الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “juin, 2012”

– * بوابـة الغيــــاب – عبد العزيز كوكاس

بوابـــــــة الغيــــــــــــــاب

 الإعلامي عبد العزيز كوكاس

عبد العزيز كوكاس

 إلى أخي هشام

 اتكأت على شرشف شاهدة قبرك، فلمست أناملي رائحة قبلة مطفأة، التفت من سهوي فوجدتك هناك كضوء الشمعة الأخيرة، تطل بجسدك الرخامي من نافذة الجدار المشقوق، تلوذ بالصمت احتماء من لحظة جارحة، فيما لم تغادر شفتيك تلك البسمة المنحدرة مثل شلال.. يضيء أسى عميق عتمات عينيك، دليل الغواية إلى منافي أخرى، حيث استرخاء العمر الذي يمنح لحنك آهات تشبه لون شعرك.. تحملني فيخرج صوتك محملا برنة بكاء تتجمع عليه جسور وحكايات حزينة.. صوت عذب ومريح، كأنه يخرج من مكان آخر غير حنجرتك ثم يتلاشى في الفضاء.

كنت أعلم، ولو أني لم أصارح نفسي بذلك إلا بعد فوات الأوان، حين غمرني إحساس فاجع باليتم، أن جدرانا رخوة رصت بيننا ومسافة ماء لا ترى ستحجب أثر خطواتك عني.. وها أنا أسمع وقع أقدامك على سطح كفي العاري.. أغوص عميقا في مسام جلدك المرابط خلف أقنعة السراب، فتسلمني الجراح والحنين إلى باب تطل منه نخلة على طريق درب الذاكرة، حيث يجوس الحالمون والتائهون في دروب النسيان، كأنهم يغتسلون بماء سري مما تساقط من ثمار الأرض.

هل ما زال في وسعنا أن نتبادل التحايا، كما الهدايا، لولوج بوابة الحنين؟ هل لديك متسع من الوقت لتطل من صندوقك الحجري على إسمي؟

 كلما غمرني طيفك في المساء، أتساءل: هل تغادر العصافير أعشاشها في هجعة الليل؟ وكيف تستطيع أن تقطع كل هذه المسافات القصية من عتمات الصمت الأبدي لتقف أمام وجهي جليا كالصحو؟

تسير واثقا من خطاك عابرا مفازات وحشية وبراري بدون دليل، كأنك والرحيل وجهان لحقيقة واحدة، تنافس الريح أي منكما يسبق الآخر نحو هاوية الغياب.

من الصعب أن ألمس وجهك المشع كحبة تين طازجة دون أن تتقد أصابعي، فتوقد زمنا مجنونا يروي أحلامنا بثقوب الغياب..

 بالأمس بقيت وحدي، حلمت أمي أنها تهبك يقظتها وتنام في منتصف الطريق، واليوم لا أتصور كيف ستعبث الديدان بهواجسك، وكيف ستمنحها أحلامك اليانعة لتقتات عليها؟

 كنت دائما على موعد مع الآتي، تضع العصا بين رجليك وتحكم ربط السرج المذهب ثم تمتطي حصانك المطهم، عابرا مساحات شهية لتلمس تفاحة الأفق، وظلت رموش عينيك مشدودة إلى الشمس، كأنك تبصر سماء أخرى غير سمائنا، سماء تقرأ فيها حروف المرايا ونصوص الغيب..

 فجأة تستسلم للنعاس، فتنحني قامتك التي يجللها الغيم.. لم تجد الوقت الكافي لتلقي علي تحية المساء الأخير، في رمضان الذي استضاف لحظة المنعطف/ الهباء، لم يترك لك الموت فسحة لتكتب وصيتك المحملة بعطور الرغبات المستحيلة، وصوتك تحول إلى ما يشبه هديل الحمام الذي يبني للعشاق درجا قرب شجيرة ظليلة، لم يمهلك الموت قليلا لتكمل حكايتك عن الحب والموسيقى، ولم تترك لنا فرصة لإعداد طقوس الوداع.. لم تترك لنا سوى صدى ظلك.

 أتذكر حين كنت تنتصب مع الأطفال الصغار مثل قصور رملية على درب الزقاق، تتراشقون بماء المطر، تشمرون على سواعدكم النحيفة، وتلجون بركة الماء بأقدامكم الملساء، تتصايحون مهللين، وترشدهم أنت، تعلمهم كيف يوجهون مراكبهم الورقية بعصا موحلة نحو ممالك الحلم ومباهج الحكايات، فترتسم الخطوات واضح أمام المدارج المبللة بماء قدسي، حيث تتصاعد رائحة البخور وتتعالى وعود البرق، فترى الفرح يصل من تراب أخر ومن نافذة أخرى.

 كنت تنأى بعيدا، تحمل نايك وتصعد نحو التلال المجاورة لحقولنا، كانت أمي ترغمك على النوم في القيلولة، فتمتنع كمن يخشى أن يغافله قدر أعمى.. وعندما أزف موعد الرحيل، قدرت أن تموت وعيناك مفتوحتان على المدى المشرع بالأسئلة وجنون الوجود، وفي منتصف الطريق إلى الهواء الموجع، تتوقف  لحظة، تحك جلدة رأسك كمن يحث فكرة على الخروج، ثم تتوجه على مهل نحو الزقاق، تتملى واجهة الدور العمياء ثم تفك أزرار قميصك لتشرع جسدك للانكسارات التي لاحقت شجرة أسمائنا..

 كانت تلك البسمة آخر أغنية عزفتها لي على وتر الريح في عيد فرحي بأول عشق وأكبر انكسار.كم مرة كنت تنأى عنا وتغرق في الغياب، ثم تطفو أمام أعيننا لنراك بعشق متوهج، تلك رسالة أخرى في الوجد، فهمناها بعد تكرارها.. كنت تود دائما أن تقيس حبنا لك بنبضات غيابك، لا بعقارب ساعة الحضور.. فكيف تقودك متعة اللعب إلى جحيم الموت؟

 لا معنى الآن لجلوسك خلف ركام الانكسار، كأنك تسلم الوديعة لصاحبها قبل أن تبلغ العدة. كم مرة ستحيى في لأرثيك ولأبحث لك في مسام جسدي عن جنازة جميلة؟ وأقول لأصدقائي: « رجاء لا تبكونه، فالحالمون لا يموتون مثل الشعراء ».

 في الليالي الغامضة للحلم، أفتح الشباك على الغياب، فأراك ترقص على زبد البحر دون أن يراك أحد، تتمايل مثل زهرة برية، تنحني قليلا مثل نهر لتعبرك موجة ناعمة ثم تستقيم، تبتسم في وجهي دون أن تفوه بكلمة، تستضيفني في محرابك الرخامي لحظة، تبادلني الغناء وترشف من كأس الشاي الساخن الذي كانت أمي تحثك على احتسائه على مهل، ثم تغادرني وتتركني أرقص وحيدا على إيقاع فوضى السراب.. يحرق التعب جسدي، فأتكئ على شاهدة قبرك، أرخي عبء هواجسي عليك.. أية فجيعة يمكن أن يحسها المرء حين تهرب الأشياء الصغيرة التي يعشقها، فجأة، من النافذة وتغرق في ضباب الغياب.

 نم يا حبيبي في سرير الأبد، استرخ قليلا كيما يكبر ظلك.. الآن فقط أستطيع أن أتذوق طعم المرارة في تلك الفروق غير المرئية بين الحضور والغياب.

Publicités

– * حيرة الأبيض – عبد العزيز كوكاس

حيرة الأبيض

الإعلامي عبد العزيز كوكاس

الكاتب اإعلامي عبد العزيز كوكاس

الكاتب اإعلامي عبد العزيز كوكاس

أريد للأبيض اليوم أن يستريح من تعب الموتى

ومشجب الانتظار، وينسل من ظل الأشياء..

أن يخرج من سرير غرفة الإنعاش وفوضى النهار،

 ويحرر أحلامه من أحزان منديل الوداع.

أن يلهو قليلا بعيدا عن الواجبات الثقيلة..

أن يصاحب الثلج حين يذوب في النهر

 أو يغير مذاق الملح وطعم السكر في فم الصغار.

 أريد للأبيض أن يعيد للونه كامل البهاء،

 وما تفرضه لياقة الحضور..

أن يطلق العنان لساقه الرقيقة

لاصطياد الفراشات الفاتنة وأحلام الهواء.

 كن فتكون أيها الأبيض، خارج ثقب الفراغ

وشبح الأشياء

 سيد الألوان أو القادم من المجهول

خارج هوس الخلود.

– * ظلال الألوان – عبد العزيز كوكاس

ظلال الألوان

الإعلامي عبد العزيز كوكاس

الإعلامي عبد العزيز كوكاس

الإعلامي عبد العزيز كوكاس

« الألوان شقائق الألم »                    ف. هيجو

 « إن أشعة الضوء بالمعنى الدقيق للكلمة ليست ملونة، لا يوجد في الأشعة سوى طاقة محددة، وقدرة على تحريض الشعور بهذا اللون أو ذاك ».           إسحاق نيوتن

   الأسود: حافة للنسيان أو وشم للانتقام، إغراء تموج ثوب امرأة هيفاء، هو رائد الغواية وإقامة الدليل على سواد الأمة ورعاعها، لون الإثارة بامتياز.. لأنه دائرة للغرائز وموطن النذر، قناع الليل وخمار خجل الأشياء.. رائحة مبهمة،  رسم جماجم الحشود، سبات الغروب وهمس الفجر.. قائد العدم وسراب العتمة والتيه المحض إنساني.. ما يمنح ضربة النرد ذلك السحر الذي يشد المقامر إلى مجاهل شهية لثنائية الربح والخسارة ويعلي من ضغط الدم في العروق.

هو اللالون حين تسعى كل الألوان للتماهي حين تسعى كل الألوان للتماهي به لبلوغ منطقة اللون الأقصى.. هو لغة بصرية جريئة بل وقحة، حيث يمتص رحيق كل الألوان ولا يعطي أيا منها، في عتمته تكف الأشياء أن تكون ملحوظة وملموسة بشكل جلي.

الأسود يقيم دائما في الأشياء مثل الظل، يعلم الفصول أ، تترك له، احتراما، المساحات القائمة في زمن الانتقال.. هو سليل الفوضويين وزمرة الثوار الغاضبين بما يحدث خللا في الإجماع القائم.. لكن في التداول العام هو دليل الحزن والخطر « الراية السوداء » و « القائمة السوداء »، و « اليوم الأسود »..

البني: قناة الأبيض، حلمة ثدي أم ترضع طفلها حليب الحياة.. لون الفرحة في عيني غريق يكشف للرائين أعماق البحر وأسرار الموج المستحيل.. دفء الضيافة في حي قديم، صوت الحنين الساكن في الصدر حين يسرع الليل بخفر نحو وهج الأفق.. هو الصدأ المتكدس على قفل باب هجره صرير المفتاح، أو ما تبقى من وشم الحياة مثل أثر الحناء في اليد، أو الصدأ الذي أدركه النوم على جسد سفينة كفت عن حلم الأسفار، ترسو على شاطئ مهمل خال من الرؤى وصدف التوقعات.

رسم لدروب حي قديم افتقد الضوضاء والحركة، ومشاكسة الشبان للنساء الماضيات إلى حتفهن، النساء المكتنزات بالحكايا، الموقعات لدفوف عجيزتهن على إيقاع تحرش اليافعين والقبل الذابلة لصيادين عجزة فرغت ماسورة بنادقهم من الطيش.. رسم للطمي المشبع بأنفاس المطر والعودة إلى الأصل الأول، قداسة مؤقتة لإلاه من تمر كان يعبده الفاروق ليلا ويأكله نهارا.. أو هو لون وجه شاعر يقف مثل شحاذ أمام باب فكرة.. ثمرة اجتهاد النحل، إحساس الخشب ببرودة أضلاعه بعيدا عن لهب النار.

البني حفيف أوراق يابسة تعطي معنى للخريف، هو دليل الأشياء حين تنتقل من جاذبية المجهول إلى كسل المعلوم، وشم تثاؤب الحياة حين تقلق على غدها.

أرسم به هوس الضياع والمس فيه عمق الرعب الموارب في لوحة الكلب العالق وسط رمل الوجود.. رؤية عبثية في عالم وحشي، إسمه الحضاري: « العالم المتمدن »، هو أيضا لون للحيرة والخوف والقتل المتوحش كما تلك الكائنات الخرافية والمرعبة التي تجعل العالم موحشا وخاليا من المعنى عند فرنسيسكو كويا أو في الشخوص التي تفيض عن لوحات دييغو ريفيرا.

الوردي: بسمة الطفولة ووداعتها، يصلح لرسم اللوعة وصدى الحنين لما اندثر فينا، لون الوجوه الشفيفة وخجل الورد في الحقل، لون كاشف للأنوثة ولانكسار أشياء العالم، يعلمنا أن الحياة لحظة وتموت مثل أي حلم.. الوردي مجال لتصعيد وتثوير العواطف والتجارب الخاصة وتعميمها لتبلغ الحد الأقصى.. تحويل الحالة الخاصة إلى طبيعة بشرية مجردة، كما في جداريات الثورة لدى دييكو ريفييرا أو في لوحة « الأمومة » لبابلو بيكاسو أو من خلال ملامح وجه « جان » الذي ظل موديكلياني يرسمه منذ أن اكتشف أسرار عين محبوبته.

الوردي دم كل القرابين التي قدمتها البشرية كدليل على صدق الرغبة المشرقة للذهاب في الوجود إلى أقصى مناطقه الحيوية المعتمة.. هو العتبة العليا للجنون في مقاومة شرك الحزن وأتباعه، لأنه يرسم تلاوين فجر الأمل كما في لوحة فان كوغ: « الليلة المضيئة بالنجوم ».

الأبيض: هو رحم لجماع كل الألوان، لون خادع وماكر، يصلح للسلم كما للاستسلام، ولتعطش رايات الحرب لدماء الأعداء، أفضله لرسم المواعيد الخائبة والإنتظارات القاسية، ولأوجه الكوابيس والأشباح، هو وجه القتلة حين يأتونك بسابق إصرار وترصد، لون مانع هو، ضجيج الفراغ وأثر اللاشيء وثقل النسيان.. معمودية الوجود بحثا عن طهرانية مشتهاة.

الأبيض يصلح للتزوير وإعادة كتابة التاريخ من طرف الجلادين والأدعياء، أصور به جيبا فارغا لمتسول كف عن الحلم.. هو رمز لما حذفته الرقابة وللكلام المحتبس في الحناجر، لون يصلح لرسم الصمت.. هبة الفراغ، ثقب في جدار أو ذاكرة.. لون الفرح وضده، ثوب العروس وكفن الميت.. سحر النسيان والمعنى الذائب بأبهة في غواية الألفاظ، غياب الكلمات غير الضرورية في ثنايا الكتابة، هو دليل المنابع الأولى لحرية الإبداع، والمخيف المرعب الصامد لفراغ جمجمة مبدع من فكرة تستحق وشم البياض.. لون المستحيل ووشم الكبرياء، الكذبة البيضاء.. وصف « زهر اللوز أو أكثر »، الحزن الملتبس بمنديل الوداع الأخير، كوة الضوء في زنزانة انفرادية، رسم للمنافي البعيدة أو للموت القادم من فوهة بندقية، الإيقاع اليومي لوجه صارم حين يرى المنية بملء العينين.. انتفاضة الموج حين يتوهج مثل ثور في حلبة كوريدا المحيط وينتحر ببطولة على رمل الشاطئ.

هو سليل الانتشاء فوق جسد شهي، طعم الإنجاب وحفظ السلالة أو نثرها في أرحام موزعة على مرافئ بعيدة يحط فيها البحارة بعض أتعاب اليم إلى حين، هو طعم الحياة في فم الرضيع، براءتنا الأولى ووشم الأمومة.. للعدم وجه الأبيض في لحظة التباس الحقيقة.

الأبيض رسم للبذرة حين تطل برأسها بعيدا عن الجذور لتحلم بحقها في الهواء، وليصبح لها ظل.. هو لون الحيرة ووشم للتردد، زمن العتبة،  عدم القدرة على إمساك اللون حين يذوب الثلج في نهر.. هو سليل الترف الملوكي ورائحة الاحتضار في غرفة الإنعاش.

البياض ليس محض صورة أو عدم أو فراغ.. إنه صوت، تموقع خاص للمعنى، لحظة حرية في حياة شعب قبل وصول الحاكم الجديد لسدة العرش، استيقاظ أحلام الحشود في إطلاق صرخات طويلة المدى عابرة للقنوات، تداخل لاشتباكات سرية، صوت الوجود قبل وصايا الآلهة، دليل الصحو، حكمة الشيوخ حين تزين ليل شعرهم الأقمار والمتاعب.

هو دليل الأشباح المرعبة، الصمت الرهيب، هاجس التوقع، النقط المضيئة في مسرحية « الكراسي » ليونيسكو، والأب الشبح لهملت، وأبعد ما تراه زرقاء اليمامة، أثير النسيان ورنين الأشواق الساحرة التي تتكاثف في الهواء كخيط دخان، للأبيض نقطة التماس اعتذار الله على كل التشوهات الممكنة والمستحيلة التي لحقت مخلوقاته.

البنفسجي: غابة من أحلام، طوق في عنق الألفة والآلاف لم يمنع الحمام من الهديل، أثر لخطى كاشفة عن عوالم جديدة، خطى ترتمي في أحضان المجهول لتهبنا سره، هو اللغز حين ندخل سراديب عتماته بكامل الوضوح، صفاء فكرة تسترخي على بساط عسجدي، تستريح من تعب الخلق وقلق الخالق، لون التردد والغموض، وزمردة الاختلاف والحزن الهادئ البعيد الغور، وطن يزهر في يني فاتح ينقب عن الرحم الذي يلد الشمس..

حين يلتبس البنفسجي بجسد امرأة نحبها يصبح له طعم التيه اللانهائي، بعيدا عن الاستقرار الممل للوجود. إحساس بالتوازن الأكبر هو، على جسد امرأة تمشي كالطاووس، مثل طمأنينة غريبة تحس معها المرأة بتوازن كيانها على إيقاع كعب حذائها.. هو صوت أنثى ناعمة تقول لك: « أعشقك » بلغة هشة ودودة، وحين تلمس شعيرات قلبك، تعتذر عما لم يبديه الربيع من زينة الحياة.

البنفسجي ترياق قاهر للدغات اليأس، هو الأمل حين ينتصب مثل السراب في لحظة تيه، يمنح السراة دليل حياة، هو لون روحي بامتياز يفتح نوافذ التوهج، ويحرر النفس من أردان ما علق بها من شظايا فضلات الحياة.

الرمادي: وجه القمر حين يبدو كابيا أو حين يشتعل بالحنين إلى الذكريات الجميلة صحبة العشاق، نزهة في أول الخريف أو حين يبدأ الليل في محو الفروق الدقيقة بين الأشياء.. يصلح لرسم جسد كوكب بعد هبة ريح، أو تطاير رذاذ المطر.. يليق لتصوير الرغبة في التعبير عن الأسف على نوم البحر وإيقاظ النورس على إيقاع أجراس الأقدام العارية على الرمل.. هو لون الحذر، كلما تضخم في اللوحة، كلما رسمنا به ملامح الانكسار وانحسار العالم من حولنا، فالرمادي رفيق حميم للمعاناة من النشأة والتكوين حتى تجسيد اللون على اللوحة.

نرسم به رائحة تكدس الكآبة والغبار على محيا تمثال متروك لعزلته وخال من حرقة الشهوات، الأنين الصادر عن باب هجره الأهل دون أن يلقوا تحية الوداع، يصلح لرسم كؤوس محطمة مثل قلوب بشرية.. تأرجح خطو فكرة بين نفق وآخر، ظل لرموش مثقلة بالدموع والسنين.. قطرات الموج وحلمه بتقبيل شفة لا يبللها ملح البحر، أثر لخطى قدر آثم، خيط السحاب في دمعة حزينة أو ظل قبلة محتجزة.

الرمادي يصلح لرسم غابة من الأصوات والدخان، الذكريات الجريحة والأحلام المحبطة، وكؤوس النسيان في حانة فقيرة.. برودة موقد النار حين يحس باللاجدوى في عز الشتاء، أثر الكائنات بعد مرور الممحاة على صفحة الوجود، أو ظل فراغ يقاسي صقيع الظلمة.. هو الغبار المتكوم على بوابة كتاب لم تغازله يد، ولون الحيرة والكآبة في رأس شاعر.

هو خريف توهج الحريق وما يخبئه الهواء عن أعين الجمر، صوت التوجع في تجاعيد سترتي الوحيدة، ظلال الصدى المتشرد حين يحتج الصمت ويسترجع صوته.

أثر جرح الوردة للجدار، حنين الغيمة للبكاء من أجل النسيان ولتصبح السماء شفيفة كبسمة طفل والأرض أبهى، أو حين يتيه الريح في عتمة شعر الحبيبة.

الأزرق: دليل ركض العصافير نحو المدى المفتوح، المدى الواسع الذي لا تحده عينا زرقاء اليمامة، جاذبية الأعالي وقائد الاستقرار، صفاء الماء حين لا يرقد في بحيرة يتيمة، أول الفجر حين تستيقظ الأشياء من غبش النسيان، حيث تنطلق الروح بشفافية، ألون به دمعة طفل سائبة على قارعة الطريق، مغزى كل ما هو مختبئ ومجهول، هو الإعداد الأولي للمغامرة والفرح الطفولي المصاحب لها.. انسياب الزمن مثل نهر، مضي الإنسان نحو نهاية ما.. فرح الماء وابتسامة الغدير، عينان مضيئتان وسط المحار، ولون لحم الموتى حين يكفون عن الاشتهاء، زرقة الأرق، سليل السلطة ودليل الأبدية هو.

الأزرق لون ملتبس الدلالة في الحوض اللسني العربي القديم حيث تغدو النبالة والأصل الأرستقراطي شجرة انساب الدم الأزرق، والخمر زرقاء والأسنة  زرقاء والعفاريت الزرق والسحر ومكان الشبهات وأثر الجريمة أزرق، و « يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ».

الأحمر: شقيق الألوان الرئيسة، صحبة الأخضر والأزرق، رائد الأشياء نحو حتفها وبوابة لإثارة دم الحياة في أعضاء المستحيل لمسه، هبة السواد وشهوة القتل.. قبلات حارقة معتقلة في الشفاه، لون خادع لشفاه فاتنة صادقة وقد يكون تلميعا لشفاه منطفئة وماكرة.

الأحمر هو الروح المزدوجة بين أول الصباح وأول المساء.. بهجة بكارة الأشياء، رائحة الانجذاب لشيء سحري، والعتبة العليا للخجل العذري لبنات الطبيعة أو العنف النابت في طي الضلوع المنفلت من العين الحمراء.. لون السديم ولحظة المخاض الأول للوجود، رائحة الشراب المحرم بوصايا الآلهة.. لون شفيف للسلافة وحمرة شقائق النعمان، أثر قبلة لامرأة تحب أن تترك وشمها حيا فينا حتى حين تذوي.. عشق الحياة ودينامية العواطف المتأججة لأنه يرفع مستوى الأدرينالين في جنوننا، هو دليل اندفاع الأنوثة في الجسد، مواجهة رائحة السم في الدسم.

الأحمر يصلح للتفاصيل الدقيقة للنكسات العاطفية والتوترات الشخصية كما تحملها ملابس الإعدام، سربال الموت في السجن الأكبر للحياة.. كلما كان غامقا كما عند فريدة كاهلو، خاصة في بورتريهاتها الذاتية، حملنا إلى وجع الانكسار والتلف والأنين الصامت، حين نختم ضجيج الشغب والأسرار المزعجة بالشمع الأحمر، أو نقضي على سلالة شعب الهنود بحثا عن الذهب أو بحجية المغامرة لاكتشاف صدقية كروية الأرض.

الأخضر: زهو الوردة بماء الحياة، تضامن العشب حين يرتاح من التعب على سريره بعد أن منح البشرية حقها في التفاؤل.. لون لنعطي الأشياء لغة خارج دائرة الصمت، هو دليل خصب الوجود، نضارة الأشياء به نقيس المنفلت من شهية الليل.. هو رائحة الله في الكون الأنيق حين يرتدي « ثياب سندس خضر » ووهج صفاء المشاعر.. بوح الزيتون بأسراره تحت طائلة التعذيب.

وسم الطفولة وعدم النضج.. يفاعة العود الأخضر لدى المبتدئين الغر في سلم الحياة، فتنة الوشم الذي يأسر انسياب الزمن، دليل التوازن.. لون بسيط وواضح يقينا دوما من أنانية النرجس.. حين يسكن الأخضر العيون العاشقة ينفينا إلى مكان تقيم فيه العذابات استعراضات روتينية للقوة بفرح غامض.

الأصفر: أثر سحري لانتشاء موسيقي، حقل ذرة عارية أو اصطفاف زهرة عباد الشمس كما في لوحة « حقل القمح ذو الغربان » لفان غوغ، الذي قال عن الأصفر: « ما أجمل الأصفر، إنه رمز للذة الألم، وتعبير عن تزاوجه مع القوى العظمى »، يقصد انتشاء الشمس وزهو الأرض وسطوع الضوء..

هو وميض فكرة غامضة ترتسم على شفاه تائهة، كلما كان اللون الأصفر دقيقا وبكتل صغيرة، وبأحجام متناثرة على سطح اللوحة، كلما عبر عن غموض أبهى وأوفر.. شوق السنابل، أنين الورق حين يسقط من أعلى الشجر، خدعة الضحكة الصفراء.. الدروب المبللة بأثر الغبار، جشع الذهب حين يغار من سنابل القمح في الحقول أو حين تغير الشمس على الأرض فتزرع أمواج الذهب في الربى، قبلة لا تحمل أي رسالة، متاهة ذرة رمل أو صحراء تعطش فتمنح الرمل وهج السراب كدليل حياة محتملة.. أو حين يحس ورق الشجر باللاجدوى فينتحر بكبرياء، انقراض أشياء الحلم لتغرق في مملكة السديم، كبرياء تفاحة نيوتن التي اكتشفنا بموتها سر المكان.. حين يمشط الريح شعر السنابل ليمنح النمل حقه في البقاء..

الأصفر لون ملوكي في الحضارة الصينية الباذخة، هبة الوقار، لكنه يصلح للسخرية الفظيعة: « لم تضحك البطيخة لحظة اغتيالها »؟ بابلونيرودا الذي قال عن نفسه: « وأنا من الأصفر المقلم »، رائحة السمك في جسد بحار يحلم بالقمر ويقدم القرابين للإلاه صيدون، كي يضاجع حورية البحر ويعود سالما لفراش زوجته، الأصفر هو الثمن الحقيقي للسعادة والكينونة الإنسانية كما في « العشاء الأخير » لدافنتشي أو « المسيح الأصفر » لبول غوغان، الذي هرب من سجن المدينة ليحصل على أصول إنسانيته الحقة عن طريق الآلام متبعا نصيحة إميل زولا.

للأصفر قدرة فائقة على الإحساس بالانفصال عن العالم وتذويب مساحات التوتر مع غموض الأشياء.. حيوية الدوال، سليل الضوء المصاحب لروعة التأمل وعمق الإحساس المرهف.

هو إطار لوحة تحس بالعزلة في متحف يتيم تعشش في كنفه الرتيلاء باطمئنان، حيث لا زوار ولا عشاق يدفئون المكان، أقصى العزلة، لون مرض القصيدة حين لا تجد قارئا عاشقا..

ألهذا أقام الرائعان فان كوغ وبول غوغان في الأصفر إلى الأبد؟.

– * قلة  » حياة  » – عبد العزيز كوكاس

قلة   » حياة  »

 عبد العزيز كوكاس    

 « أيها الشيطان ارحم بؤسي الطويل (…)أنت يا من، من المنية عشيقة العجوز القوية، أنجبت الأمل الفاتن المجنون أنت يا من تمنح المحكوم بالإعدام  النظرة الهادئة المتعالية التي تدين شعبا كاملا يلتف حول مشنقة »

شارل بودلير          

 

وأنا المشنوق بعد برهة، من سينكس رأسه بعد حين، وسيكون متدليا بعد ثوان من حبل المشنقة هذا، جسدا بدون روح، هذه طلباتي الأخيرة:

مظلة تقيني الآن من ضربة الشمس، عطر يمنحني قوة الغزو وتأشيرة عبور قلب بكر..نزع ملابسي كلها لأصاب بنزوة برد، تكون دليلي على الحياة قبل الشنق.. جرعة من النبيذ لا الجعة، كي لا أموت بغصة في الحلق.

أريد أن أركض لحظة لأصطاد فراشات السراب.. لمن سأمنح ظلي بعد الشنق؟

أنا قصير، فأعلوني قليلا إلى الحبل.

أيها الساهرون على موتي، أنا المربوط بحبل وثيق وأنتم المربوطون بي، لا أموت بكم، ولا تحيون إلا بموتي.

« وأنتم الأحياء المزدهون بالتفرج على موتي: أي حدث فذ أن يرى المرء العجول والخراف معلقة في دكان الجزار، ساكنة لا تبدي حراكا، تنكس رؤوسها قليلا لتنصت إلى نهر عميق في جوف الأرض ».

وحدي أعرف أني سأموت حتما..لي ما نبت من كرز على شفاه العذارى الحضارات لمشهد شنقي، لي إيمان الذاهبين إلى حتفهم بكامل اليقين، شهداء حلم.. لي ما تبقى من وعود حبل المشنقة..اختلاس النظرة الأخيرة للحشود وقراءة وصاياي.. قبلة محالة على خد الحبيبة، حظ الذاهبين إلى مواعيد

حالمة بدون اشتهاء، معرفة أني وحدي سأموت وسط فرجة الأحياء، هل هو امتياز أن يكون لي أنا كل هذا الموت، لي وحدي أنا دون سواي، ولي وحدي استحضار كافة الذكريات:

الخد الذي أسند فراغي.

الفخذ الأول الذي هزني.. الكأس الأولى التي أوقفتني على ما يشبه حافة الغناء.. نشوة السيجارة الأولى  و البوح الممكن للنساء اللواتي ضاجعتهن في سري، دون أن ألتقي بهن لحظة.

لا أريد أن يطل قمر حزين على سمائي هذا المساء..لا أعشق رماح المراثي ولا موج الدموع في جنازتي، أشتهي رنين الزغاريد لعلي أرحل ببعض الأنوثة إلى صحراء الغيب.

أقدم اليوم اعتذاري لكل الحماقات التي لم أركبها.. للجنون الأقصى الذي لم يركبني..قلق على ما انصرم من سبحة الحياة في زمني، لما لم أورده موطن الهلاك.. وباقي عربات الأماني السريعة التلف.

لما انتصر في وعاش بعيدا عني.. للوعة المروعة والجراح المتخترة المختلفة الأشكال والأحجام الصاعدة من فقير النحل في شجر حياتي.

أشك أن يكون لي وحدي كل هذا الموت. اليقين الوحيد الذي أملكه الآن، هو أني سأموت شنقا.

كيف لم أفقد لذة التوقع بعد؟ أليست هذه قلة « حياة »؟

– * في عينيها يرقد الموت — عبد العزيز كوكاس

في عينيها يرقد الموت — عبد العزيز كوكاس

الكاتب الإعلامي عبد العزيز كوكاس

الكاتب الإعلامي عبدالعزيز كوكاس

إلى من وجدت مركبا للغرق باسمها

في عينيها نِمْتُ عصوراً

كان يكفي أن تنظر إليّ لأتصلب..

في عينيها مغناطيس يجذب الأشياء نحو مهوى الغياب

أخاف عيني ميدوزا والحجر الملحي..

لعينيها شكل زورق يعبر أوقيانوس الموت نحو الضفة الأخرى للروح.

في عينيها وحدها ينجلي ذلك الغموض الآسر لبزوغ الشمس وأفولها وكل خطايا النسيان

في الطرف الأيسر رأيت فيهما نقع غبار لفرسان يسقطون تباعا، وساحة معركة..

قتلى وجرحى، وأسرى بلا صوت، غابة من الحزن، ظل أسرار سرب طيور فقدت أجنحتها في طريقها إلى الحلم..

لمحت رماحاً ونبالا، ومدفعا رشاشاً في ملتقى طرق القنص..

عينان شرهتان يركن في طرفهما موتى ومعتقلون من عصور سحيقة قبل عيني زرقاء اليمامة وعيني ليلى وإقبال وإلزا…

عيناها جسر نحو نهر الغواية ملئى بحكايا البحيرات والأسرار الخضراء

شموس وأجرام كحبات تين أكاد ألمسها بيدي..

فجر له شكل ابتسامة الفراشة.

دون أن أنحني، أبصر في عينيها قوافل فرسان وأمراء تائهين يستيقظون من فيافي الأساطير، محمّلين بجزر أحلام وأقاليم هدايا، التماسا للُؤلؤتي عينيها..

مثل النهر الذي لا يعود إلى نبعه، كان العشاق يذوبون كالظل

وضعوا الدهشة في شاطئ هيامهم، ليقيموا في العبور والتلاشي دون أن يُفصحوا عن الهزائم..

حملوا أكاليل زهور وأغنيات على ناصية القوافل.

عشاق نسوا أسماءهم وبلدانهم.. ولم يعودوا يحفظون غير نجوم عينيها وبعض قصائد غزل..

جاءوا من فجاج بعيدة يلتمسون الضياء في متاهة عينيها.

مطاردين الحلم المستحيل، الحلم الأكثر انجذابا نحو الموت مثل فراشات الضوء

شعوب من العشاق أتفطر لحزنهم وهم متشبثون بتلابيب الجرح.. جميعهم أحرقوا سفنهم وجازفوا بحياتهم.

جاؤوا يطوون رحيق عمرهم ليستحموا في ماء عينيها…

وما عادوا..

فقدوا أسماءهم في براري القفر ليعثروا على دليل أو رائد نحو عينيها.

شبان يتوسدون الأرصفة وحلم لقائها، يتزاحمون كما لو على باب سفارة أجنبية

بأيديهم مرايا، مراود كحل، عطور ومرح، وعود جامدة على شفاه كسلى لا تكف عن التثاؤب

يحملون روحهم مهراً لعينيها فتشْنقهم ضفائرها المضمّحة بالقرنفل والخزامى والموت الذي يغسل يديه بعد كل وجبة دسمة

 

 

 

– * الحزن لا يليق بالقمر — عبد العزيز كوكاس

الحزن لا يليق بالقمر — عبد العزيز كوكاس

Abdelaziz-Gougas

كان الصباح هادئا مثل نهر وكنت حزينا مثل مجداف مكسور..
قذفت بي الوحدة، رمتني بقوة أشبه بالعاصفة.. فرأيتني والحديقة المحاصرة بسياج هرم مثل زوجي حذاء تم الاستغناء عن أثر خطاه..
ها أنا في رحم حديقة تماثلني في الوجع، وحيدا كنت والحديقة بذهن يتسع لسماء مثقلة بالغيوم، كانت الزهور تتسلق الجدار الشائك تركب بعضها البعض، تتطلع إلى نسمة هواء خارج الشباك الذي هجرته يفاعة الشباب، القضبان الباردة للسياج لم تعد تخبئ عناقيد الحلم في طيّات منديلها الرصاصي، الشجرة تمد أذرعها خارج سجن الخضرة.. ثمة أغصان مثل ذراعي هجرتها الألحان والأماني الطيبة.
جلست قرب الشجرة، فاراً من ضجيج أشياء المنزل.. شكوى أفكار « خِدَّيجة » متصلبة على الورق، الأواني المتراكمة في المطبخ، صراخ الأطفال، تكتكات ساعة الجدار وصفير الريح في جمجمتي..
رحت أتتبّع المشهد بحياد تام!
الأوراق اليابسة تسقط تحدث خشخشة لطيفة ثم تموت كما عدّاد الروح بداخلي، ظِلّ الشجرة يتشابك مع خيوط ظلي، انْسلّت أعضائي بعيداً في أعماق التربة ورأسي أوْرقَ فاكهة جَذْلى، التقت جذورنا التي كانت تنمو رويدا رويداً فصرت أتغذى مع الأملاح المعدنية لأعماق الأرض .
بممر الحديقة أشباح تعبر، آلات صماء، هيئات سلالية لها شبه بالبشر، تحمل هواجسها وأحلامها، كوابيسها وأحزانها في أكياس من الخيش.. تلك اللحمة الرقيقة في أعلى جثتها لا تصعق أي فرد عابر منها، أشكال أجساد وظلال أشباح تمضي في الظلمة مثل أقنعة في فصل مسرحي رديء، فيما الحديقة، مثل فكرة مرتعشة تُعوِّد ذاتها على الحياة والموت بلا أنين ولا صراخ، والبلبل دائم البوح بدون منِّ يلحق الأذى بمن يطوفون على خشبة برية..
فجأة أحسست أني أجلس في وحدتي.. أنا والحديقة في حزن لا يليق بوجه القمر، أتنفس من رئة البنفسج.

الإثنين, 14 أيار/مايو 2012

عبد العزيز كوكاس

كاتب من المغرب

 

– * ثورة الحرف — عبد العزيز كوكاس

ثورة الحرف — عبد العزيز كوكاس

عبد العزيز كوكاس

  نهض الحرف من سريره الورقي بدون سابق إنذار .. برغم الفراش الوثير والغرفة المصممة وفق أحدث طراز، أحس الحرف كما لو أنه وسط قبر من رخام.. كانت عيناه تُشعان باليأس والحزن، نزع عنه أقنعة النوم ،هرع إلى المطبخ كمن نسِي الموقد مشتعلا.. حمل سكينا حادا، وقتل القصيدة بعد أن أصاب المعنى بالعديد من الطعنات، دخلت بسببه إلى غرفة الإنعاش، ولحد الآن رفض الأطباء الإدلاء بأي تصريح حول مصير حياة المدعو: المعنى. بحث الحرف عن المفاتيح تحت كراسي الكلمات ووسادة العنوان، كان يريد الخروج من تجاويف الغموض البارد، ألفى نفسه وسط متاهة ملغزة ولم يجد نافذة الوضوح إلا بمشقة النفس. نشب نقاش عنيف بين الحرف والألفاظ الحاضنة، أصاب الدليل بشظايا الطيش.. نظّف الحرف مكانه بعناية وبهدوء ملفت، ومحا كل آثار أطرافه وأثر بصماته على السكين ومزلاج النافذة، وقفز بخفة خارج القصيدة التي لقيت مصرعها، ولم ينس إبلاغ الناقد عن جريمة مرتكبة، سُجلت لحد الآن ضد مجهول .

– * في مديح السلطة — عبد العزيز كوكاس

في مديح السلطة  –عبد العزيز كوكاس

« سلاطة السلطة وقحة القدرة »   « هملت » لشكسبير

« لا نهزم السلطة بوردة »   –  ج. إ. تادييه

يد تلهو بقطع الشطرنج، قبضة ريح وريشة للهباء.. امرأة تفتح صدرها للعاشقين ثم تطويه مثل قبر.. ضوء جاذب لفراش الليل ومفتاح للجحيم، عش الدبابير ووكر أفاعي هي.

السلطة تدوول رجالاتها وتبقى.. تقتات على الأنسجة الحيوية لمن تمنحهم منصة التتويج بكراسي مريحة.. بضعة مهج الدنيا تبيد، وكيد بلا حدود هي، قادرة على صنع الأعاجيب.

معتقل بأشعة ما فوق بنفسجية يسرق منك سلافة الحياة.. الظامئ إليها، مثلما يرتوي بملح البحار.. شرك بيت العنكبوت للحالمين بنياشين التميز والتفوق.. وللغاضبين على شكل لباسها وإيقاع مشيتها وهندسة جسدها المغاير لما تعلموه في كتب الفلاسفة المثاليين والقانونيين الحالمين جدا.

ليل يخفي تجاعيده عن خيوط النجوم، سرير يؤثث طقوسه براحة الغدر ونسيج الخيانة وشهوة الدم حيث يسبق السيف، دوما، العدل.. آلة عجيبة لترويض الخيول، تقود فرسان عشاقها نحو المهاوي السحيقة.

« السلطة أول الحيوان فينا »، الخيانة ملح الوفاء فيها.. هي كذبة المنابر، شهوة الأمير اللامتناهية للخلود، خدعة الكلام في المجالس ورائحة مسكونة بالخوف والضياع.

مكافأة الوردة بالذبح.. جزاء سنمار، وضع قنبلة على شفتي قبلة.. منذ أول القتل إلى آخر العمر، لا تمسك السلطة إلا بالتلابيب وشبح الظلمة.. لأن لها دوما شهية الكلاب المدربة على الصيد، والموت في حدائقها عدو أليف.

السلطة حفلة الألم، منطقة مسيجة بالكوابيس، الرعشة المصاحبة لكل عضو، في الجسد أو في البرلمان أو .. حذر التربص، شهوة القنص، ونصب الشراك للأحلام المزعجة.

حربائية اللون تكتسي شكل الكرسي الذي تقتعده، سليلة النكايات، لا تنفرج أساريرها إلا عن فرح بجراح الآخرين: الأعداء المحتملين، إذ في السلطة لا بد من عدو في الحرب أو تراتبية في لحظة السلم، بهدف الوفاء للتقاليد التاريخية والطقوس الضرورية لتجسدن مراسيم كرنفال السلطة.

السلطة مخدر لإعداد الوصايا قبل الذهاب إلى الجنازة.. إدمان التعليمات والوباء الجماعي للأمر بغير معروف.. حين ترفع السلطة يدها للتحية، لا يعرف العاشق هل هي يد للسلام أم للوداع الأخير تمتد.

في المسافة بين خطو وآخر ترسم السلطة سكة قبور عشاقها.. في ميزانها، هي أو لا أحد .. تدفن موتاها فلا تحس بطعم الأسى ولا بواجبها في البكاء، ولا تحرر أعداءها إلا لصناعة باقة من التمجيد لعرشها، محاكاة لما فعلته كليوباترا بالقائد الروماني مارك أنطوان.

في ميزان السلطة، عين السخط كعين الرضا تبدي المساويا .. حواجز شفيفة بين المقدس والمدنس، لا مجال في دائرتها للصدفة، والحرب مجرد حادثة سير في منعطف التاريخ أو إعادة ترسيم لحدود غصن الحمام.

السلطة باب مشرع على غواية الغياهب، الطعم المر في الفم لكل مشتهى .. فم تنين أسطوري، بؤرة للجمر، هي لعنة التوقعات حين تخيب.. لهاث الناسوت للدخول في ملكوت اللاهوت، لتأبيد الرموز والطقوس والشهداء.

هي التي تحيل الأيام إلى رماد الصمت، وتخلق البهجة من شرنقة الأكاذيب، وعود بالقناطير ووفاء بالبخس منها، باب لتجميع الأغراض .. مديح وهجاء، غزل ورثاء..

كان الملك المغربي الراحل الحسن الثاني يرفض وصمها باللعب، لأن السلطة جد .. الشهوات، لهيب الحرب، جمرة الحيوان في أحشائنا، نشوة الشهرة في جناح الوقت.. لو تألقت كل أغصان الأشجار، وسيقان السنابل، وضوء القمر وشعاع الشمس وهبة ريح الغروب.. لما نسجت بيتا واحدا  في مديح السلطة.

في نحو السلطة لا قاعدة واحدة صالح للإعراب، لأن الكل فيها مبني على الخفض أو الرفع، على الكسر أو النصب أو السكون إلى الأبد.

ولأنها تلجأ إلى التعميم، تمنح نفسها حق الحديث المشرعن باسم الآخرين: الله والإنسان والمؤسسات، وما بين الأرض والسماء من هواء وماء ونار وتراب، وتسلب الكل حقه في إنتاج قوله أو بلاغته الخاصة، وتتكئ على الإبهام القصدي للمعنى في خطابها، لإيقاع الآخرين في شرك التحليل والتعليق والتفسير لا التأويل.. لأن نص السلطة مقدس شرعا، لذلك تعتبر المعارضة مجرد حاشية على متن السلطة.

تجاه السلطة، لا خطوة تقود لغير الجحيم نحو الممالك الباذخة.. غريزة البدايات، سليلة النهايات، فتنة نرجس بانكسار صورته على ظل ماء الغدير.. لا تقبل بالنديم ولا الخصم، وتزج بعشاقها كما بأعدائها في خمر لذة النصر أو كرع كأس مرارة الهزيمة.. الكل لديها سجين، وحبل المودة فيها أقصر من حبل الكذب، لذلك لا يغويها لحن قرابة الدم، حنو الأخوة ووفاء البنوة، « فالسلطة لا تفسد قدرة صاحبها على الحب فقط بل تفسد أيضا تلقائية الحب لدى الغير، فصاحب السلطة لا يمكنه أبدا أن يتأكد من نزاهة الحب الذي يعلنه له الأصدقاء وذوو القربى، لأنه من الممكن بسهولة أن يكون هذا الحب محض نفاق ورياء، فضلا عن ذلك إن حب الرياء ينمو بما يقتات، فأولئك الذين يرفضون أن ينافقوا يغدون مكروهين منبوذين منفيين، في حين أن المنافقين يكافؤون ».

في السلطة يحضر الأموات دوما ليبرروا بقاء الأحياء، أو  لنعيد كتابة التاريخ على ما تبقى فيهم من أثر.. السلطة فخ الطامحين، قلادة لأسر الأحلام والحاجة إلى إيقاظ الفتنة، حيث القبر يصلح لاستقامة الظهور المحدودبة.. لهاث التعاليم، حقول تزرع بالجثث وتروى بالدم ودماميل التاريخ.

في السلطة الكرسي مصيبة والجالس عليه دوما مصيب.

فيها يصبح الحجام مسؤولا عن سقوط الصومعة.. لذلك فالداخل إليها مفقود والخارج منها مقدود، لأنها العتبة العليا لتجسيد بعد الحق في امتلاك حجية التأويل ،حق العنف وتبرير الخروج عن السياق، وحق إرسال الآخرين إلى الحج أو الجحيم على حسابها الخاص، بيت الله أو بيت النار سواء.. وعدالة السلطة هي ما شخصه شكسبير في مسرحية « الملك لير »، الذي قال: « الكلب يطاع وهو يحتل منصبا ».

كل سلطة تتزين بعشب البراءة وتطعم الحشود أساطير دافئة لينسوا دموعهم كل ليلة حين يهجعون.. ويحرسوا على إزالة السخرية المرتسمة على وجوههم حقدا وكراهية.

السلطة نظام كلي لا يقبل التنازع في جزئياته، هي الروح المطلق أو الفكرة الكلية لارتقاء الحيواني فينا من الأدنى إلى الأعلى، دون أن يتخلى عن بدائيته الأولى، أقصد وجوده الطبيعي، هي اللذة في استقطاب أقصى حد من الألم بغية الحصول على أكبر قسط من السعادة، لذلك تبدو السلطة العتبة العليا التي تجافي حدود العقل والطبيعة معا.

فليست السلطة جوهر حقيقة الفكرة الأخلاقية، إنها ديالكتيك هيجل مقلوب على رأسه، والذي أنتج بموجبه الدوغم أو المعتقد المطلق، كل الغيتوهات والغولاكات وأشكال لاغيوتين المستحدثة..

وعلى عكس الحب الذي يشبه طائر البليكان الذي يهب فراخه، حين تجوع، أحشاءه طعاما ينقذهم من سغب الموت، فإن السلطة مثل القطة الجائعة التي تأكل أبناءها ببلادة حينا وبذكاء ماكر أحايين أخرى.

حتى حين تقتل السلطة القمر، وتسدد لإلاه المطر الضربات القاضية، تظل تبتسم بين الجرح والجرح.. هي تضع دائما الملح حين يكون السكر هو المطلوب، ومع ذلك فعشاقها كثر، وما زالوا يتناسلون ويستمرون.

لا تترك السلطة للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم، وفستان أحلامهم.. تسكرهم بخمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم، هنا يتوحد المعتقل السياسي والمنفي والمضطهد مع الحاكم وحاشيته، أحدهما يشقى في نعيمها والآخر ينعم في شقائها، تلك فتنة السلطة السادرة في غيها.

هي أقوى من حرارة فرن الصائغ، على تذويب المحبين كما المعارضين مثل فص ملح.. فالسلطة عسل على شفرة حادة، هوس لتفريغ العقد حتى على أعواد مقصلة، وتفريغ للمكبوت في قالب مرصوص بالذهب.

السلطة عين لا تنام، لذلك فهي لا ترى جمال النخلة، سحر قطرة الندى كبذرة جمال على خد وردة، نفح الطيب وشذى الأحلام الرغيدة..

رغم دواء الديمقراطية، تنتشر السلطة مثل السرطان، حتى في التفاصيل الصغيرة حيث تؤاخي الشيطان.. ومع ذلك فهي ذات أدب جم، توشح المغضوب عليهم بأوسمة شرف وبكلمات من المديح الطيب، وتمشي في جنازة من تكشطهم بسرعة البرق، وقد تبني لهم التماثيل وتطلق إسمهم على شارع رئيسي بالعاصمة.. لغز ساحر هي.

صراع العلامات والرموز.. سلاسل الظلمة وأشواك الفتك، حشرجات الحالمين بالذهاب إلى قمة الجبل.. في السلطة تختنق الحقيقة وينطفئ الصدق، تتدلى ضفائرها مثل مشانق وسط السراديب، فهي مالكة مفاتيح الأبواب الموصدة، قناصة الفرص، واهبة الأوهام المعسولة، حس اليقظة في الثعلب القناص لا براءة الطريدة.

سحر غامض يتخطى حدود التخمين، ذاك الذي تجسده السلطة.. فهي تحيي عرسا إذا قتلت نجمة، وتشهر سكينا إذا انكسرت بقبلة.. وصاحب السلطة يأمر بإعدام الموج إذا مس معطفه ملح البحر، وبمحو الشتاء من قائمة الفصول إذا داعبه رذاذ المطر، وبنزع الألسنة وإخراس أجراس المدينة، إذا التقطت أذنه الصدى لا نداء الصراخ، لأن غضب السلطة مثل الوباء الجماعي لا يبقي ولا يدر.. جاذبية الموت هي، امتلاء رخو بنشيد الهزائم، عنوان اللاطمأنينة الأبدية وبيض لتفقيس الخطيئة.

السلطة إبنة الإنجاب بالليل، أما ما تبقى من نهار فهو فقط لتصريف ما تجمع من ركام الواجبات الثقيلة.. هي أنثى في المبنى اللفظي فقط، لذلك « كيدها عظيم »، أما هويتها الحقيقية فهي بنية قضيب الذكورة.

ظلت السلطة حية فيما قضى عشاقها نحبهم ومنهم من ينتظر، لأنها هي روح الأفعى سارقة عشب الخلود من يد جلجامش.. هي الأنثى التي روضت أنكيدو وأفقدته قوة الطبيعة، ليس في السلطة تجاعيد، لذلك فهي تظل تشع بسحرها، ولا تحتاج لعملية تجميل.. وتأسر هواة الليل الباحثين عن آخر النفق، والسادرين في غي أحلامهم.. لم تبق يوما أرملة، لأنها تتزوج الطامحين إلى عصر حليب نهديها، حتى قبل أن يذبل الحذاء الذي مشت به في جنازة معشوقها السابق..

لا تأبه لتغير الفصول ولا يتعبها تغيير الوجوه، ورغم أنها لا تعود إلى كرسيها مثل صياد خائب، فإن لها دوما نفس إحساس التذمر والانتقام الذي تحمله الشباك الفارغة.

للسلطة عادات سيئة.. لا ملابس داخلية لها: لا جوارب ولا صدريات ولا حاملات نهود.. لأنها تشعر بالخوف مما تحمله بداخلها، وتحول ضفائرها إلى مشانق بدون عطر، فالسلطة لا تطمئن حتى لسلطتها، فهي تنام بتاجها فوق رأسها خوفا من أن تحس مثل ملك مخلوع، وتريد من الأحلام أن تنحني لها بخشوع كل هجعة ليل.. وكلما اهتز عرش عشاقها، غادرتهم نحو الغزاة الجدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة.. السلطة عاهرة قد تمنح ذاتها للآخرين، كلما أصاب الجالس بجانبها سهو أو وسن.

من وجد مفاتيحها ضاع في بطون مهالكها، ومن أراد زرع زهر الصواب في حدائقها، رمته إلى حافة الجنون أو أوصدت عليه أبواب النسيان، فهي تحتاج دوما إلى من يبرز أنه جدير بها.. فالموت شهادة حياة السلطة، في كنفها يبدو مبررا بالقانون ومحميا بالكراسي، ركام تيه الطرقات، حيث لا تنفع إرشادات علامات المرور.. وحده المتنبي، بفراسته، يقظته وبهائه.. كان يميز المهاوي البعيدة في دهاليز السلطة، ولم يسر فيها بحذر الحكيم، فقاده الطريق نحو الجحيم.

في ديوان السلطة يتفق الخصمان اللذوذان على الصلح، من أجل القضاء على بعضهما البعض بقفازات حريرية..

ومع ذلك فللسلطة قوانين ونواميس، مؤسسات وضوابط، ودستور تخلقه لتخرقه دوما لتضمن استمرار سلطة سحرها قبل تغيير أزيائها..

للسلطة أساليب بهية، دوما وستبقى.. هكذا إلى الأبد.

 

تمثلات عن السلطة

ــ من حيث الدلالة المعجمية « للسلطة »، نجد في « لسان العرب » حوضا دلاليا واسعا يشترك في أبعاد الهيمنة والمعرفة والقوة والسيادة والسيطرة والغلبة والحجة والبرهان، على الشكل التالي:

سلط : من السلاطة وهي القهر والسيادة والهيمنة والحدة والشدة والسطوة والحزم والتأثير..

فالسليط طويل اللسان، وما يضاء به من زيت وغيره، والسليطة: الفصيحة حديدة اللسان أو من اشتد صخبها.

السلط : القوائم الطوال، والسلطان: الحجة والبرهان وهو القاهر وحجة الله في أرضه، والأمراء سلاطين لأنهم تقام بهم الحجة والحقوق .

والسلطة : السهم الطويل وإطلاق القدر والقهر.

ــ قال ابن جماعة وهو قاضي القضاة على عهد المماليك في القاهرة في كتابه « تحرير الأحكام »، بعد تفصيله في أمر ضرورة الالتزام بالطاعة لكل سلطة تمت لها الغلبة : « فإن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها، وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف، انعقدت بيعته ولزمت طاعته، لينظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا، أو فاسقا في الأصح، وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد، ثم قام آخر، فقهر الأول بشوكته وجنوده، انعزل الأول، وصار الثاني إماما، لما قدمناه عن مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم ».

ــ يقول نيقولو ميكيافيللي في كتاب « الأمير » الذي أطلق عليه موسوليني وصف « ملازم رجل الحكم »:

« على الأمير الذي يجد نفسه مرغما على تعلم طريقة عمل الحيوان، أن يقلد الثعلب والأسد معا، إذ إن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الأشراك، والثعلب لا يتمكن من الدفاع عن نفسه أمام الذئاب، ولذا يتحتم عليه أن يكون ثعلبا ليميز الفخاخ وأسدا ليرهب الذئاب، وكل من يرغب في أن يكون مجرد أسد ليس إلا، لا يفهم هذا، وعلى الحاكم الذكي المتبصر أن لا يحافظ على وعوده عندما يرى أن هذه المحافظة تؤدي إلى الإضرار بمصالحه (…) ولن يعدم الأمير، الذي يرغب في إظهار مبررات متلونة للتنكر لوعوده، ذريعة مشروعة لتحقيق هذه الغاية (…) وعليه أن يكون مداهنا كبيرا ومرائيا عظيما (…) ولذا فإن من يتقن الخداع، يجد دائما أولئك الذين هم على استعداد لأن تنطلي عليهم خديعته ».

ــ بالنسبة للفيلسوف برتراند رسل ف: « السلطة تعني بكل بساطة إنتاج آثار مرجوة ».

ــ أما الباحث الأمريكي روبرت دال: « فالسلطة هي الطاقة التي يستخدمها أي شخص للحصول على شيء ما من آخر لم يكن ليحصل عليه لولا ذلك التدخل ».

ــ قال جيل دولوز: « إن السلطة تتصرف بعنف أو تمارس نفسها كإيديولوجية، تارة تقمع، وأخرى تموه أو تخدع وتوهم، تارة تتقمص زي الشرطي وتارة ثانية تتخذ شكل دعاية .. فالسلطة تمارس نفسها كإيديولوجية، حتى عندما تتسلط على النفوس، لا تلجأ بالضرورة إلى العنف، لا تقمع في الوقت الذي تتسلط فيه على الأجساد، بل الصحيح هو أن العنف مظهر أو أثر للقوة المسلطة على شيء.. فالسلطة تنتج الواقع قبل أن تقمع، كما تنتج الحقيقة قبل أن تضفي عليها رداء إيديولوجيا، قبل أن تجرد أو تموه.

(…) السلطة ليست مؤسسة، وليست بنية، وليست قوة معينة يتمتع بها البعض، إنها الإسم الذي يطلق على وضع استراتيجي معقد في مجتمع معين (…) تحاصر السلطة المغلوبين وتخترقهم مرتكزة إليهم بنفس الكيفية التي يرتكزون بدورهم إلى التأثير والسطوة اللذين تمارسهما عليهم في صراعهم ضدها ».

ــ أكد لويس الخامس عشر وهو يخاطب برلمان باريس في مارس 1716 على أنه: « في شخصي وحده تجتمع السلطة، ولي وحدي تعود السلطة التشريعية دون منازع أو حسيب، النظام العام بمجمله يستمد وجوده من وجودي، وأنا حاميه الأول ».

ــ بالنسبة للسوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو: « لا تحكم لغة السلطة وتأمر إلا بمساعد من تحكمهم، أي بفضل مساهمة الآليات الاجتماعية القادرة على تحقيق ذلك التواطؤ الذي يقوم على الجهالة، والذي هو مصدر لكل سلطة ».

ــ قال ألفريد سوفي: « إن الانخراط في السلطة، هو فعلا، أن يموت المرء كإنسان ليولد كحائز للمسؤولية الكبرى ».

ــ أكد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر: « أن من يتعاطى السياسة ويقبل باستعمال وسائل السلطة والعنف إنما يتحالف مع الشيطان (…) فالسلطة لا توجد إلا في إطار سياق العلاقات الاجتماعية التي تمكن جهة غالبة لفرض إرادتها برغم كل عناصر المقاومة ».

ــ أما ميشيل فوكو فيري: » أن السجن هو المكان الوحيد الذي تبرز فيه السلطة في حالتها العارية وأبعادها الأكثر مبالغة، خاصة وهي كسلطة أخلاقية… وهذا هو ما يبهر في السجن، إذ أنها أول مرة لا تتخفى فيها السلطة ولا تتقنع، وتبرز كتجبر مبالغ في جزئياته الوقحة بذاتها، وفي نفس الوقت فهو نقي، لأنه مبرر، لأنه يتشكل داخل أخلاقية تؤطر وجوده »

ــ قال الخليفة الأموي معاوية وهو يخطب في الأمة: « الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما أخذته فلي وما تركته للناس ففضلا مني ». وفي سياق آخر: « من لم يعجبه صوتي فسيعجبه سوطي ».

– * حوار هسبرس – قدري هو إدارة صحف النقمة

 حوار هسبرس – قدري هو إدارة صحف النقمة

الكاتب الإعلامي عبد العزيز كوكاس

 :  » اشتغلت حمالا وبائع سجائر بالتقسيط… »

 أجرى الحوار: عبدالله ساورة

الصحفي عبد الله سوارة

الصحفي عبد الله سوارة

   بقلب مفتوح اقتحمتا عنوة حياة الكاتب الصحفي المغربي عبدالعزيز كوكاس أيام الفقر كما أيام الإستقرار المهني،كان ينظر إلينا ببسمة لا تفارقه رغم ما تحمله أسئلتنا من استفزاز مبطن. يحمل بين يديه رواية »ذاكرة الغياب » ويضع جانبا نصوص  »سطوة العتمة » وتحمل أجوبته الكثير من التأمل في المشهد الصحفي المغربي برؤية صحفي مستقل واكب ميلاد الصحافة المستقلة في المغرب و إكراهاتها منذ البداية.

 »هسبريس » تدخل منزل الطفل عبد العزيز كوكاس ،بائع السجائر والحمال…والكاتب الصحفي المغربي ،صاحب التأملات الفلسفية بعمق فكري وتنقل لقرائها بما حبل به هذا الحوار المطول…

ما هي المحطات الأبرز في سيرة الصحفي والكاتب عبد العزيز كوكاس مسارا ونشأة؟

لكل مرء انعطافات أساسية في حياته ،قد تكون عنيفة على شكل زلازل أو انتقالات جارحة ، وقد تكون سلسة و هادئة ..وقد جمعت حياتي بين الانقلابين ،كبرت وسط أسرة فقيرة من حيث المال ،غنية بالحب الذي أمدني بالأمل والتحدي لتحقيق الذات ،كان أقصى ما يحلم به الفرد من أبناء جيلي بحي الخير وفم الأفعى، هو أن يكون شرطيا أو ممرضا…كانت أحلامنا لا تتجاوز اللحاف الذي ننام عليه، كانت المحطة البارزة هي عدم قبول طلبي للإنضمام إلى المعهد العالي للصحافة بعد حصولي على البكالوريا سنة 1985 ،أحسست بإحباط كبير.

والحدث الثاني ارتبط بحادثة سير التي أجبرت أبي ،سندي الأساسي رحمة الله عليه،على مغادرة العمل واضطراري القسري للبحث عن شغل ضد طموحاتي ..وعلى شاكلة أبناء جيلي من نفس الانتماء الاجتماعي الذين لم يولدوا وفي فمهم ملاعق من ذهب ،وجدتني أمارس كل المهن،حمال،بائع سجائر بالتقسيط،مساعد بناء،خضار،مدرس خصوصي…إلى أن اجتزت بنجاح مباراة للتدريس،والمحطة الحاسمة كانت هي مجيء الصحافة إلي ،بدل ذهابي الأول الخائب إليها،بعد عقد من الزمن،حين اشتغلت في جريدة « الزمن »الرائدة في الصحافة المستقلة، كصحافي ثم كمستشار للتحرير،كانت طموحاتي قد اتجهت إلى المجال الأدبي، لذلك كنت أوقع مقالاتي السياسية باسم إبنتي أحلام، كي لاأحرم من نشر مقالاتي الأدبية بالعلم الثقافي والملحق الاتحادي..

هذه المرة ستكتشف الإغراءات المادية للصحافة ؟

(ضاحكا)أبدا،وسأحكي لك حكايتين مضحكتين في هذا الباب..كنت لا أتقاضى أي راتب في » الزمن « ،وكنت على سذاجتي أعتقد أن الصحافة عمل إبداعي بدون مقابل ،وحين أتيت إلى « الصحيفة » سألني رئيس التحرير الزميل نور الدين مفتاح عن الأجر الذي أقترح ،فمات من الضحك حين قلت له ألف درهم ،واقترح علي ثلاثة أضعاف هذا الأجر ،الذي تضاعف بدوره في أقل من ستة أشهر تقديرا لمجهوداتي صحبة زملائي.

والواقعة الثانية،مرتبطة بلحظة بقائي في « الصحيفة » بعد تأسيس « الأيام »،إذ عرض علي بوبكر الجامعي نفس الأجر الذي كان يتقاضاه الزميل مفتاح، 20.000 درهم، فتنازلت عن نصفه لكي لا يقال أني بقيت من أجل هذا الراتب..

فوق هذا قل لي من الصحافي اللي دار بخير من الصحافة ؟

عبد العزيز كوكاس ، صحفي وكاتب متعدد المواهب ،من القصة إلى الرواية إلى الكتابة الصحفية،أيهما أقرب إلى الذات والنفس؟

الإبداع أحب إلي مما أدعى إليه تحت ضغط الواجب.. والصحافة تشعرني أني أذهب إلى فراشي كل ليلة مثل حكيم وأستيقظ مثل جاهل،وهذا أجمل ما فيها.

شاركت في إدارة مجموعة من الصحف المغربية،سواء كرئيس تحرير أو كمدير جريدة أو مستشار للتحرير…ماذا يعني لك فن إدارة جريدة مغربية وما الصعوبات التي واجهتها؟

هناك صحف النعمة وهناك صحف النقمة ،وقدري كان دوما هو إدارة صحف النقمة التي لم تكن تعجب أصحاب الحال، واكتشفت أنه يصعب أن تضمن استقلالية الخط التحريري لجريدتك ،عليك أن تتحول إلى شخص يتسول الإشهار لدى المؤسسات ،أو تضرب بالحجر ليأتي أصحاب الحال للتفاوض معك..وأحلى الأمرين مر.

وبالمناسبة أحيي كل الزملاء الذين اشتغلوا إلى جانبي بحب وتفان ،وكانوا مستعدين للتخلي عن جزء من أجورهم ،من أجل استمرار الجريدة،وأفضل أن يكونوا هم الحكم فيما إذا كنت مسؤولا ناجحا أم فاشلا…

أين انتهت قصة محاكمتكم على نشر حوار مع نادية ياسين أو بقضية ما يعرف ب  »جمهورية نادية »؟

لازال مخرج ما سميته بالقصة دائخا في مخارج الحبكة.

في المغرب الصحفي نجد هذه المفارقة ، موضة كتابة العمود الصحفي لدى شباب في بداية مسارهم في حين أنه في دول عريقة في العمل الصحفي، نجد الأعمدة يكتبها أناس لهم تجارب صحفية متعددة بالإضافة إلى عمر مديد، كيف تنظر لهذه المفارقة؟

في المغرب لدينا مفارقات كثيرة وغريبة ،والسبب فيما ذكرت يعود في اعتقادي إلى أن الصحافي في المغرب يريد النضج قبل الأوان، المسألة غير مرتبطة بالسن ،ولكن بتراكم التجربة، لذلك أصيبت صحافتنا بإسهال التنظير،وكتاب الرأي الذين لهم عقدة سريرية مع صورهم المصاحبة لأعمدتهم الباردة مثل وجبة عشاء بائت.

إلى ماذا تحيل لك جملة : محاكمة الصحفيين والمدونين المغاربة وتشميع مقرات الجرائد وإغلاقها؟

الحرب الخاطئة للدولة ضد الصحافة

هوايات عبد العزيز كوكاس.؟

السباحة والضرب في أرض الله الواسعة،متى وجدت إلى ذلك سبيلا.

أقرب المدن إلى ذات عبد العزيز كوكاس؟

وجدة كهوية لانتماء ملتبس،ومراكش كفضاء أسطوري وسحري.

الكتاب الذي له الكثير من الأثر على عبد العزيز كوكاس؟

« أناشيد مالدورور » للوتريامون،الذي كان إنجيل السوريالية ، وقال عنه أندريه جيد : »حين أقرأ النشيد السادس من أغاني مالدورور،أخجل مما كتبت. « 

الحب في حياة عبد العزيز كوكاس؟

جوهر وجودي مبنى ومعنى ،ولا أوجد خارجه .

لو لم تكن صحفيا وكاتبا ماذا كنت ستختار؟

لربما مخرجا سينمائيا .

باختصار ماذا تمثل لك هذه الكلمات من تجارب:

عشق السينما: اكتشاف سحر الصورة

تجربة الزواج: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن

تناقضات المجتمع المغربي: مشربكا القضية بالزاف

الكاتب المغربي : إما عبد في دائرة المخزن،أو باحث عن وضع اعتباري في مجتمع أمي ، الثقافة هي أخر انشغالاته.

حجرة الدرس وساحة المدرسة:الإحساس بالنبل والمسؤولية الكبرى وأحيانا الشعور بالعبث

عداءات الصحفيين المغاربة:خوك فالحرفة عدوك..

النكتة السياسية: أداة للنقد ووسيلة لتفريغ كل أشكال الكبت ،عبر التسامي

فكاهة رمضان التلفزية:تحتاج أن تصبح موضوعا للتفكه والتندر.

هل تتفق مع القول إن الصحفي يجب ألا يكون له انتماء سياسي؟

الصحافي مواطن ولا يمكن حرمانه من أي حق من حقوق المواطنة،وعلى رأسها الحق في الانتماء السياسي ،كتاباته هي التي يجب ألا يكون لها أي انتماء خارج المهنة .

نتجه في المغرب الصحفي إلى إلغاء وتغييب صحافة الرأي، لماذا تخاف الدولة من هذا الجنس الصحفي؟

في تقديري أصبح الكل يمارس الرأي في الصحافة الوطنية، قل لي أين هي صحافة الخبر ؟

ما رأيك بهؤلاء الزعماء:

عبد الرحمان اليوسفي: سياسي ووطني كبير،حين وصل إلى الشباك لتقاضي أجر نضالات شعب ،لم يبد شطارة كبرى في احتساب التعريفة الحقيقية لتلك النضالات ،هل هذا امتيازه أم ذنبه ،التاريخ ولي هذا التقييم

المرحوم لفقيه البصري: رمز للمغامرة النبيلة التي خلفت أبطالا بدون مجد

عبدالإله بنكيران  :زعيم يجسد تناقضات مرحلة سياسية في تاريخ حزبه بين الدعوي والسياسي

فؤاد عالي الهمة  :رجل ذكي عليه أن يختار بين أن يكون من طينة رب همة أحيت أمة، أو بين صغار الهمة ممن لا يحيون موات الأمة ، والمستقبل كله أمامه .

المحجوبي أحرضان : دفننا الماضي بدل أن ندفنه

سؤال لم تتردد في طرحه على نفسك مرارا؟

هل كففت عن الخطأ ؟ لأنه حين سيكون الجواب بالإيجاب سأقرأ على نفسي صلاة الجنازة

أظرف واقعة صحفية وقعت لك؟

كنا في « الصحيفة » في نسختها الأولى ،نشرنا خبرا عن وفاة عبد اللطيف السملالي ،أقفلنا العدد يوم الأربعاء ليلا والذي يكون متوفرا بجميع مناطق المغرب يوم الجمعة ،يوم الخميس تم توزيع العدد ..لم يكن الرجل قد توفي ..فوقعنا في مأزق أخلاقي حقيقي ،إلا أنه يوم الجمعة توفي الراحل السملالي..

كيف تنظر لهذه الأسماء والمؤسسات  الثلاثي: رشيد نيني، توفيق بوعشرين، علي أنوزلا…؟

لكل أسلوبه الصحافي وحجم تأثيره

اتحاد كتاب المغرب:مؤسسة لعبت أدوارا طلائعية غير أنها لم تسلم مما أصاب باقي المؤسسات المضادة بالمغرب ،لأنها لم تتكيف مع متغيرات الواقع.

حزب الأصالة والمعاصرة: برغم الشكل غير الطبيعي لولادته، فإنه أصبح رقما أساسيا في المعادلة السياسية ،والعبرة بالخواتم ،إذ ليس كل ما يلمع ذهبا.

إذاعة طنجة:إذاعة رائدة بفضل إبداع ثلة من صحافييها .

عبد الهادي العلمي: رجل أكتشفه عن قرب بحميمية أكبر ، أقدر فيه جرأة الاستثمار في حقل الصحافة، في زمن ارتفعت فيه تكلفة الاستثمار الإعلامي رمزيا وماديا.

جمعية حماية المستهلك: إضافة جديدة في حقل العمل الجمعوي تبرز الاهتمام المواطناتي في المغرب ،بالجيل الجديد من الحقوق الكونية.

بعد رواية « ذاكرة الغياب »ونصوص  » سطوة العتمة » ،ماهي مشاريعك الصحفية المقبلة وكتابك الإبداعي الجديد؟

على المستوى الصحافي أنا منخرط في مشروع جريدة يومية صحبة عبد الهادي العلمي،أما على المستوى الإبداعي فلدي كتاب نقدي تحت الطبع بعنوان »في مملكة السلطان »،وكتاب في الشذرة « حبل قصير للمشنقة ».

– * الشَّذرة كمحاولة لكتابة الصمت

الشَّذرة  كمحاولة لكتابة الصمت

عبد العزيز كوكاس

« كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة » النفري

تمنحنا الدلالة المعجمية للشَّذرة مفاتيح سحرية لولوج عوالمها، إذ نعثر في « لسان العرب على دلالات باذخة لجذر »شذر »، منها:

الشذر واحدة شذرة: قِطَع من الذهب يُلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، ومما يُصاغ من الذهب، فرائد يُفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وهو أيضا صغار اللؤلؤ، أو قطع صغيرة كرؤوس النمل من الذهب، أو خُرَز يُفصل به النظم.

وشذَّر النظم: فصّله، والتشذر: النشاط والسرعة في الأمر، وهو الحركة المعبرة عن الفرح، تقول تشذّرَت الناقة: إذا رأت رَعِيَّا يسرها فحركت رأسها مرحاً وفرحاً.

والتشذر هو التفرق والذهاب في كل وجه مذاهب شتى.. شذر مذر.

الشذرة إذن قطع ذهب، فرائد لؤلؤ وجواهر، معادن كريمة من أنفاس حرى، لا ما تساقط في سلة مهملات الروح ،هي مرآة الكينونة، تشظي المرآة احتجاجا على رؤية نفس الوجوه والصور على صفحة وجودها.. هي القدرة على اقْتناص التَّفاصيل العَلَنية وكتابتها بحِبْر سري، الْتِماعة السهو أو صوت ما بعد منتصف ليل الروح.. للشذرة طقوس تستقطبها من أقاصي مملكة الأناشيد، وتحتاج دوما إلى قرابين استثنائية تُماثلها في التَّفرُّد، وقليلون من يستطيعون إنقاذ الشذرة من تعب الاستهلاك العام.

الشذرة تخلِّي الطير عن الضروري من ريشه دون أن يموت بردا.. امتلاك السبيل نحو الجغرافيا السرية للذات دون الوقوف أمام العتبة وانتظار حُسْن الضيافة، هي امتلاك ما نكتبه قدرا كبيرا من الوقاحة ليُعَرِّي مُؤخِّرته في وجه الوصايا والموانع والآراء المسبَّقة، وكل هُزال الأمخاخ الذي أَوْرَثَنا أن نكون صالحين في أَعْين المؤسسة، لأن الشذرة محاولة (Versuch) لهتك « حرمة الخطاب والإجماع القائم » بتعبير هايدغر..لذلك يعتبر اللعب والتشويش رهانها الذاتي، خاصة حين تتناول الهامشي والمنسي ، هي نسغ الكلام ولبُّه.. مدُّ وجزر الكينونة، وتَلَقِّيها يفرض امتلاك فن السخرية والتهكُّم لنُدوخ العالم حسب الساحر موريس بلانشو الذي وسم الشذرة بفن الخلود واعتبرها ف.شليغل خطاب المستقبل!

ليس في الشذرة قدرة على إعادة التَّصويب والإضافة والمحو، لأن المعنى الأول الذي وُلدت به واللِّباس الذي اتشحت به مُتَستِّرة عن أَعْين اليقظة، هو مبلغ التَّمام في اللاوعي.. وأي محاولة للتصويب هي هَدْم كلي للمنتوج الأصلي.. لكن الشذرة سليلة المحو وبراعة البستاني لتشذيب أزهار الحقل، دون قتل الحياة في الوردة، في ثناياها تتحول الذاكرة إلى مجرد ظلال للأطلال، مقبرة لا تصلح إلا لتسَكُّع الموتى!

الشذرة لآلئ الحقيقة التي تنفلت من طي النسيان وظلال الظلمات، كَسَطْوة الريح حين يُسقط كل الأوراق الزائدة أو يُشَطِّب الشوارع من رمال تائهة أو زوائد عالقة دون حاجة إلى عُمَّال النظافة أو حطَّابي الأشجار.. أقصد النقاد! لأن الشذرة، بتعبير جيل دولوز، هي: « بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذر تفكيك سننها من قبل القانون والنقد والمؤسسة ».

إنها سليلة الحذف المضاعف، قوة الإيمان بإزالة ما عشقناه وهو مجرد فُضْلة.. لأن فضيلة الشذرة، تَنْقية وتطهير العبارات من الفُضْلات.. زُهْد اللغة وتقشُّفها الزائد الذي يمنح الوضوح الأعمق للكلمات، هي الدليل على أننا انتقلنا من تقويم شكل العبارة إلى تَشْذيب عمق اللغة، في الشذرة لم نَعُد نَبْحث عن المعنى الصحيح، بل عن الكلام السليم الذي يُسَايِرُ إيقاع دهاليز الروح.

ليست الكتابة الشذرية مجرد تجل « للاقتصاد اللغوي » أو هوى التجديد والخروج عن المألوف، لأنها جوهر لا هامش، جغرافيا اللفظ تبدو أحيانا أقوى من تاريخ الفكرة، لأن التشظي فن التفرد بامتياز خارج أي فكر نسقي، لذلك سيحار جينيت الباحث في جينيالوجيا الأجناس الأدبية وكريستيفا الباحثة عن تلاوين  » علم النص »، وباختين المفتون ضمنيا بالأصوات المتعددة ..سيحارون في تحديد معنى الشذرة، ببساطة لأنهم كانوا يبحثون في أنواع الكلام، والشذرة تنتمي إلى فضيلة الإشارة لا فُضلة الكلام، ولأنها لا تُقيم إلا فيما يُعتبر خروجا عن الأجناس، لأنها أم الأجناس، فيما هي سليلة لها.. فالشذرة هي فن الصراخ الصامت ضد الأنساق والتفكير الكلي.

الخروج عن استبداد النظام، وإجماع النقاد وثبوتية الواقع هو ما يجعل الشذرة فن التشظي سمة الوجود.. الهوية الواضحة مثل تعيين داعرة وسط نساء، هو ما تلفظه الشذرة، لأنها ضد التعيين، لا تقيم في زمان ومكان محددين، التحديد ليس من خصائصها الجوهرية.. لأنها أشبه بمنفي يظل متشبثا باعتقاده أنه البدر الذي يحتاجه السراة في الليلة الظلماء.. ظلمة الكتابة.

الكتابة الشذرية تعصف بالنسق وتجعل نظام الكتابة مثل الفراش المبتوت، تحتفي بالبياض وبهجة الفراغ، وجدل التفكك والانفصال.. هي اكتناز درر الحياة في لمحة أو ومضة، لها جاذبية الانزياح، ذلك الترميز الأنيق المليء بدهشة المعنى البكر، والتقطيع المتمرد على فكر الوحدة والتجميع والنظام والنسق.. لا مجال للتصنيف في الشذرة بين الأدب الصغير والأدب الكبير، بين الأدب الرفيع والأدب السوقي.

اللغة كهوية، كنسق للوجود سابق على الدلالة، تتحول في الشذرة إلى ذلك التكثيف الأسمى لبوح المعنى، لا ثبات في أسس الشذرة، المتغير والمتحول والمتبدل هو ما يجعلها ذلك النثر الراقي الذي لا يأبه بتلوينات القواعد المُحنطة للشعر..هو ما يزرع الحيرة في أدوات النقاد الكسالى الباحثين عن الجاهز في قلب المعنى الثابت.

الشذرة كُمْشة من نجم الكلام، واللغة الشذرية مثل سفينة في مهب الأمواج العاتية تتخلص مما زاد من سقط المتاع الذي بدا لنا ضرورياً للرحلة ونحن في مرفأ الأمان.. فهي تنتمي لفضيلة النقصان لا لتَبَجُّح الكمال، تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم المفتون بما يجري على السطح!

هي رقصة الجسد متحرراً من شظايا الوصايا التي تميل إلى السكون، أو ما أسماه نيتشه « برنَّة الجسد » التي قال عنها بمرح طفولي: « لم تستطع لغة أَلْبتة أن تُعبِّر قبلي عن هذه السعادة الزُّمردية وهذا الحنان الإلاهي »، لأن الشذرة عدوة الثبات، كما أنها ضد زيف التحول بدعوى مواكبة العصر، انفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز.. سليلة الهباء هي، لا تحنُّ إلى ماض ولا تبني حاضراً ولا تستطلع مستقبلا، لأنها تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول.

الشذرة هي الكثافة اللازمة للكتابة، فرح الدال وغبطته بانفلاته من سلطة ميتافيزيقا الدليل، هي الالتفات الدقيق للهامشي واللامعقول.. ضد الحضور لأنها سليلة الغياب، لذلك تميل إلى سطوة الأبيض على الأسود، عبر تضييق مساحاته والرقص الحر على حلبته!

هي مقاومة تصدع العالم بالنَّزر القليل من الكلام على شاكلة شطحات الصوفية، تُزلزل ثرثرة الأشياء ذات الجلبة على السطح، لأنها تغوص بعيداً في خلجان عميقة للتاريخ، للإنسان، للطبيعة، للعالم.. ولما لا يُصاغ في لغة مسكوكة هَرِمة، لذلك ترتسم اللغة الشذرية على شكل متاهة تُماثل انعراجات الروح، لتضبط « التعقيد الموجود أصلا في روح العصر » حسب ت.س. إليوت، فهي واضحة ووقحة لدرجة الغموض، « إذ كيف نطلب مَنْ يسير في ظلمات النفس أن يكون واضحاً؟! » يتعجب الشاعر ييتس.

الشذرة مشاكسة، لعب وهزء وشغب جميل، ذلك أن « ولادة الأطفال هي موت للآباء » (هيجل)، تسير على « هامش المقول الذي يبقى دائما قابلا لأن يُقال من أجل الكشف عن الكلام الذي لم يُقل بعد » (فوكو)، فتنطلق مثل رصاصة واحدة في الماسورة.. إما أن تُصيب أو تخيب، لذلك تمتلئ الكتابة المتشظية (Aphoristique) بالشعرية المكثفة وتلجأ إلى الحِمْية للتخلص من الذاكرة وتحافظ على رشاقتها بالدلالات المفتوحة..

فيما تنفتح على السرد واللقطة والومضة في الصورة السينمائية، تخلق إيقاع الشعر في نثر الحياة اليومية.. تحاول أن تلامس ما وصفه إليوت بـ « النظرة الأصلية في طبيعة الإنسان »، وليس تعقيدها شكليا أو محض ترف لإبراز كفاءة معجمية أو فحولة لغوية، بل هو أداة ومضمون لزَلْزلة الذوق الفني.

الشذرة هي اختبار الفيافي البعيدة، مثل فاتح عظيم يريد أن يكتشف منبع الشمس أو مكان اختبائها في المغيب ثم يكتشف أوهامه الكبرى، لذلك لا تصلح الشذرة للإلقاء، ليس فقط لأنها لا تحتاج للجمهور ولا تصلح مطية للدعاوة السياسية والمنبرية الخطابية، بل لأنها نرجسية.. أقصد جد فردية، وهي أيضا سليلة الرؤية لا الإنشاد فـ « الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدسا يتجلَّل بالسر » كما يعلمنا ملارميه ..في الشذرة لا نموذج يُحتذى، لأن الكتابة تشبه فعل اغتيال، « هدم المعبد قبل بنائه نقيا » (بلا نشو) ليقترب الأديب من حريته.. إدخال النص إلى عتمة لا يُرى فيها إلا اللا شيء، اللا نهائي.. هي الكتابة المؤجلة، المتشظية، والمضادة لفعلها، والتي لا تتحقق إلا بالإعدام الرمزي للأب.. كاتبها!

الشذرة دليل ارتماء في الحديقة الخلفية للحلم، استخراج الهدوء من قلب الضجيج، « ارتقاءٌ » بالمعنى الذي يُشير إليه بودلير في ديوان « أزهار الشر »:

من فوق الغدران ومن فوق الأودية

وفوق الجبال والبحار والغابات

ومن فوق الشمس والسماوات

ووراء حدود الآفاق الفلكية.

الشذرة قفز حر نحو الغياهب، بتوجيه قليل لمؤشر الروح نحو المرايا التي لا تسكن بيوت الحقيقة، لأنها ضد النسخ والمثيل وصنو الشبه..لها شكل الزُّمردة متعددة الأضلاع، مثل « ضربة نرد » ملارميه، تخرج من مسام جلد الروح، لغة الصمت، وجود العدم، صدى الفراغ حين يكون مبحوحاً ووحدة التعدد!

الشذرة تضع إيقاع خطوها خارج الأرجل الخشبية للوزن والقافية، لأنَّها تحاكي أسئلة الوجود وعتمة الروح في عالم متحول، شائك.. لا تسعى إلى ملء أي ثقب في طمأنينة الكتاب المدرسيين أو النقاد والبلاغيين الذين يتصدون لتفسير كل شيء باسم المسؤولية الثقافية وبعض الهزال في أمخاخ المؤسسات التي توزع السلط من الحزب إلى الدولة ومن الإعلام إلى دور النشر والتوزيع، وقراء المواسم في مهرجانات بليدة.

الشذرة رشاقة الرمز حين تنبت له أجنحة كثيرة فيصير سرباً لوحده في شرفات المعنى وسلالم الإيقاع ومقصورات الحلم، وذخائر الصور وإحساس المرايا بالحاجة إلى نسيان الوجوه المخبأة في حرير زجاجها بلا وجع في الذاكرة.. كتابة مُعَتقة اختمرت قبل ميلاد الوعي بالكتابة في الوجدان.

لا شذرة تُكتب في حضرة الوعي أو بتأمل العلاقات بين الأشياء في حدود تمظهرها الخادع، في الشذرة ننطلق مما حولنا، لكن شيئا خفيّا وعميقا فينا هو الذي يحدد العلاقات الملتبسة بين الأشياء بوضوح جلي في لمحة بصر، ثم يذوب في الغموض..

يصبح الصوت صورة مجلوة، لأننا في الشذرة ننجذب لغواية المكتوب لا للكلام المقول، حيث يتحول الحرف إلى قوس قزح متعدد الدلالات وحمَّال أوجه لأنه مشتت المعاني.. فيه تسقط الذاكرة ويمَّحي مخزونها، لأن الشذرة وليدة الذات الإنسانية العميقة فينا.. لا شذرة بلا تأمل عاصف وحرقة في القلب.. كتابة متشنجة شرسة، قلقة.. تُشبه ما وصف به فيليب سولرز كتاب « الأشعار » للفتى المرعب لوتريامون « الكتاب الجليل، الهادئ، العنيف، الجاف، الرحب، الطريف،الرصين، السافر، الكثيف، الهائم، المختصر، اللامع، الأسود والشديد الوضوح حتى ليبدو مُبهما ».

حاشى أن تكون الشذرة لعبا ولهوا، زينة وتكاثرا.. هي المرآة الصقيلة في بهاء غموضها، لا تُستعار ولا تُقترض ولا يمكن القول إنها فن دخيل، علينا تأمل التوحيدي والنفري وإبن عربي وحكم إبن العطاء بكل ثرائها الدلالي واقتصادها اللغوي.. للشذرة إيحاء الشعر، تأمل الفلسفة، هي التماع لا يغرق في الشرح والتفسير.. اختزان الجرح في خط الكلمة، ماء اللغة القليل في يد التائه في الصحراء.. هي الاقتضاب الذي يفسره بن منظور بالانتزاع والاقتطاع ومنه القضيب، كل نبت من الأغصان يُقضب أو يُقتطع.. والقضب السهام الدقاق، والاقتضاب أن يركب المرء الدابة قبل أن تُراض وتُساس، حيث يأتي كلامك على غير سابق قول..

الشذرة كالسهم، هي اللغة التي تشبه جموح الخيول قبل ميلاد السراج والشكيمة أو اللجام، وقبل السياسة والترويض..الأثر l’œuvre غير موجود في الكتابة المتشظية..لأننا لا نعثر فيها على أثر للسابق أو اللاحق.

في الشذرة نُجري امتحانا للْعَدْو لكل الكلمات والعبارات والأفكار التي التصقت بذاكرتنا، ولا يستحق التَّتويج منها في حضرة الغموض وفي المكان المناسب، إلا ذو النَّفَس العميق والغريب والعجيب والمتفرد والمتعذر لمسه، الساكن في مدارج قصية معتمة!

للشذرة طقوس وتحولات وقرابين لأنها صنو المنفلت حيث در الحليب ينهمر، كنوز دفينة، كل الكتمان الأبدي، الصورة الأصلية للكون، ملكوت الأسرار التي نذهب إليها سابحين، بحر البشرية الأول.. بحر غامض طليق متوثب!

الشذرة صديق حميم للروح حيث تذوب الملاحم والوصايا، ووشم للجسد حيث بهجة الأشياء، سحر الدهشة الأولى وطعم العشق الأول، مرايا صافية للكينونة.. هنا حيث: « تتجاوب الأنغام والألوان والعطور، أصداء مديدة امتزجت من مكان بعيد/ في وحدة غامضة/ واسعة كالغياهب، رحبة كالنور ». (بودلير).

عبد العزيز كوكاس

كاتب وصحافي من المغرب

من مؤلفاته:

– « ذاكرة الغياب » الطبعة الأولى (2001) والثانية (2007)

– « سطوة العتمة » (نصوص إبداعية) (2009)

وله قيد الطبع:

– « أحلام منتهية الصلاحية: في وصف حالتنا « (مقالات سياسية).

– « اللعب في مملكة السلطان » (مقاربات وشهادات)

Navigation des articles