الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

المهدي المنجرة في حوار مع عبد العزيز كوكاس:مهاجر إلى حيث تُقدس حرية التعبير

 غادرنا المهدي المنجرة إذن بهدوء ظاهر وبغليان في دواخله، الزميل عبد العزيز كوكاس صاحبه لمدة يوم ونصف اليوم الأخير قبل هجرته الاختيارية التي يقول إنه لا يعرف نهايتها.. في هذا المقال/ الخواطر والكلمات الأخيرة لصاحب « يطو » الذي يحرس « مستقبلنا »،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حاوره: عبد العزيز كوكاس

كوكاس رفقة الراحلين المهدي المنجرة ومليكة ملاك والروبيو

الأحد 11 أبريل الجاري على الساعة 11,30 بالضبط أقلعت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الفرنسية في اتجاه باريس وعلى متنها الدكتور المهدي المنجرة، الذي من المقرر أن يلتحق بطوكيو، استجابة للدعوة التي وجهتها الجمعية اليابانية للتقدم العلمي إلى الباحث المستقبلي قصد الاشراف على مشروع بحث حول « مقاربة الحداثة في العالمين الإسلامي والياباني »، بتنسيق مشترك مع البروفسور الممتاز يوزاإتاغاكي قيدوم كلية الاتصالات بجامعة العلوم الاقتصادية والرئيس المشرف على الأبحاث اليابانية حول الشرق الأوسط، وعضو المجمع الياباني للثقافة والعلوم، كما سيشرف الدكتور المنجرة على مشروع يندرج ضمن أعمال مركز الأبحاث القطرية حول: « التنوع الثقافي وانعكاساته المستقبلية على الهجرة » بتعاون مع خمس عشرة باحثا، إلى جانب أكير المتخصصين اليابانيين في الدراسات الأكاديمية حول العالمين العربي والإسلامي يوزاإتاغاكيوأكيراغوتو. وسيقوم هؤلاء الباحثون الذين يشرف عليهم أكاديميا البروفسور المنجرة منذ 97، بإصدار حصيلة أبحاثهم خلال شهر ديسمبر 1999. من جهة ثانية، سيعرض على الجمهور الياباني في طوكيو كتاب: « صوت الجنوب »، الذي يضم العديد من أعمال وأبحاث البروفسور المنجرة، مترجمة إلى اللغة اليابانية.

قصاصة وكالة الأنباء التي صدرت يوم 9 أبريل 99 تكتفي بالإشارة إلى المشاركة العلمية، وهو ما يعني أن الباحث المستقبلي غادر أرض الوطن لستة أشهر فقط، لكن لماذا كل هذه الضجة التي أثيرت منذ مارس الماضي، إذا كان الأمر يقف عند حدود التعاقد العلمي مع مؤسسة جامعية يابانية؟ هل يشعر الدكتور المنجرة بأنه لم يحظ بالمكانة اللائقة به في المشهد العلمي المؤسسي؟ هل تزامن حدث إلغاء معهد الدراسات والأبحاث حول المرأة التابع لجامعة فاس واستضافة الجمعية اليابانية للتقدم العلمي للبروفسور المهدي المنجرة تزامن اعتباطي؟ ثم بعد ذلك، هل يعود إلينا قيدوم الأساتذة الجامعيين؟

كل هذه الأسئلة كانت تتصارع في ذهني وأنا أرافق الدكتور المنجرة طيلة يوم ونصف قبل مغادرته أرض الوطن، بمكتبه بأكدال، بشارع محمد الخامس بمقهى باليما، وقد شجعني عقد الألفة الذي منحني إياه الرجل على إمطاره بكل هذه الأسئلة، وتساءلت عما إذا كان الأمر يتعلق بنوع من البنارويا، أو عقدة الاضطهاد، وكان الدكتور المنجرة يجيبني بارتياح.

– أذن قررت أن تغادرنا؟

– هناك ثلاث وقائع مرتبطة ومتشابكة في حياتي، علمتني الكثير، فقد غادرت المغرب في يونيو 48، متجها نحو الولايات المتحدة الأمريكية لا لشيء إلا لمواجهتي لأساتذة التاريخ واللغة، وأنا تلميذ باسم الهوية والحقيقة وسلطة المعرفة، فحصلت على تنبيه وتوبيخ وطرد، حينها لم يبق أمام والدي سوى إرسالي خارج المغرب. وفي ماي 60 طلب مني العودة وتمت تسميتي من طرف المرحوم محمد الخامس في الإذاعة وطلب مني تهييئ قانون أساسي شبيه ب « بي بي سي ». وقد اجتهدت في إعداد الكثير من الأرضيات، لكن لم أستطع ضمان حرية التعبير بسبب العراقيل التي جاءت من أوساط متعددة أهمها سيطرة الداخلية، فقدمت استقالتي ثلاث مرات. وفي المرة الثالثة دعاني جلالة الملك لأكون رئيسا للجامعات المغربية، وحضرت أكثر من قانون، لكن …

رحل عنا الدكتور المنجرة وفي نفسه شيء من « لكن… » المغربية، طيلة اليوم ونحن نتجول في الشارع الرئيسي للرباط كان المهدي يتوقف كل لحظة، يأخذ نفسا كأنه يملأ رئتيه بهواء البلد، يدردش مع بائع الصحف، يطل على واجهات المكتبات، ولحظة أشار بيده إلى قبة البرلمان وقال بلهجة حزينة: « إني جد متألم ونحن في هذه الظروف التي نتكلم فيها عن « التغيير »، أحس بحصار غريب، وهذا ليس تصريحا سياسيا، لأن تقديري لما قبل « التغيير » أقوى مما حصل بعد ذلك بالمقارنة مع ما وعد به هؤلاء، خاصة فيما يتعلق بالحريات العامة.

– ألا تحس بأنك تريد ترميم محنة شخصية وتعميمها كواقع عام؟

– (يضحك) ما حصل لي كان يمكن أن يعتبر مبالغة في رد الفعل، لكن الواقع الذي كنت أخشاه هو ما حصل في مجال الحد من الحريات، إن حادثة المنجرة بسيطة كحدث شخصي لكن الوقائع عرت وبينت أن الأمور أكبر من ذلك، كما أن ردود الفعل التي كانت أكبر مما يمكن توقعه من الشباب والمحامين ورجال الإعلام وبعض الرموز النزيهة التي لم يكن همها فقط شخص المهدي، لذلك فهذا التضامن عضوي ضد كل ما يمس الحرية بالمغرب… والله العظيم في الماضي كان يقال: هل يستحق هذا الشباب جيلي؟ وأنا اليوم أقول العكس: هل يستحق جيلي مثل هذا الشباب المليء بالحيوية والقدرة على المبادرة وعشق الحرية؟

– يبدو الأمر كما لو كان متعلقا بمرجعيات مختلفة؟

– صحيح، فالحرية ليست في النصوص، ولعل موقع تجربتي يميل بي أكثر إلى الموقف الأنكلوساكسوني الذي يعطي أهمية أكبر للبراغماتية ولممارسة الحقوق أفضل من الموقف الفرنسي الذي ورثناه والمبني على النص (المجالس، اللجان، المقررات، اجتماعات مصغرة أو مكبرة…) نتكلم عن النص أكثر مما نتكلم عن ممارسة الحقوق في الحياة، وهذا واقع نعيشه للأسف، والأمر يرتبط بذهنية معينة.

– قد يبدو للبعض أنك رفعت سلاح الهجرة نحو اليابان، لأسباب أخرى مرتبطة ب « وضعك المؤسسي » بالمغرب؟

– أنا رايح إلى اليابان كبلد يقدس الحرية والمعرفة ويشجع البحث العلمي لمدة، والله وحده يدري كم ستستغرق.

– ستة أشهر فيما أعتقد؟

– هناك مسؤولية أكاديمية والتزامات بالنسبة لأبحاث علمية، الالتزام الإداري الآن هو ستة أشهر لكنه يمكن أن يمتد، والله وحده يدري كم سيستغرق مكوثي باليابان، أما الوجه الثاني فصدقني أنا لم أطلب شيئا.. كلما تقدم الانسان في السن يتساءل: ما هي النتيجة التي حصل عليها والحمد لله ليست لي مصالح مالية وطموحات اقتصادية أو سياسية، ما يبقى لي هو هذا الاستثمار المرتبط بترويج الأفكار والإيمان بقوة إشعاع الرأسمال الرمزي، وحياتي معروفة في هذا الميدان، فعندما استقبلني رئيس الدولة الذي أهداني كتابه بلطف كبير، وطلب مني أن أكون رئيسا للجامعات  المغربية. كان لي الشرف ليس كمهتم بالبحث العلمي ولكن كمواطن مغربي، قال لي: « هذه ليست وزارة ولا سفارة، هذاعمل مرتبط بصنع الأجيال وبتجربتك الخاصة في الخارج وفي المنظمات الدولية »، من الصعب أن أعبر عن شعوري بهذا الكلام، قلت على الأقل أن هذا الرجل قد فهم طموحي في الميدان الذي يدخل في مجال اختصاصاتي، نفس الشيء لما اقترح علي منصب مندوب أو سفير بأمريكا.

– ألم يكن يتعلق الأمر بسباق معين لانتخاب مدير اليونسكو؟

– لم أبق في اليونسكو، ولم أترشح لمنصب مدير اليونسكو، لأن العمل الذي قمت به بلذة والتزام وبفخر، لم أكن أطمح من خلاله لقبض الثمن، أن أذهب إلى الصندوق وأتقاضى الثمن، والحمد لله إني سأترك البلاد وأنا جد مرتاح، لأني وجدت أن الدفاع عن الحريات ليست مسألة مرتبطة بمؤسسات فقط، لا هذا تجنيد خاص لأننا إذا لم نفهم أن الحرية لها علاقة بقانون الشخص وبداخل الإنسان، يصعب أن نفهم دورها في المجتمع. الحرية لها شروط، وأنا مرتاح وسأبقى على اتصال خاصة مع هؤلاء الشباب الذين أعطوني دروسا عظيمة، ما كنت أتصور هذا التضامن من طرف الشباب، الشباب الذي يمثل ثلثي السكان بالمغرب، وهذا أساس أمل حقيقي ليس في التغيير، التغيير لا يكفي إذ نحتاج إلى انقلاب بمفهومه العضوي غير الدموي، انقلاب في التركيب العقلاني وفي الذهنية، فنحن نعاني الآن من غياب التواصل بين الجيل السابق وهذا الجيل من الشباب، عندنا الآن نوع من الشمال والجنوب في رقعة الأجيال.

– ألا تحس دكتور بأن الكثيرين ينظرون إليك على أنك « شخص مزعج »، ولذلك تناصرك طلائع المستقبل فيما تحاربك رواسب الماضي؟

– والله إن كل ما أملك هو الإيمان، والإيمان سواء كان لدى البوذي أو الملحد أو المسلم هو القناعة بأنك على حق، وهذه القناعة هي التي تحرك ذاتك وحياتك. أنا أؤمن بأن هناك حقا، وفي بعض الأوقات أتساءل هل كان معي الحق، من آمن بشيء فله قوة تأتي من داخل ذلك الحق، الأمر كله يتعلق بقناعة، والقناعة لا تعني أنك دائما على حق لأنها تستند على النية بأنك على حق.

فأنا لم أدخر جهدا لخدمة وطني وخدمة الإنسانية بغض النظر عن مكان تواجدي، وإذا صدقتموني فأنا لدي طفل آخر، وهو هذا الفضاء في الأنترنيت، صار لي أكثر من 150 إلى 200 زائر على أن أطعمهم بالمراجع والمعلومات  والآراء والمقالات، فأنت  شخص واحد صرت تقوم بوظائف مؤسسة، لا يهم أن تكون في طوكيو أو الرباط أو هلسنكي أو بغداد، إذن لم أترك أي شيء لخدمة المعرفة والبحث العلمي، وضميري جد مرتاح. وأنا أشكر جميع المخلصين الذين تضامنوا معي، الذين أعرفهم أولا أعرفهم: ياريت لو أن بعض الأشخاص الذين مارسوا حصارهم على المنجرة في الجرائد والأحزاب بتعليمات، فهموا أن الحصار مضروب عليهم هم أيضا. أربع منظمات شبابية تجتمع للتضامن معي دون طلب مني أو حتى استشارتي ومع ذلك فهناك جرائد تابعة لأحزاب تلك المنظمات مارست الرقابة ولم تنشر هذه البيانات، تجاهلني أيضا الاعلام الناطق باللغة الفرنسية والذي لم أعتبره مغربيا مائة بالمائة، فهذا الإعلام الفرنكفوني مازال تابعا لل (ماس) وغير الماس. وتجاهلني الزملاء الذين قضيت معهم أكثر من 25 أو 30 سنة باستثناء واحد أو اثنين، إن الخوف ينهشهم حتى النخاع كأنني وحش من الغابة راح إلى جاوا يمكن أنقض عليهم.

لم نستطع عبور الشارع إلا بشق الأنفس، أساتذة وطلبة وبائعو صحف وغيرهم يطلبون أخذ صورة مع الدكتور المنجرة ويهمسون في أذنه « رجاء، لا تغب عنا، لا تترك لهم الملعب فارغا »، حينها ابتسم الرجل وقال: « أنا لست أنانيا، فهؤلاء الشباب لديهم تعطش للتعبير عن إحساس على هذا المستوى، لأنهم لم يجدوا مناسبات كافية للتعبير عن مشاعرهم لذلك فهم يفرغون أحاسيسهم، ونحن بشر، مما يعني أننا نعيش وسط حصار عاطفي، حصار في التعبير، وإذا كان هناك حصار على الأحاسيس فمعناه أننا نعيش وسط حصار ثقافي وفني وجمالي، حصار على مستوى الخلق والإبداع، هذا الشيء الأول السلبي، أما الشيء الثاني الإيجابي، هو أن هذا التعاضد، وهذه المشاعر النبيلة لم تكن موجهة لشخصي، وهي وجه آخر من عدم مصداقية « آخرين »، إذن ما أتاني ليس سوى حصيلة لعدم وجود اتجاهات وهوامش، مثل الماء الذي يذهب عبر مسرب واحد إذا لم يجد منافذ أخرى أمامية وهذا لم يأت بظهير ولا بمرسوم، بل بعملك اليومي والجدي. هذا هو قدري.

حين تركت المنجرة ذلك الصباح، كانت أسراب من الطيور البيضاء تفرد جناحيها في السماء ممددة أعناقها إلى الأمام، متجهة نحو الشمال، ألم يكن الدكتور المنجرة واحدا منها، أم أنه طائر يغرد خارج السرب؟

الصحيفة عام 1999

زعامات الإسفنج

عبد العزيز كوكاس

« التاريخ الحقيقي يخلف عقداً » بول فاليري

13707692_1060207977392973_5915054781146794979_n

نفتقد في هذه اللحظة المصيرية لرجالات دولة نبهاء.. نفتقد الحس الاستراتيجي لعبد الرحيم بوعبيد، الحس الصوفي لعلال الفاسي، الاندفاع النبيل للمهدي بن بركة، الحس الوطني لبوستة واليوسفي.. مع هؤلاء كنا نشعر بأن السياسة هي هوية جماعية لذات الأمة.. إذ كان هؤلاء، وأمثالهم كثيرون في الزمن الغابر، يستحضرون مستقبل المغْرب ومصالحه بشكل أقوى مما يفكرون بأنانية في جماعاتهم السياسية.. كانوا كزعماء أحزاب يتصرفون كرجالات دولة، مستقلين في أفكارهم، مالكين لرؤيا استشرافية عميقة، عارفين بخميرة البلد وخروب أهله..

الراحل علال الفاسي الذي كان قادراً على ضرب الطاولة ضد الاستبداد الفردي للحسن الثاني هو نفسه الذي مات ببوخاريست وهو يدافع عن الدولة المغربية وكانت وصيته: « لا تتركوا الملك وحيداً وسط المفدسين »!

الزعيم عبد الرحيم بوعبيد رفض الاستفتاء الذي قبله الحسن الثاني في نيروبي، وعمل على خلق ما يشبه العصيان المدني بالدعوة إلى إضراب وطني في 20 يونيو 1981 ووجد نفسه في السجن، لكن حين اقتضت المصلحة الوطنية تحمل المسؤولية الحكومية للدفاع عن « الوحدة الترابية » كرجل دولة لا كزعيم حزبي أدى ضريبة السجن على موقفه، ولم يكن يدر بخلده أي حس انتقامي ،وكان الرجل في مستوى اللحظة التارخية.. المهدي بن بركة الاشتراكي الثائر، المتقد حماساً، قام بكل شيء لمواجهة الاستبداد وقدم جثمانه الملفوف بالكتمان والغموض، من أجل ديمقراطية حقة في المغرب، لكن حين مدَّ له تلميذه يده عن طريق إبن عمه، ليحل له أستاذه المهدي معادلة صعبة في الرياضيات، أرسل أخاه عبد القادر بن بركة للتفاوض، وأخذ يُعد العدة للعودة إلى أرض الوطن لتحقيق تناوب ظل موءودا حتى نهاية الألفية الثانية.. وقد يكون ضحية لحسه الوطني الذي تغلب على حسه الثوري ليعود إلى الأرض لولا « المفسدين » الذين كانوا بالمرصاد لأي التقاء بين الملك والحركة الوطنية..

قس على نفس النمط ما قام به مناضلون كبار أمثال بوستة، اليوسفي وبن سعيد آيت يدر.. ولو في زمن غير الزمن!

لن أتكلم عن الأدعياء من داخل دواليب الحكم الذين قاموا بنشر كتاباتهم بيننا بعد رحيل الحسن الثاني، فيما يشبه عملية تبييض الأَسْود من ماضيهم، ليبرزوا أمامنا كرجالات دولة كانوا يأنفون الظلم، ويواجهون السلطان ليقولوا له :لا ،حيث يجب أن تقال، مهما كان سيعرضهم ذلك للعقاب أو على الأقل للإبعاد والتهميش، فبن سعيد آيت يدر تحدث عن سجن تازمامارت وسط البرلمان رغم تحذير الحسن الثاني له، وبوستة اشترط في تولي مسؤولية الوزارة الأولى ضرورة إبعاد المرحوم إدريس البصري، وعبد الرحمان اليوسفي انتفض بعد 17 شتنبر 1993 وغضب غضبته الشهيرة على إخلاف الحسن الثاني لوعوده بنزاهة الانتخابات، ولما عَيَّن محمد السادس إدريس جطو، قال له بكل الاحترام الممكن، « لقد تم خرق المنهجية الديمقراطية »!

نرثي لحالنا مع زعماء أحزاب أضحوا ثقيلين على قلوبنا، لا يريد البعض منهم أن يفارق البرلمان وهو الذي يخطب في شبيبته، « ندعو إلى ضرورة التشبيب » وهو يقصد « الشيب »

لن أتكلم عن أثاث الدولة الحزبي من الأحرار إلى (G8)، لأنه مجرد ديكور لتأثيث الواجهة السياسية، ومفتاح باب قراراته لا يوجد بين قياداته الموضوعة لتزيين الفترينة الديمقراطية، وتُحال على الرف مع إبدائها لأي إيماءة بالرفض أو معاكسة توجهات المالك الحقيقي للأصل التجاري لما يشبه الحزب السياسي الذي أصبح عليه شبه زعيم فيما يشبه المؤتمر الوطني من طرف ما يشبه المناضلين..  وإنما حرقتي على الأحزاب الحقيقية التي كانت مستقلة في قراراتها ويؤسفني حقا هذا الحضيض الذي وصلت إليه.

لا نريد نموراً من ورق، نريد فقط زعامات سياسية تشتغل بوزن رجل دولة، ممن يمتلك حاسة استشرافية للمدى البعيد للمستقبل، ويستطيع أن ينتصر لهوية أمة على مصالح حزبه، ويزن بميزان من ذهب حسابات الربح والخسارة في كل ما يتخذه من قرارات ونتائجه على الأجيال الصاعدة لمجموع المغاربة.. لا نريد ثواراً ولا نطمح لزعامات انقلابية لا تعرف إلا الرفض، ولكن حلمنا أن يكون لنا في مثل هذه اللحظة التاريخية زعماء استراتيجيون يضعون مصلحة البلد فوق المصالح الأنانية لحزبهم.

إعلام البلاهة

« لا خبر في البلد » محمود درويش

11207332_642739912522560_3341392556930974956_n

الوظيفة الأساسية التي وُجدت من أجلها وسائل الإعلام هو الحق في اقتسام المعارف والمعلومات والسلط، هو نقد البداهة ومواجهة الاستبداد والفكر المتوحش.. منذ أن علَّم عز وجل آدم الأسماء كلها، ثبت تميز الإنسان ليس بخلقته فقط، ولكن بالمعلومات التي جعلته مخلوقاً استثنائيا في الوجود، لأن الإنباء يعتمد الحق في اقتسام الحقيقة ومنح الناس نصيبهم من المعرفة، نصيبهم من أدوات مقاومة الوجود عبر فهمه.. كان ميلاد المطبعة ثورة كوبرنيكية مع جوتنبرغ، فتدفقت وسائل الإعلام كامتداد لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكل ما يُرسخ تمثلات الحداثة.

تلك هي البدايات التي أسست لأخلاقيات مهنة النبل: الصحافة..

اليوم تبدو وسائل الإعلام عندنا بكافة تفريعاتها: السمعي – البصري، المكتوب، الإلكتروني – باستثناء بعض الانفلاتات – كما لو أنها ضد وظائفها الطبيعية في التنوير والتحديث، إذ أضحت تقتات، عبر نشر البلاهة وترسيخ اللامعقول، الميل إلى الفضائحي، وإعادة إنتاج سلوكات الاتكالية والميولات الغريزية وعدم احترام الحياة الخاصة للناس ومراعاة حميمياتهم الإنسانية جداً.

أكبر ضحية لوسائل الإعلام الوطني – والتعميم قاتل – هو الصدق والحقيقة.. فن الكذب أضحى سلطة في الإعلام الذي يخترق حياتنا.. ينشر القيم الجاهزة، يدعم التقليد والمحافظة، يقتل الحس النقدي، ويلتفتُ إلى الهامشي (ليس بمعْناه الفلسفي منذ نيتشه إلى هيدغر)، أقصد باستغلال الهامشي في وسائل الإعلام المغربي تضخيم الجزئي، التافه والعابر، والذي ليس له كفاية علمية أو منهجية لجعلنا نفهم الأحداث والوقائع في سياقها السليم، وهي بذلك لا تحافظ على قيمة الخبر وجدوى المعنى، و »حين يهجر المعنى العالم، يصير كل شيء مستباحاً » كما يعلمنا الحكيم دوستويفسكي.

ثمة ملمح آخر للتوجهات الجديدة لأغلب وسائل الإعلام بالمغرب، باستثناء منارات قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ويتمثل في كونها أضحت غير مزعجة، ملساء، يهمها المغايرة لا الحداثة، السطحي من الزبد الذي يذهب جفاء، لا العميق مما ينفع الناس ويمكث في أذهانهم وقلوبهم، سلاحها هو البداهة لا الشك والسؤال في صحة المعلومات، والاستسلام للمعطى الجاهز والمعلومات المغلفة والموجهة وترسيخ الوهم.

الملمح الآخر المرتبط بهشاشة المقاولات الإعلامية السريعة العطب هو التحول عن الوظيفة الإخبارية أي مد الناس بالمعلومات وتركهم أحراراً ليتخذوا المواقف المستقلة لهم باعتبارهم أفراداً يمتلكون حرية الاختيار.. القبول أو الرفض، التشكيك أو التصديق، حيث أضحت العديد من وسائل الإعلام تلجأ إلى التوجيه، التعليق أسبق من الخبر…

جزء كبير من هذه الأثافي مرتبط بتحكم الإعلاني في الإعلامي، التجاري في الإخباري، لذلك لا تُمس شركات الإشهار السخية بأي نقد حتى ولو كان أثر ضررها على الناس واضحاً، فقد نبا إلى علمنا أن صحافيا حمل قالب سكر وسطه قطعة قصديرية صدئة، فما كان من مدير النشر إلى أن سلَّم القطعة إلى المكلفة بالإعلانات التجارية لابتزاز الشركة المعنية وتحويل القيمة الإخبارية التي تنقذ مجتمعا من المستهلكين إلى قيمة تجارية كربح صافي للمؤسسة الإعلامية، نفس الشيء حدث مع بضائع من مختلف الأشكال تُضر بمصلحة المستهلكين ويتم حجبها عن الناس وتحويلها إلى أداة لابتزاز الشركات المعنية مقابل الصمت على الفضائح في كل المجالات، أبمثل هذا الإعلام يمكن بناء مجتمع ديمقراطي أفراده معلومون بشكل جيد؟!

 

بشار الطبيب، بشار الأعمى

عبد العزيز كوكاس

« الكلب يُطاع وهو يحتل منصبا » « الملك لير » لشكسبير

سوريا

للسلطة شهوة لا تُضاهى في القتل، باعتبارها مقدسة ومحرمة، فإن مالكي زمام أمورها وحدهم لهم تميز امتلاك معنى الأشياء والأسماء، التاريخ والجغرافيا، مماليك البر والبحر، وحق التحكم في الماء والهواء والنار والتراب أصل الوجود كما لدى فلاسفة الإغريق القدامى.. لأن السلطة نظام كلي لا يقبل التنازع في جزئيات الوجود المشكلة لبنائه.. باعتبارها روحاً مطلقة وفكراً كليا..

لقد عشنا ورأينا كيف ابتلعت غوايات السلطة الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي، الواحد الأحد الذي لا ترفع صلاة إلا بأمره، ولا تغرب أو تشرق شمس خارج علم أجهزة مخابراته التي دخلت الجامعات وبيوت الله وبيوت العباد أيضا.. لقد انتصرت إرادة الشعب التونسي حين أراد الحياة، وصدق شاعر إسمه أبو القاسم الشابي وكذب رئيس أصبح إسمه شين الهاربين بن علي، وكذب الزعماء حتى ولو صدقوا وهم يخاطبون شعوبهم: « فهامتكوم، فهامتكوم »!

وجاء الدور على الزعيم الأبدي حسني مبارك فيما يشبه أكل القطة الجائعة لأبنائها، لأن السلطة لا تترك للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم وفستان أحلامهم، تسكرهم بخمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم.. فالداخل إلى السلطة مفقود والخارج منها مقدود، لذلك أشفقنا على رجل هرم يحاكم وهو ممدد على سرير وسط سجن المحكمة، رجل قادم من أبهة الجيش من مصر أم الدنيا التي لا تُضاهى في شموخ أهرامات أبي الهول، إلى مكائد السلطة، وجثم على صدر شعب، كما لو أن الفراعنة ما ذبلت شهبهم في الأعالي، كأن أساطير مومياتهم عادت إلى الحياة منذ عهد الفرعون رَعْ.. لكن زال وما زال شعب حتى وهو يحيى في نتوءات المقابر، أبدع النكتة ليحيى في كنف سلطة باغية مجحفة سادرة في غيها، لا يكبح جماحها قيد، ولا يحد من سيطرتها عرف ولا قانون.. لأن السلطة مثل عسل على شفرة حادة، هوس لتفريغ العقد حتى على أعواد مقصلة، وتفريغ للمكبوت في قالب مرصوص بالذهب.

حتى بعد انهيار نظام زين العابدين ومبارك، ظلت السلطة قائمة، حية ترزق فيما قضى عشاقها نحبهم ومنهم من لا زال ينتظر، لأنها هي روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجامش، هي الأنثى التي روضت أنكيدو وأفقدته قوة الطبيعة الزافرة.. وحده معمر القذافي زعيم رؤساء إفريقيا، ملك الملوك، ظل لحكمة ما ماتت معه للأسف يؤمن بأن « السلطة مصيبة والجالس على كرسيها دوما مصيب »، لقد نسي أن ليبيا دخلت العقد الثاني من القرن العشرين، وأن الشعب الذي حكمهُ منذ نهاية الستينيات قد تبدلت أحواله على مستوى البنيات والمواقف والأفكار.. لذلك حين خرج الناس عن سيطرته وصمهم بالجرذان والحشاشين والمقملين.. لأنه في ظل السلطة تختنق الحقيقة وينطفئ الصدق، حيث تتدلى ضفائر السلطة مثل مشانق وسط السراديب، لم يكن القذافي يعي أن موسم الصيد قد بدأ، والسلطة لا تعود إلى كرسيها مثل صياد خائب لأن لها دوماً نفس إحساس التذمر والانتقام الذي تحمله شباك الصياد الفارغة! وحده معمر القذافي لم يقرأ المثال الكلاسيكي المعكوس في اللغة العربية كما تمثله العرب « ساكب كاس »، لحسن الحظ أن « ليبيا » تقرأ بشكل سليم سواء من ذات اليمين أو ذات اليسار.. لذلك احتاج القذافي إلى القلب.. فوجد نفسه مثل الجرذ بين يدي الثوار يلتمس العفو والرحمة، كأب يحن إلى جميع أولاده.. كانت السلطة قد أشاحت بوجهها عنه وولتها شطر شلقم وعبد الجليل.. فكلما اهتز عرش عشاق السلطة.. غادرتهم نحو الغزاة الجدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة.. لأن السلطة عاهرة تمنح ذاتها للآخرين للأعداء كلما أصاب الجالس عليها سهو أو وسن، أو بعض عبث الصبية!

وجاء الدور على صالح اليمن، الذي أصبح طالحاً بالنسبة لغالبية شعبه الذي طالبه بالرحيل، ورغم جراح السلطة ظل الرجل يداوي ثورات شعبه بالتي هي أسوء إلى أن رحل إلى الأبد، أما طبيب العيون بشار الأسد فيوجد في قلب الزوبعة، لم يحفظ الولد المدلع أي حكمة عربية، وإلا كان استفاد من قول الشاعر:

لا تحتقرن صغيراً في مخاصمة # فإن البعوضة قد تدمي مقلة الأسد

وكم في الشرارة من ضعف # لكنها قد تأتي على بلد

لم يستوعب الرئيس السوري، أحد دول الممانعة يا حسرة، سياق الثورة العربية وأفقها، فحول رشاشات بنادقه وفوهات مدافعه نحو شعب أعزل أعمل فيه تقتيلا… كأن طبيب العيون لم ير ما حوله؟!

أيهما أعمى، أبو العلاء المعري الشاعر الحكيم الذي كان يرى أن الأعمى عورة يجب ستره في كل أحواله، لذلك لم يكن يخرج من سردابه الذي كان يمد له منه الغذاء والشراب، حدث ذلك في القرن الرابع الهجري، أما بشار الأسد إبن القرن الواحد والعشرين الميلادي، طبيب العيون الذي تزوج زهرة الصحراء ونهل من علوم أم الدنيا، الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس ذات قرن، وأصبح طبيب العيون، من سيداوي من العور، أبو العلاء المعري الأعمى أم بشار الأسد طبيب العيون ؟ المعري الحكيم أم بشار القتَّال لشعب من الأبرياء؟

تُرى لو كان القاضي أبو جعفر، الذي كان يكره الشاعر أبو العلاء المعري، لا زال على قيد الحياة، لمن كان سيوجه هجوه إلى الشاعر المعري أم إلى الحاكم بشار الأسد؟ حين قال:

كلب عوى بمعرة النعمان # لما خلا من ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبْتِ # إذ خرجت منك معرة النعمان.

للتاريخ أن يحكم خارج متاهات القول كما رسمها الرائع عبد الفتاح كيليطو.

المعلومة الأنيقة والضجيج المنظم

عبد العزيز كوكاس

« أكثر الناس قلقا في السجن هو السجان » برناردشو

تعليم

تعليم

تعليم

ثمة شح كبير في المعلومات في حقل التداول العام، والمقياس الأساسي لندرة الأخبار نلمسه في صحفنا السيارة، فالإعلام هو معيار نبض حركية الفاعلين وجس مبادراتهم، وهو مرآة لكل الوقائع والأحداث التي يزخر بها المجتمع..

إن محنة أي صحافي مغربي اليوم هي نضوب مصادر الخبر، فالمعلومة لا تدور، وهو ما يفسر ارتكان الكثير من الأقلام إلى التحليل والتفسير والتعليق والتوجيه.. بدل الدور الجوهري للصحافة، الذي هو مد الناس بنصيبهم من المعلومات!

في مقابل شحوب مصادر المعلومات، هناك وعي متزايد لدى عموم القراء بالحاجة إلى الخبر، وهو ما يبرر بعض أحكامهم، من مثل تشابه الصحف، جريدة واحدة تغنيك عما تناثر على الأرصفة من عناوين، بالإضافة إلى بروز نوع من التشكيك في صحة ما تقدمه الصحف من أخبار بدون سند، اللهم « المصدر المطلع » و »العليم » الذي لا يعرف من العلم إلا الزيادة فيه، حيث أصبحنا أمام أخبار تخلق الوقائع والأحداث خلقا.

لا يمكن أن نطالب الصحافي بالإتيان بحليب العصفور، في حقل سياسي جامد تشوبه الكثير من مساحات البياض، وفي ظل مجتمع يتحصن فاعلوه بثقافة « المطمورة » و »سرّك في بير ».. فما أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن رشدت أرشد على قول الشاعر القديم.

تروي كتب التاريخ أن زعيم قبيلة عربية جمع الشعراء والخطباء ولامهم على خمولهم وعدم نظمهم للشعر وإلقاء الخطب الحماسية مثل ما يحدث بالقبيلة المجاورة، فأجابه حكيم منهم، بأن القبيلة الأخرى لها أيام ووقائع وأحداث، في كل يوم لهم غارة، يصنعون بها أمجاد يتداولها الشعراء والخطباء، أما قبيلتنا فلا شهدت غارة ولا صنعت مجدا، فعمَّ سيتحدث الشعراء والخطباء؟!

هو ذا ما ينطبق على علاقة صحافيينا بالمعلومة، ويفسر خلو صحفنا من الأخبار المتنوعة.. لكن ما مصدر هذه المعلومات التي تروج في جل صحفنا؟ أقول جازما، إن جل الأخبار التي تروج في صحفنا الوطنية اليوم، والتعميم فيه ظلم كبير لإبداع بعض الصحافيين وإنكار لجهد بعض الصحف، مصدرها واحد وإن تعدد الفاعلون داخل هذا المصدر، وهم الدائرة المقربة من مركز القرار السياسي في المملكة، من هنا ذلك التشابه الكبير في المعطيات والعناوين بين مختلف الصحف.

إننا أمام المعلومة الموجهة، تلك المعلومة الأنيقة المقدمة إلى الصحافي بكافة ملامح الإغراء، بقوام ممشوق وقامة هيفاء وشعر مصفف.. حتى أنه يخاف أن يضيف إليها عبارة واحدة قد تنقص من جماليتها.. بهذه المعلومة الأنيقة يخلق الفاعلون المعنيون بتسريبها ضجيجا منظما، المشكل في الأمر أن الخبر لا يخدم بالضرورة مصلحة الوطن، بل يعزز إصطفافات مصادر الخبر الدائرة حول مركز القرار، عبر تصفية الحسابات، وإعطاء هالة لواقعة هامشية، وتحطيم المتنافسين، وتزكية المواقع.. وهي كلها حروب صغيرة أمام القضايا الكبرى للمغرب.

فرجاء أعطوا الناس حقهم في المعلومة غير الموجهة.. واتركوهم يحكمون بأنفسهم على الوقائع والأحداث.

بهجة الاستياء

طائر

عبد العزيز كوكاس

الاستياء ينتمي إلى جنس الأمراض الطويلة الأمد، إنه ذلك التوعك الصحي الذي يحسه كل من يتأمل الوجود بألم لذيذ..

الاستياء هو ما يمكن أن يصلح عنوانا لفصل كبير من رواية حياتي، افتقاد الإحساس بالوجود

كنعمة، ما يُسعد الآخرين يحزنني، منذ داومت التفكير في من أكون، وما الذي أصير عليه،

صرت أفتقد معنى للفرح خارج ألم التأمل في معنى الأشياء، الزمان، الموت..

أحيانا كثيرة لا يمكنك العثور علي في مكان أتواجد فيه باستمرار. وحدي على الرصيف

مثل باغية خانها العمر، ورفيق الدرب والزَّبون المحتمل.. مثل فكرة مهجورة من المعنى،

أحتسي كأس الفراغ وأنزع عن الهواء ما تناثر من لهب الكلام وظلال الحروف.

إن أكبر متمتع بلذة الحياة هو من يرفض أن يوجد فيها كشيء، حيث يتلقى العالم كجرح مثير للضجر، ويتعلم أصول قواعد فروسية دون كيشوت للدفاع عن نبل مختبئ في أحاسيسه وفي ظلال الأشياء .. أي تعبير يصلح للاستياء أقوى مما قاله المتنبي، حين أنشد قرآنه:

أي محلٍّ أرتقى … أي عظيمٍ أتقي
وكل ما خلق الله … وما لم يخلق
محتقر في همتي … كشعرة في مفرقي !

قلقي.. أناي لا آخر

عبد العزيز كوكاس

ثمة شخصان لا يملان من النظر لبعضهما البعض: أنا وقلقي.

22779 _n

حملة الأقلام عبيد السلطان

لقلقي شخصية غريبة وعجيبة، فهو دائما معتد بذاته، يأتيني متعجرفا، مزهوا بكبريائه..

ويسعى باستمرار لمحاولة إقناعي بأنه ليس شخصية مستقلة عني، فأناه هو.. هو أناي أنا!

لقلقي جسارة ملحوظة في التدليل على أنه ليس آخر، لكي يحافظ على المسافة الضرورية بين هويتين: أنا جسدا وروحا وهو كحالة كئيبة تقع بين السحر والسيكولوجيا، وأنه له مدة محددة لانتهاء الصلاحية حيث يهزمه مرح جميل يلمس نبض القلب وفكرة هيفاء في الدماغ..

قلقي لا يكف عن الاعتداد بذاته، وأن لي شرف أن أكون أناه الأخرى، لأن القلق – بحسب تعبيره- صديق الشعراء، خل العشاق، صنو المغامرين ورفيق المبدعين وظل الأنبياء، وأن جذوره نبيلة لا علاقة لها بفصيلة الدم المنحط أو المختلط.

أنا بحجم ما أراه

عبد العزيز كوكاس

10277779_596820567080712_9190830656377044414_n

ذوبان

أرى موتي مثل حبل قصير للمشنقة

كيف سأعبر عن ذلك؟ ذاك هو ما ينقصني، سيقال عني:

كان هنا ودخل في ال »ليس »، خلا منه المكان، كف عن الوجود، انتهى منه الوقت، وتعطل منه الكون، وبلغة مجازية: لقد جف مجراه الخاص..

أحس بنوع من نوستالجيا الوجود أني غبت في أقاصي غير شهية، ما عاد منها الراحلون ليحدثوننا عن الهناك.. دخلت دائرة العماء، أصبحت منفيا عن الوجود، عدما محضا،

أنا أصبحت « اللا أنا »، لم أعد « أنا »، هباء وزوالا أضحيت.

لا قبر يتسع للزعيم

عبد العزيز كوكاس

نادراً ما مات الديكتاتور على سرير نومه بشكل هادئ وبدون زوابع، فموت الطاغية مستفز، استثنائي، فرجوي، ميلودرامي، مليء بالإثارة.. يموت الحاكم المستبد وتتناسل حكايات وأساطير تنمو مثل كرة ثلج حول شكل موته الغريب والوحشي.. ولأن الطغاة دهاة حتى في موتهم فإن الأحياء يستمرون في القلق من جثثهم التي لا يتسع لها قبر.

تشكيل

تشكيل

جثة الطاغية ذات مكر خاص، تظل مصدر خطر داهم بالنسبة للأحياء.. حتى الثوار منهم لا يثقون بنصرهم إلا بعد إحراق جثته وذرها في البحر، أو إخفاء معالمها عن عامة الناس، هكذا هم الطغاة يحيروننا لما يحكموننا، ويحيروننا لما نقتلهم ويموتون.

في ذكرى ياسر عرفات.. حين يتوقف تاريخ أمة على نبض قلب رجل

عبد العزيز كوكاس

لم يختلف الفلسطينيون على قائد مثل ما اختلفوا حول ياسر عرفات ولم يتفق الفلسطينيون على رجل مثلما اتفقوا حول « أبو عمار »، رجل يبدو كما لو أنه قد من حديد، بين الرصاصة والأخرى ينحني قيلا، ثم يصعد مثل شجر السنديان.

ياسر عرفات

ياسر عرفات

ظل ياسر عرفات منذ نشأته في القاهرة إلى امتطائه الطائرة في اتجاه سرير بارد بباريس شاهدا على قرن بكامله، بمعجزاته وخياناته لشعب يطالب بأرض يرى عليها ظله.

 

برغم « تخلفه » الدراسي في مجال الهندسة، تخصصه الذي قاده إلى أن يكون رئيسا لاتحاد الطلبة الفلسطينيين سنة 1952، كان محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسني، مهندسا استراتيجيا لمسار الجرح الفلسطيني، ورغم أقمطة الحرير التي احتضنت الطفل ياسر عرفات في حي أرستوقراطي بشارع أمبان بالقاهرة، فإنه اختار الانتماء إلى منطقة الجرح، هكذا في 1952، وهو في منتصف عقده الثالث، جذبه بريق الإخوان المسلمين، وفيما يشبه حادثة سير في منعطف التاريخ، وجد عرفات نفسه إلى جانب خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) يضعون اليد على الجمر، ويطلقون الشرارة الأولى لحركة فتح.. ولأن الفلسطيني ظل وليمة للعديد من الأنظمة العربية، فقد كان عرفات في وضع الرجل الصبور الذي لا يستعجل التاريخ، لذلك سماه المقربون ب « ياسر » لأنه لم يجد صعوبة في امتطاء كل صعب.. من رام الله إلى غزة، ومن جرح فلسطين إلى قلبه.. من فلسطين إلى الأردن، ومن عمان إلى بيروت، تمتد الطريق إلى المنافي.. حيث ظل عرفات يحمل الحقيقة التي تحمله من ميناء إلى ميناء، من مطار إلى مطار بحثا عن وطن ظل يسرق من شعبه بالتقسيط المريح، وتحت حماية الأنظمة العربية، أتذكر بعد الرحيل عن بيروت نحو تونس سأله صحفي: « والآن إلى أين؟ » فأجاب بحكمة رزينة: « الآن إلى القدس » معشوقته المسلوبة.

لم يكن يحتاج طوال مساره إلى بوصلة حتى حينما وضعوا أمامه خريطة الطريق، لأنه كان يحمل القضية في قلبه، رافعا بيد بندقية وبالأخرى غصن زيتون وحمامة.. من مذبحة أيلول الأسود سنة 1970، حيث تم اغتيال الحركة الفدائية بأرض عربية إلى حصار إسرائيل لبيروت في 1982، كان يربي تربة فلسطين بيديه، قاد العاصفة على رصيف الحلم نحو الشهادة، ووجد نفسه في كماشة ما بعد حرب الخليج الأولى مضطرا لمصافحة إسحاق رابين بواشنطن في شتنبر 1993… لينقلب عليه الإخوان قبل الأعداء، ويحس إلى أي درجة أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند.

ظل القائد أبو عمار يمشي على أسلاك كهربائية عالية الضغط من أجل فسحة في الأرض فوجد نفسه يقضي بقية من العمر في غرفة محاصرا بدبابات إسرائيلية تزرع الموت من حوله، وما استكان، بل صرخ بوجع أيوبي: « يريدونني أسيرا أو شريدا أو قتيلا وأنا أقول لهم: سأكون شهيدا، شهيدا، شهيدا »… إذ ليس للمستلبة حريته سوى قيوده.

ظل يمد يده من أجل السلام، قبل أن تصاب بالارتعاش، وفي لغز تاريخي شائك، تساوت الضحية  والجلاد، وسارا وحيدين نحو مائدة التفاوض، واقتسم الشهيد والقاتل جائزة نوبل للسلام، في دجنبر 1994 بين ياسر عرفات وإسحاق رابين وشمعون بيريز.

ليرقد  في الأخير فيما يشبه لغز الحياة بمستشفى بفرنسا، التي ساعدته على إنقاذه من أنياب الموت سنة 1982 صحبة بيروت، في الكثير من الانعراجات كان يتوقف على نبضات قلبه مسار تاريخ شعب برمته.. حين وجد ياسر عرفات نفسه وجها لوجه مع قرار أممي بحجم قرار 181، أعلن في الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية، ومهد الطريق نحو أوسلو وهو يرى رفاق الدرب يسقطون تباعا بخطط الموساد ويرى بحسرة خروج 400 ألف فلسطيني غضبا من الكويت بسبب دعم صدام حسين الذي أصبح مدعم للانتفاضة، حينها بدأ يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام وبالاعتراف المتبادل باجتراحات اللحظة القاسية في ظل السواد العربي المنكفئ على هشاشاته الصغرى، لقد كان حقيقة يؤمن بالسلام، وحدها إسرائيل كانت تعرف أن الرجل الذي خبر دهاليز السياسة الإسرائيلية في مفترق الأزمنة، لن يضع أوزار الحرب حتى وهو مكبل داخل « قصره ». ولم تستطع المغامرة باقتحام  هوليودي لمقر إقامته، لأنها كانت تؤمن بامتلاك الرجل قدرة سحرية على النجاة من الموت وتتذكر جيدا كيف تسلل إلى بيروت إلى جانب مقاتليه، وكيف سقطت طائرته في صحراء ليبيا وظل وحده حيا على قيد الجمر. مثل طائر الفينق كان ياسر عرفات يستيقظ بين الأنقاض أكثر تجددا وصمودا.

وحتى حين كان ممددا على سرير الموت الذي لم يختره بعناية فائقة،  ظل يحلم بشرف التتويج حين قال للشرق الأوسط: « أنا مستعد لأن أكون نلسون مانديلا، أنا موافق، لكن بعد قيام دولة فلسطينية أتولى رئاستها في البداية ثم أتركها بعد ذلك للآخرين ». ومات وفي نفسه شيء من رائحة القدس التي لا زال صوت فيروز طريا يتردد في الآذان مبشرا بوعد الصلاة في القدس.

Navigation des articles