الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

فشلنا الكروي ليس خيبتنا الوحيدة: بدل نصب المشانق للاعبين، حاكموا ثقافة ومجتمعا يصنع الهزيمة والإحباط

« العيب ما شي فاللي تيزرع فالسطح، العيب في اللي تيخمس عليه » مثل مغربي

عبد العزيز كوكاس*

الفكر المأزوم ينتج فكر الأزمة حيث تغدو الهزيمة فكرا وثقافة لها صناع ومنتجون.. معلمون ومتعلمون كما في الحرف التقليدية، ولها جمهور ومتلقون يستلذون جلد الذات والتنفيس عن الكرب المتراكمة هنا وهناك والإحباطات المغيبة قسرا في جوانب معتمة من الذات الفردية والجماعية، وأشكال الاحتماء من غارات الآخر، المتفوق، الغاشم، الكاسح..

سيتبارى المحللون المختصون للحديث عن فشل التدبير الرياضي بالمغرب وتعثر إستراتيجية الجامعة وسيحاول السياسيون شحذ أسلحتهم في الجلدة الساحرة بالحديث عن الفساد الرياضي بالمملكة، لكن النظرة التجزيئية لما حدث للفريق الوطني لكرة القدم في « كان » مصر الأخير، تجعلنا دوما قصيري النظر، حين يأتي الانتصار – الذي أصبح استثناء- ننتشي ونرفع المنتصرين إلى سماوات بعيدة حد الأسطرة، وحين نستفيق على الهزيمة، نُنزل الفريق الوطني إلى الدرك الأسفل، وننصب المشانق للاعبين أجمعين بمن فيهم لاعبو الاحتياط والحكم والمدرب والمساعد التقني ومدير الفريق ورئيس الجامعة والوزير و… هذا إذا كنا « عقلانيين » أكثر، إذا لم نرجع هزيمتنا للحظ الذي لم يحالفنا و »التقواس » و »الزهر » كما قال وزير الرياضة..

فقد تابعنا تعليقات المحللين والمعلقين حول أسباب نكسة المنتخب وصدمة المغاربة، وردود أفعال الجمهور في مواقع التواصل الاجتماعي، فأحسست كما لو أننا نؤمن أن الهزيمة شأننا الخاص، قدر جماعي لا يخطئنا أينما حللنا، لذلك فبعد التشجيع والإطراء على مستوى الظهور الجيد للأسود والاحتفاء الجماعي بالمنتخب الوطني وبرموزه، وبالثعلب رونار الذي تجاوز لأول مرة عقدة جنوب إفريقيا، تحولنا بمائة وثمانين درجة إلى معانقة وضعنا المقهور كما لو كنا في نزهة حلم قصير حين انتصرنا، وتعكس تعليقات وسائط الاتصال الاجتماعي هذا البعد: « الكأس الوحيد اللي تيصدق للمغربي هو كاس أتاي »، وصورة تبرز فريق بنين بتعليق « بنين » إشارة إلى الفحولة والرجولة والفاعلية مقابل الفريق المغربي « بنات » إشارة إلى المفعولية والاغتصاب والضعف، والأغنية التي يبدو أنها سابقة على حدث الهزيمة خرجت إلى الوجود فجأة: « الطيارة تتسنّا فيكم رجعوا بكري كيف ديما، حسن ما ترجعوا فالزحام ».

ولأن الانتصار له ألف أب فيما الهزيمة يتيمة لا أب لها.. لأن لا أحد منا تعلم الجرأة على تحمل مسؤولية الفشل، فإن التحليل والنقد ذاته هو جزء من النفسية العامة التي تحكمنا كمغاربة في كافة المجالات.. ويزداد هذا البعد حدة كلما تعلق الأمر بعلاقتنا بالآخر، حيث الانتصار حلم لا تدوم حبرته سوى لحظة من الزمن ثم يذوب مثل قطعة سكر.. لنعود لامتصاص حنظل الهزيمة، ليس في اللعب الرياضي فقط بل في الحياة العامة.. في الانتقال الديقراطي ودولة المؤسسات وفي التعليم والقضاء على الفقر وفي الدبلوماسية الخارجية…

لماذا لا ننظر إلى الأبعد؟ لماذا لا نجرب زوايا بعيدة للنظر؟

فالكرة والرياضة المغربية عامة هي جزء من تراكم الخيبات والانكسارات التي نتعايش معها في تفاصيل حياتنا اليومية.. من السياسة إلى المجتمع والثقافة وباقي مناحي الحياة، لاعبونا في المنتخب الوطني هم جزء من جلدتنا حتى ولو كبر معظمهم في بلاد الإفرنج، متشبعون بروحنا العميقة وثقافتنا التقليدية ونظم قيمنا السابقة على وجودنا، فنحن كمغاربة يحكمنا فكر القبيلة القادم من أعماق التاريخ، والذي ورثنا العيش في الرعب الناشئ عن التهديد الدائم لإغارة القبائل القوية والخوف المستمر من الوقوع تحت سطوتها الفتاكة وما ينتج عن ذلك من استعباد وعسف واغتصاب وإذلال… وبحكم خضوعنا للأقوى حتى داخل القبيلة للأسياد الذين يزرعون فينا اليأس من قدرتنا على الانتصار والتحرر من مشاعر الدونية والإحساس الدائم بالقهر، والرعب الذي يعشعش في نفوسنا من الآخر المتسلط.. من هنا ضعف مقاومتنا وعدم نهضتنا من كل سقطة.. محكومون في عمقنا النفسي وتكويننا الثقافي بهذا المخزون القبلي التاريخي.. بالاستكانة والمهانة والخوف من الآخر القوي الغاصب وغياب الجرأة وروح الإقدام والشجاعة والاندفاع، ما نراه اليوم له أساس في التاريخ العميق للمغرب لتراكم الخيبات والانكسارات، فأصبحنا ميالين لسيكولوجية الإخفاق مستسلمين للفشل..

لا يمكن أن نفصل اللاعب عن السياسي وعن المجتمع الذي تسوده ثقافة لا تكرس المبادرة والجرأة والشجاعة والثقة في الذات.. لقد حضرت مؤتمرات عربية وغربية كانت تُطرح فيها قضايا سياسية ساخنة، وحضرت ندوات دولية تجعلنا نحتك مباشرة مع الأعداء، وكنت ألمس في السياسيين المغاربة غياب الجرأة والإصابة بالشلل التام وقوة الانفعال والارتباك الذي يضيع عليهم فرصة الإقناع والانتصار، وفي قضايا صغيرة يبدو سياسيون مغاربة وازنون في حاجة إلى من يدفع بهم، إلى من يعطيهم الضوء الأخضر ليستعيدوا الثقة في أنفسهم، يفتقدون للمبادرة وحرية اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية نتائجه بجرأة.. هناك نوع من « بلوكاج » الإبداع والمبادرة والمغامرة.. أمة بكاملها تنهزم في لحظة لأتفه الأسباب وأمام خصوم فارغين أو متواضعين جدا..

مقابل هذه الخيبات العميقة والانكسارات المتجذرة في وجداننا، لدينا ردة فعل نرجسية للتغطية على ضعفنا، بالحديث عن كوننا استثناء والمغاربة « واعرين » و »ما يقَد عليهم غير الله ».. فيما يشبه التغطية على الجرح النرجسي الملازم لنا وتوفير سور وهمي للاحتماء، فشلنا في الانتقال إلى الديمقراطية وأضعنا فرصا تاريخية ذهبية نحو وضع أفضل، ونعيش الشيء ونقيضه، النفسية المنهزمة هي مقدمة للفشل في كل شيء، ما نراه في أحزابنا وفي مشهدنا السياسي العام وفي قلب التعليم والصحة… هو جزء من هذه الخيبات التي تسكننا ولا نملك الشجاعة على تسميتها.. ولا تفكروا في عويطة ونوال المتوكل والكروج وأسماء مثل التيمومي وفرس والظلمي.. إنهم أشبه ببيضة الديك.

ملحوظة*

-أنقل هنا خلاصة نقاش تلقائي جمعني رفقة الصديقين الدكتور محمد سبيلا والصحافي عبد الكبير العلوي الإسماعيلي مدير منشورات الزمن على إثر هزيمة المنتخب الوطني بمصر.. وإذا كان لي فيه من فضل فهو صياغته ومشاركة القراء ما دار في جلسة خاصة، أما ما في المقال من هنات محتملة فأتحمل مسؤوليتها لوحدي.

Publicités

مذكرات « أيام زمان » للصديق معنينو: من ذاكرة السلطة إلى سلطة الذاكرة

« في دفتر مذكراتك، تجد تلك المواقف التي مررت بها وتعتقد اليوم أنك قد لا تنجو منها لو حدثت، لكنك فعلت! بل وكتبتَ عنها.. إننا نزداد حكمة بتذكر أنفسنا في الماضي، وتذكر كل ما مررنا به وواجهناه بكل شجاعة ». فرانز كافكا 

عبد العزيز كوكاس

في مجموعته القصصية « الأم الكبيرة »، يقول غابرييل غارسيا مركيز: « الآن، حلت الساعة التي يستطيع المرء فيها أن يضع كرسيا لصق باب الشارع ويبدأ من البداية سرد تفاصيل هذا الحدث القومي الجليل قبل أن يتسع وقت المؤرخين للحضور »، لعل هذا ما فعله الصحافي الصديق معنينو في مذكراته « أيام زمان » التي صدر منها حتى اليوم خمسة أجزاء منذ عام 2014، بمعدل إصدار في السنة.

يؤكد الكاتب منذ البدء أنه صحافي وليس مؤرخا.. يكتب ذاته من خلال ما عاشه من أحداث ووقائع في مشواره المهني في انتظار أن يصل المؤرخون، الذين عادة ما يصلون متأخرين، إذا جاؤوا كما تقول المغنية « تريسي تشابمن » عن الشرطة.. إنه وفيّ إذن لميثاق تعاقدي يشيده منذ البدء مع قرائه، فجنس المذكرات برغم أنه يقدم نفسه كنوع من أنواع الكتابة التاريخية ترتبط بوقائع وأحداث أمة مرصودة من ذات فاعل في قلب أحداثها فإنه وثيق الصلة بالسيرة الذاتية، من حيث استعمال ضمير المتكلم المفرد، وزاوية السارد/ المؤلف في وصف الأحداث وتعليلها، وبخاصة تلك التي لعب فيها كاتب المذكرات دورا أو تلك التي عايشها وكان في قلب طاحونتها أو شهدها أو سمعها من قريب، لذا تقع مذكرات « أيام زمان » في المنزلة بين المنزلتين تنهج موضوعية التاريخ بحيث أن الأحداث المروية عنها ترتبط بمسار أمة ووقائع عاشها جيل بكامله ولا زال بعض صناعها أو شهودها أحياء حتى اليوم، وتتكئ على ذاتية جنس السيرة الذاتية، لأن المؤلف غير محايد فيما يحكي.. ألم يُقل إن الصحافي هو الذي يكتب المسودة الأولى للتاريخ؟ وعلينا أن نكتشف مع مرور الزمن تلك الحدود الدقيقة بين المؤرخ والصحافي والكاتب السير ذاتي في مذكرات الصديق معنينو، الذي يعي هذه الفخاخ، فقد صرح قائلا: « لابد من التوضيح أنني كنت صحافيا في الإذاعة والتلفزة الوطنية، ومن خلال عملي هذا كنت قريبا من الملك الحسن الثاني، كي لا يفهم قراؤكم الأعزاء أني كنت أعلم أسرار الملك الراحل وأتكلم معه في كل حين، إن عملي المهني فرض أن أكون قريبا مرات عديدة من حيث المسافة من الملك الراحل.. لكن يفرض علينا التاريخ أحيانا ونحن بعيدين عن الحدث أن نتأمل اليوم الوقائع بعين أكثر حيادية ». (انظر حوار مع المؤلف عدد 782 من أسبوعية « الأيام » 23 نونبر 2017)

Maaninnou1

المغاربة يستعيدون تاريخهم المسروق عبر مذكرات الشهود

في بلد لم يتمرن على تطويع ذاكرته، وحيث لا زالت تتفشى الأمية القرائية والذاكرة الشفوية، في بلد يرحل زعماؤه وقياديوه ونخبه الفاعلة بصمت مع جزء من ذاكرة أمة، تعتبر كتابة الذاكرة مختبرا تجريبيا مفتوحا وجرأة أدبية استثنائية.. أمامنا مادة طرية، دمها على خدها لا تبعد كثيرا عن السياق الزمني الذي أطّر حدوث وقائعها.. لقد أنقذ الصديق معنينو إلى جانب السياسيين والإعلاميين الذين كتبوا مذكراتهم- على قلتهم- في هذه الفترة بالذات التي تميزت بزخم الذاكرة المغربية، (أخص بالذكر منها مصطفى العلوي « مذكرات صحافي وثلاثة ملوك »، الإذاعي محمد بن ددوش « حياتي وراء الميكروفون »، طلحة جبريل « صحافة تأكل أبناءها »، وعبد الله الستوكي في سلسلة حوارات حول مذكراته، وأستثني مذكرات أخرى كتبها صحافيون حول مسارهم المهني الشخصي أساسا دون أن يكونوا في قلب صناعة القرار…)، لقد أنقذوا الكثير من الأحداث التي بدونهم لبقيت غفلا منسيا.. ولذلك يُعزى لهم الفضل- في سياق سعي المغاربة إلى استعادة ذاكرتهم الذين أحسوا كما لو أنها سرقت منهم- في تقييد الذاكرة التي تعتبر قنصا فيما الكتابة قيدا وتسجيلا.. عقلا واعتقالا لما يطير قبل أن نتوكل على المؤرخين.

محمد الصديق معنينو أكثر من صحافي أو مجرد كاتب عام لوزارة الاتصال، لقد ظل لعقود طويلة في قلب الحدث الإعلامي والسياسي بالمغرب، مقربا من مراكز القرار، مقترحا ومنفذا وقريبا من الحدث الذي تجري تفاصيله أمام مرأى عينيه .. ومذكراته استثناء جميل، وفريد في بابه، لأنه قارب وقائع وأحداث ملتهبة كانت تدور في كواليس صناعة السياسة الكبرى بالمغرب، وكان يصعب الاقتراب منها أو الكتابة حولها، وتحدث عن شخوص وازنين ظلوا مسوّرين بهالة من القداسة وهيلمان السلطة، من هنا فقوة مذكرات « مغرب زمان » قادمة من حجم المعلومات التي أوردها الكاتب والوقائع التي تمتد حتى الآن على مساحة أربعة عقود، والبعد التوثيقي للعديد من المؤثثات الخلفية الكامنة وراء صناعة حدث أو في مسار شخص فاعل في الأحداث.. لذلك فإن شهادة معنينو تكتسي أهمية قصوى في لملمة الوقائع والأحداث من زوايا متعددة للاقتراب من حقيقة ما حدث ولفهم وقائع الماضي لتفسير العديد مما يحدث بيننا اليوم.. فالفائدة الأساسية للتاريخ ليست الغوص في الماضي فقط بل فهم الحاضر أيضا.

معنينو وريث سلالة باذخة في كتابة المذكرات

وقد ورث الصديق معنينو كتابة المذكرات وتشرّب بها، من خلال المخزون الكتابي الذي يجري في دمه، فوالدّه الحاج أحمد معنينو وثق ما عاينه كمناضل في حزب الشورى والاستقلال منذ الاستعمار حتى مرحلة بناء الاستقلال في كتابه « ذكريات ومذكرات »، والبيت الذي تربى ونشأ فيه كانت تتداول فيه مذكرات الزعيم الشوري محمد بلحسن الوزاني « حياة وجهاد »، حتى ليمكن اعتبار « مغرب زمان » تتمة لما كان قد خطه والده وبلحسن الوزاني في مسار التاريخ المغربي المعاصر من زاوية أخرى وبجرأة أكبر.. على اعتبار أنه مس مواضيع لم يعتد المغاربة الخوض فيها.

اختار الصديق معنينو التأليف العشري وتصنيف الوقائع حسب العقد أو نصفه حسب كثافة الأحداث، كما وقع في الجزأين الرابع والخامس من سلسلة « أيام زمان »، وما علينا إلا أن نحترم هذا التعاقد القرائي مع مؤلفاته.. يقول في ص13 من « السنوات العجاف »: « بين يديك الآن الجزء الرابع، من ذكريات « أيام زمان » يحكي عن عشرية واصلت فيها بلادنا مواجهة الكثير من المشاكل والمشاق، أبانت عن صعوبات اقتصادية واجتماعية وسياسية وحقوقية.. خلال هذه الفترة، تأثرت الباخرة المغربية من عواصف متتابعة وأمواج عاتية، ومصير غير واضح الأفق ».

من ذاكرة السلطة إلى سلطة الذاكرة

قدرت له كفاءته المهنية، أن يكون الصديق معنينو في حضرة السلطان الأعظم، يتعلق الأمر بالحسن الثاني تحديدا، حيث أدنى خطأ يمكن أن يكلفك الكثير، تلك « الغضبة المضرية » كما يسميها الكاتب التي لا تبقي ولا تذر.. الرهبة التي كان يعيشها الإعلامي معنينو في حضرة السلطان أثناء تصوير الأنشطة الملكية التي كان مكلفا بالإشراف عليها، استمرت رغم موت الحسن الثاني، إنه الآن متحرر من أي مسؤولية رسمية إلا رهبة السلطان، أقصد سلطان الحقيقة.. لكن هل قال معنينو حقا كل شيء؟

يجب أن نتسم بالكثير من السذاجة لنعتقد ذلك، بل إن المؤلف نفسه يخلصنا من عقدة ذنب هذا السؤال من خلال حواراته، خاصة فيما يرتبط بالأحداث التي لا زال تأثيرها مستمرا حتى زمن الكتابة، والأسرار الكبرى التي هي جزء من وجود الدولة واستمرارها، لكن لمعنينو مكر خاص في التسلل من ضغط الرقابة، حيث نلمس في بعض صفحات « أيام زمان » ما يمكن أن أسميه « إكراهات البوح » أو « سلطة الحجب »، إذ في الكثير من الأحيان يعرف معنينو كيف يقفز فوق الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، أو الوقائع التي تكثر فيها التأويلات وتعدد وجهات النظر، يستعين بتقنية السؤال- الذي يعرف إجابته- لينجو من فخاخ ذاكرة السلطة لمنح حرية أكبر لسلطة الذاكرة، أو عبر عدم الجزم بشيء يعرف جوابه حق المعرفة ويورد روايات متعددة لذات الحدث، وهو ما يعطي الواقعة أو الحدث المحكي عنه، زوايا متعددة للنظر كما لو أن لديه كاميرات متعددة.. كل واحدة ترصد الشخص أو الواقعة أو المكان من زوايا متعددة.

المذكرات بين جاذبية « نرجسية » الذات وموضوعية سرد الوقائع

في المذكرات دوما لدينا مشكل جاذبية تضخم الأنا، تلك النرجسية الغارقة في تمجيد الذات وإبراز البطولة مقابل طمس وقائع لا تخدم السارد في المذكرات أو حجب بعظها مما يستحيل البوح به، لأننا لسنا في بلد « اعترافات » روسو أو ديمقراطية التوزيع العادل للمعلومات، خاصة حين يكون منبع الأخبار والوقائع مرتبطا برأس الدولة، وأيضا لأننا مجتمع غير شفاف تسوده عقلية المطمورة و »سرك فبير »، كيف استطاع الكاتب تجاوز كل هذه الألغام؟

هذا سؤال.. المؤرخ وحده المؤهل لتقديم أجوبة شافية عنه، كما أن تعدد المذكرات وكثرتها من أشخاص كانوا قريبين من الأحداث التي تناولتها « أيام زمان »، ستظهر الخيط الأبيض من الأسود، ولكن في تقديري ليس للصديق معنينو عقدة مع ماضيه المهني ولا تاريخه الشخصي، فلا تمجيد ولا انتقام في المذكرات، لا تصفية حسابات مع الوقائع ولا مع الأشخاص، ويمكن اختبار ذلك في فصل حساس من « خديم الملك »، في لحظة معاناة شخصية للكاتب في تماس الإعلامي مع السياسي/ السلطوي بشكل أدق.. وإذا كانت الصحافية الأمريكية « جون ديديون » ترى أن « أولئك الذين يحرصون على تدوين مذكّراتهم هم من سلالة مختلفة؛ مقاومون وعاكفون على إعادة ترتيب الأمور، متذمرون، قلقون من الخسارة منذ الولادة »، فإن ما ظل يؤرق الصديق معنينو هو ضمان كيف يحيى الحدث مرتين: مرة كما وقع في زمن حدوثه في سياق ثقافي وسياسي مختلف، ومرة في المذكرات متأثرة بزمن الكتابة وأفقها وقصدية الكاتب وشروط الكتابة والممنوع والمباح في الكتابة وزمن التلقي، أو كما قالت تيري ويليامز: « هذه الكلمات التي دوّنتها بخط يدي في دفتر مذكّراتي أثبتت لي مراراً أنني عشتُ كل تجربة في حياتي مرتين: واحدة في العالم الحقيقي، وأخرى بين صفحات مذكّراتي »..

تبدو ذاكرة معنينو قوية، المعطيات مضبوطة بالتاريخ، الرسائل، قصاصات الجرائد، اليوم والساعة والشهر والسنة، الأحداث تحضر في كتبه الخمسة من سلسلة « أيام زمان »، بدمها ولحمها، ولكن الذاكرة ماكرة ولها ثقوب، وفي اعتقادي أن الصديق معنينو منذ وجد نفسه بالقرب من صناع القرار بالمغرب، إلى جانب الحسن الثاني وحاشيته، كان يعي أهمية ما يعايشه، ولذلك أخال أنه كان يدون منذ الستينيات ما يمر به من وقائع ويسجل رؤوس أقلام العديد من الأحداث ذات شأن، لذلك ظلت وقائع مذكراته حية ولم تغرق تفاصيلها في ضباب النسيان.. من هنا الحس الزمني للمؤرخ في مذكرات معنينو.
نؤاخي في مذكرات « أيام زمان » كتابة ذات أخلاق عالية تهمها الوقائع والأحداث أكثر من النبش في تاريخ الأشخاص والتقاط هنّاتهم وزلاّتهم المحض إنسانية، فلذلك لا يورد في سرده أسماء الأشخاص ممن كانوا في موقف ضعف، ويتحدث عن صفات تقريبية لا تعيينية مثل زعيم حزبي من المعارضة أو أحد الوزراء الذين مروا بالإعلام..

أسلوب « مغرب زمان » بين المفيد والممتع

يكتب الصديق معنينو بأسلوب ممتع، سرد سلس، إنه صحافي متمكن من لغة باذخة، تجربته المهنية حاضرة بقوة، في مذكرات « أيام زمان » بأجزائها الخمس هناك قصة تروى، زمن ومكان ينظم الحكي وفق مسار محدد، وشخوص يصنعون الحدث وهو قريب من فرنه الداخلي، ما يميز مذكرات الصديق معنينو « أيام زمان » بالإضافة إلى ما ترويه من أحداث مهمة جدا، هو لغتها، فالرجل متمكن من لغة أدبية رصينة، برغم كونه إعلاميا يتقصد الإفهام والإقناع، فإنه يتكئ على المجازات والاستعارات لتوصيف ما رأى وما سمع، يمكن الوقوف على ذلك من خلال عناوين مذكراته ذاتها: « السنوات العجاف »، « معركة الوجود »، « خديم الملك »، « الفتح المبين ».. لغة ذات منشأ إعلامي رصين، مسنودة بمقروء أدبي رفيع، تفيد وتمتع، ترصد الوقائع وتصورها بأسلوب لغوي، يحول خطية اللغة إلى صورة مرئية ومسموعة.. لقد أفادته خبرته في التصوير التلفزي ورصد المشاهد بدقة حتى وهو يكتب نحس كما لو أنه يحرك كاميرات عديدة، يبدو الحدث أو الفاعل في الواقعة منظورا إليه من زوايا مختلفة..

 

علال الفاسي.. السياسي الذي اختزل مسار أمة أوجعتها أحلامها في التحرر

عبد العزيز كوكاس
سيذكرني قومي إذا جدّ جِدّهم فالبدر يُفتقد في الليلة الظلماء
أبو فراس الحمداني
لم يكن علال الفاسي زعيماً سياسيا بالأفق المحدود للجماعة الحزبية، بل كان رمزاً لجيل، ووشماً بارزاً على جسد مرحلة بكاملها، في تأمل مسار حياته، مواقفه، كتبه.. كان لوحده أمة في رجل، منذ حداثة سنه اجتمع فيه ما تفرَّق في عظماء جيله، روح السلفية الوطنية، ظلال العلم الوارفة، عمق الأصول الثقافية، انفتاح واسع على الأفكار الجديدة القادمة رياحها من الشرق والغرب، خيال سياسي واسع، وهو ما سمح له بأن يكون أحد العلامات المضيئة في مغربنا المعاصر، كسياسي استراتيجي، وكرجل دين متنور، وكشاعر وطني، ومثقف يضع نعيم النظرية في جحيم اختبار الممارسة.. كان علال الفاسي فقيها، ولعل الكثيرين من خصومه كانوا ينظرون لخِرّيج القرويين من خلال هذا اللقب كرجل تقليدي محافظ، حين كان بريق النظريات العلمانية والشيوعية يلمع، قبل أن يُتبين أنها ليست ذهباً، وعلينا اليوم، في زمن هَجْمة الفكر الوهابي وعودة التحجُّر للعقل الفقهي، أن نستشعر حجم الخسارة لمفكر من حجم علال الفاسي، لقد كان بمثابة السور الواقي لتسرُّب الأصوليات غير المالكية لتربة الفقه المغربي، وشكل عمق تكوينه الديني واجتهاداته الواسعة في القضايا الفقهية المستحدثة، نبراسا للفكر الديني بالمغرب..

alal lfassi

لقد افتقدنا بموته منارة كبرى للاجتهاد الفكري، ولروح عالم الدين المنفتح على أسئلة عصره بأفق حداثي ينسجم مع جوهر الدين، لذلك لم ير الأحزاب بدعة، والدستور شِرْكا والديمقراطية كفراً وكان يستشهد دوماً بقول ابن قيم الجوزيه: »إن إمارات العدل إذا ظهرت بأي طريق كان، فهناك شرع الله ودينه، والله تعالى أحكم من أن يخص طرق العدل بشيء ينفي ما هو أظهر منه وأَبْين ». مضت اليوم 46 سنة على رحيل الزعيم علال الفاسي.. نحس معها حجم اتساع دائرة الفقد حين نعود إلى واقع الحال، وإلى هجمة فقهاء من الدرجة الرابعة والخامسة إلى مواقع الإفتاء والقرار في الأمن الروحي للمغاربة… كان نضج فكره أكبر من سن مرحلة سياسية بكاملها، من كتابه النظري « النقد الذاتي » إلى « مقاصد الشريعة »،ومن الحركات الاستقلالية في المغرب العربي » إلى « عقيدة وجهاد »… نشعر بأن علال حي فينا، لأنه كان يمتلك أعين زرقاء اليمامة على عصر كان يعرف أنه لن يعيشه، وعاش أسئلتنا بقلق من يتوقع ما على السطح قبل أن يتجاوز عتبة الدرج الأول من السلم. وها نحن بعد 46 سنة على موته نحس بيتم أبنائه الذين خرجوا من الصلب والترائب، وبفقر زعماء من ورق ينتشرون بيننا كالفُطر على واجهة الفِتْرينات السياسية.. في النقد الذاتي نحس بعلال المفكر الحر الذي يزن الفكرة بمثقال من ذهب، وفي التعادلية يُطوِّع الفكر الوافد على الإيديولوجية التي سطر عناوينها الأساسية ونادراً ما تتجمع في ذات واحدة نزاهة الفكر وبراغماتية السياسة. كان الراحل علال الفاسي سياسيا استراتيجيا ويمكن اعتباره إلى جانب الراحل عبد الرحيم بوعبيد، الكائن السياسي الذي يفكر ويمارس كرجل دولة وليس كزعيم حزب سياسي، كان يضع أسئلة الأمة المغربية فوق أسئلة الحركة السياسية التي كان أحد صناعها لذلك كان ميالا لفن الممكن على خلاف مجايليه، فآمن بالدستور كمدخل للحياة الديمقراطية. لم يكن النموذج الديمقراطي الذي يحلم به علال هو دستور 1962، لكن رأى فيه مدخلا أساسيا للعمل في ظل المؤسسات التي يحكمها القانون على علاته بدل ترك الهوى لِغُول الحكم الفردي الاستبدادي، لذلك طاف أطراف المغرب ينبه المواطن المغربي ليمارس حقه الدستوري.. لم يكن هاجس علال الفاسي جمع الثروة في مغرب الفراغ حيث كان يمكن أن يتربع على كنوز من ذهب، وفي خضم أحلام الثروات التي دوّخت العديد من مجايليه، كان يبدو محافظا وبنظر خصومه رجعيا لكنها رجعية خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين مُتَوَثِّبتين إلى الأمام.. لأنه كان أكثر وعياً من محمد بلحسن الوزاني المندفع وبن بركة الثائر والفقيه البصري المتمرد بحدود ممكنات الواقع، ورأى، ربما بتأثير من الإصلاحي محمد عبده والثائر عبد الرحمان الكواكبي والمصلح شكيب أرسلان، أن الجهل والأمية هما أكبر عوائق التغيير، لذلك أنشأ رحمه الله مدارس أبناء الشعب وجمعية بُناة الاستقلال التي كان وراءها المهندس خريج البولتكنيك محمد الدويري، لأنه آمن أنه طالما لم يفك قيد الجهل عن المغاربة.. فإن أي تحرر في المغرب يصبح مستحيل. هل مات علال الفاسي؟ علال قُمْ من مرقدك الأبدي، واشهر وجهك النوراني فينا لعلنا نصدق أنك مُتَّ وعلينا أن نتقبل كل هذا البؤس السياسي المخجل بكامل الحرية. أيها الشامخ مثل نخلة في واحات حقولنا، يا وردة نرثي فيها الزمن الجميل كلما أشاح بوجهه عنا امنحنا بعدا من نبوغك وحسك السياسي في زمن ربَّات الحجال وأشباه الرجال.. ما أحوجنا اليوم ليس لفكر علال الفاسي بالضرورة، ولكن لجرأة فكره وعمق تصوراته وبعد حدسه السياسي، نحن نعيش اليوم ظلمة السياسة وغياب المعنى في الممارسة السياسية حيث يسود الأدعياء وزعماء صندوق الوقيد. لم تعد النسور تعيش بشموخها في الأعالي بكبرياء الكبار، ولكن في السفوح الوضيعة مع الغربان. عش فينا يا علال لا لنمدحك ونزين صدرك بالنياشين، بل فقط لكي لا نفقد الأمل في أن على هذه الأرض مازال هناك شيء جميل يستحق أن نعيش من أجله. هل تكفي 46 سنة من النسيان لنتذكر عمقك، وبُعد بصيرتك؟ أومن بالخلف فقط لأني لست سلفيا مثلك، فدمت في أعز ما يمكن أن يحلم به امرئ في قلبنا وفي أعيننا منارة.

أرض أقل.. سماء أرحب

عبد العزيز كوكاس

téléchargement

على هذه الأرض ما يستحق الإبداع..

أرض أقل تكفي المبدع المصطفى غزلاني لينصب فوقها أحلامه، ذكرياته، خياله ومخلوقاته الإبداعية.. فالأرض ليست مجرد طوبوغرافيا هندسية أو مكان مسور بطول وعرض ومساحة، إنها هوية متجددة دوما قيد التشكل، قيمة إنسانية محملة بالرمزية اللامحدودة: التعدد الاجتماعي، التنوع والغنى، الوطن بأفقه المفتوح وكثافته التراثية والجمالية..

شيء من الأرض.. شيء قليل منها فقط يكفي المبدع المصطفى غزلاني ليتنسم هواء الحرية ويخصب بخياله موجوداته التي يخلقها بألم وأمل ثم يستريح..

الأرض معمار وتعمير، تدافع وجذب، خصوبة وجدب..

الأرض ذاكرة، خيال، حلم ممتد باعتباره مأوى الكائن البشري..

لا خواء هنا، لا عدم، لا سديم أولي.. القليل منها فقط يكفي، بياض يتسع لما في القلب من نبض الحياة، قطعة قماش، لوحة تتسع لبهجة الخطوط والألوان، قطعة من طين أو خشب أو صخر تحوي خيالات المبدع الذي يرتقي بالأشياء إلى رمزيات متعالية..

ولا أرض بلا سماء، بلا صراع بين الرموز، بلا هواء ولا نجوم وشمس وقمر، بلا عين أخرى تمنح المعنى للمنتوج الرمزي للمصطفى غزلاني، بذاكرتها الخصبة بآلامها وآمالها، بأفراحها وأتراحها، بانتصاراتها وانكساراتها..

إن اختيار المنظمين لعنوان « شيء من الأرض يكفي » لهذا اللقاء الذي نحتفي فيه بالمبدع المصطفى غزلاني، نابع أساسا من استكناه مسار الفنان ومنتوجه الرمزي، الذي توجد الأرض في قلب انشغالاته: شعرا، رواية وتشكيلا واهتماما نقديا، بخصوصية متميزة في المقاربة وتنوع مبهر في الأشكال التعبيرية والجمالية، وتعدد في اختيار أجناس أدبية  يُجري بينها المصطفى غزلاني حوارا يكسر الحدود، يُخصب الدلالات ويرفع الأسلاك الأجناسية بمهارة عالية..

إن المصطفى غزلاني كائن متعدد الأبعاد، من « خرائط الغيم »، « أشياء أخرى » إلى « بيضة الرماد » و »جراء » وباقي إبداعاته التشكيلية نلمح ذلك البعد الرؤيوي الذي عبره يصنع كائناته ورموزه من طين الأرض وصلصالها، وينفخ فيها من روحه.. الممكن، المختلف، المتحول والمتعدد… وهو ما يميز إبداعات المصطفى غزلاني الذي يغير أشكاله ويجري حوارا متواصلا مع إبداعاته بغاية التجاوز بالمعنى الكانطي للكلمة، بحثا عن صوته الخاص، بصمته الذاتية وعن مسكنه الوجودي على أرض الإبداع المتميز، حيث قليل من الأرض يكفيه، لأنه ينظر إلى الأرض عموديا لا أفقيا، هنا يجب الوقوف على الرهانات الإبداعية للمصطفى غزلاني، وإذا كانت الأرض حاضرة بقوة ليس فقط في منتوجاته التشكيلية المعروضة أو من خلال عناوين المعارض التي أقامها أو شارك فيها: « النشيد على الأرض »، أيتها الأرض أحسك » أو « يا الأرض أشعر بك »، « ولاء »، « الظل »، عنصر الأرض » أو من خلال مجموعة الأرض للفنون التشكيلية التي يعود له الفضل في تأسيسها.. بل أيضا في منتوجه الشعري والروائي على حد سواء حيث نلمس قوة حضور الطيني، ملمح التراب، ونشم رائحة الصلصال.. هنا نعثر على نواة البعد الرؤيوي الذي يشم الإبداع الزاخر للمصطفى غزلاني الذي يتجاوز الأصول القروية للمبدع والوفاء لتربة الأرض في صفائها وصيرورة فضاءاتها وحيوية كائناتها.. فالأرض هي ذلك المطلق الوجودي الذي يدركه الإنسان ويحسه، ولا غرابة أن تكون محاور الفلسفة الأولى هي الاهتمام بأصل الكون وعناصره الأولى: نارا، ترابا، ماء أو هواء، وأن تسعى الميثولوجيات القديمة إلى محاولة إدراك لغز الوجود الكوني.. وأن تكون الأسئلة الكبرى الموازية لهذا الاهتمام الجنيني بالأرض/ الكون/ الوجود… هي الوجود والعدم، المكان والزمان، الخلود والفناء، المادة والروح، الضرورة والاختيار أو الحتمية والاحتمال… فالوعي البشري الفلسفي والديني والجمالي هو انعكاس لصراع الإنسان على هذه الأرض و معه لغز هذا الكون، وسعي الإنسان/ المفكر/ المبدع لإدراك محيطه ويظل الخيال دليله للقبض على شساعة الوجود ومنح الأشياء معنى وقيمة.

هذا ما أكتشفه عميقا في إبداعات المصطفى غزلاني، هذا ما ألمسه بيداي، أشم رائحته وأتذوقه بعذوبة رائقة في منجزه الممتع والحمال أوجه.

كلمة ألقيت في اللقاء الاحتفائي بالمبدع المصطفى غزلاني بمناسبة معرض الكتاب بن سليمان- في 3 أبريل 2019

الإعلام الجديد يقود « الجماهير » لتحويل الشارع إلى ساحة للفعل ومسرح استعراضي للرموز

عبد العزيز كوكاس

في بداية القرن الماضي أطلق غوستاف لوبون صيحته الشهيرة « إننا ندخل عصر الجماهير »، وما حدث في بداية القرن الجاري لم يكن سوى تحقيق نبوءة المفكر الفرنسي، لنضع في الاعتبار أننا حين نتكلم عن الاحتجاجات في المغرب الكبير إنما نتكلم عن مجال جغرافي أكثر من وجود وحدة وتماثل في هذه الاحتجاجات التي اتخذت منحنيات ومسارات مغايرة، حسب كل دولة من تونس إلى ليبيا ومن الجزائر إلى موريطانيا أو المغرب، في إطار ما يمكن أن نسميه الهبّة الأولى للربيع العربي كما انطلقت مع ثورة الياسمين في تونس، إلى الحركات الاحتجاجية في موريطانيا بين 2011 و2018 حتى حركة 20 فبراير بالمغرب والمسارات الدرامية التي آلت إليها انتفاضات الليبيين ضد القذافي، أو مع الموجة الثانية للربيع العربي كما تجسدها بامتياز الاحتجاج المدني بالجزائر اليوم..

ثورة، انتفاضة، ربيع عربي، انقلاب، حركة، احتجاج.. قل لي كيف تسمي الأشياء، أقول لك من أنت، هل هذا الاضطراب في توصيف ما حدث في المنطقة المغاربية بداية القرن الجاري، مرده عجز اللغة الواصفة عن القبض على ما ينصهر من تفاعلات في فرن الواقع أم أن غموض ما يحدث وتشابكه وتمايزه عما اعتدنا العمل به كمفاهيم وتصورات، هو السبب في هذا الاضطراب المفهومي؟

أميل إلى اعتبار ما حدث في دول المغرب الكبير ولا زالت تفاعلاته قائمة، هو احتجاج اجتماعي زخم من حيث نوعية وكثافة المشاركين فيه واتساع رقعته والفئات الاجتماعية التي انخرطت في معمعانه، الأمر يتعلق في تقديري بفعل منظم جمع جماهير أو فئات اجتماعية أو عمرية نزلت إلى الشارع للتعبير عن نفسها وتبليغ رسالتها إلى من يهمه الأمر.. بغض النظر عن الاتجاهات التي انتهت إليها أو مسارات هذه الاحتجاجات في كل بلد، إن الشرط السيكولوجي وحّد جماعات الاحتجاج في الأهداف والمطالب والوسائل والشعارات.. وتقارب فئة الشباب والطبقات المتوسطة هو ما أعطى لحركات الاحتجاج المغاربية هوية وشكل وقودها.. ويجب أن نرصد مكونات المحتجين وخصائصهم ككتلة واسعة اتخذت من احتلال الفضاء العام ساحة للفعل، وأصبح الشارع مجال حسم الصراع والمطالب والتعبير عن هويات ورموز جديدة بجرأة غير مسبوقة مع زخم جماهيري قوي واستثنائي ساهمت فيه وسائل الإعلام الجديدة.

أول ما يلفت انتباهنا هو أن كل هذه الاحتجاجات الاجتماعية انطلقت من وسائط التواصل الاجتماعي، الذي وسع من دائرة المحتجين، لنتذكر قولة غوستاف لوبون: « إننا نعيش عصر الجماهير »، لذلك لم يكن وراء هذه الحركات الاحتجاجية التي سواء كانت فئوية أو اجتماعية أو قطاعية أو إقليمية.. أبطال أو زعماء كبار لهم صراع طويل مع السلطة، اختبروا السجون وذاقوا مرارة النفي والقمع والتعذيب، أو لهم تكوين سياسي عميق، ولكنها أنتجت رموزا درامية أقرب إلى الأبطال التراجيديين مثل البوعزيزي في تونس والزفزافي وأسامة الخلفي بالمغرب.. وجل هؤلاء الرموز هم شباب من أبناء الطبقات الوسطى ولهم مستوى متوسط من التكوين، واتسم ظهورهم بالفجائية والسرعة والتلقائية..

المؤطرون أو متزعمو الاحتجاجات أضحوا نساء ورجالا على مستوى الفعل أو في التغطيات الإعلامية المرافقة للاحتجاجات، لم تعد الذكورية هي السائدة والمهيمنة، أيضا تميزت هذه الحركات الاحتجاجية خاصة في تونس والمغرب والجزائر، بالسماح لهويات عرقية ولغوية ومذهبية… بالتعبير عن نفسها جنبا إلى جنب برغم تناقض اختياراتها (السلفي، الصوفي، القومي، الأمازيغي، الليبرالي، الشيوعي…).

ما ميز حركات الاحتجاج المغاربية التي لا زلنا نعيش تداعياتها هو دور وسائط الإعلام الجديد، التي أصبحت أداة لحشد الجمهور والتعبئة، وأضحت وطنا بلا حدود ولا جمارك، تبيح حرية أكبر وتمتاز بالسرعة والجرأة والفعالية ويسر الاستعمال… وهنا ملمح محايث لهذه الحركات الاحتجاجية هو حجم تدفق المعلومات، سيل جارف من الأخبار والمعلومات واكب هذه الاحتجاجات وقوة التفاعل معها، لقد منح الإعلام الجماهيري إحساسا عميقا للشباب بالحرية والفردانية ولكنه أيضا أسنده بمجموعات تسمح لهم بالتواصل والتفاعل، لم يعد المتلقي هنا مجرد منفعل سلبي، ينتظر الجريدة أو المنشور الحزبي ليخبره بما يجري، أو مجيء الفاعل السياسي أو النقابي الرسمي أو المعارض إلى الراديو أو التلفزيون ليمده بنصيبه من المعلومة المكيفة أو الموجهة، ولم يعد بحاجة إلى الزعيم الحزبي الذي يعقد تجمعات جماهيرية حاشدة تستسلم لسحر كلامه وقوة بلاغته وجرأة خطابه وكثافة المعلومات التي تهدهده وتقوده إلى جنان للنعيم يستسلم للنوم في عسلها ويسلس القيادة للزعيم السياسي، لقد سمح الفايسبوك، التويتر، اليوتيوب والوسائط التطبيقية للهواتف الذكية في أن يمتلك الجمهور بلاغته الخاصة، وتعبيراته ورموزه وسخريته وإبداعاته.. إذ نجح الإعلام الجديد في بروز المدونين المعارضين وصحافة المواطن، وساهم في تحرير عُقد الألسن وتوسيع صبيب الحرية في التعبير والجرأة غير المعهودة والصادمة أحيانا… وقد تابعنا في المغرب سيل المعلومات الجارف الذي صاحب حملة المقاطعة الشهيرة.

أتت حركات الاحتجاج في الرقعة المغاربية بفاعل جديد اسمه الجماهير إلى ساعة الفعل السياسي والاجتماعي، فاعل نوعي حطم أسطورة النخبة، إن المحتجين هم من عامة الشعب، فالتطور الديمغرافي وانتشار التعليم برغم أعطابه، وساهم تطور وسائط الاتصال الرقمي، في تجاوز الوسائط التقليدية للتنشئة الاجتماعية (مدرسة وجامعة، مسجد، أسرة، حزب، نقابة وإعلام تقليدي…)، لذلك يتساءل الكثير بنوع من الحسرة عن دور النخبة والحنين إلى المثقف الغرامشي، أمام طوفان الجماهير الزاحفة بقوة إلى ساحة الفعل لتعبر بنفسها وتستعيد لسانها وتخلق لغتها ورموزها بنفسها، لتستعيد الشارع الذي لم يعد هو المكان العمومي بالمعنى الذي حددته حنة أرندت، ولا بالمعنى النخبوي الذي أعطاه إياه هابرماس، لقد احتلت العامة/ الجمهور الشارع الذي كانا مقصورا على النخبة أو الصفوة، أولئك المؤطرون في حضن جماعات ومؤسسات حزبية أو نقابية أو حقوقية أو بين أحضان المجتمع المدني، المشتركون نفسيا في الأهداف والمطامح المتوحدون في الشعارات الحاملون لذات الرموز، المؤطرون قبليا في المقرات الحزبية أو النقابية أو الجمعوية أو موجهين بالمقررات المدرسية والمساجد والتلفزيون والراديو..

لقد سمح الإعلام الجديد بصحوة الجماهير واستعادتها للفضاء العام، من هنا وجود انحرافات تمجها النخبة، لقد تتبعنا جميعا كيف تحولت مدرجات كرة القدم من ساحة للفرجة الكروية إلى منصة للاحتجاج وتبليغ الرسائل، أغنية « فبلادي ظلموني » التي تجاوز صيتها حدود الوطن ورُفعت في الجزائر وتونس وخارج الرقعة المغاربية هي ملمح لهذا التحول.. هل يمكن أن يأتي الخطر على الديمقراطية من اكتساح هذه الحشود لساعات الفعل السياسي، نحن وسط المختبر ولا ندري مآلات الأمور واتجاه التاريخ، فقد رأينا المآسي الدرامية التي غرقت فيها ليبيا والتي لا زال الضوء الآخر من آخر النفق لم ينبلج بعد، ولا يمكن وصف الحديث والاشتغال عليه لمحاولة فهمه إلا في التغطيات الصحافية العابرة، أما الفكر فيحتاج لزمن طويل لاستكناه أحداث تتسارع بوتيرة فائقة وتبدو عصية عن الفهم اليوم..

لقد لعب الإعلام الجديد خلال القرن الجاري دورا كبيرا في انتشار وامتداد الحركات الاحتجاجية، وليست محاولة التلفزيون الجزائري نقل الاحتجاجات التي عرفتها شوارع الجزائر منذ مارس الماضي في سابقة اعتبرت الأولى من نوعها، سوى محاكاة انفتاح وسائط التواصل الاجتماعي، ويكفي أن تكون جل الحركات الاحتجاجية المغاربية والعربية عموما قد انطلقت من الشبكة العنكبوتية التي مدت هذه الحركات بطاقة استثنائية في الاستقطاب والانتشار وتداول المعلومات والتفاعل مع المطالب والتوحد في الشعارات الأساسية: رفض الظلم و »الحكرة »، الدفاع عن الكرامة، مواجهة الاستبداد والفساد، وتحقيق المساواة والعدل والإنصاف.. حيث ساهمت وسائط التواصل الاجتماعي في استعادة الشارع المغاربي وفي تطوير السلوك الاحتجاجي الذي تخلى في معظم الدول المغاربية عن طابعه العنيف/ الوحشي / الغرائزي.. (ليبيا تظل ذلك الاستثناء الذي يزكي القاعدة في المغرب الكبير لأن البلد بتركيبته الاجتماعية القبلية وطبيعة نظام السلطة التي حكمه لعقود وتدخل الأطراف الأجنبية والتيارات الإرهابية في مطبخها الداخلي جعلت الوضع أكثر تعقيدا)..

من هنا شعارات سلمية سلمية، وابتداع المنظمين أشكالا تحمي المسيرات والتظاهرات والتجمعات الاحتجاجية من أي انفلات، على خلاف ما كان عليه الوضع في الهزات الاجتماعية التي كانت على شكل انتفاضات كما في انتفاضة الخبز في تونس في يناير 1984، انتفاضة كوميرا بالمغرب في يونيو 1981 وثورة الخبز في أكتوبر 1988 بالجزائر، وانتفاضات ماي 2010 بليبيا وبموريطانيا عام 2018..

لقد لجأ المحتجون أنفسهم إلى المواكبة الإعلامية لمسارهم الاحتجاجي، إن الحدث هنا ينقل بدمه ولحمه بلا حاجة إلى صناعة إعلامية مع ما أصبحت توفره الهواتف الذكية والحواسيب الصغيرة الحجم والفعالة، ودخلت المعلومة مجال الصراع بين الخبر وضده، الصورة ونقيضها، لأن الحدث ينقل وقت حدوثه، ويتم الاشتغال عليه في زمن سريانه، من هنا غياب الاحترافية المهنية وتضايق الصحافيين من مزاحمة فاعلين جدد في حقل اهتمامهم، لقد منحت التكنولوجيا لعامة الناس ما كان يبدو تميزا خاصا للصفوة من السفر بالطائرة إلى التقاط الصور والفيديوهات، ومن القراءة والكتابة إلى الاحتجاج وابتكار الرموز والشعارات، ومن وهب الجماهير حناجرها وصوتها وقلبها لغيرها.. إلى تولي أمر ذلك بنفسها.

نجحت وسائط الاتصال الاجتماعي في إنزال السياسة من السماء إلى الأرض، لم تعد السياسة شأن النخبة والصفوة، حيث يأتي هؤلاء الزعماء السياسيون بسحناتهم البيضاء مثل الجبن، وبدلاتهم الأنيقة وربطات العنق، إلى الميكروفون في التلفزيون أو في قاعات الاجتماعات الكبرى أو في ساحات التجمعات العامة ليتنحوا ويرتشفوا القليل من الماء بين الفينة والأخرى ليصفوا حناجرهم من أي شائبة ويتركوا لكلماتهم مساحة لتخرج بكامل كبريائها، ويتكلموا بلغة عالمة بعيدة عن الأفهام بألغازها وأسرارها وطلاسمها، ويهدهدوا هذه الجماهير ويحملوها إلى فراديس مشتهاة.. وتظل كلماتهم الرنانة تصفر في آذان الجمهور، وتنشر كلمات الزعيم في الجرائد وتمر في الراديو التلفزيون، ويأتي من يعلق حواشي على متنها، وتقتطف أجزاء مثيرة منها لتغذو صالحة للاستشهاد وتمنح خطابات الأتباع حجية وشهادة التقدير والوفاء..

لقد أصبح الشارع في جميع الاحتجاجات المغاربية يوميا أو كل جمعة كما في الجزائر أو كل يوم أحد كما في المغرب مع حركة 20 فبراير، ساحة للتعبير والفعل السياسي، مركز القرار اليوم أضحى هو الشارع، كل شيء يحسم في الفضاء العام وخارج المؤسسات التقليدية (برلمان، حكومة، نقابة، حزب، مجالس منتخبة…)، إنهم هؤلاء « المداويخ » هم من يقررون اليوم.. لقد تحول الفضاء العام إلى ساحة « أغورا » مفتوحة، للتعبير والاحتجاج وحسم الصراع والتدافع وتبليغ المطالب، يأتي الجمهور إلى الشارع العام برموزهم، بأحلامهم، على اختلاف انتماءاتهم وثقافاتهم، يبدعون الشعارات والأزياء واللافتات، وفي شكل رقصاتهم وحركات أجسامهم وأغانيهم الكورالية، كما لو أننا أمام مسرح متنقل.. إن الجمهور هو من يشخص الأدوار وهو من يتفرج على تمثيله ويقيم أداءه.. فيما النخبة تتفرج من النوافذ والشرفات العالية على هذا الشارع الزاخر بالحركة الذي استعاد طابعه العام.

أصل العنوان « الإعلام والاحتجاج المغاربي والفضاء العام » مداخلة في ندوة نظمها المركز المغاربي للتواصل والإعلام يوم 17-04-2019 بالمعهد العالي للإعلام والاتصال

تفاصيل وأسرار مثيرة لتحقيق فرنسي تضع المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب الداهمة

المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب

كتاب ألان جوردان+ ترجمة عبد العزيز كوكاس

ثلاث قضايا كبرى تجعل المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب، وهي: الإرهاب، التطرف والصحراء، هذا ما يستنتجه المحقق الصحافي الفرنسي ألان جوردان في كتاب صدر له حديثا بنفس العنوان وترجمه إلى اللغة العربية الكاتب والصحافي عبد العزيز كوكاس.

يعتبر جوردان النموذج المغربي في محاربة الإرهاب، « نموذجا يتوطد بناؤه حول طموح جماعي ممهور بتاريخ عريق يعود لأكثر من ألفى سنة هو تاريخ المملكة الشريفة »، ويؤكد  أن التزام النخب المغربية بمكافحة التطرف العنيف « وشكل مقاربة المغرب المتعددة الأبعاد لا غنى عنها بالنسبة لنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، هذه المعركة ستضع المغرب على خط الجبهة غير المرئية للحرب الداهمة حيث أصحاب العلم والحكمة وجها لوجه أمام دعاة الحقد والكراهية ».

يعتبر الكتاب عملا تاريخيا وتحقيقا صحافيا يرصد الإستراتيجية المندمجة والشاملة للنموذج المغربي في مواجهة التطرف والإرهاب، ويذهب ألان جوردان إلى أن موقع الملكية وإمارة المؤمنين في قلب النظام السياسي، والتعدد الثقافي واللغوي الذي ميز المغرب عبر تاريخه وإرسائه لثقافة العيش المشترك، وكذا النجاعة التي قدمتها المقاربة الاستباقية في المجال الأمني الاستخباراتي والأمن الروحي، جعلت جل دول العالم تلتفت إلى أن هناك مقاربة مغايرة ذات فعالية في الجنوب الغربي من المتوسط.. أي المغرب.

هذا البعد هو ما حدا بالمدير التنفيذي للجنة مكافحة الإرهاب ونائب الأمين العام للأمم المتحدة جان بول لابورد يقول: « تعتبر مقاربة المغرب في مجال مكافحة الإرهاب مثال على ما نريد القيام به  » كما ورد في كتاب « المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب ».

ليس المغرب منشأ معظم الجهاديين الذين التحقوا بداعش وقبلها بالقاعدة أو نفذوا عمليات إرهابية بمختلف العواصم الأوربية، إنه أيضا بلد عانى من ويلات الإرهاب مبكرا منذ عام 1994، ولا زالت جراح مذبحة شمهروش طرية في الجسد المغربي، ولا زالت أجهزته تفكك بشكل مستمر خلايا إرهابية قبل انتقالها إلى الفعل.. وما يستقطب الانتباه في كتاب ألان جوردان هو حجم المعلومات التي يحفل بها من مصادر موثوقة في الداخل والخارج، باعتباره مراسلا للأمم المتحدة، ومحققا صحافيا مشهورا بفرنسا وسويسرا، وأيضا رؤيته التبصرية التي تتناول المقاربة المغربية المتميزة للتطرف والإرهاب وأشواك قضية الصحراء بشكل شمولي.

بالنسبة لمترجم المؤلف الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، في تصريح لمنبرنا فإن ما جعله يترجم كتاب « المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب »، هو عمق مؤلفه الذي يجمع بين الكتابة التاريخية والتحقيق الصحافي، وأيضا حجم المعطيات التي لا يتوفر عليها الصحافي والباحث المغربي، وأيضا طبيعة المقاربة المنهجية لألان جوردان للقضايا الشائكة التي تجعل المغرب على الخط الأمامي للحرب الداهمة في مجال التطرف والإرهاب والصحراء، في مختلف الجوانب السياسية والأمنية والروحية والثقافية والاجتماعية.. يقول : » يزخر الكتاب بالعديد من المعلومات والأبحاث والأرقام الإحصائية التي لا تتوفر حتى لدى الصحافيين المغاربة، وهي معلومات قام المؤلف الفرنسي آلان جوردان بتجميعها ليس فقط من لدن الأجهزة الأمنية والباحثين في المجال، بل من جميع الأجهزة الأمنية والمراكز الإستراتيجية في أوربا والعالم. حيث حل جوردان بالمغرب، واتصل بمسؤولين كبار وأجرى مقابلات مع محللين ومفكرين، وأجرى مقابلات مع باحثين أجانب مهتمين بالمغرب.. وتمكن من الحصول على وثائق أجهزة استخباراتية وطنية وأمريكية واطلع على تقارير عديدة في موضوع الكتاب ليقول المؤلف إن المغرب ليس بلدا لتصدير الإرهاب بل هو مكتو بناره أيضا، منذ أول عملية إرهابية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي إلى عملية شمهاروش في نهاية 2018.. وإذا كانت أجهزته قد نجحت في أن تنال حظوة عالمية بسبب فعاليتها وإستراتيجيتها الاستباقية، فإن نجاح المغرب أيضا في تقدير المؤلف يعود إلى الموقع الجغرافي والتاريخي للمملكة وموقع الملكية في نظامه السياسي ويقظة المجتمع أيضا.
و يوجه المؤلف آلان جوردان تحذيراته، ويقول بأن المغرب ليس بمنأى عن الخط الأمامي لجبهة الحرب ضد الإرهاب، نظرا للتحولات القائمة في الصحراء جنوب الساحل، التي أصبحت ملتقى لجميع أشكال المافيات والجماعات المتطرفة من كارتيلات المخدرات العابرة للقارات عبر خط الآسور، إلى منظمات متطرفة مثل داعش، القاعدة وبوكو حرام، ووجود أسلحة خطيرة مع ما تشهده ليبيا من أحداث، وانخراط عناصر من البوليساريو في خدمة كارتيلات المخدرات والجماعات المتطرفة..
كتاب «المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب» هو مرجع مهم للباحثين والمهتمين بمحاربة التطرف والإرهاب، وعموم القراء… يقدم معلومات دقيقة وإحصائيات تنشر لأول مرة، ويضيء العتمة في موضوع الجماعات المتطرفة والحرب المفتوحة على الإرهاب، ويحلل شفرة نجاحات المملكة وحربها الاستباقية بلا هوادة على أكثر من جبهة، مما جعلها شريكا أساسيا للعديد من دول أوربا والعالم في محاربة الإرهاب…

 

صورة نادرة عن ملك لم نره إلا واقفا أو جالسا أو مُسَجَّى داخل تابوت

الحسن الثاني في الطائرة

لصورة التي نشرتها « الأيام » على غلافها في هذا العدد، والتي يبدو فيها الملك الحسن الثاني ممددا على سرير عادي وهو بملابس نومه تحت ملاءة بسيطة، وبالقرب منه أكوام من حقائب ملابسه المبعثرة وأحذية وصندل منزلي عادي، ومؤنسوه ومبسطوه، وعلى رأسهم « الشهيب » محمد بنبين، الذي صاحبه لأكثر من 33 سنة.. صورة صادمة للأحاسيس، تعصف كليا بما نعرفه عن الحسن الثاني من أًبَّهة أسطورية، وهيلمان سلطاني يحيل على الإمبراطوريات الكبرى.

لم نر الملك الراحل الحسن الثاني إلا واقفا بقسماته الصارمة، وحركاته وهو يعطي التعليمات لرجال حاشيته، أو جالسا على العرش وهو يخاطب الأمة أو ممثليها أو زعماء وقادة دول العالم في القمم والمؤتمرات.. الوقوف إحالة على القوة، الهبة، الصحة.. والجلوس على العرش يحمل بُعد الجد والصرامة، كما استوى الله على العرش بعد أن خلق العالم. والاستواء معناه الاكتمال والانتشار والتمدد، وبسط السلطان على ما يحيط به، وهو أيضا دال على التعالي وقوة الصولجان والبأس.

مرة واحدة رأينا الملك وهو ممدد، غير واقف ولا جالس.. إنه هناك ممدد وسط تابوت بلا حياة.. إنه الملك المحجوب عنا في لحظات ضعفه الإنساني، في زمن المرض أو الضعف. حتى إن دساتير المملكة لم تكن تشير قصدا إلى احتمال مرض الملك.. كل الفصول كانت تتكلم عن القداسة، عن جسد قوي يحكم ويسود، يدير المؤسسات وينتشر في كل الدواليب.

وها هي صورة اليوم مغايرة لما عهدناه، تنفلت من أرشيف شخصي عائلي وتقفز إلى الصفحة الأولى لأسبوعية « الأيام »، مصاحبة بتعليق: « صورة نادرة للحسن الثاني وهو نائم »؛ كما لو أن العالم الذي تقدمه الصورة أخرس ويحتاج دوما إلى صوت اللسان، أي إلى اللغة كما يشير إليها رولان بارث في قوله: « يبدو من الصعب أكثر فأكثر تصور نسق من الصور أو الأشياء التي تستطيع مدلولاتها أن توجد خارج اللغة (…) فلا وجود للمعنى إلا باللغة ».

الصورة كما يعرفها قاموس « Le robert » هي تمثيل مشابه لكائن أو شيء. وعند شارل ساندرس بورس تغدو الصورة علامة أيقونية تتميز بشبهها النشوئي بالموضوع الذي تحيل عليه. وهذه الصورة المنفلتة تُبرز جانبا خفيا في الحياة الحميمية للملك.. بُعدها الإنساني المرتبط بالبساطة يُظهر الحسن الثاني الإنسان ممددا على السرير، لا واقفا ولا جالسا، إنه نائم.. وهو ما لم يكن ممكنا أن يحظى برؤيته المغاربة.. جسد يشبهنا، بدون قداسة، ولا قوة بروتوكول.. جسد متحرر من كساء السلطان وتاجه.

إلهي أهذا جسد الملك الحسن الثاني في حميميته الإنسانية، في طبيعته الخالية من السحر والقوة، حيث يمكن أن يعلو شخيره، وأن يصدر منه وعنه ما يصدر عن جسد آدمي في النوم الذي هو صنو الموت؟

إن الأمر يتعلق بجانب ملغز في حياة الملك الراحل.. تجد فاطمة أوفقير في كتابها « حدائق الملك » جزءا من مفاتيحه حين تقول: « كان الحسن الثاني شديد التناقض، فهو مغرم بالترف والمال، والمآكل الشهية، والأشياء الفاخرة الثمينة؛ غير أنه مع إحاطته بأجمل الأثاث في قصره يأكل وهو يجلس على سجادة صغيرة للصلاة، وأمامه طاولة صغيرة بسيطة من ‘الفورميكا’، مستخدما أدوات مائدة بدائية »..

المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب الداهمة: عبد العزيز كوكاس يترجم كتاب ألان جوردان حول الإرهاب والتطرف

ثلاث قضايا كبرى تجعل المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب، وهي: الإرهاب، التطرف والصحراء، هذا ما يستنتجه المحقق الصحافي الفرنسي ألان جوردان في كتاب صدر له حديثا بنفس العنوان وترجمه إلى اللغة العربية الكاتب والصحافي عبد العزيز كوكاس.

يعتبر جوردان النموذج المغربي في محاربة الإرهاب، « نموذجا يتوطد بناؤه حول طموح جماعي ممهور بتاريخ عريق يعود لأكثر من ألفى سنة هو تاريخ المملكة الشريفة »، ويؤكد  أن التزام النخب المغربية بمكافحة التطرف العنيف « وشكل مقاربة المغرب المتعددة الأبعاد لا غنى عنها بالنسبة لنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، هذه المعركة ستضع المغرب على خط الجبهة غير المرئية للحرب الداهمة حيث أصحاب العلم والحكمة وجها لوجه أمام دعاة الحقد والكراهية ».

يعتبر الكتاب عملا تاريخيا وتحقيقا صحافيا يرصد الإستراتيجية المندمجة والشاملة للنموذج المغربي في مواجهة التطرف والإرهاب، ويذهب ألان جوردان إلى أن موقع الملكية وإمارة المؤمنين في قلب النظام السياسي، والتعدد الثقافي واللغوي الذي ميز المغرب عبر تاريخه وإرسائه لثقافة العيش المشترك، وكذا النجاعة التي قدمتها المقاربة الاستباقية في المجال الأمني الاستخباراتي والأمن الروحي، جعلت جل دول العالم تلتفت إلى أن هناك مقاربة مغايرة ذات فعالية في الجنوب الغربي من المتوسط.. أي المغرب.

هذا البعد هو ما حدا بالمدير التنفيذي للجنة مكافحة الإرهاب ونائب الأمين العام للأمم المتحدة جان بول لابورد يقول: « تعتبر مقاربة المغرب في مجال مكافحة الإرهاب مثال على ما نريد القيام به  » كما ورد في كتاب « المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب ».

المغرب على الخط الأمامي لجبهة الحرب

كتاب ألان جوردان+ ترجمة عبد العزيز كوكاس

ليس المغرب منشأ معظم الجهاديين الذين التحقوا بداعش وقبلها بالقاعدة أو نفذوا عمليات إرهابية بمختلف العواصم الأوربية، إنه أيضا بلد عانى من ويلات الإرهاب مبكرا منذ عام 1994، ولا زالت جراح مذبحة شمهروش طرية في الجسد المغربي، ولا زالت أجهزته تفكك بشكل مستمر خلايا إرهابية قبل انتقالها إلى الفعل.. وما يستقطب الانتباه في كتاب ألان جوردان هو حجم المعلومات التي يحفل بها من مصادر موثوقة في الداخل والخارج، باعتباره مراسلا للأمم المتحدة، ومحققا صحافيا مشهورا بفرنسا وسويسرا، وأيضا رؤيته التبصرية التي تتناول المقاربة المغربية المتميزة للتطرف والإرهاب وأشواك قضية الصحراء بشكل شمولي.

، وأيضا حجم المعطيات التي لا يتوفر عليها الصحافي والباحث المغربي، وأيضا طبيعة المقاربة المنهجية لألان جوردان للقضايا الشائكة التي تجعل المغرب على الخط الأمامي للحرب الداهمة في مجال التطرف والإرهاب والصحراء، في مختلف الجوانب السياسية والأمنية والروحية والثقافية والاجتماعية..

أيها الفاسدون العابرون.. لكم مغربكم ولنا مغربنا

عبد العزيز كوكاس

« مكافأة الفساد لم تكن يومـًا سوى إطعام ديناصور لا يعرف معنى الشبع » ياسر ثابت

عشقنا هذه الأرض بلا حدود، ولو أننا أشباه مواطنين في شبه مساكن أو دور، شبه أموات في شبه أحياء مهمشة ونتنة، من ماء هذا الوطن وهوائه وتربته.. سحنة بشرتنا، وهج أحلامنا التي لا نمدد أقدامها بعيدا عن سرير نومنا.. وكل آمالنا وآلامنا.. حتى من هاجرها منا، ركب الموت واتشح بعراء السماء، قنطا من قطران البلاد وطمعا في عسل « بلادات الناس »، ظل متشبثا بالحنين إليها، ولم تغادره رائحتها.

وأنتم الطارئون علينا، الذين تسيدتم في زمن الهباء وتدني سماواتنا التي علقنا عليها نجمة رايتنا.. استلاما.. نحن سواد عين الأمة، جوهر هذه الأرض وأنتم عرضها وأعراضها المرضية.

لستم إلا ظل التخلف البليد، الاستعمار القديم والجديد، شره الرأسمالية الجبان، اخرجوا من دمنا ولحمنا.. ضعوا في جوف حقائبكم وأرصدتكم وبطونكم المتكورة، ما شئتم: أموالنا المستنزفة قسرا، نساؤنا اللواتي عهّرتهن ورضين بمساراتكم، احملوا ما شئتم من خمر أرضنا، زهر عطورنا، وما تساقط من لآلئ وجواهر من عرق جباهنا، وارحلوا من جرحنا.. بعيدا نحو الهباء.

أيها الفاسدون العابرون في زمن عابر.. أيها الملتصقون بجلدنا، المفسدون في الأرض.. لا تقنعونا بالقسمة الضيزى في الأرزاق، وبالأيام التي نداولها بين الناس، غلبة وسقوطا.. كفوا أيديكم عما تبقى من لحمنا.. احملوا قذاراتكم ومغانمكم وكل وسخ الدنيا المستنزف من جرحنا، وارحلوا.. فنعود بالله من شر ما خلق، من بشر كالعلق..

أيها المفسدون العابرون إلى مزابل التاريخ.. لقد أصابنا القرف من وجهكم، من خطاباتكم، من حيواناتكم المنوية.. ومن انتصابكم في وجهنا مثل رائحة الفضيحة. ومن سماع خطابتكم التي تأكل آمالنا كما يأكل الحسد الحسنات..

صمَتنا ليس جبنا، ولكن فقط لأننا لا نسعى إلى إيقاظ من أنزل الله البلادة على قلوبهم والغشاوة على عيونهم، لحكمة يعلم الله وحده أسرارها. نريد أن حررت قطرة المعلقة المعلقة في صنبور الأحلام، ونطلق الذكريات من مرابضها، ونجعل الأنهار تنام بأعين مفتوحة خارج نفاياتكم..

1932387_10201328000817847_1888657001_n

أيها الفاسدون المتسيدون على رملنا ومائنا، على سمائنا وأرضنا، النابتون في حقول أحلامنا وهوائنا مثل الفطر.. كونوا بشهامة الفرسان، صهيل الخيول.. تعالوا في مبارزة شريفة الند للند، وأزيلوا أقنعة الشركات، القوانين، الجنسيات المستعارة وباقي الأكاذيب التي لا تنبت رغيفا في حقل، لا تسمن من جوع ولا تأوي يتيما ذا مسغبة أو مسكينا ذا متربة..

لا تتصيدوا ما انزوى في الجزء المظلم فينا، لا تركبوا حاجاتنا وخصاصنا، لا تصطادوا في مستنقعات ضعفنا الآدمي..

لنا ما لنا على هذه الأرض، وطن مهما قسا علينا فهو جنة الخلد وأهله كرام.. كفوا عنا أذاكم.. أيها « المناقطية »، من يسرقون حقنا في أن نكون على غير ما نحن عليه، أنيقين بدون ياقات بيضاء، زاهدين في وسخ الدنيا، متحابين في الأخوة والدم.. والانتماء الإنساني جنسيتنا، بناة للوطن ومخَلّصيه من الجينات الفاسدة..

مللنا سخافتكم.. أميتكم المتعالية بلا سقف، اذهبوا بعيدا خارج جلدنا، وصلصال ترابنا.. وكفوا عن حلبنا وعصر دمائنا..

لكم الثروة ولنا جحيم الفقر والتخلف

لكم السلطة ولنا بؤسنا وجحيم تشرد أبنائنا

لكم المغانم كلها ولنا ما تساقط من فتات مزابلكم

وعلينا ما عليكم من سماء وما نقتسم من هواء

ليس عدلا أن تظلوا على رقابنا جاثمين ولخيراتنا ناهمين، ولأفق أحلامنا مغتصبين.. لهذه الأمة الحق في أن تغدو وطنا، فردوسا، أو مأوى يتسع للجميع، لأحلام الشيخ والرضيع.. أن يكون لهذا الوطن الأم أنبياؤه وكتبه، جغرافته وتاريخه، أساطيره وخرافاته، أن نقتسم آلامنا بالتساوي، ونشهر حبنا عاليا للوطن بلا خجل انتماء..

أيها المفسدون في أرضنا.. اخرجوا من هوائنا، من سمائنا.. كدسوا أوهامكم في أرصدتكم المنتفخة مثل بطونكم، خذوا كل حصتكم من برنا وبحرنا، لنا أحلام هنا نربيها، ذكريات من وجع وحب، لنا وصايا من أجدادنا، أثر ذكرياتهم نحميها.. فارحلوا عنا، نريد أن نحيا في وطن يليق بنا ونليق به.. به هواء نقتسمه بالتساوي، لكل حسب حاجاته، لكل حسب عمله.. وحيز مهما ضاق، نستطيع أن نمدد أرجلنا على سريره بلا رهبة من الكوابيس.

أيها العابرون إلى مزابل التاريخ.. ما عاد فينا حيز للصبر.. أيوب ثاب من حملنا.

لهذا البلد أن يحيا كما يشاء، ويذهب بعيدا خارج الحدود التي رسمتها عفونتكم ومطامحكم.. ولنا الماضي، الحاضر والمستقبل.. ارحلوا بعيدا كالغبار المر والذكريات السيئة، ولتعيثوا فسادا في أي بقعة شئتم.. فلنا مغربنا ولكم غربتكم.

وعلينا أن نحرس حلم البلد من كوابيسكم.. أيها الفاسدون آن لكم أن تنصرفوا واتركوا لنا ما تبقى في هذا البلد، متسع للحياة لنا ولذويكم من غير فساد في الأرض أو قلب جامد لا يقيم فيه بلد… وبئس المصير.

الصحراويون بمخيمات تندوف.. هل هم لاجئون أم محتجزون؟

« لا يصبح الخطأ على وجه حق بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ لأن لا أحد يراها » المهاتما غاندي

عبد العزيز كوكاس

يعتبر مشكل الصحراويين المقيمين بمخيمات تندوف صلب قضية الصحراء، فهؤلاء الصحراويون الذين في سياق ظروف ملتبسة تم نقلهم في آناء الليل إلى منطقة تندوف وتجميعهم في مخيمات أقيمت في منطقة خاضعة للسيادة الجزائرية، مفتاح حل قضية الصحراء، بالنسبة للمغرب فهم صحراويون مغاربة محتجزون في مخيمات العار، وبالنسبة للجزائر هم لاجئون بالتراب الجزائري..

منذ دخول القضية إلى أروقة الأمم المتحدة تم التغييب التدريجي للجانب الإنساني لهؤلاء الصحراويين وظل الصراع دبلوماسيا وقانونيا بين أطراف النزاع، في حين أن الأمر يتعلق بمأساة إنسانية، هناك عائلات كبرى تم شطرها بين من ظل أو عاد إلى أرض الوطن وبين من لا زال هناك، نظرا للظروف الحاطة بالكرامة التي يعيشها هؤلاء الصحراويون الذين انتزعوا من أرضهم في ظروف يعرفها العالم، حين كانت الشاحنات الجزائرية  في ذروة مفاوضات مدريد لعام 1975 التي حتمت الجلاء الإسباني تجوب الأقاليم الصحراوية، لتهريب السكان عبر التغرير والقوة، وحين تبين أن أعداد المرحلين قسرا لا تفي بالغرض المطلوب، أي الإيهام بإمكانية إقامة دولة، عمدت الجزائر إلى إيواء نازحين أفارقة من بلدان الساحل جنوب الصحراء لتضخيم أعداد اللاجئين.

وقتها تبادلت الجزائر الأدوار مع أوساط إسبانية متشددة لم ترغب في الرحيل عن المستعمرة السابقة، إذ في الوقت الذي كان صعبا على هؤلاء المتغلغلين داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية وفي الإدارة، القيام بدور مباشر ضد الأوفاق التي وقعت عليها دولتهم علنا، استطاعت الجزائر أن تنوب عنهم في أداء المهمة نفسها، لكن ليس من طرف دولة الاحتلال التي أذعنت إلى حتمية التاريخ، ولكن عبر دولة عربية مجاورة، لم تهضم بدورها في أي مرحلة تداعيات حرب الرمال لعام 1963، وبقيت تتحين الفرصة من أجل الانتقام.. دون نسيان الظروف الداخلية التي عرضت مظاهرة بطانطان لقمع غير مبرر كما شرحت ذلك سابقا.(انظر كتابي: جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال، رؤية مغايرة).

في كل تجارب النزوح، ليست هناك دولة في العالم تقبل باستضافة آلاف الأشخاص من غير مواطنيها على أراض واقعة تحت نفوذها لعقود طويلة مع كل المشاكل المترتبة عن هذه الاستضافة التي تكون مؤقتة، بل إن الدولة التي تستضيف مثل هؤلاء اللاجئين ترفع صوتها عاليا وتضغط على المجتمع الدولي لإيجاد حل من أجل عودة هؤلاء إلى موطنهم الأصلي، وهو ما لم يسبق أن قامت به الجزائر التي لا تريد لهؤلاء الصحراويين أن يغادروا أراضيها أبدا بل تعرض الفارين منهم إلى عقوبات شديدة، وهذا خرق سافر لاتفاقية 1951 المتعلقة بلاجئين والبروتوكول الملحق به لعام 1967.

ففي القضايا المرتبطة باللاجئين والنازحين لاعتبارات مختلفة، تعمل الدول التي تحترم التزاماتها الإنسانية والقانونية والسياسية، بكل الوسائل من أجل إنهاء معاناتهم، خصوصا حين تكون الطريق إلى ذلك واضحة المعالم، أي السماح لهم بالعودة الطوعية إلى بلدهم، أو السماح بإحصائهم لتحديد حاجياتهم وتقديم المعونة الكافية لأعدادهم قبل البحث عن السبل الكفيلة بعودتهم إلى الموطن الأصلي الذي قدموا منه، ليست هناك دولة تتمسك ببقاء لاجئين فوق أراضيها، في ظل انتفاء شروط اللجوء الاضطراري، إلا أن يكون لها أجندة خاصة تستغل فيها وجود أولئك الأشخاص لأهداف غير بريئة.. لأنها تدرك أن عودة أولئك السكان إلى بلدانهم يعني تبديد آخر آثار قضية الصحراء التي ارتدت الأبعاد التي توجد عليها الآن، استنادا إلى وجود لاجئين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، وهي ترفض ذلك نتيجة خشيتها من انفضاح الخطة التي دبرتها في الخفاء لإقامة تلك المخيمات.. لم يحدث إلى الآن أن سلطت الأضواء الكاشفة عن ظروف نزوح أولئك السكان في اتجاه المخيمات، من جهة لأن العملية تمت بتواطئ بين السلطات الجزائرية والإدارة الإسبانية قبل انسحابها من الأقاليم الصحراوية، ومن جهة ثانية لأن تلك العملية ارتبطت بممارسات وانتهاكات طالت حقوق الإنسان، عبر اقتلاع الأهالي، وخصوصا الأطفال والشيوخ والنساء من أماكن إقامتهم للزج بهم تحت العراء والخيام الفاقدة لأبسط ظروف الحياة.

Capture

لا يمكن للمغرب أن يغير جيرانه، ذلك قدر الجيولوجيا والتاريخ، في الشمال هناك جار اشترك معه حضارة باذخة وظل وسمه الاستعماري قائما.. وفي الشرق، بلد احتد به التنافس حد الاكتئاب السياسي، هل هو مجرد سوء فهم كبير؟

كانت إسبانيا تعول على إقامة دويلة تابعة لها في الصحراء، وحين واجهت رفضا مغربيا قاطعا، بلورته الإرادة التحررية للسكان الوحدويين، حاولت الالتفاف على الموضوع بطرق أخرى، وهذا الموقف ينسجم مع كل التحركات الجزائرية على امتداد أطوار القضية، وكما أن الإدارة الإسبانية قامت بإحصاء ناقص للسكان قبل انسحابها، فإن الجزائر زادت على ذلك برفض القيام بأي إحصاء لسكان المخيمات.. أليس غريبا أن يحدث هذا التلاقي في الأدوار والممارسات والخلفيات، ماذا يجمع إسبانيا والجزائر وماذا يفرقهما في التعامل مع قضية الصحراء؟ أليس وجود المغرب في قلب هذه المعادلة هو مصدر كل المتاعب؟ لم استنكرت الجزائر نزول بضع جنود مغاربة على جزيرة ليلى المغربية، بعيدا عن مفاهيم مناصرة القضايا التحررية وفي مقدمتها استرجاع ثغور المغرب الشمالية المغتصبة من طرف إسبانيا؟

لنُعد ترسيم ملامح الصورة، إسبانيا كانت المستعمر السابق للساقية الحمراء ووادي الذهب، وهي بهذه الصفة التي لا تشرف تاريخها، كما لا يليق بها أن تستمر في احتلال مدينتي سبتة ومليلية وباقي جزر شمال المغرب، حرصت على ألا تغادر الصحراء، إن لم يكن لها وجود عسكري ومدني ملموس، فمن خلال الانشغال بالملف إلى درجة أن النظرة الاستعمارية يتم التغاضي عنها في كثير من الأحيان.. إنها بدورها معنية باستضافة صحراويين على أراضيها، وإن كان سوء التقدير يصدر عن تنظيمات غير حكومية في إطار صراعات داخلية، غير أن الجزائر تزايد أكثر على هذه التنظيمات وتنوب عنها في تصدير سياسة العداء تجاه الجار المغربي.

عندما نعرض إلى إشكاليات رفض إحصاء اللاجئين المقيمين في تندوف، فإن ذلك يحيلنا على جوانب من أزمة الصحراء، ارتبطت بتوزيع السكان بين بلدهم الأصلي.. المغرب، وبين الجزائر وموريتانيا، وبالتالي نتج عن ذلك مضاعفات عدة لا تتعلق فقط بسمات وخصوصيات الحياة في الصحراء التي تفرض الترحال والتنقل في مساحات شاسعة، وإنما انعكست سلبا على جهود حل النزاع.

كل العراقيل التي واجهت مساعي الأمم المتحدة توقفت عند هذه النقطة تحديدا، أي معرفة الأعداد الحقيقية لسكان المخيمات المنحدرين من أصول صحراوية، وغني عن البيان أن إعاقة التسوية السلمية كان هدفها عدم تمكين أولئك السكان من العودة الطوعية التي تصدت لها الجزائر بكل الوسائل، إذ يذكر في هذا الصدد أن خطة التسوية الأممية لعام 1991، قبل انهيارها، كانت تنص حرفيا على أن يقترعوا في مكان ازديادهم وانتسابهم داخل الأقاليم الصحراوية.

ثمة وجه آخر لأزمة اللاجئين أو المحتجزين بمخيمات الحمادة يرتبط بأنهم يوجدون في وضع يتناقض كليا مع القانون الدولي، ويتعلق بالبند رقم 94 للمفوضية السامية للاجئين التي أقرته لجنتها التنفيذية في 8 أكتوبر 2002، والذي ينص على أنه لا يتم الإقرار بصفة لاجئ وتقديم الحماية للاجئين إلا في ظل الطابع المدني السلمي، والحاصل أن مخيمات بوليساريو الموجودة على التراب الجزائري هب مخيمات عسكرية تضم أسلحة لا توجد لدولة قائمة الذات في بعض الدول الإفريقية وجيش منظم ويتلقى مساعدات عسكرية من البلد المضيف، في غياب أي حماية دولية كما تنص على ذلك الأوفاق الدولية وهو ما يعمق من الوضع المأساوي للصحراويين المحتجزين في هذه المخيمات.

Navigation des articles