الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “juin, 2016”

تذكر.. للتاريخ ضمير

« قبل أن نصل إلى السلطة، علينا أن نصل إلى الحكمة كي نستخدم السلطة بشكل جيد »

رالف إيميرسون

عبد العزيز كوكاس

رسالة جد خاصة إلى الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي

أعرف أن ليس بيننا مودة كبيرة، لكنني جد متأكد من أننا لا نحمل لبعضنا أية ضغائن أو أحقاد، لأن احتكاكنا مع بعضنا كان في لحظات تواصلنا الإنساني المشترك أو في سياق قيامك بمهامك السياسية وممارستي لمهامي الإعلامية كل مما يمليه عليه واجبه الأخلاقي ودوره المهني، وهو ما يجعل رسالتي إليك خالصة من أية ضغينة، ونابعة من غيرة حقيقية على إرث جماعي مشترك أخذ يتبدد تدريجيا حتى قبل أن تأتي إلى قيادة حزب القوات الشعبية..

لقد ترددت كثيرا في اختيار الصيغة الملائمة لمخاطبتك، ورسوت على أن أراسلك بالصدق الذي يوجع لكنه لا يضر، لعل رسالتي يكون لها وقع على براءة الإنساني في السياسي فيك.

عزيزي إدريس:

أن تكون كاتبا أول للاتحاد الاشتراكي، أي زعيما للحزب الذي كان وشما على جسد الفعل السياسي بالمغرب، معناه أن تتقلد مسؤولية تاريخية ثقيلة لسجل حافل من العرق والدموع، من الأماني والآلام، من الفرح والخوف، والحب الأسطوري لفكرة نبيلة، من الانتصارات والإحباطات، من الصدق ومن الخيانات الملازمة أيضا لروح فكرة جوهرية في التاريخ…

أن تكون رئيسا لحزب سليل حركة التحرر الوطني، هو ببساطة أن تكون مؤتمنا على تاريخ طويل وأمجاد زاخرة تفرض عليك أن تكون أبا روحيا للجميع وأن تكون رائدا للاختلاف، حتى تصبح رئيسا فعليا للفريق الذي اختارتك أغلبيته لتكون سائدا عليها، وأن تكون إنسانا لاحما، لا بالمعنى البيولوجي للكائن اللاحم، بل أن تلحم أجزاء الحزب بالحب، الصبر، التضحية والتأسيس لقيم العقل ضد قيم الغريزة والدم..

أنت الآن زعيم لأي اتحاد؟ هل اتحاد عبد الله ابراهيم والمهدي بن بركة والفقيه البصري وعمر بن جلون أم اتحاد محمد باهي، محمد عابد الجابري وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد اليازغي وآخر الأوراق المتساقطة أحمد الزايدي؟ أم أنت الآن كاتب أول  لما تبقى في الاتحاد الاشتراكي من قيم نبيلة وئدت بالتدريج وبشكل قسري، بعد أن ضاقت الأرض على شساعتها  بكل من وهب حلمه للفكرة الاتحادية وبعد أن أضحى حزب القوات الشعبية أثرا بعد عين؟

قد يرى البعض أنك الآن كاتب أول لآخر اتحاد، ما كان عدو ولا حبيب يحلم أن يصير إلى ما أصبح عليه، وقد يتساءلون وهم حيارى وأنت تجلس على كرسيك الفخم في مقر الاتحاد الاشتراكي وتعد لك السكرتيرة قهوة الصباح وجرائد اليوم، هل تحس بالسواد الساكن بين أضلاعهم؟ وأنت تتمدد يمينا ويسارا فوق كرسيك المريح وتخطط لانتصاراتك القادمة، هل تشعر بحجم الدماء والدموع والعرق الذي صنع حزب الاتحاد الاشتراكي، وجعله شامخا مثل منارة تضيء للسفن التائهة موانئ النجاة؟

وآخرون ممن مسهم الإقصاء والتهميش يتساءلون وهم يتصورونك  تضع الخريطة التنظيمية للحزب فوق طاولتك مثل رقعة شطرنج، تفصل المؤتمرات والمكاتب المسؤولة في الفروع والجهات، في الأقاليم والقطاعات وتمهد  الطريق لفتوحاتك وغزواتك القادمة… هل تعي جيدا تاريخ الاتحاد الذي صنع من جراح ودماء، من آمال وآلام، هل تفكر في من وهبوا زهرات عمرهم لصنع فكرة الاتحاد؟ وبحرقة يتساءلون هل تحس كزعيم بهؤلاء الاتحاديين البسطاء في المداشر والقرى النائية الذين لم يكن الاتحاد الاشتراكي بالنسبة لبعض أهلها، ممن نجو من خطاب السلطة وطغيان أحزابها الإدارية، سوى حلم جيل في التحرر والتنمية والتقدم، لذلك ظلوا يضعون خشب حياتهم مثل حطب تدفئة أمة بكاملها في قاطرة الاتحاد الاشتراكي..

عزيزي إدريس:

وأنت تجلس على كرسي فخم في قلب العاصمة وسط رياضها الأنيق هل تذكر شيخ العرب الأسطورة؟ محمد كرينة الأمازيغي النبيل الذي بكى الراحل بوعبيد غداة وفاته؟ هل تذكر بنونة، عبد اللطيف بن جلون، عمر بن جلون وغيرهم من الأبطال الذين تركوا أمجادهم الشخصية ووهبوا حياتهم بزهو الفرسان في محرقة الاتحاد الاشتراكي… أم أنهم كلهم قتلة ومجرمون استحقوا عن جدارة النهايات المأساوية التي انتهوا إليها؟

ربما وجودك بين الأتباع والحواريين ممن لهم مصالح مباشرة في تزيين الوضع لديك يعتبر مضللا، والكثير من الاتحاديين، ممن لهم كامل الحق الذي تفرضه المواطنة الحزبية، في معرفة اتجاه ربان سفينتهم، لم يعودوا قادرين على ضبط بوصلة اتجاهك وأنت تقود حزب القوات الشعبية منذ ضربتك على الطاولة حول الوافد الجديد إلى دعوتك للتنسيق مع حزب العدالة والتنمية، حتى وضعك خطا أحمر للتنسيق معه وموالاتك لحزب الوافد الجديد… برغم المكر الذي تفرضه السياسة فإن الصدق أيضا بعض من توابلها.

بعد مسار طويل من الصراع بدأ مع فرض الاستقالة على عبد الرحمان اليوسفي وبعدها بذات الطريقة تم تكرار نفس السيناريو مع محمد اليازغي، ها أنت الآن زعيم سياسي، قوتك في أن تكون كاتبا أول لكل الاتحاد الاشتراكي لا لجزء منه.. لم يعد الوقت يتسع لإعداد الخطط لفصل المعارضين و »تطهير » الحزب من « المشوشين » على اختياراتك، هل تسمع صرخات الحزانى، أنين المكلومين، صيحات من عذبوا من أجل فكرة نبيلة اسمها الاتحاد، هل تحس بوجع من اختطفوا ومن عذبوا بوحشية ومن أقبروا إلى الأبد، فقط لأنهم آمنوا بالاتحاد الاشتراكي، حلما جميلا؟ لم يعد الزمن يسمح بتهيئ الأعداء من المخالفين لمجازر غير مشتهاة ودفع الخصوم والمعارضين نحو المجهول.. فما أقسى أن يتهم زعيم بتبديد كل كنوز حزبه التي صنعها أبطال بلا مجد بالدم والدمع والعرق، بالآلام المكتومة وآهات نساء فقدن أزواجا أو أبناء في المنعطف التاريخي الملتبس للمغرب المعاصر؟

عزيزي إدريس

هل سبق أن قرأت آية الكرسي واستوعبت معنى قول العلي القدير والشديد العقاب: « له ملك السماوات والأرض ووسعت رحمته كل شيء »؟ كن رحيما بمعارضيك.. امنحهم لحظة الزهو للتعبير عن أمانيهم الخاصة، عن أفكارهم المحض شخصية، لا تعشق صورتك في الكرسي كي لا يكون لك مصير النرجس فتغرق في الضباب.

لم يكن بن بركة قاتلا، وبن جلون ابن تراب هذه الأرض ومن لبنها رضع، ومهما تثعلب الفقيه البصري فلأجل هذا البلد.. فلذلك رجاء اتق الله في الاتحاد وفيمن حلموا أن يكون لهذا البلد حزب نظيف.. هي لحظة تاريخية مواتية للتجميع ولجعل الاتحاد أرضا واسعة لما تبقى من الفكرة الاتحادية النبيلة، مد يديك بحب للأصفياء والنزهاء ولكل من تم إقصاؤهم عبر مسار الاتحاد، فستجدهم مثل الأساور يحيطون بك متى خلصت النيات وصدق العمل على الأرض ما وقر في النفوس من نوايا طيبة، حتى ولو أصبحت السياسة بالمغرب هي وكر الأفاعي كما قال يوما الراحل محمد باهي عن جريدة الاتحاد الاشتراكي التي قتلته مسؤوليتها في منتصف التسعينيات..

حين تضع رأسك على الوسادة الحريرية، هل تفكر بغيرك وتضع في اعتبارك كل الذين توسدوا الحجر وتلحفوا التراب، كل الذين هادوا وما هادنوا، سفوا التراب من أجل أن يبقى الاتحاد متألقا، قويا… وما باعوا الرسالة ولا خانوا حتى في أشد لحظات الضعف الإنساني؟

لم تهمهم النياشين وهم يواجهون بصدور عارية أقوى ما فيها ذلك الإيمان القوي الصلب المعجزة الذي سكن قلوبهم.. كل أشكال العنف والتعذيب والاختطاف والموت… ويوم كان يأتيهم عبد الرحيم بوعبيد طالبا منهم أن يترشحوا، كانوا يتأففون ويتراجعون إلى الظل، كانوا يتسابقون نحو الموت مثل فراش الضوء، ولكنهم في جني المغانم كانوا قلائل ومتعففين ..

لم يستطع المخزن في أقوى لحظات عظمته وجبروته بما ملك من أجهزة سرية وعلنية على عهد أوفقير والدليمي والبصري أن يئد الفكرة الاتحادية ونجح أهل الاتحاد في ظرف قصير أن يذبحوا الاتحاد الاشتراكي الذي كانت تذبح من أجله القرابين، فكن جديرا بأن تكون زعيما لكل الاتحاديين، كن لطيفا بمن وهبك كرسيا..

عزيزي ادريس

تجل لنا لنراك، أبا لكل الاتحاديين، فالاتحاد الاشتراكي فكرة، تاريخ، ألم ودمع، أنين موتى وصدى للعذاب وأحلام أجيال… حنانيك كن رؤوفا بما تبقى في الاتحاد  من حلم قد يسعف لبعض من حياة نبيلة، فلا زال هناك متسع من الأمل وارع كل هذا التاريخ، ولا تبعه كما يوسف، بثمن بخس فلن ترث غير الهباء.

 

Publicités

من الصحافة إلى السياسة، ومن الثقافة إلى الفن، حضور في التسيير والإدارة والمشاركة

488343_4357979666151_255953576_n

محمد سبيلا، عبد الحميد العوني، نعيمة كلاف وعبد العزيز كوكاس في ندوة بالمكتبة الوطنية

13000234_263841827283243_477949364310118720_n

زهور كرام، عبد الحق الأبيض وعبد العزيز كوكاس بالمحمدية في ندوة دور المثقف

13015153_263846067282819_1268325900065176788_n

كوكاس، مستور وعبد الحميد اجماهري في ندوة دور المثقف

files

الوزير عبد السلام الصادقي، كوكاس والمعطي إقبال بندوة دولية بمكناس

scan aziz

كوكاس بمهرجان للفلم بآسفي صحبة: محمد إسماعيل،حسن بن جلون،عبد اللطيف الغماري وسناء…

jjkj

ندوة بالمعهد العالي للصحافة، كوكاس، رشيد يحياوي، عبد الحميد العوني، بن الدين، علي كريمي والمعطي منجب

fhj

ندوة بالمعهد العالي للصحافة، كوكاس، رشيد يحياوي، عبد الحميد العوني، بن الدين، علي كريمي والمعطي منجب

9.JPG0

كوكاس ولشكر في ندوة بفندق فرح بالرباط

PHOTO CONFERENCE RIBGA.JPG

 

كوكاس وخالد الشرقاوي السموني في ندوة بخريبكة

DSC_0182

كوكاس بين جيش من المحاضرين في ندوة ببن جرير، أنوزلا، خالد الجامعي،

12986943_1001774493191021_5079230400253512382_n

كوكاس في أمسية ثريا الحضراوي ورائحة الملحون

الصورة تثبيت لشريط الزمن

8

كوكاس وأنوزلا في ندوة ببن جرير عام 2013

1619393_642639155792977_1520471619_n

كوكاس رفقة الشاعر صلاح بوسريف في ضيافة الشاعر بن طلحة

KHA_0469.JPG

1965054_600585970027105_411163989_n

كوكاس بين الشاعرين عبد الدين حمروش ومصطفى غزلاني بالدار البيضاء

DCS_0955.JPG

كوكاس يسير ندوة المشعل بمشاركة شباط، الساسي، الرويسي، وأفتاتي

DCS_0960.JPG

كوكاس يسير ندوة المشعل بمشاركة شباط، الساسي، الرويسي، وأفتاتي

418947_356701841025475_519591667_n

في ندوة بإيموزار كندر حول سليم بركات

IMG_0351

في ندوة بنادي المحامين بالرباط صحبة الرميد، بن عمرو، راكز والمانوزي

IMG_0336.JPG

 

ذاكرة الصورة: عبد العزيز كوكاس من خلال أنشطة متنوعة

61685_1

كوكاس،عبد اللطيف حسني والأمير هشام في حفل تأبين لطيفة بوسعدن

1466289_574554925948347_731691507_n

بين محمد كرين ونجيب أقصبي بالمعهد العالي للصحافة بالرباط

12189009_905372176218431_8640262202036100551_n

كوكاس في أحضان با دريس الخوري بالمحمدية

12189157_905372312885084_2104914541978679724_n

كوكاس في أحضان با دريس الخوري ومصطفى النحال ومحمد خفيفي بالمحمدية

كوكاس وياسين عدنان بمعرض الكتب بالبيضاء عام 2015

كوكاس وياسين عدنان بمعرض الكتب بالبيضاء عام 2015

كوكاس وياسين عدنان بمعرض الكتب بالبيضاء عام 2015

 

 

بعض الصور لها رائحة ربيع الذاكرة.. كوكاس ومن معه

فتيحة وضيح،عبد العزيز كوكاس،محمد خفيفي، عبدالحميد اجماهري وسمير أبو القاسم

1688139_1490009567892913_264120728_n

فتيحة وضيح،عبد العزيز كوكاس،محمد خفيفي، عبدالحميد اجماهري وسمير أبو القاسم

Sans titre

صحبة عبد الكبير الخطيبي بسويسرا عام 2004

IMG_20140209_0013 (2)

كوكاس رفقة الراحل محمد العربي المساري

9 (4).JPG

عبد العزيز كوكاس بجانب عبد الواحد سهيل ومحمد الخليفة

1000559_171457216361211_1047759384_n

كوكاس ومحمد الأشهب،حسن طارق وعبد الغني عارف احتفاء بعبد الصمد بن شريف

1374753_10200462709186

عبد العزيز كوكاس،عبد الحميد العوني، عبد الله البقالي، محمد مجاهد وسعيد الوزان في ندوة بالهرهورة

10996977_811564228878716_3754149984908486597_n

بين حضني الرائعين صلاح الوديع وعبد الله الحريري

DSC_01961-590x391

كوكاس ودومو صيف مساءلة السياسيين بمعهد الحكامة بالرباط عام 2015

 

في سياق النقاش الدائر حول الطقوس المخزنية التقليدية، كيف يسبق السلطان شخص الملك نحو العرش؟

محمد السادس

الملك

الكثيرون راهنوا مع مجيء محمد السادس إلى الحكم على زوال العديد من مراسيم البروتوكول التقليدي التي تثقل كاهل الملك وتضع المسؤولين الذين يَمْثلون بين يديه في حرج كبير حد الشعور بالمهانة… صحيح أن العاهل الجديد أبدى مرونة أكبر تجاه طقوس البروتوكول، لكن لم يتغير شيء في العمق.. واليوم يعاد طرح سؤال التخلي عن بعض أشكال الطقوس التقليدية في ملكية عريقة.. هل من شأن ذلك تحديث النظام السياسي، وتطوير بنياته ومؤسساته؟ أم أن من شأن التخلي عن طقوس البروتوكول التقليدي إضعاف هيبة الملكية؟

يحكي الحسن الثاني رواية وقعت له عام 1936 حين أسرع بعض وجوه القوم في لباسهم التقليدي إلى لثم يده كولي العهد، إذ خاطبه محمد الخامس قائلا: « لاحظت يا بني قبل قليل وأنت تدخل القصر ماداً يدك إلى الناس ليقبلوها، ولم يكن يبدو عليك شيء من الضيق، بل كنت على العكس مبتهجا وفرحاً بذلك، لا تنس يا بني في المستقبل أن تسحب يدك عندما يُقبل عليك الناس لتقبيلها، اعلم يا بني أن تعلق الناس بأسرتنا مصدره روحي أخلاقي، ولا يعبر عنه بتقبيل الأيدي ».

تحيل هذه الواقعة إلى وجود طقس تقبيل الأيدي منذ زمن بعيد، والاختلاف بين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني في النظر إلى المسألة يوجد في الشكل لا في الجوهر، إن السلطة تصبح سابقة على الملك الذي يجب أن يُبدي كل يوم جدارته واستحقاقه لها يوما عن يوم، حتى ولو كان شكل السلطان يتعارض مع ميوله الطبيعية أو الثقافية..

الملك

محمد السادس

الملك في المغرب لا يَنتمي إلى طبيعة، ما وصفه ماكس فيبر، بالسلطان السياسي أو الحاكم الوظيفي الذي يعمل في إطار مؤسسات الدولة التي تقتسم السلطات فيما بينها وفق مراحل تطور المجتمع السياسي، وإنما إلى السلطان الكاريزمي الذي يحكم بصفته قائداً سياسيا وإماماً دينيا، حيث تتمركز داخله كل الوظائف وهو مصدر كل الشرعيات، لأن مصدر شرعية حكمه فوق طبيعي: فهو السدة العالية بالله، فقد كان معاوية بن أبي سفيان يقول: « من يَغْش سدة السلطان يقوم ويقعد »، والسدة هي المكان العالي والشرفة.. وهو ما يحيل على رفعة وسمو السلطان باعتباره سيداً وخليفة الله في أرضه.. وهو شريف بما يحيل على النسب الديني المرتبط بالرسول (صلى الله عليه وسلم) وعلى علو المكانة والأفضلية من حيث حسب الآباء ومجد الأسلاف، والتقرب من الجناب الشريف بالنسبة لخدام الأعتاب الشريفة، التماسا لبركة سليل الأنْساب الصافية والدم النقي هو تعبير عن الوفاء والمخدومية..

ورغم إزالة طابع القداسة عن جسد الملك في الدستور الجديد، فإن السلطان المغربي لا زال مثل الشمس إذا ما طلعت لم يبد في سماء تسيير الدولة كوكب.. وكل ما يفيض عن السلطان من جسد أو لباس أو نعمة أو حركة أو كلمة.. جالب للبركة واليمن في حالة الرضا وحاصد للغضب والعقاب في حالة السخط.

عراقة مراسيم البروتوكول المغربي

لا يجب حصر فهمنا للعديد من مراسيم البروتوكول في الجانب السياسي أو بعدها الديني « لا ركوع ولا سجود إلا لله عز وجل »، إن تقاليد المخزن هي معطى سوسيولوجي أيضا وجزء من صلب النسيج الاجتماعي، فالعريس يلقب بـ « مولاي السلطان » الذي تبارك الجموع زفافه وتستقبله بفرق الخيالة وإطلاق البارود وزغاريد النساء ورميه بالورد ورشه بالروائح والعطور وتقديم الحليب والتمر له، وحماية التراب الذي يمشي عليه من السحرة والمشعوذين، والحرص على تقديم فروض الطاعة والولاء له كل حين: « الله يبارك في عمر مولاي السلطان »، « أسيدي بايع »..

لم تكن تقاليد البروتوكول المخزني مكتوبة ولا تصدر في مراسيم أو ظهائر، بل تمثلت كأعراف بعضها ضارب في الجذور في عمق الأحكام السلطانية وتربية الملوك وبعضها مستجلب من نماذج الاستبداد الأسيوي في أوج قوته مع ملوك الفرس.. حتى أصبحت جزءاً من بنية السلطة في المغرب، وستترسخ معالمها وتتوطد في القرن 17، وستعرف أوجها مع الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان يعين على رأس مراسيم البروتوكول أشخاصا من دار المخزن، لهم إطلاع واسع على تقاليد الدولة المغربية، وكان يتدخل في الكثير من التفاصيل، وسمح له عمق تكوينه الثقافي والتاريخي وشكل ميله إلى نموذج السلطان/ الإمبراطور في أقصى أبعاده مع المرابطين والموحدين والسعديين، إلى ترسيخ تقاليد باذخة تمثل شكل السلطة التي اتخذها نظام حكمه المركزي الذي اكتسى فيه الملك طابع القداسة.. وللأسف فإن العديدين لا يعون أبعاد إسقاط محمد السادس طابع القداسة عن شخصه كملك!

خلفيات دعوات الإلغاء

كان محمد الساسي الفتى الملتحي والتلميذ البوعبيدي النجيب أول من نادى بضرورة إزاحة بعض الطقوس المذلة بكرامة الإنسان في البروتوكول المخزني، وفي مقدمتها تقبيل اليد غداة أول استجواب له مع يومية « الاتحاد الاشتراكي » بعد رحيل الحسن الثاني، وهو ما دفع أحد كبير الحقوقيين إلى معاقبة الصحافي الذي أجرى الاستجواب، أقصد عبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول في حكومة التناوب التوافقي، جرى ذلك في فاتح غشت 1999.. هل كان اليوسفي مخزنيا؟

ما قام به الساسي في بداية العهد الجديد هو ما حاول أحمد الريسوني الزعيم السابق لحركة التوحيد والإصلاح أن يلفت الانتباه إليه، حول شكل التحية والسلام المخصّصين للملك كما جسدهما حفل تعيين العمال والولاة الجدد، وإن من منظور مختلف..

إن محمد الساسي حين تحدث عن إلغاء طقوس تقبيل اليد تكلم كأستاذ حقوقي يفكر بمنطق عصري حداثي، وفي ذهنه الدولة العصرية التي تحفظ الكرامة البشرية لكافة مواطنيها بعيداً عن منطق العبد والسيد، الراعي والرعية.. أما أحمد الريسوني فيتحدث من داخل البنية التقليدية لكن في أفق ديني يرتبط بمفهوم « لا سجود ولا ركوع إلا للخالق »، لكن أليس في إلغاء العديد من طقوس البروتوكول التقليدي ضرب لبنية السلطة وهيبة الملكية؟

الملك

العاهل المغربي محمد السادس

محمد السادس

الملك

تقاليد مرعية

إن شكل تنظيم أمور القصر والإشراف على مراسيم البروتوكول التي كان يشرف على بعضها الحاجب الملكي، وعلى بعضها قائد المشور قبل أن تصبح لدينا وزارة القصور والتشريفات والأوسمة الملكية، تجسد أسلوباً في ممارسة السلطة بالمغرب، وبُعد تمظهر السلطان الحاكم في علاقته بالحاشية والرعية، ومناقشتها ليست ترفاً زائداً أو تفاصيل شكلية تلهينا عن الجوهر السياسي لنظام الحكم بالمغرب.

لكن يجب أن ننتبه إلى ما أشار إليه المؤرخ ابن زيدان في كتابه « العز والصولة في معالم نظم الدولة » حين قال: « ومن معرفة الناس لنظام القصور، تتجلى أمامهم عظمة الدولة وخطرها، إذ بمعرفة حياة الملوك تُعرف حياة الشعوب وأثرها »، من خروج الموكب الملكي في ساحة المشور حيث يتجمع الناس صائحين بحياة الملك، كانت النساء تحملن أطفالهن وتعتبرن أن مجرد رؤية السلطان محمد الخامس إلى ابنهن، بمثابة الفأل الحسن الذي سيكون له انعكاس على المستقبل الزاهر للطفل، إلى « حَرْكات » المخزن على قبائل السيبة، حتى شكل اللباس والعادات المرتبطة ببروز الملك… تتجلى مظاهر غريبة مصاحبة للسلطان في المغرب، إن مراسيم البروتوكول كما يجسدها حفل الولاء هي ترميز أسطوري لطبيعة سلطة الحاكم.. هذه المظاهر الاحتفالية الفولكلورية هي أحد أبعاد تجلي السلطان في المغرب.. اكتملت معالمها في القرن 17 مع ظهور ملامح الصلحاء والشرفاء، واغتنت مع حكم الحسن الثاني، وللأسف فإن الدارسين والباحثين اهتموا أكثر بالصراع السياسي حول السلطة وبما اعتبر جوهرا للنظام السياسي في المغرب وطبيعة المؤسسات وعلاقة الحاكم بالمحكومين.. لكن القليل منهم من التفت إلى طقوس ممارسة السلطة أي شكل جوهر النظام السياسي، الذي هو سابق في الوجود على السلطان ذاته الذي يجد نفسه تحت وطأة تقاليد عريقة، تتشكل من طقوس ثقيلة وتقاليد قديمة متوارثة منذ قرون كتجسيد لشكل بنية الحكم، وكقواعد مرعية يعتبر الإخلال بها تجاوزاً لهيبة السلطة المركزية، تقاليد تفرض حتى على الحاكم الجديد التكيف مع سلطتها، حيث يصبح السلطان أقوى من الملك!

لقد أعلى الحسن الثاني من طقوس ممارسة السلطة، لذلك كان حريصا على مراسيم البروتوكول الملكي في حفل الولاء كما في خروج موكبه في عربة تقليدية وسط المشور السعيد، أو أثناء رحلات الصيد، وفي لباسه، كما في شكل طعامه وعاداته اليومية، في البخور والعطور التي كان يضمِّخ بها قصوره، وفي ذلك النظام الصارم المتبع في شكل المثول في حضرته، وتقاليد الانحناء وتقبيل اليد، وفي جيش الخدم والعبيد المحيط به، كل فرقة مكلفة بمهمة دقيقة ووفق نظام صارم يعرض المخالفين لطقوسه إلى العقاب والتأديب…

الصالح والطالح

إن شكل تنظيم أمور القصر والإشراف على مراسيم البروتوكول تعتبر إرثا ثقافيا يثري طقوس التقاليد الملكية كما في أعرق الملكيات الديمقراطية من اليابان إلى إسبانيا وإنجلترا فالدانمارك.. لكن بعض هذه الطقوس يحمل وشم العبودية ويثقل كاهل الملك العصري ويشكل إهانة للكرامة البشرية لمن يحضرون بين يديه من موظفين سامين وقادة حزبيين ومسؤولين كبار ووزراء.. يجب القطع معها، نستشعر معاناة محمد السادس في الخضوع لها كملك عصري عاشق للحياة ميال إلى التلقائية، حيث تتناقض هذه الطقوس مع تكوينه الثقافي الذي لا زال يعطي الانطباع بأنه حاكم منفتح وحداثي…

إن طقوس الانحناء المذل بالكرامة البشرية وتقبيل الأيدي لا يجب أن يستمر، حتى بدعوى أن الملك لم يعاقب رجالات الدولة الذين كانوا في حضرته ولم يقبلوا يده ولا انحنوا حد الركوع له، بل على محمد السادس إصدار قرار رسمي، ليكن ظهيراً شريفاً بمنع كل الطقوس الحاطة من الكرامة، لكن بالمقابل يجب الاحتفاظ بالعديد من تقاليد البروتوكول التي تعتبر ملمحاً ثقافيا يميز الملكية المغربية من خلال طقوس عريقة متوارثة كما هو الشأن في اليابان وبريطانيا.. وكلما انفتح النظام السياسي المركزي كلما سمح بالتخلي عن العديد من الطقوس الشكلية المخلة بالكرامة البشرية.

 

سليم بركات والكتابة الشذرية كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضا

سليم بركاتليس ما أقدمه هنا قراءة نقدية بالمعنى الحصري للكلمة لأعمال الشاعر الفاتن سليم بركات الذي نحتفي به، وتستدفئ ببعض مما أنجبه، وإنما هو شهادة محض ذاتية على هامش متن كبير، كلما قرأته أحسست بتواضع لغتي ورموزي، وأن الدرب لا زال أمامي طويلا للإحساس ولو للحظة أنني اكتسبت أدباً، ولو كنت ابنا شرعيا للأدب..

تعرفت على سليم بركات في زمن متأخر عبر سيرة صباه: « هاته عاليا.. هات النفير على آخره ».. وقادني إلى أعماله الكثيرة الصديق العزيز سعيد الوزان.. فاكتشفت كما لو أن المبدع بركات يخبئ عنا معاجم ضخمة للغة العربية لا تحفل بها خِزاناتنا.. تلك الكثافة اللازمة للكتابة، الوصف الباذخ المغرم بالتفاصيل.. لغة تقول الصمت الكثير الذي يسكن غُموض الأشياء، وتنقل أسرارها في لغة متفردة، هي جوهر شعرية سليم بركات، لغة شذرية تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم الخارجي المفتون بوجع ما يجري على سطح الأشياء.. نحس في لغة بركات الانفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز الممتلئ.

إنه مثل صائغ يعيد إذابة المجوهرات المتشكلة لديه سلفاً، ليصنع منها بحذق ومهارة شكلا إبداعيا جديداً.. في شعر سليم بركات، وكل كتاباته تمثل هدم الحدود بين الشعر والنثر، نحس ذلك السهر الدقيق على حسن انتقاء الحروف والكلمات والمعاني التي لا تدل على الطرق المرصوصة سلفاً في المتون السابقة أو المجايلة، أو حتى في كتابات بركات الإبداعية السابقة، مهندس ذكي هو يفتح طرقاً غير مسبوقة لأعالي الروح، بحساسية مفرطة يحرص سليم على التدمير الرصين لذاكرة الكلمات والمعاني، وتعابيره تلجأ إلى الحمية للتخلص من الفضلات، تحافظ على رشاقتها وهي تمر في حقل ألغام الروح..

سليم بركات (2)

في كتابات سليم بركات، نحس أن كل نص إبداعي متعدد، لا يشبه ذاته.. كلما قرأناه وجدناه مختلفا عن قراءتنا السابقة له، ولا يشبه النصوص السابقة أو اللاحقة لما اختطه سليم بركات نفسه، كل نص هو اغتيال للشبيه، لأن اللغة الشذرية في نصوص بركات لا تخلق النموذج، ولا تسعى إلى جمع الحشود وخلق الأتباع، لأن كل نص يُدخلنا إلى عتمة لا يُرى فيها إلا أثر الأشياء، لغة متشظية مضادة للنسخ وصنو الشبيه، تخلق فرادة كون مستقل عن فراغ العالم، هو بوابة الروح الإنسانية حيث نلامس تمزقات الهوية، غربة اللسان الذي سيصبح وطنه، ذلك الكردي الذي كان أكثر إتقاناً للعربية من بني ذات اللسان، جرح التاريخ، العيش الدائم في المنفى ليس كانتماء للجغرافيا بل ككينونة متشظية بين ألوان تسمو على علم وطني يعلو بناية حكومية أو يرسم الحدود والأسيجة، لذلك كان مطمئنا أن « كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضا »، من « الفلكيون في ثلثاء الموت » حتى « هياج الإوز » و »ترجمة البازلت » و »أنقاض الأزل الثاني »… يعلمنا سليم بركات ذلك القفز الحر نحو الغياهب، صدى الفراغ، القبض على اللامرئي… لعل هذا ما دفع بالرائع قاسم حداد أن يعتبر أن أجنحة سليم بركات الكثيرة تجعله سرباً وحده، يقول: « كلما قرأت شعر سليم بركات سمعت صوتا غامضا يستعصي على التفسير، لكنه أكثر السبل متعة في التأويل، الشعر هو هذا في الأصل: شأن لا يستقيم مع التفسير، ولا يمنحه جدية وجمالا مثل التأويل.. فالشعر مع سليم بركات، هو الرمز الخالص المصفى الذي يصقل مخيلة القارئ لكي تصير جديرة به، بالشعر ».

في نصوص سليم بركات نحس بقيمة المعجز اللغوي، كيف نتوفر على ذات المعاجم والقواميس التي أحاطت باللسان العربي، ونتساءل كيف يمنح بركات للغة نصوصه الإبداعية زهو الربيع، شموخ الجبال، صفاء الماء.. مجنون هو هذا الفتى المسكون بالتحول، اكتشاف الغامض، زرع الفخاف في طريق القراءة الكسولة.. كم هي متعبة نصوص هذا المشاكس الكردي؟

كيف تقبض لغته المتشظية على لآلئ الغموض، وتنشر الحقيقة في ظلال الظلمات؟ كتابة هي سليلة المحو، حيث تظل حروفه وكلماته مثل آلة حربية – كما عبر جيل دولوز – تدمر الثابت، المألوف، المسكوك، تزرع الشعر في قلب نثر الحياة اليومية، تفكك سنن المعيار وطمأنينة المؤسسات، وببراعة البستاني وهو يشذب الأغصان ويطهر الربيع من الفضلات والطفيلات دون أن يئد الحياة في الشجرة أو الوردة، يحرص سليم بركات على مد تعابيره بما لا يحتاج إلى الإسعافات الأولية لإنقادها من السكتة القلبية، لأن اللغة الشعرية التي رفعها إلى مرتبة القداسة بعد هدم ما امتلأت به الحروف والمفردات والتراكيب المسطرة في المعاجم أو بطون الأدب، هي صلب كينونته، هي هويته التي أنقذته من التشظي الهوياتي والمنفى وبؤس العالم، فخلق نصاً جميلا مهماً تعددت مسمياته وأجناسه، يظل نصاً واحداً، لعل هذا هو المعنى العميق لعبارة قاسم حداد: « أجنحة سليم بركات الكثيرة تجعله سرباً واحداً »، فلكي تفهم سليم يجب أن تكون سليما معافى من لغة البحث عن المعنى الصحيح، عشق الفضلات والزوائد، الافتتان بلغط العالم، فتنة المعنى المكتمل والدليل الجاهز، سحر الإيديولوجيا الزائف، الهوية المتشرنقة على ذاتها مثل بيت عنكبوت هو أوهن البيوت، الفناء في الثبات والاطمئنان لسلط اليقين..

اللغة الشذرية عند سليم بركات تقربنا مما أسماه نيتشه بـ « رنة الجسد »، أي تلك السعادة الزمردية ذات الأضلاع المتعددة مبنى ومعنى، التي تمنح العالم المرح الضروري لكي لا يفنى أو يُصاب بكسر في منتصف الطريق.. يركز بركات على منح الدليل اللغوي أقصى درجات انشطاره واعتباطيته كما استخلص ذلك فرديناند دوسوسير… لذلك اعتبر أن كل نصوصه المتعددة من الشعر إلى الرواية هي نص واحد مختلف عن ذاته، في الرواية نلمس شعرية التفاصيل، نحو الفضاء grammaire de l’espace، شذرية الزمن الذي يحاكي ملامح الشخوص والوقائع حتى في أدق تفاصيلها.. في الشعر، نعثر على حكي السيرة التي عشقها الأكراد وخوَّنوه لأنه لم يبْق وفيا لما اعتبروه قضية منحصرة في تمجيد الزعماء والألقاب والجغرافيات المصنوعة في دهاليز الأروقة السرية لمخابرات النظام العالمي الجديد.

سيظل سليم بركات وشما على جسد الإبداع العربي، وستظل كتابته الشذرية تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول..

ستبقى نصوصه حاضرة رغم أنها سليلة الغياب لأنها تزلزل ثرثرة الأشياء، وتغوص بعيداً في خلجان الذات، التاريخ والعالم، ويحق له أن يردد مع نيتشه: « لم تستطع لغة ألبته أن تعبر قبلي عن هذه السعادة الزمردية وهذا الحنان الإلهي ».. سيظل غموض بركات واضحاً فيَّ، وسيستمر حرصه على العناية الفائقة بما كان قد أسماه ابن قتيبة بماء النص، المعبر الأساسي على أن الشعر لا يوجد في العالم، وإنما في اللغة التي لا تحاكيه وإنما تصنعه وتبدعه أو تعيد خلقه.

آخر الليل…

عبد العزيز كوكاس

عبد العزيز كوكاس

آخر الليـــــــــــل

أغمض عيني انتشاء، فيتلاشى العالم في الأعماق البعيدة للدواخل،

يتضوع عبير أزهار برية، والريح المترعة بأنفاس الربيع تطرق بابي في

منتصف ليل بَليل.

تعبرني خطى حالمة ودروب لا تصلني بغدي.

تحملني قدماي إلى سماوات لا أعلق عليها شمسي.

يبعدني ظلي عن جسدي  فأتوحد باسمي لأطل على هاويتي.

لا تقربني جرعات كأس النار الحزينة إلا من قبور الصمت وجني المتاعب على

نغمات أغاني الحصاد القديمة..

من أحلامي الأولى، أعود مني إليَّ  خاوي الوفاض.

لا يتسع الباب لدخول طفولتي التي تطل من كوة غائرة في الجرح، فأحمل صوتي

في حقيبة مجهرية لعلي أجد متسعا للفرح.

أفرغ زعاف أخر الليل في جُبة شيخ ينام على وسادة نساء بدون عطر.

ولأني مولع بالتفاصيل حد الثمالة،تخذلني ريشة طائر تحولت إلى جناح قبعة

ترسو على رأس فارغة مثل دلو،

غفوة الغنباز بين يديك، تجرحني كبسمة طفل كَوَّم أحزانه في شارع معتم..

قطرة ندى على وردة لم تستفق من نحيبها،

نعاب طير لم يكتب له الزواج بعد.

أحسني مثل جملة ناقصة في الصف الابتدائي للحياة.

ولأني مؤله ونصف نبي، وربع شيطان، وثمن إنسان لم يخلق بعد من طين..

أتوجه بخطى يقينية نحو هاوية لا تتسع سوى للسمو.

-* الكلام العريان – عبد العزيز كوكاس

الكلام العريان   – عبد العزيز كوكاس

« الكلام المرصّع فقد المذاق
والحرف البرّاق ضيّع الحدّة
ياك الذلّ محاك يا سيدي عفاك
و كلمة عفاك ما تحيّد شدّة » شهرمان وغناء جيل جيلالة

بالأمس كان لدينا « لكلام لَمْرصَّع » واليوم لا يوجد لدينا سوى « لَكْلام لعريان »..

كان الكلام مرصعا بلآلئ المعنى بصدق التعبير عن الحب، اللعب والحياة.. كان لدينا « الكلام المرصع »، حين كانت الكلمة هي الرجل رغم أنها أنثى في المبنى (وعُذْراً لكل مفرط شديد الحساسية من بقايا تقسيم العمل بين المرأة والرجل، فالرجل هنا يحيل إلى معنى غير ذكوري)، كان الرجل هو الكلمة، وكانت الكتابة ولادة بعد مخاض عسير، وكانت الصحافة ككتابة مهنة للمتاعب وللولادات الصعبة.

كانت الورقة أنثى والقلم ذكراً، هو لباس لها وهي لباس له، ومن تزاوجهما تولد حرقة الكتابة، ومنها الكتابة الصحافية..

كانت الكتابة رمزاً للفحولة، لذلك لم يؤمن الكثيرون بأسبقية أنثى مثل الشاعرة نازك الملائكة لتكون رائدة الشعر الحر، حتى ولو جاءت بديوان كامل، وكان يكفي أن يصدر الشاعر الذكر بدر شاكر السياب قصيدة واحدة عام 1948 تحت عنوان « هل كان حبا » ليقع النقد في شرك حق الأسبقية للقصيدة/ الأنثى التي كتبها ذكر، أو للديوان الذكر الذي أمهرته بتوقيعها نازك الأنثى.. نفس الشيء حدث مع أحلام مستغانمي، إذ تم التشكيك في صحة نسب رواية جميلة في حجم « ذاكرة جسد » للأنثى أحلام، ونسجت روايات حول وجود ذكر حتى لو كان « عابر سرير » وراء إنتاج رواية أحلام مستغانمي، من نزار قباني إلى سعدي يوسف الذي لمح للعمل الإبداعي ذاته في « حانة القرد المفكر »..

كانت الصحافة أنثى، والكتابة كذلك بينما القلم ذكر والكلمة هي الرجل.. اليوم في زمن الكومبيوتر، لم نعد نستطيع التمييز أين الذكر من الأنثى في الكتابة وأدواتها، أين الذكر من الحاسوب؟ هل هو الشاشة أم الفأرة أم لوحة المفاتيح أم القرص الصلب؟ فالحاسوب لا قضيب له..

لذلك أضحت الكتابة ذاتها باردة، بلا قلب ولا وجع، بلا حب ولا مخاض ولا ولادة.. كتابة منسوخة/ ممسوخة كسولة وبليدة، بلا أوصال ولا جذور، كتابة جامدة مثل قبر من رخام، صامتة مثل صخرة صماء، ملساء مثل جبل في القطب المتجمد..

بالأمس كان الكلام مرصعا بجواهر المعنى وبحرقة القلب، والكلمة رجل تكتب بقضيب، هو القلم حتى لو كان بيد أنثى، وكان الكاتب أو الكاتبة قد قلمه (ا)، قد كتابته (ا)، يحتفي باسمه ممهوراً على أجنة، قبل أن ترى النور، يظل يرعاها بحرص العشاق ونبل الأنبياء…

اليوم أضحت الكتابة، وأخص بالذكر الكتابة الصحافية، بلا قلب.. صحافيون نابتون مثل الفطر، يتركون دروسهم حول المهنة وراء ظهورهم في قاعات الدرس، ويقترفون مهنة الصحافة عن سابق إصرار وترصد، ويكتبون بلا وجع، لا يرهبهم البياض الممتد أمام أعينهم مثل صحراء كل قطعة منه متاهة، لأنهم هنا أمام الحاسوب في زمن التقنية، لديهم كل مفاتيح الكون مع لوحة المفاتيح والشيخ كوكل الذي يبرر الشيء ونقيضه: الموت والحياة، الدال والذال، الحقيقة والكذب… لا حسيب ولا رقيب في زمن النعجة دولي…

كان الكلام مرصعا والكتابة مسؤولية أخلاقية تجاه الذات قبل المجتمع، أما اليوم فنحن أمام الكلام العريان، أي الكلام الخالي من أي حس نقدي/ أخلاقي/ معرفي.. لا سلطان على الكلام اليوم.. سدنة المعنى توارت في الغياب، وما بقي من أحلام الربيع الصحافي انغمسوا في صراعات المواقع، وحماية مصالح المؤسسات الاقتصادية، وأضحى المعنى آخر اهتمامهم، وبارت الأيام مع جيل صحافي يقترف المهنة بوجه سافر وبلا وجع أو حرقة.. مثل داعرة تفتح فخذيها لعابري السبيل، أضحت مهنة الوهم الأكبر، التي هي الصحافة، للتجار الصغار الذي يفتتحون دكاكين للربح السريع، الذين يقتاتون على الماخور الأكبر للمجتمع من أوجاعه الهامشية، ما هو السؤال المركزي لأكبر المؤسسات الصحافية اليوم.. هل هو الكلام المرصع؟ الحرقة المهنية لتطوير الصحافة وأخلاقياتها؟ الانتساب إلى الحقيقة مهما ارتفعت تكلفتها وضرائبها التاريخية؟ أبدا!

إنه الكلام العريان، من المعنى والحقيقة، من المعاناة والصدق.. إنه الكلام العريان من الولادة الصعبة، المؤمن بأوالية كسب الربح على وجع الحقيقة، المرح زيادة على اللزوم بالجني المادي السريع، بدل المكاسب الرمزية للمؤسسات الصحافية في إنتاج المعنى والانتصار للحقيقة والمساهمة في تطوير الوعي الاجتماعي والسياسي للرأي العام.

الكلام العريان ينتجه صحافيو الكوكوت مينوت، ما تساقط من أوراق خريف المعنى، المتسولون أمام أعتاب المؤسسات الاقتصادية، الناسكون الخاشعون في محارب المال، ضد المبادئ النبيلة التي وُجدت من أجلها الصحافة…

ويا قلبي، ما لي أنا لا.. أصخرة لا تحركها كل هذه الأغاريد، لم لا أدخل رأسي مثل النعامة في الرمل وأقول اختبأت من صهد الأيام، وأضع رأسي بين قطيع الجماعة وأنادي السياف: « فينك أقطاع الريوس »؟

وهل تبقى لي رأس لأفكر في كل هذا الخراب، لأنتج مثل ت. س. إليوت قصيدة تليق بكل هذا الخراب، ومالي مثل نائحة لا أتعلم الزغاريد في زمن الكلام العريان بدل الكلام المرصع..

Navigation des articles