في أكتوبر 1988 بالجزائر، وانتفاضات ماي 2010 بليبيا وبموريطانيا عام 2018..

لقد لجأ المحتجون أنفسهم إلى المواكبة الإعلامية لمسارهم الاحتجاجي، إن الحدث هنا ينقل بدمه ولحمه بلا حاجة إلى صناعة إعلامية مع ما أصبحت توفره الهواتف الذكية والحواسيب الصغيرة الحجم والفعالة، ودخلت المعلومة مجال الصراع بين الخبر وضده، الصورة ونقيضها، لأن الحدث ينقل وقت حدوثه، ويتم الاشتغال عليه في زمن سريانه، من هنا غياب الاحترافية المهنية وتضايق الصحافيين من مزاحمة فاعلين جدد في حقل اهتمامهم، لقد منحت التكنولوجيا لعامة الناس ما كان يبدو تميزا خاصا للصفوة من السفر بالطائرة إلى التقاط الصور والفيديوهات، ومن القراءة والكتابة إلى الاحتجاج وابتكار الرموز والشعارات، ومن وهب الجماهير حناجرها وصوتها وقلبها لغيرها.. إلى تولي أمر ذلك بنفسها.

نجحت وسائط الاتصال الاجتماعي في إنزال السياسة من السماء إلى الأرض، لم تعد السياسة شأن النخبة والصفوة، حيث يأتي هؤلاء الزعماء السياسيون بسحناتهم البيضاء مثل الجبن، وبدلاتهم الأنيقة وربطات العنق، إلى الميكروفون في التلفزيون أو في قاعات الاجتماعات الكبرى أو في ساحات التجمعات العامة ليتنحوا ويرتشفوا القليل من الماء بين الفينة والأخرى ليصفوا حناجرهم من أي شائبة ويتركوا لكلماتهم مساحة لتخرج بكامل كبريائها، ويتكلموا بلغة عالمة بعيدة عن الأفهام بألغازها وأسرارها وطلاسمها، ويهدهدوا هذه الجماهير ويحملوها إلى فراديس مشتهاة.. وتظل كلماتهم الرنانة تصفر في آذان الجمهور، وتنشر كلمات الزعيم في الجرائد وتمر في الراديو التلفزيون، ويأتي من يعلق حواشي على متنها، وتقتطف أجزاء مثيرة منها لتغذو صالحة للاستشهاد وتمنح خطابات الأتباع حجية وشهادة التقدير والوفاء..

لقد أصبح الشارع في جميع الاحتجاجات المغاربية يوميا أو كل جمعة كما في الجزائر أو كل يوم أحد كما في المغرب مع حركة 20 فبراير، ساحة للتعبير والفعل السياسي، مركز القرار اليوم أضحى هو الشارع، كل شيء يحسم في الفضاء العام وخارج المؤسسات التقليدية (برلمان، حكومة، نقابة، حزب، مجالس منتخبة…)، إنهم هؤلاء « المداويخ » هم من يقررون اليوم.. لقد تحول الفضاء العام إلى ساحة « أغورا » مفتوحة، للتعبير والاحتجاج وحسم الصراع والتدافع وتبليغ المطالب، يأتي الجمهور إلى الشارع العام برموزهم، بأحلامهم، على اختلاف انتماءاتهم وثقافاتهم، يبدعون الشعارات والأزياء واللافتات، وفي شكل رقصاتهم وحركات أجسامهم وأغانيهم الكورالية، كما لو أننا أمام مسرح متنقل.. إن الجمهور هو من يشخص الأدوار وهو من يتفرج على تمثيله ويقيم أداءه.. فيما النخبة تتفرج من النوافذ والشرفات العالية على هذا الشارع الزاخر بالحركة الذي استعاد طابعه العام.

أصل العنوان « الإعلام والاحتجاج المغاربي والفضاء العام » مداخلة في ندوة نظمها المركز المغاربي للتواصل والإعلام يوم 17-04-2019 بالمعهد العالي للإعلام والاتصال

تفاصيل وأسرار مثيرة لتحقيق فرنسي تضع المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب الداهمة

المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب

كتاب ألان جوردان+ ترجمة عبد العزيز كوكاس

ثلاث قضايا كبرى تجعل المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب، وهي: الإرهاب، التطرف والصحراء، هذا ما يستنتجه المحقق الصحافي الفرنسي ألان جوردان في كتاب صدر له حديثا بنفس العنوان وترجمه إلى اللغة العربية الكاتب والصحافي عبد العزيز كوكاس.

يعتبر جوردان النموذج المغربي في محاربة الإرهاب، « نموذجا يتوطد بناؤه حول طموح جماعي ممهور بتاريخ عريق يعود لأكثر من ألفى سنة هو تاريخ المملكة الشريفة »، ويؤكد  أن التزام النخب المغربية بمكافحة التطرف العنيف « وشكل مقاربة المغرب المتعددة الأبعاد لا غنى عنها بالنسبة لنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، هذه المعركة ستضع المغرب على خط الجبهة غير المرئية للحرب الداهمة حيث أصحاب العلم والحكمة وجها لوجه أمام دعاة الحقد والكراهية ».

يعتبر الكتاب عملا تاريخيا وتحقيقا صحافيا يرصد الإستراتيجية المندمجة والشاملة للنموذج المغربي في مواجهة التطرف والإرهاب، ويذهب ألان جوردان إلى أن موقع الملكية وإمارة المؤمنين في قلب النظام السياسي، والتعدد الثقافي واللغوي الذي ميز المغرب عبر تاريخه وإرسائه لثقافة العيش المشترك، وكذا النجاعة التي قدمتها المقاربة الاستباقية في المجال الأمني الاستخباراتي والأمن الروحي، جعلت جل دول العالم تلتفت إلى أن هناك مقاربة مغايرة ذات فعالية في الجنوب الغربي من المتوسط.. أي المغرب.

هذا البعد هو ما حدا بالمدير التنفيذي للجنة مكافحة الإرهاب ونائب الأمين العام للأمم المتحدة جان بول لابورد يقول: « تعتبر مقاربة المغرب في مجال مكافحة الإرهاب مثال على ما نريد القيام به  » كما ورد في كتاب « المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب ».

ليس المغرب منشأ معظم الجهاديين الذين التحقوا بداعش وقبلها بالقاعدة أو نفذوا عمليات إرهابية بمختلف العواصم الأوربية، إنه أيضا بلد عانى من ويلات الإرهاب مبكرا منذ عام 1994، ولا زالت جراح مذبحة شمهروش طرية في الجسد المغربي، ولا زالت أجهزته تفكك بشكل مستمر خلايا إرهابية قبل انتقالها إلى الفعل.. وما يستقطب الانتباه في كتاب ألان جوردان هو حجم المعلومات التي يحفل بها من مصادر موثوقة في الداخل والخارج، باعتباره مراسلا للأمم المتحدة، ومحققا صحافيا مشهورا بفرنسا وسويسرا، وأيضا رؤيته التبصرية التي تتناول المقاربة المغربية المتميزة للتطرف والإرهاب وأشواك قضية الصحراء بشكل شمولي.

بالنسبة لمترجم المؤلف الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، في تصريح لمنبرنا فإن ما جعله يترجم كتاب « المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب »، هو عمق مؤلفه الذي يجمع بين الكتابة التاريخية والتحقيق الصحافي، وأيضا حجم المعطيات التي لا يتوفر عليها الصحافي والباحث المغربي، وأيضا طبيعة المقاربة المنهجية لألان جوردان للقضايا الشائكة التي تجعل المغرب على الخط الأمامي للحرب الداهمة في مجال التطرف والإرهاب والصحراء، في مختلف الجوانب السياسية والأمنية والروحية والثقافية والاجتماعية.. يقول : » يزخر الكتاب بالعديد من المعلومات والأبحاث والأرقام الإحصائية التي لا تتوفر حتى لدى الصحافيين المغاربة، وهي معلومات قام المؤلف الفرنسي آلان جوردان بتجميعها ليس فقط من لدن الأجهزة الأمنية والباحثين في المجال، بل من جميع الأجهزة الأمنية والمراكز الإستراتيجية في أوربا والعالم. حيث حل جوردان بالمغرب، واتصل بمسؤولين كبار وأجرى مقابلات مع محللين ومفكرين، وأجرى مقابلات مع باحثين أجانب مهتمين بالمغرب.. وتمكن من الحصول على وثائق أجهزة استخباراتية وطنية وأمريكية واطلع على تقارير عديدة في موضوع الكتاب ليقول المؤلف إن المغرب ليس بلدا لتصدير الإرهاب بل هو مكتو بناره أيضا، منذ أول عملية إرهابية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي إلى عملية شمهاروش في نهاية 2018.. وإذا كانت أجهزته قد نجحت في أن تنال حظوة عالمية بسبب فعاليتها وإستراتيجيتها الاستباقية، فإن نجاح المغرب أيضا في تقدير المؤلف يعود إلى الموقع الجغرافي والتاريخي للمملكة وموقع الملكية في نظامه السياسي ويقظة المجتمع أيضا.
و يوجه المؤلف آلان جوردان تحذيراته، ويقول بأن المغرب ليس بمنأى عن الخط الأمامي لجبهة الحرب ضد الإرهاب، نظرا للتحولات القائمة في الصحراء جنوب الساحل، التي أصبحت ملتقى لجميع أشكال المافيات والجماعات المتطرفة من كارتيلات المخدرات العابرة للقارات عبر خط الآسور، إلى منظمات متطرفة مثل داعش، القاعدة وبوكو حرام، ووجود أسلحة خطيرة مع ما تشهده ليبيا من أحداث، وانخراط عناصر من البوليساريو في خدمة كارتيلات المخدرات والجماعات المتطرفة..
كتاب «المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب» هو مرجع مهم للباحثين والمهتمين بمحاربة التطرف والإرهاب، وعموم القراء… يقدم معلومات دقيقة وإحصائيات تنشر لأول مرة، ويضيء العتمة في موضوع الجماعات المتطرفة والحرب المفتوحة على الإرهاب، ويحلل شفرة نجاحات المملكة وحربها الاستباقية بلا هوادة على أكثر من جبهة، مما جعلها شريكا أساسيا للعديد من دول أوربا والعالم في محاربة الإرهاب…

 

صورة نادرة عن ملك لم نره إلا واقفا أو جالسا أو مُسَجَّى داخل تابوت

الحسن الثاني في الطائرة

لصورة التي نشرتها « الأيام » على غلافها في هذا العدد، والتي يبدو فيها الملك الحسن الثاني ممددا على سرير عادي وهو بملابس نومه تحت ملاءة بسيطة، وبالقرب منه أكوام من حقائب ملابسه المبعثرة وأحذية وصندل منزلي عادي، ومؤنسوه ومبسطوه، وعلى رأسهم « الشهيب » محمد بنبين، الذي صاحبه لأكثر من 33 سنة.. صورة صادمة للأحاسيس، تعصف كليا بما نعرفه عن الحسن الثاني من أًبَّهة أسطورية، وهيلمان سلطاني يحيل على الإمبراطوريات الكبرى.

لم نر الملك الراحل الحسن الثاني إلا واقفا بقسماته الصارمة، وحركاته وهو يعطي التعليمات لرجال حاشيته، أو جالسا على العرش وهو يخاطب الأمة أو ممثليها أو زعماء وقادة دول العالم في القمم والمؤتمرات.. الوقوف إحالة على القوة، الهبة، الصحة.. والجلوس على العرش يحمل بُعد الجد والصرامة، كما استوى الله على العرش بعد أن خلق العالم. والاستواء معناه الاكتمال والانتشار والتمدد، وبسط السلطان على ما يحيط به، وهو أيضا دال على التعالي وقوة الصولجان والبأس.

مرة واحدة رأينا الملك وهو ممدد، غير واقف ولا جالس.. إنه هناك ممدد وسط تابوت بلا حياة.. إنه الملك المحجوب عنا في لحظات ضعفه الإنساني، في زمن المرض أو الضعف. حتى إن دساتير المملكة لم تكن تشير قصدا إلى احتمال مرض الملك.. كل الفصول كانت تتكلم عن القداسة، عن جسد قوي يحكم ويسود، يدير المؤسسات وينتشر في كل الدواليب.

وها هي صورة اليوم مغايرة لما عهدناه، تنفلت من أرشيف شخصي عائلي وتقفز إلى الصفحة الأولى لأسبوعية « الأيام »، مصاحبة بتعليق: « صورة نادرة للحسن الثاني وهو نائم »؛ كما لو أن العالم الذي تقدمه الصورة أخرس ويحتاج دوما إلى صوت اللسان، أي إلى اللغة كما يشير إليها رولان بارث في قوله: « يبدو من الصعب أكثر فأكثر تصور نسق من الصور أو الأشياء التي تستطيع مدلولاتها أن توجد خارج اللغة (…) فلا وجود للمعنى إلا باللغة ».

الصورة كما يعرفها قاموس « Le robert » هي تمثيل مشابه لكائن أو شيء. وعند شارل ساندرس بورس تغدو الصورة علامة أيقونية تتميز بشبهها النشوئي بالموضوع الذي تحيل عليه. وهذه الصورة المنفلتة تُبرز جانبا خفيا في الحياة الحميمية للملك.. بُعدها الإنساني المرتبط بالبساطة يُظهر الحسن الثاني الإنسان ممددا على السرير، لا واقفا ولا جالسا، إنه نائم.. وهو ما لم يكن ممكنا أن يحظى برؤيته المغاربة.. جسد يشبهنا، بدون قداسة، ولا قوة بروتوكول.. جسد متحرر من كساء السلطان وتاجه.

إلهي أهذا جسد الملك الحسن الثاني في حميميته الإنسانية، في طبيعته الخالية من السحر والقوة، حيث يمكن أن يعلو شخيره، وأن يصدر منه وعنه ما يصدر عن جسد آدمي في النوم الذي هو صنو الموت؟

إن الأمر يتعلق بجانب ملغز في حياة الملك الراحل.. تجد فاطمة أوفقير في كتابها « حدائق الملك » جزءا من مفاتيحه حين تقول: « كان الحسن الثاني شديد التناقض، فهو مغرم بالترف والمال، والمآكل الشهية، والأشياء الفاخرة الثمينة؛ غير أنه مع إحاطته بأجمل الأثاث في قصره يأكل وهو يجلس على سجادة صغيرة للصلاة، وأمامه طاولة صغيرة بسيطة من ‘الفورميكا’، مستخدما أدوات مائدة بدائية »..

المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب الداهمة: عبد العزيز كوكاس يترجم كتاب ألان جوردان حول الإرهاب والتطرف

ثلاث قضايا كبرى تجعل المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب، وهي: الإرهاب، التطرف والصحراء، هذا ما يستنتجه المحقق الصحافي الفرنسي ألان جوردان في كتاب صدر له حديثا بنفس العنوان وترجمه إلى اللغة العربية الكاتب والصحافي عبد العزيز كوكاس.

يعتبر جوردان النموذج المغربي في محاربة الإرهاب، « نموذجا يتوطد بناؤه حول طموح جماعي ممهور بتاريخ عريق يعود لأكثر من ألفى سنة هو تاريخ المملكة الشريفة »، ويؤكد  أن التزام النخب المغربية بمكافحة التطرف العنيف « وشكل مقاربة المغرب المتعددة الأبعاد لا غنى عنها بالنسبة لنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، هذه المعركة ستضع المغرب على خط الجبهة غير المرئية للحرب الداهمة حيث أصحاب العلم والحكمة وجها لوجه أمام دعاة الحقد والكراهية ».

يعتبر الكتاب عملا تاريخيا وتحقيقا صحافيا يرصد الإستراتيجية المندمجة والشاملة للنموذج المغربي في مواجهة التطرف والإرهاب، ويذهب ألان جوردان إلى أن موقع الملكية وإمارة المؤمنين في قلب النظام السياسي، والتعدد الثقافي واللغوي الذي ميز المغرب عبر تاريخه وإرسائه لثقافة العيش المشترك، وكذا النجاعة التي قدمتها المقاربة الاستباقية في المجال الأمني الاستخباراتي والأمن الروحي، جعلت جل دول العالم تلتفت إلى أن هناك مقاربة مغايرة ذات فعالية في الجنوب الغربي من المتوسط.. أي المغرب.

هذا البعد هو ما حدا بالمدير التنفيذي للجنة مكافحة الإرهاب ونائب الأمين العام للأمم المتحدة جان بول لابورد يقول: « تعتبر مقاربة المغرب في مجال مكافحة الإرهاب مثال على ما نريد القيام به  » كما ورد في كتاب « المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب ».

المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب

كتاب ألان جوردان+ ترجمة عبد العزيز كوكاس

ليس المغرب منشأ معظم الجهاديين الذين التحقوا بداعش وقبلها بالقاعدة أو نفذوا عمليات إرهابية بمختلف العواصم الأوربية، إنه أيضا بلد عانى من ويلات الإرهاب مبكرا منذ عام 1994، ولا زالت جراح مذبحة شمهروش طرية في الجسد المغربي، ولا زالت أجهزته تفكك بشكل مستمر خلايا إرهابية قبل انتقالها إلى الفعل.. وما يستقطب الانتباه في كتاب ألان جوردان هو حجم المعلومات التي يحفل بها من مصادر موثوقة في الداخل والخارج، باعتباره مراسلا للأمم المتحدة، ومحققا صحافيا مشهورا بفرنسا وسويسرا، وأيضا رؤيته التبصرية التي تتناول المقاربة المغربية المتميزة للتطرف والإرهاب وأشواك قضية الصحراء بشكل شمولي.

، وأيضا حجم المعطيات التي لا يتوفر عليها الصحافي والباحث المغربي، وأيضا طبيعة المقاربة المنهجية لألان جوردان للقضايا الشائكة التي تجعل المغرب على الخط الأمامي للحرب الداهمة في مجال التطرف والإرهاب والصحراء، في مختلف الجوانب السياسية والأمنية والروحية والثقافية والاجتماعية..

أيها الفاسدون العابرون.. لكم مغربكم ولنا مغربنا

عبد العزيز كوكاس

« مكافأة الفساد لم تكن يومـًا سوى إطعام ديناصور لا يعرف معنى الشبع » ياسر ثابت

عشقنا هذه الأرض بلا حدود، ولو أننا أشباه مواطنين في شبه مساكن أو دور، شبه أموات في شبه أحياء مهمشة ونتنة، من ماء هذا الوطن وهوائه وتربته.. سحنة بشرتنا، وهج أحلامنا التي لا نمدد أقدامها بعيدا عن سرير نومنا.. وكل آمالنا وآلامنا.. حتى من هاجرها منا، ركب الموت واتشح بعراء السماء، قنطا من قطران البلاد وطمعا في عسل « بلادات الناس »، ظل متشبثا بالحنين إليها، ولم تغادره رائحتها.

وأنتم الطارئون علينا، الذين تسيدتم في زمن الهباء وتدني سماواتنا التي علقنا عليها نجمة رايتنا.. استلاما.. نحن سواد عين الأمة، جوهر هذه الأرض وأنتم عرضها وأعراضها المرضية.

لستم إلا ظل التخلف البليد، الاستعمار القديم والجديد، شره الرأسمالية الجبان، اخرجوا من دمنا ولحمنا.. ضعوا في جوف حقائبكم وأرصدتكم وبطونكم المتكورة، ما شئتم: أموالنا المستنزفة قسرا، نساؤنا اللواتي عهّرتهن ورضين بمساراتكم، احملوا ما شئتم من خمر أرضنا، زهر عطورنا، وما تساقط من لآلئ وجواهر من عرق جباهنا، وارحلوا من جرحنا.. بعيدا نحو الهباء.

أيها الفاسدون العابرون في زمن عابر.. أيها الملتصقون بجلدنا، المفسدون في الأرض.. لا تقنعونا بالقسمة الضيزى في الأرزاق، وبالأيام التي نداولها بين الناس، غلبة وسقوطا.. كفوا أيديكم عما تبقى من لحمنا.. احملوا قذاراتكم ومغانمكم وكل وسخ الدنيا المستنزف من جرحنا، وارحلوا.. فنعود بالله من شر ما خلق، من بشر كالعلق..

أيها المفسدون العابرون إلى مزابل التاريخ.. لقد أصابنا القرف من وجهكم، من خطاباتكم، من حيواناتكم المنوية.. ومن انتصابكم في وجهنا مثل رائحة الفضيحة. ومن سماع خطابتكم التي تأكل آمالنا كما يأكل الحسد الحسنات..

صمَتنا ليس جبنا، ولكن فقط لأننا لا نسعى إلى إيقاظ من أنزل الله البلادة على قلوبهم والغشاوة على عيونهم، لحكمة يعلم الله وحده أسرارها. نريد أن حررت قطرة المعلقة المعلقة في صنبور الأحلام، ونطلق الذكريات من مرابضها، ونجعل الأنهار تنام بأعين مفتوحة خارج نفاياتكم..

1932387_10201328000817847_1888657001_n

أيها الفاسدون المتسيدون على رملنا ومائنا، على سمائنا وأرضنا، النابتون في حقول أحلامنا وهوائنا مثل الفطر.. كونوا بشهامة الفرسان، صهيل الخيول.. تعالوا في مبارزة شريفة الند للند، وأزيلوا أقنعة الشركات، القوانين، الجنسيات المستعارة وباقي الأكاذيب التي لا تنبت رغيفا في حقل، لا تسمن من جوع ولا تأوي يتيما ذا مسغبة أو مسكينا ذا متربة..

لا تتصيدوا ما انزوى في الجزء المظلم فينا، لا تركبوا حاجاتنا وخصاصنا، لا تصطادوا في مستنقعات ضعفنا الآدمي..

لنا ما لنا على هذه الأرض، وطن مهما قسا علينا فهو جنة الخلد وأهله كرام.. كفوا عنا أذاكم.. أيها « المناقطية »، من يسرقون حقنا في أن نكون على غير ما نحن عليه، أنيقين بدون ياقات بيضاء، زاهدين في وسخ الدنيا، متحابين في الأخوة والدم.. والانتماء الإنساني جنسيتنا، بناة للوطن ومخَلّصيه من الجينات الفاسدة..

مللنا سخافتكم.. أميتكم المتعالية بلا سقف، اذهبوا بعيدا خارج جلدنا، وصلصال ترابنا.. وكفوا عن حلبنا وعصر دمائنا..

لكم الثروة ولنا جحيم الفقر والتخلف

لكم السلطة ولنا بؤسنا وجحيم تشرد أبنائنا

لكم المغانم كلها ولنا ما تساقط من فتات مزابلكم

وعلينا ما عليكم من سماء وما نقتسم من هواء

ليس عدلا أن تظلوا على رقابنا جاثمين ولخيراتنا ناهمين، ولأفق أحلامنا مغتصبين.. لهذه الأمة الحق في أن تغدو وطنا، فردوسا، أو مأوى يتسع للجميع، لأحلام الشيخ والرضيع.. أن يكون لهذا الوطن الأم أنبياؤه وكتبه، جغرافته وتاريخه، أساطيره وخرافاته، أن نقتسم آلامنا بالتساوي، ونشهر حبنا عاليا للوطن بلا خجل انتماء..

أيها المفسدون في أرضنا.. اخرجوا من هوائنا، من سمائنا.. كدسوا أوهامكم في أرصدتكم المنتفخة مثل بطونكم، خذوا كل حصتكم من برنا وبحرنا، لنا أحلام هنا نربيها، ذكريات من وجع وحب، لنا وصايا من أجدادنا، أثر ذكرياتهم نحميها.. فارحلوا عنا، نريد أن نحيا في وطن يليق بنا ونليق به.. به هواء نقتسمه بالتساوي، لكل حسب حاجاته، لكل حسب عمله.. وحيز مهما ضاق، نستطيع أن نمدد أرجلنا على سريره بلا رهبة من الكوابيس.

أيها العابرون إلى مزابل التاريخ.. ما عاد فينا حيز للصبر.. أيوب ثاب من حملنا.

لهذا البلد أن يحيا كما يشاء، ويذهب بعيدا خارج الحدود التي رسمتها عفونتكم ومطامحكم.. ولنا الماضي، الحاضر والمستقبل.. ارحلوا بعيدا كالغبار المر والذكريات السيئة، ولتعيثوا فسادا في أي بقعة شئتم.. فلنا مغربنا ولكم غربتكم.

وعلينا أن نحرس حلم البلد من كوابيسكم.. أيها الفاسدون آن لكم أن تنصرفوا واتركوا لنا ما تبقى في هذا البلد، متسع للحياة لنا ولذويكم من غير فساد في الأرض أو قلب جامد لا يقيم فيه بلد… وبئس المصير.

الصحراويون بمخيمات تندوف.. هل هم لاجئون أم محتجزون؟

« لا يصبح الخطأ على وجه حق بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ لأن لا أحد يراها » المهاتما غاندي

عبد العزيز كوكاس

يعتبر مشكل الصحراويين المقيمين بمخيمات تندوف صلب قضية الصحراء، فهؤلاء الصحراويون الذين في سياق ظروف ملتبسة تم نقلهم في آناء الليل إلى منطقة تندوف وتجميعهم في مخيمات أقيمت في منطقة خاضعة للسيادة الجزائرية، مفتاح حل قضية الصحراء، بالنسبة للمغرب فهم صحراويون مغاربة محتجزون في مخيمات العار، وبالنسبة للجزائر هم لاجئون بالتراب الجزائري..

منذ دخول القضية إلى أروقة الأمم المتحدة تم التغييب التدريجي للجانب الإنساني لهؤلاء الصحراويين وظل الصراع دبلوماسيا وقانونيا بين أطراف النزاع، في حين أن الأمر يتعلق بمأساة إنسانية، هناك عائلات كبرى تم شطرها بين من ظل أو عاد إلى أرض الوطن وبين من لا زال هناك، نظرا للظروف الحاطة بالكرامة التي يعيشها هؤلاء الصحراويون الذين انتزعوا من أرضهم في ظروف يعرفها العالم، حين كانت الشاحنات الجزائرية  في ذروة مفاوضات مدريد لعام 1975 التي حتمت الجلاء الإسباني تجوب الأقاليم الصحراوية، لتهريب السكان عبر التغرير والقوة، وحين تبين أن أعداد المرحلين قسرا لا تفي بالغرض المطلوب، أي الإيهام بإمكانية إقامة دولة، عمدت الجزائر إلى إيواء نازحين أفارقة من بلدان الساحل جنوب الصحراء لتضخيم أعداد اللاجئين.

وقتها تبادلت الجزائر الأدوار مع أوساط إسبانية متشددة لم ترغب في الرحيل عن المستعمرة السابقة، إذ في الوقت الذي كان صعبا على هؤلاء المتغلغلين داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية وفي الإدارة، القيام بدور مباشر ضد الأوفاق التي وقعت عليها دولتهم علنا، استطاعت الجزائر أن تنوب عنهم في أداء المهمة نفسها، لكن ليس من طرف دولة الاحتلال التي أذعنت إلى حتمية التاريخ، ولكن عبر دولة عربية مجاورة، لم تهضم بدورها في أي مرحلة تداعيات حرب الرمال لعام 1963، وبقيت تتحين الفرصة من أجل الانتقام.. دون نسيان الظروف الداخلية التي عرضت مظاهرة بطانطان لقمع غير مبرر كما شرحت ذلك سابقا.(انظر كتابي: جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال، رؤية مغايرة).

في كل تجارب النزوح، ليست هناك دولة في العالم تقبل باستضافة آلاف الأشخاص من غير مواطنيها على أراض واقعة تحت نفوذها لعقود طويلة مع كل المشاكل المترتبة عن هذه الاستضافة التي تكون مؤقتة، بل إن الدولة التي تستضيف مثل هؤلاء اللاجئين ترفع صوتها عاليا وتضغط على المجتمع الدولي لإيجاد حل من أجل عودة هؤلاء إلى موطنهم الأصلي، وهو ما لم يسبق أن قامت به الجزائر التي لا تريد لهؤلاء الصحراويين أن يغادروا أراضيها أبدا بل تعرض الفارين منهم إلى عقوبات شديدة، وهذا خرق سافر لاتفاقية 1951 المتعلقة بلاجئين والبروتوكول الملحق به لعام 1967.

ففي القضايا المرتبطة باللاجئين والنازحين لاعتبارات مختلفة، تعمل الدول التي تحترم التزاماتها الإنسانية والقانونية والسياسية، بكل الوسائل من أجل إنهاء معاناتهم، خصوصا حين تكون الطريق إلى ذلك واضحة المعالم، أي السماح لهم بالعودة الطوعية إلى بلدهم، أو السماح بإحصائهم لتحديد حاجياتهم وتقديم المعونة الكافية لأعدادهم قبل البحث عن السبل الكفيلة بعودتهم إلى الموطن الأصلي الذي قدموا منه، ليست هناك دولة تتمسك ببقاء لاجئين فوق أراضيها، في ظل انتفاء شروط اللجوء الاضطراري، إلا أن يكون لها أجندة خاصة تستغل فيها وجود أولئك الأشخاص لأهداف غير بريئة.. لأنها تدرك أن عودة أولئك السكان إلى بلدانهم يعني تبديد آخر آثار قضية الصحراء التي ارتدت الأبعاد التي توجد عليها الآن، استنادا إلى وجود لاجئين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، وهي ترفض ذلك نتيجة خشيتها من انفضاح الخطة التي دبرتها في الخفاء لإقامة تلك المخيمات.. لم يحدث إلى الآن أن سلطت الأضواء الكاشفة عن ظروف نزوح أولئك السكان في اتجاه المخيمات، من جهة لأن العملية تمت بتواطئ بين السلطات الجزائرية والإدارة الإسبانية قبل انسحابها من الأقاليم الصحراوية، ومن جهة ثانية لأن تلك العملية ارتبطت بممارسات وانتهاكات طالت حقوق الإنسان، عبر اقتلاع الأهالي، وخصوصا الأطفال والشيوخ والنساء من أماكن إقامتهم للزج بهم تحت العراء والخيام الفاقدة لأبسط ظروف الحياة.

Capture

لا يمكن للمغرب أن يغير جيرانه، ذلك قدر الجيولوجيا والتاريخ، في الشمال هناك جار اشترك معه حضارة باذخة وظل وسمه الاستعماري قائما.. وفي الشرق، بلد احتد به التنافس حد الاكتئاب السياسي، هل هو مجرد سوء فهم كبير؟

كانت إسبانيا تعول على إقامة دويلة تابعة لها في الصحراء، وحين واجهت رفضا مغربيا قاطعا، بلورته الإرادة التحررية للسكان الوحدويين، حاولت الالتفاف على الموضوع بطرق أخرى، وهذا الموقف ينسجم مع كل التحركات الجزائرية على امتداد أطوار القضية، وكما أن الإدارة الإسبانية قامت بإحصاء ناقص للسكان قبل انسحابها، فإن الجزائر زادت على ذلك برفض القيام بأي إحصاء لسكان المخيمات.. أليس غريبا أن يحدث هذا التلاقي في الأدوار والممارسات والخلفيات، ماذا يجمع إسبانيا والجزائر وماذا يفرقهما في التعامل مع قضية الصحراء؟ أليس وجود المغرب في قلب هذه المعادلة هو مصدر كل المتاعب؟ لم استنكرت الجزائر نزول بضع جنود مغاربة على جزيرة ليلى المغربية، بعيدا عن مفاهيم مناصرة القضايا التحررية وفي مقدمتها استرجاع ثغور المغرب الشمالية المغتصبة من طرف إسبانيا؟

لنُعد ترسيم ملامح الصورة، إسبانيا كانت المستعمر السابق للساقية الحمراء ووادي الذهب، وهي بهذه الصفة التي لا تشرف تاريخها، كما لا يليق بها أن تستمر في احتلال مدينتي سبتة ومليلية وباقي جزر شمال المغرب، حرصت على ألا تغادر الصحراء، إن لم يكن لها وجود عسكري ومدني ملموس، فمن خلال الانشغال بالملف إلى درجة أن النظرة الاستعمارية يتم التغاضي عنها في كثير من الأحيان.. إنها بدورها معنية باستضافة صحراويين على أراضيها، وإن كان سوء التقدير يصدر عن تنظيمات غير حكومية في إطار صراعات داخلية، غير أن الجزائر تزايد أكثر على هذه التنظيمات وتنوب عنها في تصدير سياسة العداء تجاه الجار المغربي.

عندما نعرض إلى إشكاليات رفض إحصاء اللاجئين المقيمين في تندوف، فإن ذلك يحيلنا على جوانب من أزمة الصحراء، ارتبطت بتوزيع السكان بين بلدهم الأصلي.. المغرب، وبين الجزائر وموريتانيا، وبالتالي نتج عن ذلك مضاعفات عدة لا تتعلق فقط بسمات وخصوصيات الحياة في الصحراء التي تفرض الترحال والتنقل في مساحات شاسعة، وإنما انعكست سلبا على جهود حل النزاع.

كل العراقيل التي واجهت مساعي الأمم المتحدة توقفت عند هذه النقطة تحديدا، أي معرفة الأعداد الحقيقية لسكان المخيمات المنحدرين من أصول صحراوية، وغني عن البيان أن إعاقة التسوية السلمية كان هدفها عدم تمكين أولئك السكان من العودة الطوعية التي تصدت لها الجزائر بكل الوسائل، إذ يذكر في هذا الصدد أن خطة التسوية الأممية لعام 1991، قبل انهيارها، كانت تنص حرفيا على أن يقترعوا في مكان ازديادهم وانتسابهم داخل الأقاليم الصحراوية.

ثمة وجه آخر لأزمة اللاجئين أو المحتجزين بمخيمات الحمادة يرتبط بأنهم يوجدون في وضع يتناقض كليا مع القانون الدولي، ويتعلق بالبند رقم 94 للمفوضية السامية للاجئين التي أقرته لجنتها التنفيذية في 8 أكتوبر 2002، والذي ينص على أنه لا يتم الإقرار بصفة لاجئ وتقديم الحماية للاجئين إلا في ظل الطابع المدني السلمي، والحاصل أن مخيمات بوليساريو الموجودة على التراب الجزائري هب مخيمات عسكرية تضم أسلحة لا توجد لدولة قائمة الذات في بعض الدول الإفريقية وجيش منظم ويتلقى مساعدات عسكرية من البلد المضيف، في غياب أي حماية دولية كما تنص على ذلك الأوفاق الدولية وهو ما يعمق من الوضع المأساوي للصحراويين المحتجزين في هذه المخيمات.

يوم قال معمر القذافي: « بوليساريو، نحن الذين أسسناها ودربناها وسلحناها.. »

عبد العزيز كوكاس

-

The flags of Algeria (L) and Morocco flutter AFP PHOTO

في خطابه بمناسبة ثورة الفاتح في شتنبر 1987 صرح العقيد الراحل معمر القذافي قائلا: « أستطيع أن أتكلم عن قضية الصحراء أكثر من أي طرف آخر، لأن بوليساريو، نحن الذين أسسناها عام 1972، ونحن الذين دربناها وسلحناها لتطرد الاستعمار الإسباني من الساقية الحمراء ووادي الذهب، ولم نسلحها لإقامة دولة »، إنه نفس الخطاب المعلن عنه غداة القمة العربية بالرباط سنة 1974، حيث دعم الرئيس الليبي موقف المغرب لإنهاء الاستعمار الإسباني للصحراء، وخلال زيارته للمغرب في 16 يونيو 1975 عبر العقيد معمر القذافي عن مساندته اللامشروطة للمغرب حيث صرح بأن « القوات الليبية المسلحة رهن إشارة المغرب لتحرير صحرائه ».

ويذكر الراحل الحسن الثاني في حواراته « ذاكرة ملك »، أن الغاية الأولى التي حركت العقيد معمر القذافي كانت هي هاجس إجلاء الاستعمار الإسباني من الصحراء، بدليل البرقية الرسمية التي بعث بها القذافي إلى الملك الراحل بمناسبة عزمه تنظيم المسيرة الخضراء في 1975، مما جاء فيها « بصفتي ثوريا، فإني أساندكم ألفا في المائة، وإني أريد القدوم إلى المغرب على رأس وفد ليبي للتصدي للاستعمار، عدونا المشترك ».

الموقف عينه، عبِّر عنه الرئيس هواري بومدين في مؤتمر القمة العربية المنعقد بالرباط في أكتوبر 1974، حين اعتبر أن مشكل النزاع حول الصحراء يهم موريتانيا والمغرب، وأنه يدعم تحرير كل أجزاء التراب الوطني بما فيها سبتة ومليلية من يد المستعمر الإسباني، وأنه لا مشكل للجزائر في استرجاع المغرب لصحرائه.

لكن ما الذي حدث بين 1974 و1976 حتى تحول الخطاب الليبي والجزائري عن موقفهما الأصلي من استعادة المغرب لصحرائه؟ وكيف تم تحويل حركة مغربية للتحرر الوطني (بوليساريو) إلى حركة انفصالية تحمل السلاح في وجه الوطن الأم؟

إضاءات الفقيه البصري، كأحد شهود المرحلة، في حوار سيرته الذاتية مع حسن نجمي، تلقي بعض الضوء على مناطق الصمت المعتمة في التبدل من سياقات الدعم والمساندة للمغرب إلى معاكسته في استرجاع أقاليمه الصحراوية، يصف الفقيه البصري تحول الجبهة من خلال تحولات مؤسسها مصطفى السيد، قائلا: « الذي ساعد على انحرافه هم الإخوة في ليبيا آنذاك، ففي الوقت الذي كان نقاشنا مع الوالي قد تبلور في إطار مغربية الصحراء وأسسنا الإذاعة، وشرعنا في توفير الدعم لمشروع تحرير الصحراء، ذهب عبد السلام بوجلود رئيس وزراء الجمهورية الليبية حينذاك إلى إسبانيا وخطب خطبة وَسَاوم الإسبانيين بالمصالح مقابل تحرير الصحراء، طبعاً ظهر للقذافي أنه من الممكن عن طريق الصحراء أن يربط مشكله مع الأرض التي اقتطعها الفرنسيون من ليبيا وألحقوها بالخريطة الجزائرية، وهي أرض ليبية غنية بالنفط، ومن ثم ظهر له أحيانا أن يستعمل قضية الوحدة، وأحيانا حاول الالتفاف على الصحراويين ومساعدتهم على أساس خلق مشكل الصحراء والمساومة به فيما بعد، وعلى أساس تحقيق طموحه في أن ينفذ نحو المحيط الأطلسي، ولذلك ضغط على الجزائر في هذا المنحى في الوقت الذي لم نكن نلمس – للحقيقة – أية ميول جزائرية لتبني ودعم بوليساريو كمشروع انفصالي.

كان لبومدين مشكل تيندوف، هذا صحيح، لكن تفكيره في كيفية الاستفادة من الحديد جعله يُنجز عدة دراسات علمية حول المسافات الناجعة والأقل تكلفة لنقله من تندوف، وكذا حول أهمية الحديد في الصادرات ومستقبله في السوق الدولية… وهكذا ظهر له أنه لابد من التفاهم مع المغرب، إذ يمكن تصدير الحديد عبر المحيط الأطلسي مرورا بالصحراء، وفي هذا الإطار سعى لإنجاح تصالح بين المغرب وموريتانيا.. »

في هذا السياق ستظهر النسخة المعدلة للجبهة التي تحولت من حركة تحرر إلى حركة انفصال، لقد احتضن الزعيم الليبي عناصر بوليساريو وفق المبدأ المعلن وهو تحرير الصحراء من الاحتلال الإسباني وباطنه صراع النظامين الليبي والمغربي الموصوف في طاحونة الحرب الإعلامية، بالنظام « الرجعي والمحافظ والعميل للاستعمار والموالي للإمبريالية »… وعبر خلق مشكل الصحراء للضغط به على الملكية بالمغرب والتفاوض والمقايضة به مع الدول الغربية خاصة إسبانيا.

أشرفت القيادة الليبية على تدريب عناصر بوليساريو ومدها بأسلحة جد متطورة، كان المشكل هو كيف ستصل إمدادات القذافي من الأسلحة إلى تندوف، واقترح على الوالي التحرك من أجل أن يسمح الجزائريون بمرور الأسلحة التي سيبعثها، وهنا جاء جواب هواري بومدين، « إننا على استعداد لمساعدة بوليساريو شريطة أن تصلني الأسلحة الموجهة إليه وأقوم أنا بعد ذلك بتسليمها » كما جاء في رسالة موجهة إلى ملك ملوك إفريقيا.

إنها بداية التلاقي في استراتيجيات جديدة تقوم على أساس توزيع الغنائم في التركة الاستعمارية بجنوب المغرب، فيما يشبه الانفصام بين الشعارات المنادية بالوحدة والتحرير وبين السياسات الهشة التي ولدها اختلاف الأنظمة ونزوعات الهيمنة بالمنطقة، بما يخدم مشاريع المستعمر القديم عبر تدعيم الانفصال الذي أدخل قضية الصحراء بعد تحريرها سنة 1975، في دائرة حرب بين أبناء البلد الواحد بأصابع تأكل مع الشيطان من ذات الصحن، إذ كيف تصبح إسبانيا البلد المحتل مخاطبا ودياً للجزائر وليبيا بشأن منطقة تم تحريرها بطريقة شعبية ذكية، تجند لها كل المغاربة بمختلف شرائحهم ومشاربهم السياسية والإيديولوجية؟ وكيف يغدو المستعمر الإسباني حليفا استراتيجيا وحاضنا لجبهة بوليساريو؟

13775566_654537534710451_1895251844665966956_n

الحسن الثاني

كان ممكنا أن تتحول المسيرة الخضراء عام 1975، إلى عامل بناء للوحدة والتنمية وحسن الجوار في منطقة الشمال الإفريقي، فإذا بها تتحول إلى ورقة حارقة تذكي الصراع والتوتر بالمنطقة، فليبيا التي ساندت حق المغرب في تحرير صحرائه، وصرح زعيمها في أكثر من مناسبة بأنه ضد تمزيق الوحدة الترابية للمغرب، هي نفسها التي ذهب رئيس وزرائها عبد السلام بوجلود للتفاوض مع إسبانيا عبر ورقة الصحراء، وليبيا التي بعث قائدها برسالة رسمية إلى الملك الحسن الثاني ليشارك في المسيرة الخضراء، هي ذاتها ليبيا التي أسست بوليساريو وأشرفت على رعايته بالمال والسلاح والدعاية الإعلامية، وهي التي ساندت إعلان « الجمهورية الصحراوية ».

في 28 فبراير 1976 أرسل العقيد معمر القذافي رسالة إلى الملك الحسن الثاني مما جاء فيها « إنه في 1972/06/11 أعلنت بنفسي في خطاب عام أن الجمهورية العربية الليبية ستتحمل مسؤوليتها القومية وتتبنى حرب تحرير شعبية في الصحراء الغربية ما لم تنسحب إسبانيا من هذه المنطقة، وإلى عام 1975 عندما أصبحتم طرفاً بارزاً في القضية أكدْتُ لك عن طريق مبعوثيك الذين تفضلت بإرسالهم في تلك الفترة، إن إمكانيات الجمهورية العربية الليبية العسكرية، رهن إشارتكم إذا قررتم تحرير الصحراء الغربية من الاستعمار…. والله يعلم كم حاولت إقناع قيادة الجبهة بالانضمام إليكم ».. لكن مع سحب الهواري بومدين البساط من يد الجماهيرية، أخذت القيادة الليبية تعزف على الوحدة التي أصبحت تمر عبر البتر، من خلال دعوة معمر القذافي في 24 دجنبر 1977 إلى تجاوز أطراف الصراع لمطالبهم الجزئية وتشييد كونفدرالية كبرى تضم الدول الخمس، كما سيساهم بريق شعارات المرحلة في إدخال المنطقة كلها في دائرة الالتباس منذ منتصف السبعينيات، والذي لا زالت إسقاطاته قائمة في الراهن اليوم بعد إدخال القضية في دهاليز حسابات لعبة الأمم وموازين القوى.

لقد أشعلت الحرب الباردة الكثير من بؤر التوتر في العالم في إطار التقاطب الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي، الاشتراكية والرأسمالية، التقدمية والرجعية… وكان لبريق حركات التحرر ونماذج حرب التحرير من تجربة غيفارا إلى الأفكار الماوية والنجاحات التي حققتها حركة الفييتكونغ لمعانها القوي، لذلك جرى ترويج مشروع خلق كوبا جديدة في شمال إفريقيا لتكون مثل الشوكة في حلق الإمبريالية، فاستغلت ليبيا والجزائر أحلام فتية مغاربة دائخين بالنماذج الاشتراكية والتحررية وأيضا حرقة عدم تفهم قادة بلدهم لمطالبهم التحررية من الاستعمار الأجنبي، لمحاولة تطويق المغرب في شريط قماط حدود يعيق حركته ويضيق الخناق على طموحاته في لعب أدوار إقليمية تليق بإدارته المتمرسة وتاريخه العريق، لذلك تم خلق التماثل على مستوى الرموز والشعارات بين جبهة بوليساريو وحركات التحرر الوطني التي كانت تعتبر فلسطين عتبتها العليا.. فقد لجأ قادة بوليساريو بتوجيه من بومدين إلى إعلان قيام دولة المنفى، واستعارة رمزية العلم الفلسطيني وقاموس القضية الفلسطينية، الانتفاضة، الاحتلال وقواته، جدار العار، تقرير المصير، الشعب الصحراوي… وخلق نوع من التماهي بين حركة تحرر وطني وحركة ستتحول منذ منتصف السبعينيات، بعد تحرير الصحراء من المستعمر، إلى حركة انفصالية… جرى تنافس قوي بين الجزائر وليبيا بشكل غير متستر في تقديم الدعم المادي واللوجستيكي لجبهة ستتحول إلى حركة مسلحة توجه فوهات بنادقها ودباباتها اتجاه الوطن الأم فيما يشبه حربا بالوكالة متحكم في إسقاطاتها.

 

رسالة إلى إرهابي

 كيف تسلقت هذا الأطلس الشامخ بعيدا عن أعين شمهورش قاضي جن الأرض، واغتصبت ثقتنا في أماننا؟

عبد العزيز كوكاس

« تتألم لأنك لا تتألم، ذلك هو الحجر الوجداني » أنسي الحاج

أيها الإرهابي الذي يتسلق دمنا.. كن ابن من شئت، لكن كن واضحاً كما الحقيقة، لنسير نحو المبارزة كندَّين يتصافحان وجها لوجه، قبل الاقتتال على الحلبة والموت بشرف الأبطال الكبار!

لماذا تطعنني من الخلف، بخنجر الغدر مثل أي جبان، وتهرب لتختبئ في محجرك مثل خفافيش الظلام.. وتنشر يأسك وعار جهلك ونتانتك فينا، أيها المتكئ على أساطير بناء بيت في الجنة من أشلاء الأبرياء.. أنت الإرهابي، الرافض للتقنية المستخدم لها، كيف أباح لك الرب الرحيم ذبح شابتين في رحيق العمر، بأعين عسلية جاءتا من بلدين سعيدين لتتقاسما على أعلى قمة للشموخ مع البسطاء في هوامشها بعضا من حب ومرح، كانتا تتقاسمان بثقة أحلامهما وتضحكان على بعض صور اقتنصاها من مباهج هذه الحمراء الساحرة وشواهقها الشامخات، أرض سبعة رجال.. مدينة هذا اليوسف الذي ترمونه- أنت وصحبك- في الجب باسم الذئب الداعشي؟ من أين تسللت بعيداً عن يقظة الحياة؟ كيف تسلقت هذا العلو السامق لتغتال حق الناس في الحب وتقاسُم الحنين والذكريات.. ما أجبنك!

images

هل لابد من الموت المتوحش لنَقيس حجم مغانم الحياة؟ هل كان ضروريا لتهيئ للموت وجبة من أشلاء تجاورت في محبة الحياة وتفصل الجثث تحت صرخات الرب المقدس، بسبب بغضك وأحقادك، بالدم ورائحة الكراهية؟ نحن الذين كنا نتغنى باستثنائنا الجميل، بتساكُننا وتعايُشنا بالود والمحبة، نحن المتدافعين في الأرض، من أجل أن يكون لهذا البلد وجه طفل له شكل الزهرة وطعم البرتقالة، وأن يكون لأبنائه الحق في الترقي في سلم الحياة وصناعة مستقبلهم بكل الأمان والتفاؤل اللازمين، كنا نعرف السبيل لتساكن الشر والخير فينا، لأننا لسنا ملائكة تماماً، ولسنا شياطين مطلقاً..! ولكن فقط نُحس بجاذبية المكان وألفة الذاكرة ورائحة الأجداد في هذا الوطن، فأي جحيم قادك إلينا؟ بأي حق تتجاوز عتبة الدم دون استئذان نسمة الحياة فينا؟!

تتسلل في واضحة النهار هذا الأطلس الشامخ بعيدا عن أعين شمهورش قاضي جن الأرض، استغللتم كبر سن هذا الحكيم، واغتصبت حق الحياة لسائحتين وثقتا في أماننا وطيبة ناس هذه الحمراء وهوامشها لتمنحهما تذكرة الرحيل إلى الجحيم.. لماذا تقتلنا لتحيى، تغمس فرحتك من أشلاء الأبرياء ودماء الضحايا التي اختلطت بماء وتراب أرض النخيل..؟! هل كنت في رحلة صيد، أو باحثا عن مغانم تؤثث بها جنتك الموعودة وتتلذذ بتفصيل جثتتين بريئتين بوحشية الذئاب؟! لم تسللت بمكر الثعالب إلى أحلامنا المخبأة لتغرس فينا مُديتك وترحل مثل غُراب البين؟!

نحن المنذورون اليوم للحزن، لسد ثقب في الرئة خلفته وحشيتك القاتلة، نقف على عتبة الدار ونستقبل المعزّين، ونحصي كم تابوتا علينا أن نخبئ فيه شهداءنا وضيوف أرضنا الطيبة، ونحرس سجَّاد هيكل أحلامنا من أقدامك النَّجسة.. علينا أن نتعلم كيف ننظف أحلامنا من كابوسك، وننزع شوك إرهابك من طريقنا.. وفي ظل كل هذه القيامة التي زرعتها في يقظتنا.. علينا ألاَّ نستكين لاستراحة القيلولة ولحزن الجنازة، ولظل الليل الذي يريد أن يطفئ أزهار الحديقة.. وأن نتعلم كيف لا نستسلم للعتمة التي أصابت قطارنا في التباس المنعطف التاريخي لجيل له عينان بسَعة الحلم تضيئان عتمة النوافذ.

كم يلزمك أيها الإرهابي من ألم لتبتسم لأسيادك؟ كم تحتاج من تابوت ومن عتمات ليل لتختبئ وراء نتانتك؟! كم من رصاصة غدر لا زالت في ماسورتك أيها الصياد، أنت يا ذئب..

نحن لا نستسلم للخديعة.. للهواء الأسود، لنقطف عنقوداً أو نجمة عالقة في السماء، لا يحجب الغيم طريقنا نحو ما نريد أن نكون عليه، فلنا مالنا من قوة الريح لنُزيل الغبار عن طريقنا، ولنا ما لنا من مطر يكفي لينبت عشب الحقيقة.. ولنا ما لنا من قدرة على تذكر أسمائنا بعد كل حرب أو حادثة سير، نحس بالألم لأننا لا زلنا أحياء، ولك ما لك من صرخات الموتى مثل عُواء الذئاب الجريحة تفترس ما تبقى فيك من مغنَم حياة، ولك ما لك من فلول الندم لتأكل ما تبقى فيك من زمن الساعة الرملية.. وأمامنا الغد يحفر أخدوده عميقاً صوب شجرة الأمل.. وقدرة الجسد على تحمل الجراح لأن به نسمة حياة.. وغداً سنُسقط جراحك من ذكرياتنا، ورمل ساعاتنا، ونغسل شجرنا مما تطاير علينا من قذائف حقدك لنزهو بالحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

خسئت أيها الإرهابي.. فأنت مجرد جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب أمام طموح أمة لا يثني عزمها سم الغدر وسكين الخيانة، وما تراكم على الطريق من شوك وهباء!

*كتب هذا النص في الأصل كخواطرعلى وهج تهديد إرهابي قديما كان قد أصاب هذه الحمراء الفاتنة ذات طعنة جارحة وها أنا اليوم أخرجه كما خطته يدا الحزن فينا مع بعض التحيين.. لنصرخ في وجه كل إرهابي محتمل.. كفى، اتق الله فيما تبقى فيك من طين آدمي واعف عن هذا البلد الأمين.. لنا ما يكفي من جراح نود أن نداويها بكامل الحب بيننا بالإيخاء الإنساني النبيل بدل حقدك.

 

 

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

Navigation des articles