الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “octobre, 2012”

– * الوصايا العشر لرئيس الحكومة

الوصايا العشر لرئيس الحكومة

عبد العزيز كوكاس

« لا تصالحْ! ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ، ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟ هي أشياء لا تشترى.. »أمل دنقل

أعرف عبد الإله بن كيران عن قرب..

الرجل عاطفي، صادق، طيب وذكي.. ولا يكتفي بأنه يعرف ما يريد، بل يسعى إلى تحقيق ما يريد، في مراوحة بينة بين الاعتماد على المزاوجة بين الأخلاق البروتستانتية لماكس فيبر وبراغماتية أمير ميكيافيلي.. لكنه له ما لا يجب أن يُشرك فيه غيره برغم بروزه الزائد عن الحاجة في وسائل الإعلام، تلقائيته الزائدة عن اللزوم واعتقاده الصوفي بأن الله قدَّر له أن يأتي إلى الحكم في زمن الشدة، كلحظة اختبار لصدق نواياه، وإحاطة نفسه ببعض مما لا يجذر أن نُسر لهم بما نخفيه عن أشد الناس حميمية لنا، باستثناء خليه الصِّديق عبد الله باها وموضع ثقته جامع المعتصم، يجعلنا، خوفا عليه وغيرة من أي انتكاسة تصيب هذا البلد، ليس لأنه حامل « المنفرجة » المبشرة بـ « اشتدي يا أزمة تنفرجي »، ولكن لأننا لا نريد انتكاسة أخرى للبلد بعد تجربة رجل نزيه بحجم اليوسفي، نقدم لعبد الإله بن كيران النصح بصفته اليوم، رجل دولة، وليس لدينا أي اطمئنان للاعتقاد بأنه المهدي المنتظر..

فتلك الأيام نداولها بين الناس!

تهمني اللحظة التاريخية التي نسعى فيها إلى أن يكون الشعب مصدر السيادة، ولأن بن كيران أول رئيس حكومة صوت عليها الشعب بأغلبية مريحة، نتمنى أن يكون فارس الرهان، بغض النظر عن خطه الإيديولوجي، لجعل الديمقراطية غير ممنوعة من الصرف مغربيا.. له أقدم ما أعتبره وصايا قد تنفعه في طريق إنجاح تجربة لا نريد لها الانتكاس:

1- لا تضع كل بيضك في سلة « المخزن »، لأنك عابر في سلطة حكم دائم، وعليك أن تتذكر أنك ستكون ذات يوم في حاجة إلى بيضة واحدة غير فاسدة تقدمها لضيوفك وتتقاسمها مع خِلاَّنك.. فلا تؤرخ للمرحلة باعتبارك المتنفس « الإسلامي » للاحتقانات الدورية التي يعرفها النظام السياسي التقليدي، ابق على خط الرجعة مفتوحاً ولا تحرق كل مراكبك، ومعها آمال عريضة ليس لأنصار حزبك فقط، بل لمن وضعوا ثقتهم فيك وهم على غير مذهبك، وهم أقوى بكثير مما تمتلئ به مقرات حزبك.

2- أنت رجل دولة اليوم، لا أمين عام حزب سياسي لا تخذل من وضعوا ثقتهم فيك على الرغم من أن لهم دينهم ولك دينك، لهم رحابة الوطن أن يروه ديمقراطيا، ولك زعامة حزبك الذي تريده أن يبقى في الحكم زمنا أطول، لا يجوز أن تخاطب العالم بصفتك أمينا عاماً للعدالة والتنمية، بل رجلا للدولة ينطق باسم كل ما أسفرت عنه صناديق الاقتراع، أنت اليوم رئيس حكومة لا أمين عام لحزب سياسي ضمن أكثر من 30 حزباً.

3- لست وحدك في حكومة ائتلافية بكل المقاييس، فأنت قائد ومقود في آن، يلزمك حكمة الانتصار للأغيار على نفسك لحفظ التوازن الضروري، لأن ما يبدو اليوم في الظاهر، وخطابك يرسخه بشكل مبين، هو أننا أمام حكومة ملتحية، حكومة حزب العدالة والتنمية، وانتقلت من حديث المظلومين إلى عدالة المنتصرين، وحدهم وزراء حزبك يبدون مطمئنين لمواقع قدمهم، يملأون كل المساحات، متحمسين زيادة عن اللزوم لمشاريعهم، مستعدين لتقديم استقالتهم إذا لم يفلحوا في إنجاح مقترحاتهم…

أنت أكثر مني تعرف معنى انفراط السبحة، فألجم حماسة وزرائك وأشرك الأحزاب المؤتلفة داخل حكومتك، في حسابات الربح والخسارة، الفشل والنجاح، خوفاً من أن تُصاب بالحسرة يوماً مثل سلفك عبد الرحمان اليوسفي الذي وجد نفسه يجني الخيبات وحده، أبرز للعيان أنك داخل حكومة ائتلافية، اضبط حماسة وزرائك الفائضة عن الحاجة مثل الزبد تذهب عادة جفاء، أشرك الأحزاب التي ألفت قلوبها في الانكسارات والانتصارات، فالحكم والأحزاب المختبئة اليوم في حكومتك الائتلافية التي تترأسها ستجني الأرباح وتترك لك وحدك متاعب الفشل وأتعاب السقوط، ومع اتساع آمال الشعب في حكومتك، وامتداد رقعة حاجيات المغاربة الأساسية.. تعلم جيداً، أكثر من غيرك، حجم الخسارات التي تنتظرك!

غدا ستجد نفسك وحيداً.. لا إخوة لك يا أخي ولا أصدقاء، لا اليمين ولا اليسار بجانبك، وتدرك كم كنت وحدك.. إنها السلطة ابنة الكلب!

4- حذار من تهميش القضايا الجوهرية لحساب الزائد عن الحاجة أو ما لم يصل أوان نضجه بعد، خاصة في الحقل الاجتماعي، فتصريح الرميد حول السياحة خطأ، والتشهير بالناس في ملفات مأذونيات النقل خطأ، والتركيز على مرور وصلات إشهار الرهان في قطب الإعلام العمومي خطأ، وتصريحات أعضاء حزبك غير المدروسة والمجانية خطأ، وزلات لسانك حول « عفا الله عما سلف » خطأ، والتهديد بالنزول إلى الشارع إذا لم تطبق دفاتر التحملات خطأ.. لكن بالمقابل تبريرات وزرائك للمنع وللإصلاح خطأ أكبر..

قل لوزراء حزبك: « أنتم رجالات دولة، ومهما كانت أفكاركم ومشاريعكم نبيلة، فإن عظمة أي إصلاح هي في قدرة التربة المحلية على استنبات الزرع وأن تأتي حبة القمح أكلها، مائة سنبلة، كل سنبلة فيها مائة حبة ».

5- اجعل حزبك يسند ظهرك، لا تكن مثل سلفك عبد الرحمان اليوسفي الذي مهما كانت طهرانيته، فقد فَقَد نعمة الدارين: الحزب والحكومة، إذ جعل حزب القوات الشعبية يؤدي ضريبة انخراط « الاتحاد الاشتراكي » في الحكومة، حيث دفع ثمناَ باهظاً للتناوب، اقرأ « كليلة ودمنة »، لكن أيضا اقرأ « أمير » ميكيافيلي و »فن الكذب » لحنا آراندت! قوي عضدك بحزب العدالة والتنمية، ولا تستنزف قوتك في صد هجومات الآخرين، ولا تغتر فالأيام دول بين الأفراد كما الجماعات!

اجعل أجهزة الحزب التقريرية والاستشارية أكثر مناعة، كن مثل جندي لا يطمئن للمواقع التي اكتسحها، لأن مهمة الحفاظ على الانتصار أقوى وأخطر من الانتصار ذاته، لا تهدد بالشارع، الذي هو متقلب، بل اضغط بالحفاظ على استقلال القرار الذاتي لحزبك لنيل الكثير من المكاسب السياسية في مواجهة ما أسميتهم بالتماسيح والعفاريت، عد إلى حزبك إذا أغضبك الحكم، وعد إلى الحكم إذا أغضبك حزبك في ظل التوازن للأصلح لا للأقوى، لتفوز برضى الدارين! وتذكر دوماً أن النجاح له ألف أب، أما الهزيمة فيتيمة.

6- إذا طلعت عبر السلم إلى أعلى سقف ممكن من درجاته، فحافظ على توازن السلم، ولا تكسر الدرجات التي صعدت عليها، اجعل الطريق آمنا نحو عودتك إلى أسفل درجات السلم، فالصعود نحو المهاوي البعيدة يكون مدوياً وبلا أمل في النجاح بإصَابات الكسور والرضوض والموت المبكر لا قدر الله، اعلم أنك فاصلة صغرى في نص كبير للتاريخ، ولست سُدرة المنتهى!

7- الحكومة لحظة سياسية في حياة أي حزب سياسي، هي الهدف الأساسي من إنشاء أي حزب.. أقصد الوصول إلى الحكم، لكن طبيعة الصراع والإرث التاريخي الثقيل، يجب أن تشعرك بأن الحزب بنية أكثر ديمومة من لحظة الحكم، لذا، ففي ذات الآن الذي أوصيك بإبقاء حزب العدالة والتنمية سندا أساسيا، لك فيه متكأ ومآرب أخرى، كي لا تبتلعك حبائل السلطة، أفضل أن تضع مسافة بين الحكومة والحزب كي لا يتضرر حزب قوي في حجم العدالة والتنمية من أعباء وإكراهات ممارسة السلطة كما حدث مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، احرص على جعل الحزب رقيباً على الممارسة السياسية بدل رهن الخيار الإيديولوجي لحزبك الثابت بموقع سياسي متغير، كي لا يتضرر حزب العدالة والتنمية من أي فشل يمكن أن يلحق بتجربتك السياسية في تدبير الشأن العام، بفعل الجفاف أو ضغط الأزمة العالمية أو أي مبرر آخر قد يكون موضوعيا على كل حال، فالسياسة هي فن تدبير الممكن لا المستحيل، لا تخلط بين الموقع السياسي المتغير بين المعارضة والحكم وبين الخط الإيديولوجي لحزب العدالة والتنمية والذي يمكن أن يشكل ضميراً يقظاً لانشغالاتك الحكومية، فالانتخابات الجماعية على الأبواب، وهناك انتخابات تشريعية أخرى بعد أقل من خمس سنوات، وعليك أن تعيد قراءة ذاكرة التاريخ، لتستفيد أكثر!

8- بعد تجربة أقل من سنة، بدون شك اكتشفت أن مشكلة المغاربة لا تكمن في السماء أو في الإشكالات المختزلة بشكل رديء في الحجاب أو في كثرة غلق الحانات، أو الاختلاط بين الجنسين من عدمه، بل في شكل السلطة التي تحكمنا كمواطنين والتي هي غير ديمقراطية على كل حال، لذلك فإن اللحظة السياسية التي يعيشها حزبك وأنت رئيس للحكومة، تعتبر فرصة نادرة لانتقال العدالة والتنمية من الدعوي إلى السياسي، من اعتبار مشاكلنا هي ذات طبيعة إيمانية، إلى وضع المبضع على صلب أمراضنا، التي يمكن اختزالها في كون السياسات العمومية التي اتبعت تجاه معظم المغاربة لم تكن تهدف إلى التنمية والديمقراطية والتقدم، بل إلى تقوية سلطة الراعي على الرعية بأي ثمن؟ وبكل الطرق؟

9- اعلم أنها لو دامت لغيرك لما وصلت إليك، إنها السلطة ابنة الكلب.. تُتداول بين الناس، لذلك لا تراهن على أنك حاكم أبدي، فاليوم هي لك وغدا عليك، لذلك سيحفظ التاريخ اسمك، متى سننت القوانين التي ستخدم أبناءنا، وتساهم في استقرار البلد، وأن يحافظ المغاربة على جذوة الأمل، في أن على هذه الأرض ما يستحق الانتباه! وإلا فاقرأ السلام على ماضيك وحاضرك ومستقبلك! لا تكن ممن يحبون أن يكون مجرد فاصلة صغرى في نص التاريخ.

10- حافظ على القيم النظيفة للديمقراطية: النزاهة، المحاسبة، البراغماتية النبيلة… لا ترهن كل مسارك الحكومي بإعطاء عربون الثقة وإبراز حسن النية تجاه السلطة العليا بالبلاد، فالديمقراطية تتأسس على قواعد دستورية وعلى مؤسسات، ويظل التنزيل السليم للدستور هو الميثاق الأسمى الذي يحدد طبيعة العلاقة بين السلطات في الهرم المؤسساتي للدولة، والمغاربة لا يريدون أن تثقل دوماً أسماعهم بحسن علاقتك بملك البلاد كما لا يتمنونها أن تسوء، لكن يريدون الإصلاح، يسعون إلى أن يلمسوا التغيير في حياتهم ومعيشهم اليومي، وهنا مربط الفرس، فمن صالح الملكية أن تكون هناك مؤسسات قوية، وأن يعبر المغرب دائرة العواصف للوصول إلى شاطئ الديمقراطية بأقل كلفة، فكن فارس هذا الرهان ولا تخذلنا!

وبه تم الإعلام والسلام، اللهم إني قد بلغت، فاشهد!

Publicités

– * الموت المقدس

   الموت المقدس 

صورة

أحق القول على الكون، فدُمر تدميرا؟

سهام الموت والقذائف تفقأ رائحة الآنام، حمم الغضب ولهيب النار ترتفع في السماء، تنثر شهب الكراهية، فتسطع نجوم الحقد باسم العشق المكنون لإلاه متفق على توحيده، مختلف على تسميته.. العدوان يسرجان سفن الموت، يزرعان نثار الدخان في رئة الهواء دفاعا عن إلاه مسالم.

العنف السخيف يوقظ فحيح الفتنة ويقود شعلة الروح نحو شوارع الجحيم.. الحرب الهدامة هي الكائن الوحيد الفرح في كون كاب… يزمجر رعد حارق للضرع والنسل، تتقصف صواعق الهول، والخيل تثير النقع والليل يبدو كما لو تهاوت كواكبه.. كيف تسن البشرية شريعة القتل دفاعا عن نفس السماء؟

باسم الله ينطلق موسم الذبح.. وتدق القبيلة على القبيلة طبول الحرب، باسم الدفاع عن الحق في الجنة، يرمي الإرهابي « أعداء الله » في الجحيم.

تشدو المآذن وتقرع أجراس الكنائس، ويسبح كل الخلق باسم الإلاه الأحد.. يمتلئ الهواء بالرصاص والجمر، ترتدي اللغة بزة عسكرية، والسماء تنزف لهبا وأشباحا.

باسم الإلاه الواحد الأحد تحول شهاب الحروب الواحات الممتلئة خضرة وحبا، إلى بيداء مقفرة تمرح فيها ثعابين الشيطان.. تحمل اللغة نتوء شفرة الحلاقة واللسان المسنون يقد لحم الغير على مائدة الجزار، والحراب المشرعة ترمي السلم في الجب وتتهم الذئب الذي دوما هو آخر، شيطان يوقد نار الكفر ويولم للصقور والعقبان موائد بشرية باسم شريعة السماء.

والله الذي خلق العالم ليستريح من تعب الخليقة، لأيهم سينتصر؟

لرهبان الكنائس، للزهاد في محاربهم وهجعة ليلهم للأحبار يبكون سر حياد الخالق في مذبحة الهولوكوست، للفلسطيني الذي أعلاه فوق جراحه ليراه، فتخلى عنه.. للهنود الحمر الذين كانوا يلمسونه في ثدي نسائهم وفي ثمر الشجر وأرق السوسن، أم للمجوس الذين رأوه مقتعدا موقد النار؟

والحليم العادل الحكيم كيف سينجو من عتمة الالتباس؟

وهو الذي في كل مكان، منذ الأزل يتفرج على صنيع مخلوقاته، يبدو مسالما ويبكي كل شتاء.. والعباد يبتهلون بالرب الرحيم، اللطيف، العزيز، المبجل.. ويلتمسون نصره، الملائكة والشياطين يبدون مرتاحين في رهج الحروب باسم الدفاع عن السماء.

حتى الصياد يبسمل وهو يحشو ماسورة بندقيته، ليطارد شدو العصافير ويجرح هديل الحمام، بشهوة الهواية حينا ومتعة الاحتراف أحيانا أخرى.

والسياف الذي يجز رقبة في ساحة عمومية للإعدام يبسمل، يحل الذبح بالتكبير باسم الإلاه الأحد، والذين صلبوا المسيح أو شبه لهم، دافعوا عن نفس الإلاه.. والمجازر التي يرشح بها التاريخ ارتكبت بنفس الدافع.. حفظ قدسية السماء، أهذا ما أنقذ الله في سفينة نوح؟

بالأمس كان الاقتتال بين الآلهة المتعددة حول نفس الإنسان، واليوم تقتتل البشرية فيما بينها على نفس الإلاه.. هي حرب البأس الشديد، لواحة للبشر، لا تبقي ولا تدر.. تجعل الغمام متجهما ورصاصيا، والشمس مبتدلة والقمر بلا وجه.. والسماء لها شكل الصياد والإنسان الطريدة.

لو بكى الله يوما، لأغرق الخليقة لتحس بحرقته.

مجرد سؤال:

ما الفرق بين العنف لدى الحيوان وعنف الإنسان؟   هو عند الأول من أجل حفظ النسل، وعند الثاني للقضاء عليه من أجل واحدية الله أو أحادية عبده.

ألهذا سمي الإنسان عاقلا؟

 فكتلة أحاسيس الانتقام والقتل وغرائز الحقد والثأر.. محض فيض إنساني.

– * سليم بركات والكتابة الشذرية كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضا

سليم بركات والكتابة الشذرية  كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضا

ليس ما أقدمه هنا قراءة نقدية بالمعنى الحصري للكلمة لأعمال الشاعر الفاتن سليم بركات الذي نحتفي به، وتستدفئ ببعض مما أنجبه، وإنما هو شهادة محض ذاتية على هامش متن كبير، كلما قرأته أحسست بتواضع لغتي ورموزي، وأن الدرب لا زال أمامي طويلا للإحساس ولو للحظة أنني اكتسبت أدباً، ولو كنت ابنا شرعيا للأدب..

سليم-بركات

تعرفت على سليم بركات في زمن متأخر عبر سيرة صباه: « هاته عاليا.. هات النفير على آخره ».. وقادني إلى أعماله الكثيرة الصديق العزيز سعيد الوزان.. فاكتشفت كما لو أن المبدع بركات يخبئ عنا معاجم ضخمة للغة العربية لا تحفل بها خِزاناتنا.. تلك الكثافة اللازمة للكتابة، الوصف الباذخ المغرم بالتفاصيل.. لغة تقول الصمت الكثير الذي يسكن غُموض الأشياء، وتنقل أسرارها في لغة متفردة، هي جوهر شعرية سليم بركات، لغة شذرية تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم الخارجي المفتون بوجع ما يجري على سطح الأشياء.. نحس في لغة بركات الانفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز الممتلئ.

إنه مثل صائغ يعيد إذابة المجوهرات المتشكلة لديه سلفاً، ليصنع منها بحذق ومهارة شكلا إبداعيا جديداً.. في شعر سليم بركات، وكل كتاباته تمثل هدم الحدود بين الشعر والنثر، نحس ذلك السهر الدقيق على حسن انتقاء الحروف والكلمات والمعاني التي لا تدل على الطرق المرصوصة سلفاً في المتون السابقة أو المجايلة، أو حتى في كتابات بركات الإبداعية السابقة، مهندس ذكي هو يفتح طرقاً غير مسبوقة لأعالي الروح، بحساسية مفرطة يحرص سليم على التدمير الرصين لذاكرة الكلمات والمعاني، وتعابيره تلجأ إلى الحمية للتخلص من الفضلات، تحافظ على رشاقتها وهي تمر في حقل ألغام الروح..

في كتابات سليم بركات، نحس أن كل نص إبداعي متعدد، لا يشبه ذاته.. كلما قرأناه وجدناه مختلفا عن قراءتنا السابقة له، ولا يشبه النصوص السابقة أو اللاحقة لما اختطه سليم بركات نفسه، كل نص هو اغتيال للشبيه، لأن اللغة الشذرية في نصوص بركات لا تخلق النموذج، ولا تسعى إلى جمع الحشود وخلق الأتباع، لأن كل نص يُدخلنا إلى عتمة لا يُرى فيها إلا أثر الأشياء، لغة متشظية مضادة للنسخ وصنو الشبيه، تخلق فرادة كون مستقل عن فراغ العالم، هو بوابة الروح الإنسانية حيث نلامس تمزقات الهوية، غربة اللسان الذي سيصبح وطنه، ذلك الكردي الذي كان أكثر إتقاناً للعربية من بني ذات اللسان، جرح التاريخ، العيش الدائم في المنفى ليس كانتماء للجغرافيا بل ككينونة متشظية بين ألوان تسمو على علم وطني يعلو بناية حكومية أو يرسم الحدود والأسيجة، لذلك كان مطمئنا أن « كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضا »، من « الفلكيون في ثلثاء الموت » حتى « هياج الإوز » و »ترجمة البازلت » و »أنقاض الأزل الثاني »… يعلمنا سليم بركات ذلك القفز الحر نحو الغياهب، صدى الفراغ، القبض على اللامرئي… لعل هذا ما دفع بالرائع قاسم حداد أن يعتبر أن أجنحة سليم بركات الكثيرة تجعله سرباً وحده، يقول: « كلما قرأت شعر سليم بركات سمعت صوتا غامضا يستعصي على التفسير، لكنه أكثر السبل متعة في التأويل، الشعر هو هذا في الأصل: شأن لا يستقيم مع التفسير، ولا يمنحه جدية وجمالا مثل التأويل.. فالشعر مع سليم بركات، هو الرمز الخالص المصفى الذي يصقل مخيلة القارئ لكي تصير جديرة به، بالشعر ».

في نصوص سليم بركات نحس بقيمة المعجز اللغوي، كيف نتوفر على ذات المعاجم والقواميس التي أحاطت باللسان العربي، ونتساءل كيف يمنح بركات للغة نصوصه الإبداعية زهو الربيع، شموخ الجبال، صفاء الماء.. مجنون هو هذا الفتى المسكون بالتحول، اكتشاف الغامض، زرع الفخاف في طريق القراءة الكسولة.. كم هي متعبة نصوص هذا المشاكس الكردي؟

كيف تقبض لغته المتشظية على لآلئ الغموض، وتنشر الحقيقة في ظلال الظلمات؟ كتابة هي سليلة المحو، حيث تظل حروفه وكلماته مثل آلة حربية – كما عبر جيل دولوز – تدمر الثابت، المألوف، المسكوك، تزرع الشعر في قلب نثر الحياة اليومية، تفكك سنن المعيار وطمأنينة المؤسسات، وببراعة البستاني وهو يشذب الأغصان ويطهر الربيع من الفضلات والطفيلات دون أن يئد الحياة في الشجرة أو الوردة، يحرص سليم بركات على مد تعابيره بما لا يحتاج إلى الإسعافات الأولية لإنقادها من السكتة القلبية، لأن اللغة الشعرية التي رفعها إلى مرتبة القداسة بعد هدم ما امتلأت به الحروف والمفردات والتراكيب المسطرة في المعاجم أو بطون الأدب، هي صلب كينونته، هي هويته التي أنقذته من التشظي الهوياتي والمنفى وبؤس العالم، فخلق نصاً جميلا مهماً تعددت مسمياته وأجناسه، يظل نصاً واحداً، لعل هذا هو المعنى العميق لعبارة قاسم حداد: « أجنحة سليم بركات الكثيرة تجعله سرباً واحداً »، فلكي تفهم سليم يجب أن تكون سليما معافى من لغة البحث عن المعنى الصحيح، عشق الفضلات والزوائد، الافتتان بلغط العالم، فتنة المعنى المكتمل والدليل الجاهز، سحر الإيديولوجيا الزائف، الهوية المتشرنقة على ذاتها مثل بيت عنكبوت هو أوهن البيوت، الفناء في الثبات والاطمئنان لسلط اليقين..

اللغة الشذرية عند سليم بركات تقربنا مما أسماه نيتشه بـ « رنة الجسد »، أي تلك السعادة الزمردية ذات الأضلاع المتعددة مبنى ومعنى، التي تمنح العالم المرح الضروري لكي لا يفنى أو يُصاب بكسر في منتصف الطريق.. يركز بركات على منح الدليل اللغوي أقصى درجات انشطاره واعتباطيته كما استخلص ذلك فرديناند دوسوسير… لذلك اعتبر أن كل نصوصه المتعددة من الشعر إلى الرواية هي نص واحد مختلف عن ذاته، في الرواية نلمس شعرية التفاصيل، نحو الفضاء grammaire de l’espace، شذرية الزمن الذي يحاكي ملامح الشخوص والوقائع حتى في أدق تفاصيلها.. في الشعر، نعثر على حكي السيرة التي عشقها الأكراد وخوَّنوه لأنه لم يبْق وفيا لما اعتبروه قضية منحصرة في تمجيد الزعماء والألقاب والجغرافيات المصنوعة في دهاليز الأروقة السرية لمخابرات النظام العالمي الجديد.

سيظل سليم بركات وشما على جسد الإبداع العربي، وستظل كتابته الشذرية تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول..

ستبقى نصوصه حاضرة رغم أنها سليلة الغياب لأنها تزلزل ثرثرة الأشياء، وتغوص بعيداً في خلجان الذات، التاريخ والعالم، ويحق له أن يردد مع نيتشه: « لم تستطع لغة ألبته أن تعبر قبلي عن هذه السعادة الزمردية وهذا الحنان الإلهي ».. سيظل غموض بركات واضحاً فيَّ، وسيستمر حرصه على العناية الفائقة بما كان قد أسماه ابن قتيبة بماء النص، المعبر الأساسي على أن الشعر لا يوجد في العالم، وإنما في اللغة التي لا تحاكيه وإنما تصنعه وتبدعه أو تعيد خلقه.

Navigation des articles