الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “décembre, 2012”

– * إنما الحياة أبقى..

  إنما الحياة أبقى..

Abdelaziz-Koukas-Blue

« لا يوجد هناك شيء ما جيد أو سيء، لكن التفكير يجعله يبدو كذلك » شكسبير

رحل الشيخ ياسين وترك وراءه جماعة متراصة الصفوف منظمة بإحكام وقوة سياسية وازنة، رحل الأب الروحي وخلف وراءه مريدين عديدين، منتشرين في الحواضر كما في القرى والمداشر..

مخطئ من يعتقد أنه بموت الشيخ ياسين ستموت الجماعة، لكن مخطئ أيضا من يعتقد أن جماعة العدل والإحسان ستبقى هي نفسها حتى بعد ذهاب مؤسسها.. إنها سنة الحياة تمس الأفراد كما الجماعات، أقصد التحول والتغيير.

ارتسمت بين الشيخ والحكم أسوار من المعاناة والمواجهة والأحقاد أيضا، وإذا كان تكوين الزعيم الراحل قد حصر الجماعة في الجانب الأخلاقي التربوي والدعوي، وكان بزهده قد كسا جماعة سياسية بطابع صوفي، فإن مرحلة ما بعد الربيع العربي، الذي سمح بصعود أقطاب إسلامية إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع،هي غير المرحلة التي صيغت فيها أطروحة الشيخ الراحل، ومن تم فإن مستقبل الجماعة محكوم بقدرة ورثة تنظيم الشيخ ياسين، على تطوير هذا التراث الفكري والتنظيمي الباذخ الذي نشأ في ظروف الحصار والقمع وغياب الثقة بين جماعة العدل والإحسان والحكم من جهة، وبين الجماعة وباقي الفاعلين السياسيين من جهة أخرى…

إن لحظة تأبين الراحل ياسين كما تتبعها الإعلام، والحضور الوازن لزعماء الأحزاب وما قيل في حق الراحل حتى من طرف أشد المختلفين معه سياسيا وفكريا، تفرض على ورثة ياسين، التفكير في منطق العائلة السياسية، والانتباه إلى فضيلة الاختلاف وإدارة الصراع السياسي عبر الحوار بدل التعالي وعزل الذات أو اللجوء إلى القوة الاستعراضية للتميز عن باقي « الفضلاء الديمقراطيين ».

إن السياسة بوصفها تعبيرا عن تدافع المصالح، تُبنى على الأرض، وهو ما يفرض على جماعة العدل والإحسان أن تُنزل السياسة من علياء السماء إلى الأرض حيث يكمن ما ينفع الناس، لأن الواقعية السياسية لا تعني بيع المبادئ والخضوع للسلطة وخيانة الرسالة.. جماعة العدل والإحسان تنظيم سياسي يسعى إلى الحكم بالطرق السلمية المشروعة، تلك هي فضائل الديمقراطية، ولا تشكل دولة في قلب الدولة؟ كما أن الواقعية السياسية تُنجي التنظيم من القداسة التي تقود إلى الاستبداد، وتجنبه الخرافة والعزلة، وتجعل أفراده يؤمنون بحق الآخرين في الوجود المختلف..

لذا فإن أكبر وفاء لنضال الشيخ ياسين هو إبداع الورثة أشكالا جديداً لتطوير جماعة العدل والحسان في أفق تحويل الشرعية التنظيمية إلى شرعية سياسية في سياق الاعتراف المتبادل المبني على قواعد قانونية واضحة.

إن عبارة حسن بناجح حين صرح « لا مشكل لدينا مع العمل السياسي المشروع »، ليست مجرد تنميق كلام في خطاب جنائزي، بل هو تعبير لدى العديد من أطر الجماعة التي تؤمن بالعمل في ظل المؤسسات..

العدل والإحسان أكثر من جماعة، لكنها ليست دولة قائمة.

وقبل مرورها إلى العمل الشرعي المؤسساتي، فإنها تحتاج إلى تمرين سيكولوجي لتحطيم الأسوار التي ارتفعت مع ما عاناه أعضاؤها من سجن وقمع ومضايقات، أقصد الوضوح السياسي الذي يعتبر ضرورة لأي مشروع إيديولوجي/ مجتمعي، وإذا كان فتح الله أرسلان المؤهل الأقوى لقيادة جماعة العدل والإحسان بعد المرحلة الانتقالية التي يمر منها التنظيم، قد صرح مرة بأنه يريد ملكية عصرية كما في الدول الأوربية، فإن ذلك يفرض على ورثة ياسين – ولاه الله برحمته – أن يجعلوا من جماعة العدل والإحسان تنظيما ديمقراطيا، حيث يتم الاعتماد على الانتخاب والصناديق الشفافة وتعدد المتبارين على قيادة الجماعة مع حضور وسائل الإعلام، وهو ما سيدفع باتجاه تحرير مريدي الجماعة من عقلية القطيع والانضباط الصارم، وتحويلهم إلى أفراد مدنيين مشاركين في صناعة القرار في الجماعة التي اختاروا طوعاً الانتساب إليها..

لكن أيضا نحتاج إلى عقلاء داخل جهاز الحكم.. فالدولة باعتبارها التجسيد القانوني لروح الأمة، لا يمكن أن تحمل حقداً أَوْ كرها للمنْتسبين إليها، ولا يمكنها أن تأكل أبناءها، وجماعة العدل والإحسان هي جزء من هذا المجتمع الذي تمثله الدولة.

لقد حفظ تنظيم الشيخ ياسين لنفسه هوية خاصة، متميزاً بطقوسه ورموزه، وأضحى رقما من الصعب تجاوزه في كل الاستراتيجيات التي يرسمها الحكم أو باقي الفاعلين..

لذلك نحتاج كمغاربة، في هذه اللحظة التي طوى فيها الموت الطبيعي، كلا من الحسن الثاني والشيخ عبد السلام ياسين، إلى حكماء داخل الحكم وداخل الجماعة ليتبادلوا التحايا ويردون بأحسن منها، وتعتبر وساطات الحوار أسلوباً متميزاً لإدارة الاختلاف بشكل سلمي وحضاري.. فتعالوا معا إلى مائدة سواء.

الخميس 20 دجنبر 2012 – 20:20

Publicités

– * توارد مخاطر

توارد مخاطر

عبد العزيز كوكاس

عبد العزيز كوكاس

 « قد نشترك في الجلوس على نفس الكراسي، لكننا لا نشترك في نفس الهاويات »   رينيه شار

 « لا تحس الشجرة بواجبها في البكاء على ما ضاع منها.. ولأنها تمنح الظل حتى لقاتلها، فيكفي أن تطمئن لظلها الممتد كأثر حياة لتتخلص من نيران الأحقاد.. ولأنها لا تعلم مصائر أطرافها، فقد استغرقها تفكير حزين في بحر تأملات مجردة.. انبنت عليه أسئلة وجودية، طفيفة تسائل تاريخ الحطب.. هنا غيض من فيض ما أسعفها البوح به لنا، شجرة رفضت ذكر اسمها، نعيد صياغته بضمير الغائب، كي لا ترمينا أي شجرة بتهمة السب والقذف ».

 أيهما أجدى.. خشب للحطب، هبة لإلاه الرماد ولدفء أيتام الأطلس أيام الصقيع، أم خشب تمثال يزين

منزلا باردا، بلا حب ولا فن.. باب لتلصص الفضوليين ونافذة يحط عليها الغمام أو زوج حمام.. سقف

بيت للأمل ولاستمرار النسل والأحلام، أم كرسي بارد في حديقة مهجورة، حيث لا غيث ولا شدو؟

أي أطراف الشجرة أسعد، خشب تحول إلى ورد الخلود وترياق الحضارات أم ذاك الذي ترقى في مراتب

العدل، منصة المتهم أو مطرقة المحكمة في يد قاض يدق الخشب بالخشب لفرض هبة الصمت، أساس

الحكم.. خشب في قلب المطرقة الحديدية أو الفأس الصدئ أم خشب مائدة يجتمع حولها عاشقان، أو

مكاتب تزور عليها الوثائق وتعقد عليها مآدب اللئام؟

خشب محراث لا يريد التسلل عميقا في التربة لكي لا يجرح أسرار الحقل، أم خشب لصنع مشنقة الحلم

أو كرسي الإعدام الرءوم بالعباد، أم أنين خشبة آلة الكمان في يد عازف مبتدئ؟

أي أطراف الشجرة أشقى، التي في الأسفل أم في الأعلى، خشب المهد أم خشب اللحد.. عود الصعود أم

مدارج الهبوط، خشب المدارج الملتوية أم المستقيمة.. قبضة سكين تصلح لاعتراض سبيل المارة أو

لجز رؤوس الثوم أو البصل.. خشب نبال الحروب الذي يصنع الهزائم والانتصارات.. عصا حارس ليلي

أو أعرج للحفاظ على إيقاع الخطو وتوازن الوجود أم عكاز ينير الضياء لخطوات العتمة؟

خشب في مكتبة باذخة أم خشب رف تأكله الوحدة قبل السوس، أم خشب في جسر على نهر من سحاب؟

إطار لوحة تقي الجدار من ظلال العزلة.. وخشب بالصدفة كان سريرا للحلم وحارسا للرغبات، أو

صندوقا للأسرار وخزانا للذكريات المعتقة ودموع الفرح.. خشب الصليب للتكفير عن أخطاء البرية، أم

خشب في عربة يجرها حمار يضرب بعصا خشبية من أعلى، عصا خرجت من الجنة مطرودة لعصيان ما

أو هداية للكائنات؟.

قارب للنجاة أو يخت لرهافة الوقت.. كرسي يؤرخ للمؤخرات أم كرسي منعزل ويتيم يشكو فجائع جوعه

لطاولة بها أشهى المأكولات وأطيب المشروبات والأحلام والذكريات، أو خشب إطار ساعة لسجن الوقت

وتعليقه انتقاما على جدار بارد؟.

هل يختار عود الشجر مصيره بعيدا عن مشيئة منشار الحطاب؟ أي الخشب أسعد في أي غابة.. خشب

شجر الزقزم، الزيزفون، السدر، الكاليبتوس، العليق، الذراق، السرو، العرعار، الصفصاف أو التين..

أيها يحس بجراح الذبح أكثر؟

الغابة لو تؤذ أحدا وبناتها تمنح ظلها للحطاب، فكيف ترسل فلذات كبدها إلى جحيم الحروب، موائد

النيران، المنازل، المدارس، المحاكم، طعم المواقد والمواجع الأخرى.. ولم لا يدخل السجنَ الخشبُ هل

لأنه بقلب هش أم لأنه بلا دليل جريمة؟

– * حوارية المنزل المهجور

حوارية المنزل المهجور

عبد العزيز كوكاس

عبد العزيز كوكاس

لمَ تحس أشياء بيتي باللاجدوى؟

لا ريح في جهة البيت والشراشف لا تتحرك، لم يهز الهواء تنورة الزجاج، لن يستطيع المصباح المتلصص رؤية فخذ النافذة.. والنافذة أس البيت، إطار للوحة الفضاء، هي عين السماء على العباد، لها أعين مثل أعين البغايا لا تثبت في المحاجر، عين الذئاب وهي تبحث عن ضحية.. والباب صدفة الأسرار، صندوق باندورا العجيب، سيد العزلة وحارس أحلام اليقظة، والدولاب مقبرة الذكريات.. السرير ألبوم المواجع ،وشم الأحلام ومؤرخ البيت.. والعتبة باب للفراق والسلام.

للسجادة أن تتزوج عتبة البيت وتقيم حفلا للقادمين بمزاج هادئ، لم تعد تتوقع المفاجآت ومخاض الآتي، جفت ضلوعها من حليب رؤى الغيب..الكرسي والطاولة يتناجيان خفية، يتبادلان شجن الحنين إلى الشجرة الأم، حيث موطن الطفولة ووشم ألم الحطاب الأول.. العشب في الحديقة لا ينام الليلة على إيقاع خطو المساء ولن يصحو بقبلات الندى وهمس الفراشات المسهدة.. التمثال يتثاءت ولا يستطيع حمل يده إلى الجبين ليزيل محنة عياء السنين، والشرفة تتدثر بالحلم وتؤنس وحشتها بناي الريح القادم من أول الشارع، فيما المزهرية تعانق نحيب الورد كي لا تحس بالوحدة فوق برودة الرخام.

لماذا يبدو القلم متعبا فوق الورقة.. يكتم الشهوة في حنجرته ويستسلم للكسل، لماذا لم يرتجف القلم خوفا من حزمة أوراق غامضة؟ تحس الممحاة بالملل، وأنها غير قادرة على محو سطر من تاريخ الكذب ولا تصحيح خطإ إملائي أو تبييض الأسود..الملعقة لا تحب أن تطلع الطست والفنجان على أسرارها، والوزْرة المعلقة ظلت تتأرجح هناك على المسمار بدون جثة أو دليل حياة؟

ماذا تقول النافذة للشمعة الذابلة، كيف تتقاسمان شطيرة الحزن وفرط التعب؟

في الطرف القسي تحس المكنسة بعزلتها، وانكسار عودها في زاوية يعلوها الغبار، آه لتعب السنين وغزو الآلة.. شاخت المكنسة حيث أصبح الغبار يختال بقربها وفوقها، طليقا وهازئا.. ما أثقل النسيان والغبار، والمكنسة متعبة، ملت الوقوف على ساق واحدة.

لم يعد يتذكر المصباح، أثناء شهادته، غير أنه كان هناك سجين الأعالي، يتقرى احتضار الأشياء، كل ما صرح به هو أنه « في آخر تلك الليلة.. مرت الحياة بجانبي، مثل أثر مصباح فان.. بالكاد ترفع يدها للتحية، ثم تذوب في الزحام مثل صوت خافت، صوت يتيم بدون صدى ».

جرس الباب أصيب بالخرس ولم يعد يبشر بفرح القادمين.. نمت الأشواك والطفيليات على قبره، و فقد القدرة على غسل جسده من أوزار خطأ الآخرين في العنوان.. والجدران تكتب التاريخ بحبر سري مخافة تجسس الغريب، وتنام واقفة كمن يحرس ظلال الأشياء، وتتساءل في صمت كاب:

ــ لماذا يجرح المطر عش الطير، ويغير عادة الحيطان؟

لماذا يبدو الهواء متعبا، والنسيم يحتاج لرعشة كبرياء كي لا يبقى عليلا؟ من يحرر الظلمة من أسرها ويهدهد الغمام على إيقاع ناي حزين؟

الوحوش تستسلم إلى غفوة عمياء، الطرائد تمرح في العشب الرخو، والمياه مثل جنازة للملائكة، والأشجار تهدد عش العصافير بأنها ستتعرى للريح.

في الطرف القصي من البيت غاصت سلة المهملات في أوهامها.. هي قبر للفشل وتاريخ أعطاب التجارب البشرية، حريق للأوهام، ركام من الأسرار غير

المرغوب فيها، غابة من الجراح وغبار للعطب.. لم تتلعثم إلا بكلمات غامضة، وخفت أن تعطس فيصاب جسدي ببثور مخلفاتها.. وحين أخذ الهواء العليل

يزحف، صنعت له رجْلا خشبية وعكازا يساعده على المشي، لعله يشفى من سقمه.

ظلت السارية تنظر إلي بحياد، تقف حسيرة الرأس، كيف تخلفت عن مواعيدها وتسمرت هناك منتصبة مثل حارس ليلي، بدون نبض ولا أنين، حافية القدمين كما تذبل وردة على أصيص مزهرية، تلمح زهو الستائر بنفسها، صرير الباب وأنة السرير، ونزهة الملعقة في طست القهوة؟ وحدها ترصد المسافة بينها وبين تاريخ الأشياء التي كانت ممتلئة بالحركة، لا لوحة ولا امرأة ولا تكتكات عقارب ساعة حائطية تدفئ الأوصال.. تمر قربها الريح وجرار الغبار طليقة، ووحدها المكبلة بسوار الحديد..

هي الآن تشبهني في كافة التفاصيل: أنا الذي أقف على شفير الهاوية، ساكنا وهادئا كشاهدة قبر، خفيفا كقبلة، جارحا كوشم.

– * أغنية حزينة

 – * أغنية حزينة

الإعلامي عبد العزيز كوكاس

الإعلامي عبد العزيز كوكاس

أشعر أني حزين هذا المساء.

لا رائحة الثوم توقد حصة التعب في دمي، ولا قطعة موسيقى تنشر في خلاياي أثر حياة..

أحس أني كتلة من الغم، مساحة من غبار متكوم على نافذة مهملة.. صدأ يشل وهج سيف، لمعانه كان ينافس

رقصة الشمس، معطف خشن مهمل في عز الشتاء، تجاعيد تغزو وجه امرأة هادئة تنتصب كواحة للنسيان.

بسمة مهملة أنا.. لقطة من حنين ورائحة زعفران عالة على هامش عالم ضيق مثل علبة كبريت

قطرة ماء عطش لرمل مصاب بالسهاد.. ورقة مكومة في طرف سلة مهملة..

 

أشعر أني حزين هذا المساء.

أنا جذع نخلة منخورة، رائحة مستنقع يغوص في قيعان الصمت، عصا آلة عود منكسر، ناي مبحوح موضوع على رف من غبار، بيانو صدئ على مرمى البحار أو ماندولين عار من سرير حلمه.

أحس بالتعفن كما لو نمت زمنا في كهف وسط عازل طبي لزج.

برغم أن الحياة خذلتني أستمر في السير كمن يحمل على رأسه تاجا مجيدا ويقين الأنبياء.

استوحت أصابعي أنامل رقيقة، لا تصلح لغير العزف على أوتار قلبي.

لا اللعب يوقد وهج الروح، ولا ما تبقى من جمر تحت الرماد.. كم يلزمني من ريح؟

يا الريح المبعثر لنثار هواء الكلمات من فمي.. ولما تبقى من أحرف تخجل أن ترسمني عاريا.

يا الريح المثير لنقع الغبار من حولي، ليظللني باسم الوضوح الشفيف مثل نسمة برد.

يا النسيم العليل بي، وبما تبقي في من عبث..

أنا ما يختلف في.. ما ينشق عني عنوة، ظلي حين يعاكس اتجاه خطوي الأول.. ما يزاحمني في مدخل

الباب، أنا ما يسمح للحياة بالاعتراف بأنها ليست نقيضا للموت، وأن بهجتها مجرد حاشية على متن الوهم.

Navigation des articles