الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

مقالات للكاتب

 الكاتب الإعلامي عبد العزيز كوكاس

الضرب المنظم عبد العزيز كوكاس

جــريـــــمـــة شـعـر- عبد العزيز كوكاس

عبدالعزيز كوكاس : قدري هو إدارة صحف النقمة – عبدالله ساورة

نريد أن نفهم! عبدالعزيز كوكاس

الشَّذرة كمحاولة لكتابة الصمت عبدالعزيز كوكاس

رسالة إلى إرهابي عبد العزيز كوكاس

سماء محتجزة عبد العزيز كوكاس

كلفة الحب و تكلفته عبد العزيز كوكاس

عبد العزيز كوكاس : قدري هو إدارة صحف النقمة

الكاتب الإعلامي عبد العزيز كوكاس ل »هسبريس

الكاتب اإعلامي عبد العزيز كوكاس

الكاتب اإعلامي عبد العزيز كوكاس

« : اشتغلت حمالا وبائع سجائر بالتقسيط… »

أجرى الحوار: عبدالله ساورة

الصحفي عبد الله سوارة

الصحفي عبد الله سوارة

 

بقلب مفتوح اقتحمتا عنوة حياة الكاتب الصحفي المغربي عبدالعزيز كوكاس أيام الفقر كما أيام الإستقرار المهني،كان ينظر إلينا ببسمة لا تفارقه رغم ما تحمله أسئلتنا من استفزاز مبطن. يحمل بين يديه رواية »ذاكرة الغياب » ويضع جانبا نصوص  »سطوة العتمة » وتحمل أجوبته الكثير من التأمل في المشهد الصحفي المغربي برؤية صحفي مستقل واكب ميلاد الصحافة المستقلة في المغرب و إكراهاتها منذ البداية.

 »هسبريس » تدخل منزل الطفل عبد العزيز كوكاس ،بائع السجائر والحمال…والكاتب الصحفي المغربي ،صاحب التأملات الفلسفية بعمق فكري وتنقل لقرائها بما حبل به هذا الحوار المطول…

ما هي المحطات الأبرز في سيرة الصحفي والكاتب عبد العزيز كوكاس مسارا ونشأة؟

لكل مرء انعطافات أساسية في حياته ،قد تكون عنيفة على شكل زلازل أو انتقالات جارحة ، وقد تكون سلسة و هادئة ..وقد جمعت حياتي بين الانقلابين ،كبرت وسط أسرة فقيرة من حيث المال ،غنية بالحب الذي أمدني بالأمل والتحدي لتحقيق الذات ،كان أقصى ما يحلم به الفرد من أبناء جيلي بحي الخير وفم الأفعى، هو أن يكون شرطيا أو ممرضا…كانت أحلامنا لا تتجاوز اللحاف الذي ننام عليه، كانت المحطة البارزة هي عدم قبول طلبي للإنضمام إلى المعهد العالي للصحافة بعد حصولي على البكالوريا سنة 1985 ،أحسست بإحباط كبير.

والحدث الثاني ارتبط بحادثة سير التي أجبرت أبي ،سندي الأساسي رحمة الله عليه،على مغادرة العمل واضطراري القسري للبحث عن شغل ضد طموحاتي ..وعلى شاكلة أبناء جيلي من نفس الانتماء الاجتماعي الذين لم يولدوا وفي فمهم ملاعق من ذهب ،وجدتني أمارس كل المهن،حمال،بائع سجائر بالتقسيط،مساعد بناء،خضار،مدرس خصوصي…إلى أن اجتزت بنجاح مباراة للتدريس،والمحطة الحاسمة كانت هي مجيء الصحافة إلي ،بدل ذهابي الأول الخائب إليها،بعد عقد من الزمن،حين اشتغلت في جريدة « الزمن »الرائدة في الصحافة المستقلة، كصحافي ثم كمستشار للتحرير،كانت طموحاتي قد اتجهت إلى المجال الأدبي، لذلك كنت أوقع مقالاتي السياسية باسم إبنتي أحلام، كي لاأحرم من نشر مقالاتي الأدبية بالعلم الثقافي والملحق الاتحادي..

هذه المرة ستكتشف الإغراءات المادية للصحافة ؟

(ضاحكا)أبدا،وسأحكي لك حكايتين مضحكتين في هذا الباب..كنت لا أتقاضى أي راتب في » الزمن « ،وكنت على سذاجتي أعتقد أن الصحافة عمل إبداعي بدون مقابل ،وحين أتيت إلى « الصحيفة » سألني رئيس التحرير الزميل نور الدين مفتاح عن الأجر الذي أقترح ،فمات من الضحك حين قلت له ألف درهم ،واقترح علي ثلاثة أضعاف هذا الأجر ،الذي تضاعف بدوره في أقل من ستة أشهر تقديرا لمجهوداتي صحبة زملائي.

والواقعة الثانية،مرتبطة بلحظة بقائي في « الصحيفة » بعد تأسيس « الأيام »،إذ عرض علي بوبكر الجامعي نفس الأجر الذي كان يتقاضاه الزميل مفتاح، 20.000 درهم، فتنازلت عن نصفه لكي لا يقال أني بقيت من أجل هذا الراتب..

فوق هذا قل لي من الصحافي اللي دار بخير من الصحافة ؟

عبد العزيز كوكاس ، صحفي وكاتب متعدد المواهب ،من القصة إلى الرواية إلى الكتابة الصحفية،أيهما أقرب إلى الذات والنفس؟

الإبداع أحب إلي مما أدعى إليه تحت ضغط الواجب.. والصحافة تشعرني أني أذهب إلى فراشي كل ليلة مثل حكيم وأستيقظ مثل جاهل،وهذا أجمل ما فيها.

شاركت في إدارة مجموعة من الصحف المغربية،سواء كرئيس تحرير أو كمدير جريدة أو مستشار للتحرير…ماذا يعني لك فن إدارة جريدة مغربية وما الصعوبات التي واجهتها؟

هناك صحف النعمة وهناك صحف النقمة ،وقدري كان دوما هو إدارة صحف النقمة التي لم تكن تعجب أصحاب الحال، واكتشفت أنه يصعب أن تضمن استقلالية الخط التحريري لجريدتك ،عليك أن تتحول إلى شخص يتسول الإشهار لدى المؤسسات ،أو تضرب بالحجر ليأتي أصحاب الحال للتفاوض معك..وأحلى الأمرين مر.

وبالمناسبة أحيي كل الزملاء الذين اشتغلوا إلى جانبي بحب وتفان ،وكانوا مستعدين للتخلي عن جزء من أجورهم ،من أجل استمرار الجريدة،وأفضل أن يكونوا هم الحكم فيما إذا كنت مسؤولا ناجحا أم فاشلا…

أين انتهت قصة محاكمتكم على نشر حوار مع نادية ياسين أو بقضية ما يعرف ب  »جمهورية نادية »؟

لازال مخرج ما سميته بالقصة دائخا في مخارج الحبكة.

في المغرب الصحفي نجد هذه المفارقة ، موضة كتابة العمود الصحفي لدى شباب في بداية مسارهم في حين أنه في دول عريقة في العمل الصحفي، نجد الأعمدة يكتبها أناس لهم تجارب صحفية متعددة بالإضافة إلى عمر مديد، كيف تنظر لهذه المفارقة؟

في المغرب لدينا مفارقات كثيرة وغريبة ،والسبب فيما ذكرت يعود في اعتقادي إلى أن الصحافي في المغرب يريد النضج قبل الأوان، المسألة غير مرتبطة بالسن ،ولكن بتراكم التجربة، لذلك أصيبت صحافتنا بإسهال التنظير،وكتاب الرأي الذين لهم عقدة سريرية مع صورهم المصاحبة لأعمدتهم الباردة مثل وجبة عشاء بائت.

إلى ماذا تحيل لك جملة : محاكمة الصحفيين والمدونين المغاربة وتشميع مقرات الجرائد وإغلاقها؟

الحرب الخاطئة للدولة ضد الصحافة

هوايات عبد العزيز كوكاس.؟

السباحة والضرب في أرض الله الواسعة،متى وجدت إلى ذلك سبيلا.

أقرب المدن إلى ذات عبد العزيز كوكاس؟

وجدة كهوية لانتماء ملتبس،ومراكش كفضاء أسطوري وسحري.

الكتاب الذي له الكثير من الأثر على عبد العزيز كوكاس؟

« أناشيد مالدورور » للوتريامون،الذي كان إنجيل السوريالية ، وقال عنه أندريه جيد : »حين أقرأ النشيد السادس من أغاني مالدورور،أخجل مما كتبت. « 

الحب في حياة عبد العزيز كوكاس؟

جوهر وجودي مبنى ومعنى ،ولا أوجد خارجه .

لو لم تكن صحفيا وكاتبا ماذا كنت ستختار؟

لربما مخرجا سينمائيا .

باختصار ماذا تمثل لك هذه الكلمات من تجارب:

عشق السينما: اكتشاف سحر الصورة

تجربة الزواج: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن

تناقضات المجتمع المغربي: مشربكا القضية بالزاف

الكاتب المغربي : إما عبد في دائرة المخزن،أو باحث عن وضع اعتباري في مجتمع أمي ، الثقافة هي أخر انشغالاته.

حجرة الدرس وساحة المدرسة:الإحساس بالنبل والمسؤولية الكبرى وأحيانا الشعور بالعبث

عداءات الصحفيين المغاربة:خوك فالحرفة عدوك..

النكتة السياسية: أداة للنقد ووسيلة لتفريغ كل أشكال الكبت ،عبر التسامي

فكاهة رمضان التلفزية:تحتاج أن تصبح موضوعا للتفكه والتندر.

هل تتفق مع القول إن الصحفي يجب ألا يكون له انتماء سياسي؟

الصحافي مواطن ولا يمكن حرمانه من أي حق من حقوق المواطنة،وعلى رأسها الحق في الانتماء السياسي ،كتاباته هي التي يجب ألا يكون لها أي انتماء خارج المهنة .

نتجه في المغرب الصحفي إلى إلغاء وتغييب صحافة الرأي، لماذا تخاف الدولة من هذا الجنس الصحفي؟

في تقديري أصبح الكل يمارس الرأي في الصحافة الوطنية، قل لي أين هي صحافة الخبر ؟

ما رأيك بهؤلاء الزعماء:

عبد الرحمان اليوسفي: سياسي ووطني كبير،حين وصل إلى الشباك لتقاضي أجر نضالات شعب ،لم يبد شطارة كبرى في احتساب التعريفة الحقيقية لتلك النضالات ،هل هذا امتيازه أم ذنبه ،التاريخ ولي هذا التقييم

المرحوم لفقيه البصري: رمز للمغامرة النبيلة التي خلفت أبطالا بدون مجد

عبدالإله بنكيران :زعيم يجسد تناقضات مرحلة سياسية في تاريخ حزبه بين الدعوي والسياسي

فؤاد عالي الهمة :رجل ذكي عليه أن يختار بين أن يكون من طينة رب همة أحيت أمة، أو بين صغار الهمة ممن لا يحيون موات الأمة ، والمستقبل كله أمامه .

المحجوبي أحرضان : دفننا الماضي بدل أن ندفنه

سؤال لم تتردد في طرحه على نفسك مرارا؟

هل كففت عن الخطأ ؟ لأنه حين سيكون الجواب بالإيجاب سأقرأ على نفسي صلاة الجنازة

أظرف واقعة صحفية وقعت لك؟

كنا في « الصحيفة » في نسختها الأولى ،نشرنا خبرا عن وفاة عبد اللطيف السملالي ،أقفلنا العدد يوم الأربعاء ليلا والذي يكون متوفرا بجميع مناطق المغرب يوم الجمعة ،يوم الخميس تم توزيع العدد ..لم يكن الرجل قد توفي ..فوقعنا في مأزق أخلاقي حقيقي ،إلا أنه يوم الجمعة توفي الراحل السملالي..

كيف تنظر لهذه الأسماء والمؤسسات الثلاثي: رشيد نيني، توفيق بوعشرين، علي أنوزلا…؟

لكل أسلوبه الصحافي وحجم تأثيره

اتحاد كتاب المغرب:مؤسسة لعبت أدوارا طلائعية غير أنها لم تسلم مما أصاب باقي المؤسسات المضادة بالمغرب ،لأنها لم تتكيف مع متغيرات الواقع.

حزب الأصالة والمعاصرة: برغم الشكل غير الطبيعي لولادته، فإنه أصبح رقما أساسيا في المعادلة السياسية ،والعبرة بالخواتم ،إذ ليس كل ما يلمع ذهبا.

إذاعة طنجة:إذاعة رائدة بفضل إبداع ثلة من صحافييها .

عبد الهادي العلمي: رجل أكتشفه عن قرب بحميمية أكبر ، أقدر فيه جرأة الاستثمار في حقل الصحافة، في زمن ارتفعت فيه تكلفة الاستثمار الإعلامي رمزيا وماديا.

جمعية حماية المستهلك: إضافة جديدة في حقل العمل الجمعوي تبرز الاهتمام المواطناتي في المغرب ،بالجيل الجديد من الحقوق الكونية.

بعد رواية « ذاكرة الغياب »ونصوص  » سطوة العتمة » ،ماهي مشاريعك الصحفية المقبلة وكتابك الإبداعي الجديد؟

على المستوى الصحافي أنا منخرط في مشروع جريدة يومية صحبة عبد الهادي العلمي،أما على المستوى الإبداعي فلدي كتاب نقدي تحت الطبع بعنوان »في مملكة السلطان »،وكتاب في الشذرة « حبل قصير للمشنقة ».

نريد أن نفهم!
« البعض يخون لكي ينسى، والبعض ينسى لكي يخون »

عبد العزيز كوكاس

عبد الرحمان الخطيب وزير داخلية الحكومة المغربية التي كان يرأسها محمد باحنيني والتي رفعت المعارضة بشأنها أول ملتمس رقابة في يونيو 1964، وأحد مؤسسي جبهات الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) هو أخ المقاوم عبد الكريم الخطيب زعيم الحركة الوطنية الشعبية الدستورية التي ستضم في طياتها النواة الأولى لحزب العدالة والتنمية الذي يحكم المغرب اليوم.

السيد عبد الرحمان الخطيب لم يلتحق بحركة مقاومة الاستعمار الفرنسي كما فعل أخوه الخطيب، بل غداة أول عمل فدائي بعد نفي زعيم التحرير محمد الخامس إلى المنفى عام 1953، وعلى إثر تفجير أول قنبلة بالسوق المركزي بالدار البيضاء والتي كان وراءها محمد منصور، أوردت جريدة « le petit marocain » التابعة لجريدة « ماس » الاستعمارية خبراً مفاده أن « هيئة دفاع الإرهابيين المخربين تتكون من عدة محامين بينهم المحامي عبد الرحمان الخطيب »، لكنها بعد ذلك ستنشر بيان حقيقة وتكذيب توصلت به من عند الخطيب، يقول فيه: « أنا لست مغربيا، أنا فرنسي وأفتخر بجنسيتي »، بل الأدهى من هذا أن عبد الرحمان الخطيب وزير الداخلية المغربي في مرحلة الاستقلال نصب نفسه محاميا عن أحد الضحايا الفرنسيين لإبراء ذمته من الانتماء الوطني، وقال أثناء المحاكمة العسكرية الفرنسية في مواجهة المتهمين من رجال المقاومة وجيش التحرير: « هؤلاء المجرمون، هؤلاء الناس الذين استطاعوا إراقة الدماء في يوم ميلاد المسيح، في يوم عيد ليس فقط عيد النصارى، بل عيد العالم أجمع.. هؤلاء أنا لا أتكلم عنهم »، هذا الرجل سيصبح فيما بعد وزير الداخلية في حكومة المملكة المغربية، مدافعا عن الوطن وعن الملكية!

مولاي أحمد العلوي يكاد يكون الوزير الوحيد على عهد الحسن الثاني الذي لا يخرج من وزارة إلا ليدخل أخرى، لدرجة يردد البعض أنه قال للحسن الثاني يوماً: « إذا ترك لك والدك الراحل وراثة العرش فقد ترك لي وراثة الوزارة… ».

مولاي أحمد العلوي صاحب القفشات السياسية التي لا تنتهي، في عز محنة الشعب المغربي مع نفي محمد الخامس، وحين وجه علال الفاسي نداءه الشهير من القاهرة إلى الشعب المغربي لمقاومة المستعمر الذي أهانه بنفي سلطان المملكة، وهو النداء الذي نشرته جريدة « روز اليوسف » المصرية، كان أحمد العلوي بباريس قد أجرى استجوابا مع جريدة فرنسية، مما جاء فيه: « ..وجدير بالذكر أن جريدة « روز اليوسف » معروفة بلهجتها المتطرفة الخرقاء، وعلى كل حال فيما يهم العلاقات الفرنسية المغربية، فإن كل كلامك مهما كان مصدره والذي يقارب أو يشير إلى استعمال القوة، فكل من قال مثل هذا الكلام أو يريد أن يجعل العلاقات بين المغرب وفرنسا متشنجة، يجب أن يُرد عليه هذا الكلام بقساوة، وكل من يريد إفساد العلاقة بين فرنسا والمغرب يجب أن يقاوم، لأن كلاماً مثل هذا لا يصدر عن عاقل ».

كلام مثل ما صرح به أحمد العلوي هو الذي جعل عبد اللطيف بن جلون الذي كان رئيس فريق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالبرلمان يقول في يونيو 1964 متوجها بحديثه إلى الوزير أحمد العلوي: « أنا لو كان لي ماض كماضي العلوي لما كنت هنا، بل لكنت ذهبت إلى حال سبيلي، ولكن « إذا لم تستح ولم تخش عاقبة الليالي فاصنع ما تشاء » ».

الوزير الأول الذي قاد الحكومة المغربية منذ مجيء الحسن الثاني إلى العرش هو أحمد باحنيني، هذا الوزير كان من بين الأعيان الذين زاروا السلطان/ الدمية بن عرفة لما قدم إلى فاس وقبَّل يده، وأصبح فيما بعد وزيراً في حكومة ابن محمد الخامس المنفي الذي خلعه الاستعمار الفرنسي ووضع مكانه السلطان الوهمي بن عرفة…
بالله عليكم ألا تحتاجون مثلي إلى حبَّة فهامة… كيف أصبح مناهضو حركة المقاومة ومناصرو الاستعمار وعملاؤه، رجالات الحكم في المغرب المستقل؟!

نحاول أن نفهم فقط لكي لا نموت بلداء.

عبد العزيز كوكاس

السبت 12 ماي 2012

رسالة إلى إرهابي ___ عبد العزيز كوكاس
عبد العزيز كوكاس

« تتألم لأنك لا تتألم، ذلك هو الحجر الوجداني » أنسي الحاج

أيها الإرهابي الذي يتسلق دمنا.. كن إبن من شئت، لكن كن واضحاً كما الحقيقة، لنسير نحو المبارزة كندَّين يتصافحان وجها لوجه، قبل الاقتتال على الحلبة والموت بشرف الأبطال الكبار!

لماذا تطعنني من الخلف، بخنجر الغدر مثل أي جبان، وتهرب لتختبئ في محجرك مثل خفافيش الظلام.. أيها المتكئ على أساطير بناء بيت في الجنة من أشلاء الأبرياء.. أنت الإرهابي، المبتدَع أو الحقيقي، الرافض للتقنية المستخدم لها في تفجير أُناس كانوا يتقاسمون أحلامهم ويضحكون على بعض صور اقتنصوها من مباهج هذه الحمراء الساحرة، أرض سبعة رجال؟ من أين تسللت بعيداً عن يقظة الحياة؟ كيف تسلقت شجرة « الأركانة »، لتغتال حق الناس في الحب وتقاسُم الحنين والذكريات.. ما أجبنك!

هل لابد من الموت المتوحش لنَقيس حجم مغانم الحياة؟ هل كان ضروريا لتهيئ للموت وجبة من أشلاء تجاورت في مقاعد الحياة واختلطت في ثناياه، بسبب بغضك وأحقادك، بالدم ورائحة البارود؟ نحن الذين كنا نتغنى باستثنائنا الجميل، بتساكُننا وتعايُشنا بالود والمحبة، نحن المتدافعين في الأرض، من أجل أن يكون لهذا البلد وجه طفل له شكل الزهرة وطعم البرتقالة، وأن يكون لأبنائه الحق في الترقي في سلم الحياة وصناعة مستقبلهم بكل الأمان والتفاؤل اللازمين، كنا نعرف السبيل لتساكن الشر والخير فينا، لأننا لسنا ملائكة تماماً، ولسنا شياطين مطلقاً..! ولكن فقط نُحس بجاذبية المكان وألفة الذاكرة ورائحة الأجداد في هذا الوطن، فأي جحيم قادك إلينا؟ بأي حق تتجاوز عتبة الدم دون استئذان نسمة الحياة فينا؟!

تتسلل في واضحة النهار إلى المقهى، تطلب كأس عصير البرتقال، وتترك حقيبة الموت وتؤدي للنادل تذكرة الرحيل إلى الجحيم.. لماذا تقتلنا لتحيا، تغمس فرحتك من أشلاء الأبرياء ودماء الضحايا التي اختلطت بأواني المقهى وزجاجها وإسمنت سقفها في أرض النخيل..؟! هل كنت في رحلة صيد، أو باحثا عن مغانم لحم مكسر ونثار جثت ودخان ودم تناثر في مقهى الحياة؟! تسللت بمكر الثعالب إلى أحلامنا المخبأة لتغرس فينا مُديتك وترحل مثل غُراب البين؟!

نحن المنذورون اليوم للحزن، لسد ثقب في الرئة خلفته حقيبة موتك، نقف على عتبة الدار ونستقبل المعزّين، ونحصي كم تابوتا سنخبئ فيه شهداءنا، ونحرس سجَّاد هيكل أحلامنا من أقدامك النَّجسة.. علينا أن نتعلم كيف ننظف أحلامنا من كابوسك، وننزع شوكتك، علينا أن نتعلم كيف ننظف أحلامنا من كابوسك، وننزع شوك إرهابك من طريقنا.. وفي ظل كل هذه القيامة التي زرعتها في يقظتنا.. علينا ألاَّ نستكين لاستراحة القيلولة ولحزن الجنازة، ولظل الليل الذي يريد أن يطفئ أزهار الحديقة.. وأن نتعلم كيف لا نستسلم للعتمة التي أصابت قطارنا في التباس المنعطف التاريخي لجيل له عينان بسَعة الحلم تضيئان عتمة النوافذ.

كم يلزمك أيها الإرهابي من ألم لتبتسم لأسيادك؟ كم تحتاج من تابوت ومن عتمات ليل لتختبئ وراء نتانتك؟!

نحن لا نستسلم للخديعة.. للهواء الأسود، لنقطف عنقوداً أو نجمة عالقة في السماء، لا يحجب الغيم طريقنا نحو ما نريد أن نكون عليه، فلنا مالنا من قوة الريح لنُزيل الغبار عن طريقنا، ولنا ما لنا من مطر يكفي لينبت عشب الحقيقة.. ولنا ما لنا من قدرة على تذكر أسمائنا بعد كل حرب أو حادثة سير، نحس بالألم لأننا لا زلنا أحياء، ولك ما لك من صرخات الموتى مثل عُواء الذئاب الجريحة تفترس ما تبقى فيك من مغنَم حياة، ولك ما لك من فلول الندم لتأكل ما تبقى فيك من زمن الساعة الرملية.. وأمامنا الغد يحفر أخدوده عميقاً صوب شجرة الأمل.. وقدرة الجسد على تحمل الجراح لأن به نسمة حياة.. وغداً سنُسقط جراحك من ذكرياتنا، ورمل ساعاتنا، ونغسل شجرنا مما تطاير علينا من قذائف حقدك لنزهو بالحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

خسئت أيها الإرهابي.. فأنت مجرد جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب أمام طموح أمة لا يثني عزمها سم الغدر وسكين الخيانة، وما تراكم على الطريق من شوك وهباء!

سماء محتجزة

عبد العزيز كوكاس

« كيف لا تسقط هذي الشمس في حضن السبايا » قاسم حداد

ما لها السماء معلقة هناك إلى الأبد كفكر عجوز أو رؤى متكلسة تفتقد نزق الموج وتأوهات الريح.. لا نسمة حرية تشتهيها؟ لم لم تهو من فوق من فرط التعب أو يغمى عيها بسبب الملل الرعاف؟ كيف يظل كل هذا الفضاء الفولاذي الأزرق معلقا في الفراغ بلا قلب أو وجع.. وما الحنين إلا للحبيب الأول؟.

السماء مثل جرح مسلمة ذابلة لا تتحمل وزر الشك..لا تفتح طريقا مشتهى، لا تسند حائطا للأمل، ولا تغرق في أسى شفيف يدفعها للبحث عمن يملك مفاتيح أسرها.
ما أروع شطآن البحار حين تمحو كل صباح ما علق بها من كدر.
حتى لو كانت السماء خدرا نأوي إليه لتنزاح الحجب بين الخالق والمخلوق، فإنه لوضع كئيب أن تظل معلقة في مكانها إلى الأزل منذ الانفجار السديمي الأول، تطل بلا كلل من فوق رأسي الذي يسقط عني أكثر من مرة في اليوم.
لم لا تحس يوما بواجبها في التحليق نحو الأعالي أو النزول نحونا، لتبادل نخب قبلة أو كأس لتعيش بدون كبرياء جريح.. ما لها تبدو مثل حارس ليلي أو كبزة عسكري مجهول معلقة في الهواء، تتزين بنجوم ونياشين لا تضيء لها درب الحياة؟.
عليها أن ترتج قليلا لتستعيد حريتها وتنزع ما يسلب زهرة عمرها ويشقيها، أو تسقط عنها ما تراكم من غبار السنين وتغادر موطن عزلتها القاسية.
كيف لها أن تظل شاهدة على كل ما مر بنا من آثام وتصم آذانها عن صرخات المنبوذين والمفجوعين، وتحافظ على هدوئها.. كيف تبقى معتقلة بعيدا هناك فوق منصة الهواء، فارغة بلا معنى، جذبة من نعمة التحول؟
على الأقل ففي الأرض والبحر ما يغير من نمط إيقاع الأشياء.. وبعض ترتيبات بسيطة دالة على أثر حياة.
الدروب تمضي والأبراج العالية تبحث أحيانا عن متكئ تنفض عليه روتينها الشامخ، وأجراس الأودية ترن كل صباح، والأرض تتشبث بأشجار السنديان أو بأعمدة الجبال وتقف أمام المرآة كالصحو لترى فتنة جسدها وتنام سكرى حالمة بغد أجمل..

على الأقل، فالأرض هنا تغير من عاداتها بين الفصول، وتهتز مرة زلزالا أو بركانا من غضب وتحضن أجسادا شهية وفاتنة، والبحر يهب غاضبا والموج يندفع هاربا من أسر الثبات متوثبا مفعما بالحياة والحرية، والشمس تغيب لتتجدد، والغيوم تبكي من أجل فرح الحقول، أو استياء من قدر أعمى أبقاها هناك معلقة إلى الأبد بقرب سماء باردة النفس.
وحتى تيجان الملوك التي صيغت من ذهب ورصعت بنجوم اللآلئ تنزل من الرؤوس كل ليلة، لتستريح من قدر الأعالي وتعانق لذة الحياة.
هل السماء ميتة؟ إذ الموتى وحدهم لا يصدقون أن الربيع يزهر حتى في المقابر، لم لمْ نعتبر بحكمة الغرابين في الحكاية، وتركناها جثة متعفنة في العراء؟.
يا لغموض السماء، تظل فوق رؤوسنا رابضة هناك بوجه شاحب، لا تقلق، لا تضحك ولا تبكي؟ هي لم تنعم يوما بمتعة التيه والضلال، لذا لن تتعلم أن السقوط شرط للسمو.. مثل أزهار بلاستيكية لا تذبل لتنتقم من وشم الغبار والشحوب المتراكم، لماذا لا تجمع أطراف جلبابها الأزرق الواسع، وتنفض ما علق بها من نجوم وكواكب، وتهرب بعيدا نح مجهول ما؟ لم لا تشق قميصها يوما وتغادر احتجاجا على الرتابة والتمسك بالحق في تغيير الأجواء؟.
ما هذا التسامق بلا نفحة كبرياء؟ ولأي شيء يصلح كل هذا الجبين الفسيح بدون كرامة أو نبض أو نزوة أو غواية؟ كيف تظل مستقرة ثابتة في مكانها كما لو أن هناك شخصيات أسطورية عملاقة أوثقتها بحبال غليظة أو سلاسل حديدية مثل المشانق، ترتفع فوقنا كجرح بلا ضفاف؟
كيف لا يتألق في عينيها حلم، ولا يزهر في قلبها خاطر أو ارتعاش أثر قبلة ولا يعتريها مس أو جنون « فتثور معي وتخون »، وتعلن عن تمردها على كل الوصايا التي شدتها إلى الأعالي، هناك إلى الأبد، كعقاب أزلي؟.
أحلم يوما أن أحذق مليا في السماء فتتلاشى مثل اللوعة الحارقة، أريد أن ألمس الشهوة المشتعلة للجسد الذي يغطيه هذا الحرير الأزرق، تتملكني رغبة نمرودية.

كلفة الحب و تكلفته عبد العزيز كوكاس

عبد العزيز كوكاس

البيت موحش بدونها..سأتعلم هذا المساء كيف أقترف الغزل في حقها..هدني الانتظار وقد تركت بوابة رأسي مواربة، فلا يمكن تركها تقف لحظة على الباب مثل الشحاذ،وظللت أتعلل بالنسيان..لعلها تأخرت بسبب الزحام أو حادثة في الطريق، أو فقدت شهية اللقاء.. لعلها استغرقت وقتا أطول فيزينتها لتكون جديرة بي، وتكون في عيني أحلى.. لعلها أخطأت العنوان، فعتبة باب بيتي مشابهة لبيتالجيران.

قد تكون الآن وقفت في منتصف المرآة حائرة بين عاشقين.. أعرف أني الأقل إغراء والأسوأ حظا.

أسقطني عطرها في تلابيب حتفها.. فكانت ذريعتي لكل الحماقات، مثلي هي الآن تشعر ببعض الضجر.

وحدها من ألهمت الجرح الغامق، وأقنعتني بعدالة دكتاتورية مملكة العشق.

مثلما يحن الليل لمحو الأشياء، كنت أبحث عما يزيل أثر خديعتها..

سأولم لها لكي لا ينحرف ظلها عن جهتي.. أنسج من تنهداتها لباسا للسنونو.. ومن عطرها أصنع دليلا

للعصافير التي أضاعت فراخها.

أناجيها.. رجاء لا تجعلي مواعيدك مثل قبلة يمحوها رذاذ المطر، لا تكوني مثل فاكهة تسقط على الأرض

ككذبة أو ساعة من الوقت الضائع أو الوعود النائمة على شفتين كسولتين.. ثم أعدت شريط آخر لقاء.. هل

حدث بيننا سوء فهم؟ هل قصرت في حسن الضيافة؟

قمت من جديد لأنظف المنزل.. سأحرص على بقاء عطر النظافة مشعا، ولن أبقيها تنتظر أمام الباب، فهي

هشة مثل النسيم العليل.. وضعت القلم والأوراق فوق المائدة، أبعدت المزهرية عن تيار الهواء.. سأنزع

عنها معطفها وقبعة الريش، سأجلسها هنا، لا هنا.. أو هناك أحسن، كي لا يزعجها دخان السيجارة، قبل أن

أستأذنها في كأس نبيذ، أو أصنع من دمي وسهري سريرا لقبلتها.

ما أقسى هذا الانتظار الرعاف.. أتعبني فراغ الجمجمة، رهبة الضوء حين يفزع من سديم العتمة.

بدونها أبدو غارقا في سديم الضحالة حتى قنة رأسي، تبدو شجرتي مثقلة بهزال من الثمار البليدة، والتيه

البطل الرئيسي والوحيد في مسرحية حياتي..

آه، لقد هدني انتظارها.

الفكرة أحيانا مثل المطر أو الطبيب الذي يأتي بعد فوات الأوان..

كيف سأواري رأسي في هباء الفراغ والليل المعتكر بهم تناسلي.. دماغي مثل سراج بدون زيت تشعله

فتيلة آهاتي، ووحدها الفكرة مسؤولة وأنا الضحية.

استدراك …

طوال وقت الانتظار ظللت أفكر في أي قوة ستمنحني جرأة فك أزرار ثوب فكرة لأحل أوزار الوجود.

عبد العزيز كوكاس

25. 4. 2012

الضرب المنظم
 » إن المجتمعات الفاسدة تعرف جيدا كيف تحمي أفرادها الفاسدين  » هويتمان

الكاتب الإعلامي عبد العزيز كوكاس

على خلاف « رجال في الشمس » الذين لامهم أبو خيزران على عدم دق الخزان حينما شعروا بالجو الخانق داخل خزان الشاحنة كما في رواية غسان كنفاني، نحس أن الكثير من الفاعلين بالمغرب على اختلاف مجالات اشتغالهم يدقون الخزان الذي يقوده عبد الإله بن كيران… هل أحسوا بالاختناق؟!

لم يقطع سائق الشاحنة سوى مساحة مائة يوم هي عمر الحكومة الحالية، لكن مع ذلك هناك الكثيرون يدقون خزان الشاحنة التي أمامها خمس سنوات كترخيص منحه المغاربة لعبد الإله بن كيران ليقود شاحنة المغرب في متاهات الصحراء نحو مرافئ الأمان.. هل أخطأ السائق الطريق؟

من حق الراكبين أن يخشوا حوادث السير التي أصبح ضحاياها يرتفعون في وطننا بشكل مهول.. رغم وجود مدونة للسير، أكيد أن بن كيران لا زال حديث العهد بالسياقة، وما زال معلق « بلاكة 90 » على عربته، ولا يمتلك خبرة كبيرة في متاهات الطرق ببلادنا، والكثير من أعوانه لا يقدمون له الكثير من العون ليوصل شاحنته إلى الوجهة التي ارتضاها الراكبون الذين منحوه الثقة ليوصلهم حيث يريدون، لا حيث يريد السائق وأعوانه..

هل يعلم بن كيران أن الكثيرين ممن صوتوا على حزبه، وارتضوه أن يقود شاحنة الحكومة ليسوا كلهم محافظين ولا يمكن اعتبارهم قوة حزبية أو كتيبة خامسة للعدالة والتنمية، أعرف العديد ممن صوت على بن كيران ممن لم يضع جبهته يوماً على الأرض، ولا يتكلم مع أبنائه في البيت سوى بالفرنسية، ويصحب أسرته إلى الشاطئ ويسبح إلى جانب زوجته وبناته دون شعور بارتكاب معصية، ويحافظ على طقوس « Samedi soir »..

هل يعي سائق شاحنة الحكومة أن العديدين ممن قبلوا وضع نفسهم في خزان الشاحنة وتسليم زمام القيادة لعبد الإله بن كيران، أن سماع الآذان في القناة الثانية وتقديم رخصة مرضية باللغة العربية أو الأمازيغية… ليس من أولويات أولوياتهم اليوم، وبينهم من يجهل أبناؤه حرفاً باللغة العربية…

لقد صوتوا للعدالة والتنمية لأنهم فقدوا ثقتهم في اليمين واليسار، في الوطني والاشتراكي، في اليميني واليساري، وهدفهم تحقيق منافسة اقتصادية مبنية على الحكامة وتكافؤ الفرص والمساواة، ورهانهم هو تحقيق الديمقراطية وحفظ الحقوق وحماية الحريات، ووضع حد لكل أشكال السيبة والرشوة والاستبداد والفساد، لكن هل مائة يوم كافية لحكومة منتخبة لمدة خمس سنوات للحكم عليها بالفشل؟!

أستغرب هذا الضرب القاسي في حكومة بن كيران.. ضرب من كل الاتجاهات، كما لو أننا أمام سمفونية يسهر على توجيهها قائد أوركسترا ذكي وفنان مبدع، لكنه غير بريء.

ارتفع سقف المطالب الاجتماعية، المعطلون أصبحوا يحرجون بشكل يومي حكومة بن كيران، الهوامش تنتفض، قطاعات حكومية تلجأ إلى كل أشكال الاحتجاج للمزيد من المكتسبات، النقابات تبدأ لغة الوعيد تجاه الحكومة، الإداريون الكبار يضعون العصا في عجلة شاحنة بن كيران… أومن بعدالة كل المطالب الاجتماعية والحقوقية التي تُرفع هنا وهناك، لكن وحدها « الموت تأتي دفعة واحدة » كما يقول أجدادنا، لكن في السياسة وفي المغرب خاصة يحدث ذلك أيضا.

بالإضافة إلى تلغيم حكومة بن كيران من الداخل، هناك سعي إلى تحريك الإدارة المغربية لفرملة السرعة التي يريد أن يسير بها سائق شاحنة الحكومة، ومهما كانت عدالة مطالب المعطلين، فإن هناك من يضع الكثير من الزيت على المحركات الصدئة في دواليب الحركة لتسير بأقصى سرعة ممكنة وبالمقابل توريط الحكومة في ملف قمع حرَكاتها الاحتجاجية التي تبدو للرأي العام أنها معقولة، ثم هذا التداول « الكوسموتيكي » لهفوات رجالات الحكومة في وسائط الاتصال الاجتماعي يبدو لي أنه موجه وعن بعد بطريقة ذكية، ولعل هذا ما يفسر انتفاضة أبي خيزران.. أقصد بن كيران، ليس احتجاجاً على عدم دق المسافرين معه لخزان شاحنته، بل للاشتكاء من كثرة الدق وهو في بداية الطريق وقبل أن تشتد حرارة الخزان في متاهات الصحراء التي من المفترض ألا يخرج منها إلا بعد خمس سنوات لا ثلاثة أشهر!

يبدو في منطق التحليل البعيد أن السلطة السياسية لا زالت تراهن على « الأصالة والمعاصرة »، لاستقطاب أطر الإدارة المغربية برغم النكسة التي أصابته مع هبوب الرياح العربي، وأن السلطات العليا اكتشفت ثغرات قوية في الدستور الجديد، في حالة عطب رئيس الحكومة وحاجة الملك إلى بديل بسند دستوري دون إجراء الانتخابات من جديد.. لذلك فإن الهدف المركزي في المدى المنظور ليس هو محاولة إضعاف حزب « العدالة والتنمية » وإنما التأثير على قياداته النافذة واستقطابها إلى مربع الحكم وامتيازاته، والهدف هو الانتخابات الجماعية القادمة، هناك سعي حثيث للنافذين في مركز القرار لإجبار حزب بن كيران على اقتسام مناطق النفوذ في الانتخابات المحلية، وهنا أستعيد شريط حقائق وقعت في الانتخابات السابقة.. لقد تم إقصاء العدالة والتنمية من تسيير العديد من المدن التي لهم فيها أغلبية مريحة من سلا إلى طنجة فالرباط، وكيف كان أحد رموز « الحزب الأغلبي » فعالا في التأثير على تشكيل المكاتب المحلية، لكن ما هو الهدف من كل هذا الضرب الحالي في حكومة بن كيران؟

أعتقد أنه يتمثل أساساً في إجبار القيادة النافذة في حزب العدالة والتنمية على التوافق مع السلطة السياسية على الخريطة الانتخابية في الاستحقاقات القادمة على أساس عدم اكتساح المدن الحضرية التي تمثل شرياناً أساسياً للنظام السياسي، خاصة: الرباط، مراكش، طنجة، أكادير.. والباقي يمكن التفاوض حوله، ويبقى الزمن هو الرهين بكشف سر هذا الضرب المتناغم والممنهج في خزان الشاحنة التي يقودها بن كيران.

جــريـــــمـــة

شـعـر : عبد العزيز كوكاس

من قتل الفراشة؟
تُويج الوردة، يد الهواء، دمعة طفل..
قطرة ندى في الاتجاه غير الصحيح
… أيقونة الوقت.. أسرى الغبار؟
مجاراتها لصوت الريح، تجاوزها لسياج الحقل.
تجسسها على رائحة الله في أكمام زهرة؟
رائحة الغريب في الحقل أم السياج الشائك..
سحر الضوء، جثة الفراش المنجذب إلى الحلم الموعود؟
فوق الزهرة أثر دم الفراشة..
بسمة مبهمة ملتصقة بالعشب
وقطرة دمع على خد تمثال ملطخ بالعزلة،
الشجرة حزينة، لكنها تخفي شهادتها في الجريمة.. ثمة لغز.

قد يكون هو المتهم بقتل الفراشة، والجهات الوصية لم تفتح تحقيقا في الموضوع.
هل قتل فراشة مثل جريمة في رواية، لا يعاقب عليها القانون

الشَّذرة كمحاولة لكتابة الصمت

عبد العزيز كوكاس

« كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة » النفري

تمنحنا الدلالة المعجمية للشَّذرة مفاتيح سحرية لولوج عوالمها، إذ نعثر في « لسان العرب على دلالات باذخة لجذر »شذر »، منها:
الشذر واحدة شذرة: قِطَع من الذهب يُلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، ومما يُصاغ من الذهب، فرائد يُفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وهو أيضا صغار اللؤلؤ، أو قطع صغيرة كرؤوس النمل من الذهب، أو خُرَز يُفصل به النظم.

وشذَّر النظم: فصّله، والتشذر: النشاط والسرعة في الأمر، وهو الحركة المعبرة عن الفرح، تقول تشذّرَت الناقة: إذا رأت رَعِيَّا يسرها فحركت رأسها مرحاً وفرحاً.
والتشذر هو التفرق والذهاب في كل وجه مذاهب شتى.. شذر مذر.
الشذرة إذن قطع ذهب، فرائد لؤلؤ وجواهر، معادن كريمة من أنفاس حرى، لا ما تساقط في سلة مهملات الروح ،هي مرآة الكينونة، تشظي المرآة احتجاجا على رؤية نفس الوجوه والصور على صفحة وجودها.. هي القدرة على اقْتناص التَّفاصيل العَلَنية وكتابتها بحِبْر سري، الْتِماعة السهو أو صوت ما بعد منتصف ليل الروح.. للشذرة طقوس تستقطبها من أقاصي مملكة الأناشيد، وتحتاج دوما إلى قرابين استثنائية تُماثلها في التَّفرُّد، وقليلون من يستطيعون إنقاذ الشذرة من تعب الاستهلاك العام.

الشذرة تخلِّي الطير عن الضروري من ريشه دون أن يموت بردا.. امتلاك السبيل نحو الجغرافيا السرية للذات دون الوقوف أمام العتبة وانتظار حُسْن الضيافة، هي امتلاك ما نكتبه قدرا كبيرا من الوقاحة ليُعَرِّي مُؤخِّرته في وجه الوصايا والموانع والآراء المسبَّقة، وكل هُزال الأمخاخ الذي أَوْرَثَنا أن نكون صالحين في أَعْين المؤسسة، لأن الشذرة محاولة (Versuch) لهتك « حرمة الخطاب والإجماع القائم » بتعبير هايدغر..لذلك يعتبر اللعب والتشويش رهانها الذاتي، خاصة حين تتناول الهامشي والمنسي ، هي نسغ الكلام ولبُّه.. مدُّ وجزر الكينونة، وتَلَقِّيها يفرض امتلاك فن السخرية والتهكُّم لنُدوخ العالم حسب الساحر موريس بلانشو الذي وسم الشذرة بفن الخلود واعتبرها ف.شليغل خطاب المستقبل!
ليس في الشذرة قدرة على إعادة التَّصويب والإضافة والمحو، لأن المعنى الأول الذي وُلدت به واللِّباس الذي اتشحت به مُتَستِّرة عن أَعْين اليقظة، هو مبلغ التَّمام في اللاوعي.. وأي محاولة للتصويب هي هَدْم كلي للمنتوج الأصلي.. لكن الشذرة سليلة المحو وبراعة البستاني لتشذيب أزهار الحقل، دون قتل الحياة في الوردة، في ثناياها تتحول الذاكرة إلى مجرد ظلال للأطلال، مقبرة لا تصلح إلا لتسَكُّع الموتى!
الشذرة لآلئ الحقيقة التي تنفلت من طي النسيان وظلال الظلمات، كَسَطْوة الريح حين يُسقط كل الأوراق الزائدة أو يُشَطِّب الشوارع من رمال تائهة أو زوائد عالقة دون حاجة إلى عُمَّال النظافة أو حطَّابي الأشجار.. أقصد النقاد! لأن الشذرة، بتعبير جيل دولوز، هي: « بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذر تفكيك سننها من قبل القانون والنقد والمؤسسة ».

إنها سليلة الحذف المضاعف، قوة الإيمان بإزالة ما عشقناه وهو مجرد فُضْلة.. لأن فضيلة الشذرة، تَنْقية وتطهير العبارات من الفُضْلات.. زُهْد اللغة وتقشُّفها الزائد الذي يمنح الوضوح الأعمق للكلمات، هي الدليل على أننا انتقلنا من تقويم شكل العبارة إلى تَشْذيب عمق اللغة، في الشذرة لم نَعُد نَبْحث عن المعنى الصحيح، بل عن الكلام السليم الذي يُسَايِرُ إيقاع دهاليز الروح.
ليست الكتابة الشذرية مجرد تجل « للاقتصاد اللغوي » أو هوى التجديد والخروج عن المألوف، لأنها جوهر لا هامش، جغرافيا اللفظ تبدو أحيانا أقوى من تاريخ الفكرة، لأن التشظي فن التفرد بامتياز خارج أي فكر نسقي، لذلك سيحار جينيت الباحث في جينيالوجيا الأجناس الأدبية وكريستيفا الباحثة عن تلاوين  » علم النص »، وباختين المفتون ضمنيا بالأصوات المتعددة ..سيحارون في تحديد معنى الشذرة، ببساطة لأنهم كانوا يبحثون في أنواع الكلام، والشذرة تنتمي إلى فضيلة الإشارة لا فُضلة الكلام، ولأنها لا تُقيم إلا فيما يُعتبر خروجا عن الأجناس، لأنها أم الأجناس، فيما هي سليلة لها.. فالشذرة هي فن الصراخ الصامت ضد الأنساق والتفكير الكلي.
الخروج عن استبداد النظام، وإجماع النقاد وثبوتية الواقع هو ما يجعل الشذرة فن التشظي سمة الوجود.. الهوية الواضحة مثل تعيين داعرة وسط نساء، هو ما تلفظه الشذرة، لأنها ضد التعيين، لا تقيم في زمان ومكان محددين، التحديد ليس من خصائصها الجوهرية.. لأنها أشبه بمنفي يظل متشبثا باعتقاده أنه البدر الذي يحتاجه السراة في الليلة الظلماء.. ظلمة الكتابة.
الكتابة الشذرية تعصف بالنسق وتجعل نظام الكتابة مثل الفراش المبتوت، تحتفي بالبياض وبهجة الفراغ، وجدل التفكك والانفصال.. هي اكتناز درر الحياة في لمحة أو ومضة، لها جاذبية الانزياح، ذلك الترميز الأنيق المليء بدهشة المعنى البكر، والتقطيع المتمرد على فكر الوحدة والتجميع والنظام والنسق.. لا مجال للتصنيف في الشذرة بين الأدب الصغير والأدب الكبير، بين الأدب الرفيع والأدب السوقي.
اللغة كهوية، كنسق للوجود سابق على الدلالة، تتحول في الشذرة إلى ذلك التكثيف الأسمى لبوح المعنى، لا ثبات في أسس الشذرة، المتغير والمتحول والمتبدل هو ما يجعلها ذلك النثر الراقي الذي لا يأبه بتلوينات القواعد المُحنطة للشعر..هو ما يزرع الحيرة في أدوات النقاد الكسالى الباحثين عن الجاهز في قلب المعنى الثابت.
الشذرة كُمْشة من نجم الكلام، واللغة الشذرية مثل سفينة في مهب الأمواج العاتية تتخلص مما زاد من سقط المتاع الذي بدا لنا ضرورياً للرحلة ونحن في مرفأ الأمان.. فهي تنتمي لفضيلة النقصان لا لتَبَجُّح الكمال، تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم المفتون بما يجري على السطح!
هي رقصة الجسد متحرراً من شظايا الوصايا التي تميل إلى السكون، أو ما أسماه نيتشه « برنَّة الجسد » التي قال عنها بمرح طفولي: « لم تستطع لغة أَلْبتة أن تُعبِّر قبلي عن هذه السعادة الزُّمردية وهذا الحنان الإلاهي »، لأن الشذرة عدوة الثبات، كما أنها ضد زيف التحول بدعوى مواكبة العصر، انفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز.. سليلة الهباء هي، لا تحنُّ إلى ماض ولا تبني حاضراً ولا تستطلع مستقبلا، لأنها تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول.
الشذرة هي الكثافة اللازمة للكتابة، فرح الدال وغبطته بانفلاته من سلطة ميتافيزيقا الدليل، هي الالتفات الدقيق للهامشي واللامعقول.. ضد الحضور لأنها سليلة الغياب، لذلك تميل إلى سطوة الأبيض على الأسود، عبر تضييق مساحاته والرقص الحر على حلبته!
هي مقاومة تصدع العالم بالنَّزر القليل من الكلام على شاكلة شطحات الصوفية، تُزلزل ثرثرة الأشياء ذات الجلبة على السطح، لأنها تغوص بعيداً في خلجان عميقة للتاريخ، للإنسان، للطبيعة، للعالم.. ولما لا يُصاغ في لغة مسكوكة هَرِمة، لذلك ترتسم اللغة الشذرية على شكل متاهة تُماثل انعراجات الروح، لتضبط « التعقيد الموجود أصلا في روح العصر » حسب ت.س. إليوت، فهي واضحة ووقحة لدرجة الغموض، « إذ كيف نطلب مَنْ يسير في ظلمات النفس أن يكون واضحاً؟! » يتعجب الشاعر ييتس.

الشذرة مشاكسة، لعب وهزء وشغب جميل، ذلك أن « ولادة الأطفال هي موت للآباء » (هيجل)، تسير على « هامش المقول الذي يبقى دائما قابلا لأن يُقال من أجل الكشف عن الكلام الذي لم يُقل بعد » (فوكو)، فتنطلق مثل رصاصة واحدة في الماسورة.. إما أن تُصيب أو تخيب، لذلك تمتلئ الكتابة المتشظية (Aphoristique) بالشعرية المكثفة وتلجأ إلى الحِمْية للتخلص من الذاكرة وتحافظ على رشاقتها بالدلالات المفتوحة..
فيما تنفتح على السرد واللقطة والومضة في الصورة السينمائية، تخلق إيقاع الشعر في نثر الحياة اليومية.. تحاول أن تلامس ما وصفه إليوت بـ « النظرة الأصلية في طبيعة الإنسان »، وليس تعقيدها شكليا أو محض ترف لإبراز كفاءة معجمية أو فحولة لغوية، بل هو أداة ومضمون لزَلْزلة الذوق الفني.

الشذرة هي اختبار الفيافي البعيدة، مثل فاتح عظيم يريد أن يكتشف منبع الشمس أو مكان اختبائها في المغيب ثم يكتشف أوهامه الكبرى، لذلك لا تصلح الشذرة للإلقاء، ليس فقط لأنها لا تحتاج للجمهور ولا تصلح مطية للدعاوة السياسية والمنبرية الخطابية، بل لأنها نرجسية.. أقصد جد فردية، وهي أيضا سليلة الرؤية لا الإنشاد فـ « الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدسا يتجلَّل بالسر » كما يعلمنا ملارميه ..في الشذرة لا نموذج يُحتذى، لأن الكتابة تشبه فعل اغتيال، « هدم المعبد قبل بنائه نقيا » (بلا نشو) ليقترب الأديب من حريته.. إدخال النص إلى عتمة لا يُرى فيها إلا اللا شيء، اللا نهائي.. هي الكتابة المؤجلة، المتشظية، والمضادة لفعلها، والتي لا تتحقق إلا بالإعدام الرمزي للأب.. كاتبها!
الشذرة دليل ارتماء في الحديقة الخلفية للحلم، استخراج الهدوء من قلب الضجيج، « ارتقاءٌ » بالمعنى الذي يُشير إليه بودلير في ديوان « أزهار الشر »:

من فوق الغدران ومن فوق الأودية
وفوق الجبال والبحار والغابات
ومن فوق الشمس والسماوات
ووراء حدود الآفاق الفلكية.

الشذرة قفز حر نحو الغياهب، بتوجيه قليل لمؤشر الروح نحو المرايا التي لا تسكن بيوت الحقيقة، لأنها ضد النسخ والمثيل وصنو الشبه..لها شكل الزُّمردة متعددة الأضلاع، مثل « ضربة نرد » ملارميه، تخرج من مسام جلد الروح، لغة الصمت، وجود العدم، صدى الفراغ حين يكون مبحوحاً ووحدة التعدد!
الشذرة تضع إيقاع خطوها خارج الأرجل الخشبية للوزن والقافية، لأنَّها تحاكي أسئلة الوجود وعتمة الروح في عالم متحول، شائك.. لا تسعى إلى ملء أي ثقب في طمأنينة الكتاب المدرسيين أو النقاد والبلاغيين الذين يتصدون لتفسير كل شيء باسم المسؤولية الثقافية وبعض الهزال في أمخاخ المؤسسات التي توزع السلط من الحزب إلى الدولة ومن الإعلام إلى دور النشر والتوزيع، وقراء المواسم في مهرجانات بليدة.
الشذرة رشاقة الرمز حين تنبت له أجنحة كثيرة فيصير سرباً لوحده في شرفات المعنى وسلالم الإيقاع ومقصورات الحلم، وذخائر الصور وإحساس المرايا بالحاجة إلى نسيان الوجوه المخبأة في حرير زجاجها بلا وجع في الذاكرة.. كتابة مُعَتقة اختمرت قبل ميلاد الوعي بالكتابة في الوجدان.
لا شذرة تُكتب في حضرة الوعي أو بتأمل العلاقات بين الأشياء في حدود تمظهرها الخادع، في الشذرة ننطلق مما حولنا، لكن شيئا خفيّا وعميقا فينا هو الذي يحدد العلاقات الملتبسة بين الأشياء بوضوح جلي في لمحة بصر، ثم يذوب في الغموض..
يصبح الصوت صورة مجلوة، لأننا في الشذرة ننجذب لغواية المكتوب لا للكلام المقول، حيث يتحول الحرف إلى قوس قزح متعدد الدلالات وحمَّال أوجه لأنه مشتت المعاني.. فيه تسقط الذاكرة ويمَّحي مخزونها، لأن الشذرة وليدة الذات الإنسانية العميقة فينا.. لا شذرة بلا تأمل عاصف وحرقة في القلب.. كتابة متشنجة شرسة، قلقة.. تُشبه ما وصف به فيليب سولرز كتاب « الأشعار » للفتى المرعب لوتريامون « الكتاب الجليل، الهادئ، العنيف، الجاف، الرحب، الطريف،الرصين، السافر، الكثيف، الهائم، المختصر، اللامع، الأسود والشديد الوضوح حتى ليبدو مُبهما ».
حاشى أن تكون الشذرة لعبا ولهوا، زينة وتكاثرا.. هي المرآة الصقيلة في بهاء غموضها، لا تُستعار ولا تُقترض ولا يمكن القول إنها فن دخيل، علينا تأمل التوحيدي والنفري وإبن عربي وحكم إبن العطاء بكل ثرائها الدلالي واقتصادها اللغوي.. للشذرة إيحاء الشعر، تأمل الفلسفة، هي التماع لا يغرق في الشرح والتفسير.. اختزان الجرح في خط الكلمة، ماء اللغة القليل في يد التائه في الصحراء.. هي الاقتضاب الذي يفسره بن منظور بالانتزاع والاقتطاع ومنه القضيب، كل نبت من الأغصان يُقضب أو يُقتطع.. والقضب السهام الدقاق، والاقتضاب أن يركب المرء الدابة قبل أن تُراض وتُساس، حيث يأتي كلامك على غير سابق قول..
الشذرة كالسهم، هي اللغة التي تشبه جموح الخيول قبل ميلاد السراج والشكيمة أو اللجام، وقبل السياسة والترويض..الأثر l’œuvre غير موجود في الكتابة المتشظية..لأننا لا نعثر فيها على أثر للسابق أو اللاحق.
في الشذرة نُجري امتحانا للْعَدْو لكل الكلمات والعبارات والأفكار التي التصقت بذاكرتنا، ولا يستحق التَّتويج منها في حضرة الغموض وفي المكان المناسب، إلا ذو النَّفَس العميق والغريب والعجيب والمتفرد والمتعذر لمسه، الساكن في مدارج قصية معتمة!
للشذرة طقوس وتحولات وقرابين لأنها صنو المنفلت حيث در الحليب ينهمر، كنوز دفينة، كل الكتمان الأبدي، الصورة الأصلية للكون، ملكوت الأسرار التي نذهب إليها سابحين، بحر البشرية الأول.. بحر غامض طليق متوثب!
الشذرة صديق حميم للروح حيث تذوب الملاحم والوصايا، ووشم للجسد حيث بهجة الأشياء، سحر الدهشة الأولى وطعم العشق الأول، مرايا صافية للكينونة.. هنا حيث: « تتجاوب الأنغام والألوان والعطور، أصداء مديدة امتزجت من مكان بعيد/ في وحدة غامضة/ واسعة كالغياهب، رحبة كالنور ». (بودلير).

عبد العزيز كوكاس
كاتب وصحافي من المغرب
من مؤلفاته:
– « ذاكرة الغياب » الطبعة الأولى (2001) والثانية (2007)
– « سطوة العتمة » (نصوص إبداعية) (2009)
وله قيد الطبع:
– « أحلام منتهية الصلاحية: في وصف حالتنا « (مقالات سياسية).
– « اللعب في مملكة السلطان » (مقاربات وشهادات)

عبد العزيز كوكاس
كاتب وصحافي من المغرب
من مواليد الرباط في 18-10-1964،درس بالناشئة المحمدية في المرحلة الابتدائية ثم ثانوية ابن رشد فإعدادية المدني بن الحسني ..وأتم دراسته الثانوية بثانوية عبد الكريم الخطابي، ليلتحق بكلية الاداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس،حيث حصل على الإجازة عام 1990.
التحق بالمركز التربوي الجهوي -الفوارات بالقنيطرة،ليشتغل كأستاذ بأحد كورت بين 1989و1992 ليلتحق بالمدرس…ة العليا للأساتذة بمكناس فالرباط ، ويعين كأستاذ بالسلك الثاني بالمحمدية.
استهوته الصحافة فوجد نفسه في قلب منعرجاتها الأساسية،حيث عمل كمستشار للتحرير بجريدة « الزمن  » التي كان يديرها عبد الكبير العلوي الإسماعيلي وعمل إلى جانب الدكتور محمد سبيلا ود.محمد ضربف…
لينتقل إلى العمل في أسبوعية » الصحيفة « التي سيصبح رئيسا لتحريرها عام 2001،قبل أن يشد الرحال إلى جريدة « الأخبار المغربية » التي أسسها صحبة المبدع عبد القادر الشاوي..ليؤسس بعدها عام 2004 جريدة الأسبوعية الجديدة »..
إلى جانب اهتماماته الصحافية ،لعبد العزيز كوكاس إسهامات إبداعية فقد أصدر رواية »ذاكرة الغياب » في طبعتين ، ثم نصوص « سطوة العتمة »..وله قيد الطبع كتابان هما « اللعب في مملكة السلطان » و » حبل قصير للمشنقة »الذان سيصدران قريبا في سنة 2012 .

Publicités

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :