الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “juillet, 2016”

الانتهازيون الشرفاء

عبد العزيز كوكاس

« من المؤكد أن للأوهام لذة مكلفة، غير أن تقويض الأوهام أكثر كلفة »   نيتشه

لا تنتظروا مني لائحة بأسماء « الانتهازيين الشرفاء »، كما فعلتُ في سابقة حول ولاة وعمال اتهمهم أعضاء قياديون – بمن فيهم وزراء في الحكومة الحالية وفي مقدمتهم رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران – بموالاة حزب سياسي، وقادنا إلى المحكمة التي لم تخرج عاقبتها بعد على خير..

أقصد بـ « الانتهازيين الشرفاء »، طينة جديدة من قياديي الأحزاب والنقابات والهيئات التي حملت مشعل النضال من أجل التحرر والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، بعضهم دفع الثمن غاليا من أجل القيم والمبادئ التي حلم بها، لكنه ودَّع اليوم سنين البؤس والنقمة، وانغمس في ملذات الحياة ومباهجها..

العديد من هؤلاء « الانتهازيين الشرفاء » حولوا مواقعهم في مختلف مناصب المسؤولية إلى ضيعات خاصة، أو حقول خلفية لمنازلهم وجعلوا من مسؤولياتهم أصلا تجارياً صالحاً للبيع والشراء، أحياناً برفع نفس المبادئ والقيم التي ظلوا يدافعون عنها في الماضي..

13590415_1048487435231694_8788951371491297298_n

« الانتهازيون الشرفاء » ليسوا بالضرورة وزراء، وقد لا يكونون جزء من التشكيلة الحكومية، بعضهم يهيمن على مراكز المسؤولية في النقابات العمالية، أو في قلب جمعيات المجتمع المدني، وبعضهم في المؤسسات المنتخبة من الجماعات المحلية إلى غرفتي البرلمان، ونصيب منهم يستغل موقعه التنظيمي في ظل حزب سياسي أو مركزية عمالية أو جمعية مدنية… ليجعل منه منبعاً للريع الاقتصادي والسياسي.

« الانتهازيون الشرفاء » ليسوا بالضرورة أولئك المتورطين في جرائم الفساد وسرقة المال العام، ولكنهم قد يسرقون حق جيل من المناضلين في التداول على السلطة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع في تقلد المهام والمناصب داخل تنظيماتهم السياسية والنقابية والجمعوية.. ويغتصبون أحلام مناضلين في تجديد دماء تنظيماتهم عبر إعمال الآليات الديمقراطية، هم زعماء أبديون، يُسَوقون خطاب الديمقراطية والتقدم والتنمية… ويتحدثون بلسان الغالبية من أبناء الأمة، ويروجون أمامنا وعود الأوهام في التغيير.. لذلك فهم شرفاء، بعضهم قد يكون بالفعل قد أدى ضرائب السجن والقمع دفاعا عن قناعاته النبيلة، لكنه حوَّل كل هذا الرأسمال الرمزي إلى مجال للمقايضة اليوم، ولم لا إلى رأسمال مالي يدافع عنه ببدائية وغريزية لا تقف عند حدود، ولذلك فهم انتهازيون.. إن انتقدت سلوكهم غير الديمقراطي في الحاضر أشهروا في وجهك سجلهم النضالي بالأمس وما ذاقوه من معاناة في سبيل أحلامهم وأفكارهم، سواء كانوا من أحزاب الحركة الوطنية التي قاومت المستعمر أو من جيل الحركات اليسارية التي دافعت عن حق المغاربة في التحرر والتنمية والديمقراطية.. ويُحملونك أحيانا أخطاء أن الزمن لم ينجبك في هذه اللحظات التاريخية التي أسرتنا بتشويق حديث نضالهم خلالها.

هؤلاء « الانتهازيون الشرفاء » أخطر على المغرب اليوم من الانتهازيين العاديين المنتشرين مثل الفطر بيننا، نعرفهم بأسمائهم وسيماهم على وجوههم… لأنهم حربائيون يتحصنون وراء أسوار الخطابة، ولهم قدرة جورجياس على الإقناع بالشيء ونقيضه، فهم بارعون في إخفاء انتهازيتهم وراء أقنعة سميكة، وبلاغتهم قد تُقنع سكان الإسكيمو باقتناء ثلاجة لحفظ الأحلام ومروحة لتلطيف صهد الوقت..

ما يؤلمني في هؤلاء « الانتهازيين الشرفاء » الذين يسعون اليوم إلى تبييض التاريخ الأسود للسلطة السياسية، هو حربائيتهم حيث يتوفرون على « سَنْطيحة » غريبة لتبرير العصي عن التبرير من أشكال الفساد والاستبداد وترجمتها إلى صور مشرقة للديمقراطية وقيم حقوق الإنسان، والحقيقة أن البعض منهم ممن لا زال يحافظ على عذريته السياسية، يبدو كما لو أنهم يعانون من أعراض « متلازمة ستوكهولم » أو « أعراض هلسنكي » كما تُعرف في الطب النفسي!

تعود واقعة هذا المرض النفسي إلى صيف 1973، حين حاول جان إريك أولسون سرقة بنك في قلب العاصمة السويدية، حيث احتجز السجين الهارب أولسون أربعة موظفين كرهائن لحوالي أسبوع، ورغم المحاولة الشاقة للأمن السويدي لتخليص الرهائن، فإن هؤلاء دافعوا بشكل مستميت عن محتجزين بل جمعوا التبرعات للدفاع عن مختطفيهم، وبعد عرض الرهائن على محللين نفسانيين، تبين أنهم يعانون من أعراض مرض نفسي، إذ رغم تهديد الخاطف وتعريض حياة المختطفين من الرهائن للخطر، استمر تضامنهم معه وإيجاد دوافع إنسانية  لتبرير السلوك غير المشروع قانوناً للمختطف، ومن يومها أصبح يُطلق على هذا المرض « متلازمة استوكهولم » أو « أعراض هلسينكي ».

فالعديد من الشرفاء غير الانتهازيين لدينا، ممن انخرطوا في جبهة الدفاع عن المؤسسات الرسمية الجديدة يبدو أنهم يُوَلِّدون حيلا نفسية غريبة للدفاع عمن احتجزهم وعذبهم بالأمس، وأنصحهم بعرض أنفسهم على أطباء نفسانيين للتخلص من عقدة الدفاع عن جلاديهم، أما « الانتهازيون الشرفاء » فأدعو لهم الشفاء ليكفوا عن امتصاص دمائنا باسم ماضيهم النضالي، إذ لا زال هناك « شيء يستحق الانتباه »!

أ

Publicités

داء العطب قديم

عبد العزيز كوكاس

« ما كل ما فـوق البسيطـة كافيــــــاً … فإذا قنعت فكـل شـيء كــــافِ
وتعاف لي طمع الحريص أبوّتي … ومروءتي وقناعتـي وعفافـي

أبو فراس الحمداني
على شاكلة المقدم الذي ظل يُدخل أجره البخس مع أجر القايد ليفوح أمام الناس (أنا والقايد تنشدو مليون)، على عون مغلوب على أمره أو معلم بسيط في فم لحسن أو زكوطة أن يقول إنه ووزير التربية الوطنية يتقاضيان 7 ملايين كل شهر… ولأن بنكيران خانته شجاعته السياسية تجاه الحيتان الكبيرة من الأثرياء حين لم يستجب لإقرار قانون فرض الضرائب على الثروة، وأخذ ينظر إلى أن كل من يركب سيارة هو من الطبقة الوسطى، يجب أن يؤدي ضريبة ارتفاع أسعار الوقود، فقد بدا في وضع « المش »، وبدت « الطبقة الوسطى » مثل الفأر الذي قطع رئيس الحكومة ذيله باسم الحكرة.

لكن سيبدو وزير التربية الوطنية فقيراً، وهو ينظر إلى ما يتقاضاه وزير المالية، حيث أن سائقاً في وزارة المالية سيكون أكثر فخرا من العون المسكين والمعلم البسيط حين يقول بالفم المليان: » أنا ومزوار، أو أنا والوزير (ما داما يشتركان معاً في الوِزر) تانقبطو 15 مليون مثلا.. وهذا ليس سوى الجزء البارز من جبل الفساد!

Tableau Bouabid 03

الموضوع جدي، ويجب أن نصون أعمال العقلاء عن العبث، فالشعبوية غير مجدية في هذا الباب، إن الإقرار القانوني للعلاوات والمنح التي يستفيد منها رؤساء ومدراء وزارة المالية ليست مقبولة في إطار المساواة كمبدأ دستوري بين كل العاملين بالوظيفة العمومية، نعم مع سن منح للموظفين في وزارة المالية وغيرها لتحصينهم من الرشاوى ولتحفيزهم على خدمة الصالح العام، لكن ذلك يجب أن يكون منصوصاً عليه قانونيا في قانون المالية ليس وفق منطق الصناديق السوداء، بل على أساس تقييم خاص للمردودية والكفاءة والإنتاجية والنزاهة.. وأن يناقش البرلمانيون هذه التعويضات المالية الممنوحة لأطر وزارة المالية في إطار شفافية تدبير المرفق العام، يجب الإنهاء مع سياسة الغموض ومنح العلاوات تحت الطاولة..

لست مع سياسة التشهير بأي مسؤول، بعضهم يمكن أن يتقاضى أضعاف الملايين التي تمنح له داخل المرفق العمومي، لكن لطموح مشروع أو لنزاهة ووطنية صادقة لخدمة البلاد، قبل بتعويض أقل، ويجب أن نحذر من جدل الصبية والشعبوية الساذجة التي من شأنها أن تجعل الناس تنظر إلى من يتقاضى أجراً محترماً عن جدارة واستحقاق وبخدمات يشهد له بها الكل أنه ناهب للمال العام، لأن هذا التعميم سيجعل النواب في نظر عامة الناس لصوصاً والوزراء أثرياء ومصاصي دماء، والأستاذ الجامعي بسيارة متواضعة، ليس من أبناء الشعب وليس قلبه على الوطن… وهذا تبخيس وتحريف للمسؤولية ولمفهوم المكافأة.

كل هذا لا يعفي مزوار من مسؤولية أخلاقية في قبوله بتعويضات غير مستحقة، وقد بدا دفاعه عن قبول علاوة 40 مليون مثيراً للشفقة، فالرجل مسؤول سياسي وقائد حزب، والعفة هي الباب الأول للنصداقية، لذلك يجب فتح نقاش هادئ ليس لحذف نظام الامتيازات كليا، ولكن لتأطيرها قانونيا وبشكل شفاف لمن يستحقها، ووضع أسس ومعايير واضحة للاستفادة منها بشكل شفاف، مع التنصيص على ضرورة حذفها في لحظات الأزمة من باب التضامن كشرط أخلاقي.

أفكار مقطوعة الظل

عبد العزيز كوكاس

« هو فيه يا عزة عندي ممنوعات، غير با حب الناس وباكره السكات » أحمد فؤاد نجم

أصبحت أتهيب هذا البياض الممتد أمامي، أحاول دوماً تجربة الكتابة التي لا تنتهي صلاحيتها بسرعة وكل مرة أفشل..

يمتد هذا البياض أمام بصري مثل صحراء من ثلج، تزدحم الأفكار الحارقة في ذهني، هل يتسع الجسد المغربي لقول كل شيء؟ هل تكفي كل الحرية « الممنوحة » للصحافة بالمغرب على أن نخط جملة واحدة حقيقية بدون رتوش ولا مساحيق ولا توابل؟

مصطفى الباكوري

أريد الحديث عن تتويج الباكوري أميناً عاماً لحزب الأصالة والمعاصرة وخلفياته البعيدة وعن الرسالة الملكية الاستثنائية لتهنئة الزعيم الجديد لـ « البام » وعن اجتهاد إلياس العماري لتحديد من يكون المقصود بعبارة التهييء المحكم للمؤتمر وكيف ناب كمتلقي، لفهم مقاصد باعث الرسالة وأنه ليس المقصود وإنما أعضاء اللجنة التنظيمية، ومن أعطاه كل هذا الحق في تأويل خطاب ليس صاحبه!

لم لا أجرب حرب الإشارات والرموز كما تمثله ذلك اللقاء الجميل بين السلفي الفيزازي والمبدعة لطيفة أحرار وبينها هذه الأخيرة وزوجة الفيزازي التي عبرت عن إعجابها بالأداء الخفي لأحرار، لا يهمني ما قالاه في هذا اللقاء، أنظر إلى البعد المدني/ الحضاري للقدرة على تواجد سلفي له أفكار توجد لطيفة أحرار ، صاحبة القفطان المحلول والمفتونة بتعابير جسدها ثقافيا، على الضفة النقيض منها، هذا اللقاء في فضاء الكتاب الذي له رمزيته، هو شكل المغرب الديمقراطي الذي نريد.. مغرب مؤسس على الاختلاف السعيد لا الخلاف المتوحش والشقي.. أحرار والفيزازي في صورة واحدة غير مفبركة وحدها دليل على انتقال الصراع من عنف الجسد إلى قوة الفكرة…

أحاول أيضا تشخيص أعطاب وحدة موؤودة بمناسبة إعادة الحديث عن المغرب العربي في ظل هذا الربيع الذي غيَّر ملامح أنظمة معظم دوله، والتصقت برموزها الحاكمة كل تراكمات جراح الماضي واختلاف الأنظمة وولاءاتها، وثقل الجغرافيا المنغلقة وجراح التاريخ، وأرى كم هي بخيسة هذه الأحلام الموعود بها لإعادة الروح لجسد المغرب العربي المصاب بالسكتة الدماغية، وأقول إننا سنحتاج لأكثر من عقد من الزمان، بل إلى جيل أو أكثر لبناء مغربي عربي حقيقي، والسبب هو تراكم الحزازات الشخصية بين نظامين سياسيين، هما الجزائر والمغرب بسبب مشكل الصحراء والحدود بين البلدين على الضفة الشرقية، لقد وصلت الصراعات الثنائية حد الإسفاف، و »صْغار اللعب » بشكل كبير بين قادة البلدين، لم يعد الأمر يتعلق بحقائق التاريخ ولا بمشاكل الجغرافيا، بل بحائط نفسي لا يبدو في الأفق المنظور أي بارقة أمل للشفاء من عقده فتح صفحة جديدة في مسار تشكيل وحدة مغاربية لم تغادر غرفة الإنعاش منذ صيف 1994، ويبدو أن وضع الستاتيكو الذي تعرفه العلاقات المغربية الجزائرية، مفيد للنظامين الجزائري والمغربي على حد سواء، وعلينا انتظار عام الفيل لتولد بارقة أمل في المستقبل حول وحدة الدول الخمس.

لا زال هذا البياض يمتد أمامي مثل تنين، ما أصعب الكتابة.. ليس الخوف ما يشغل بالي، بل الرهبة من المسؤولية الأخلاقية لتسويد الأبيض.. تتعدد المواضيع، تزدحم الأفكار في الذهن، وأجدني مقاداً بقوة الأشياء إلى محاولة فهم الإشارات التي حاول تقديمها وزير العدل والحريات لرموز السلفية حين قال بأن إطلاق سراح الشيوخ الثلاثة يعود الفضل فيه، بعد الله، إلى الملك، ليست من الذين يصطادون في الماء العكر، لكني أريد أن أفهم فقط كي لا أموت بليداً!

وتعالوا لنفكر في ما قاله الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان وصديقه في الحكومة عبد العزيز رباح وزير التجهيز والنقل من وجود قوى خفية تحاول إفشال تجربة حكومة عبد الإله بن كيران.. تتذكرون ما أبدعه عبد الرحمان اليوسفي شهوراً قليلة من تشكيل حكومة التناوب التوافقي حين تحدث عن « جيوب مقاومة التغيير »، لكل مرحلة لها رجالاتها ومسمياتها، أتمنى أن يجتهد أعضاء حكومة بن كيران لابتكار مسميات جديدة للأعداء المفترضين الذين يعملون جادين من أجل إفشال تجربة التناوب الثانية، على الأقل من أجل إغناء قاموسنا السياسي في ظل المرحلة الجديدة.

أما زال في هذا البياض متسع للرحيل دون أن نخشى عوائد الزمن؟!

أنقذونا من هذا الحقد القاسي

عبد العزيز كوكاس

« كيف تريدوننا أن نضبط العدسة وعيوننا مليئة بالدموع؟ » مصور أمريكي

هناك صحف تبدو جد أنيقة بقدٍّ ممشوق ووجه صبوح.. وحين تقرأها لا تجد غير الهباء، وهناك صحف كثيرة تقرأها فتمتلئ يداك بالمداد وتتسخ أطراف كُمًّ قميصك الأبيض بالسواد، وهناك صحف عندما تنتهي من قراءتها تحس أن قلبك امتلأ سوادا، لا فرق بين سواد اليد وسواد القلب حين ينتشر الحقد الأعمى بيننا، لست أدري من أين جاءت عادة شرب القهوة السوداء لحظة مطالعة سواد الجرائد؟ هل لنمسح بسواد هذا البن المارد اللذيذ… كما وصفه تاليران، سواد الحقد الذي تنشره الصحف أحيانا؟ ترى ماذا كان سيقول أبو تمام لو حضر معاركنا  « الصحفية »، حيث تُشحذ بيض الصفائح على سود الصحائف؟

أقول هذا وأنا أفكر في حروبنا الصغيرة التي استعرت في الآونة الأخيرة بيننا كصحفيين، حروب خرجت عن حدود المعارك الأدبية التي تغني الفكر والإبداع، وتثري القراءات بما تتضمنه من أفكار وآراء وتعدد وجهات النظر.. حروب صغيرة بوسائل بدائية لكنها قاتلة، لأنها انتقلت إلى النهش في الأعراض، واستعمال أساليب السب والشتم، وأثقلت كاهل القراء بكل هشاشتنا، وأخطائنا الآدمية الصغيرة جدا.

13432230_1036566643090440_3906743313004100160_n

إنها حروب صغيرة تلك التي تدور رحاها اليوم بيننا معشر الصحافيين، أحس بالفعل أن الصحافة (تأكل أبناءها) وأبناؤها يأكلون بعضهم البعض­ على مائدة حسابات صغيرة لا تعني القراء في شيء.. لم نعد نميز بين الخبر والنميمة، بل إن الكثيرين منا أصبحوا مختصين في الغوص في تفاصيل الحالة المدنية لباقي الزملاء، وتحولت كتاباتهم إلى ما يشبه محاضر الضابطة القضائية، والذين يردون عليهم لا يقلون  عنفا في كتاباتهم التي تنحرف عن أبسط قواعد المهنة والمبادئ الأخلاقية التي أنتجتها الصحافة عبر مسارها… وأعتقد أن هذه الحروب الصغيرة التي وصمت الساحة الصحافية في الأيام الأخيرة، دليل على الضحالة الأدبية والبؤس الفكري الذي وصلنا إليه كصحفيين، وعلامة على اعتلال حقيقي يصيب الجسد وقيمه النبيلة.

وإذا كانت الصحافة هي ميزان حرارة الجسد المجتمعي، فإن اختلالاتها العضوية نتحمل نحن أسبابها وإسقاطاتها بالضرورة، إذ ما جدوى أن يقتسم القارئ جرائدنا مع كأس قهوته أو ثمن رغيف الأولاد أو حاجياتهم الأساسية، إذا كنا سنغرقه في بحر تفاهاتنا، وكشف عورات بعضنا؟!

بالأمس كانت الصحافة تقتات على صراعات الآخرين.. أحزابا ونقابات ومنظمات المجتمع المدني، وبعدها بدأت تأكل ما في العلبة السوداء للماضي: أوفقير، تزمامارت، أسرار الحسن الثاني، إدريس البصري، الانقلابات.. وزيد وزيد.. وبعدها جاء الدور على العهد الجديد وأطره، ولأن الماضي لم يعد يغري الصحافيين، أصبح الملك محمد السادس ضمن الموضة الجديدة للإثارة (أستثني الصحف التي عالجت الموضوع باحترافية ومهنية). وحين لم يبق شيء مما يثير، انقلب الصحافيون لنهش لحم بعضهم البعض…

لم تعد الكتابات الصحافية المتصارعة والمليئة بالكثير من الأحقاد توقر لا عرضا ولا شرفا ولا حميميات تدخل في جانب الخصوصية البشرية بنقط قوتها وضعفها الطبيعي.. واراك للنقد الدجاجي والتَّرياش.. إنها المحرقة في حظيرة الصحافيين، وقودها أحقاد صغيرة وحسابات بئيسة.. لست في مقام النصح ولا إعطاء الدروس لأحد.. ولكن رجاء، ارحمونا من هذا الحقد القاسي..

 

 

بن كيران يغرينا بعبودية أقل

عبد العزيز كوكاس

الاستنتاج الأساسي الذي يمكن لأي مراقب أن يخرج به وهو يتتبع تصريحات رئيس الحكومة هو أن على المغاربة أن يقبلوا بحرية أكبر عبودية أقل، بن كيران لم يمنحنا الديمقراطية ولم يمنحنا رغد العيش كما وعد ولا دك حصون الفساد، ويطلب منا أن نسامحه أن تكون الزيادة في الخبز مثل الكي الذي اعتبره الحكماء العرب آخر الدواء، لكن بن كيران بالمقابل وهو يفتخر بأنه نجح انطلاقا من صناديق الاقتراع وهو ابن الشعب في منح هذا البلد نعمة الاستقرار ونجا المملكة السعيدة مما ضرب غيرها من هزات عنيفة، وقدم للمغاربة هدية الآمان في البلد، فلا تطالبوه بالتنزيل السليم للدستور ولا تلتمسوا منه معجزات وكأن لسان حاله يقول لنا: »الديمقراطية ليست أولوية الآن وعليكم أن تنتظروا حتى تنتهي ولايتي لتحاسبوني على ما قدمت  وعلى ما أخرت.

benkirane1-1

ثمة لعنة مغربية اسمها التأجيل المستمر للديمقراطية، بدا ذلك منذ لحظة النضال ضد المستعمر، حين فضلت الحركة الوطنية ممثلة في حزب الاستقلال ألا تفاوض قوات الاحتلال حول أي انتقال تدريجي نحو دولة المؤسسات، وأن الاستقلال سابق على الديمقراطية..وحصل المغاربة على الاستقلال وتم تأجيل الديمقراطية إلى حين،وبدا الأمر كما لو أن المغاربة خرجوا من الجهاد الأصغر دون أن يدخلوا الجهاد الأكبر.

في منتصف السبعينيات طرحت قضية الوحدة الترابية وحدث إجماع آخر حول القضية الأولى للمغاربة، ووجد عبد الرحيم بوعبيد نفسه في مسؤولية رسمية وتراجع عن مطلب الديمقراطية مرة أخرى حيث لا صوت يعلو على معركة استكمال الوحدة الترابية.. وتم تأجيل الديمقراطية مرة أخرى ولو باسم المسلسل الديمقراطي..

في نهاية الألفية الثانية وفي إطار ما سمي بالمصالحة الوطنية الكبرى، قبل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيةالدخول في مغامرة التناوب التوافقي، وكان تيسير انتقال الحكم وتجاوز السكتة القلبية أقوى من ملحاحية تجذير الديمقراطية.. وبدا أن الانتقال الديمقراطي قد طال حتى أننا لم نعد قادرين على تسمية التجارب السياسية التي تلت حكومة عبد الرحمان اليوسفي الأولى..

وها نحن اليوم نعيش نفس الوضع الذي يبدو كما لو أنه قدر مغربي واستثناء لا مثيل له، علينا اليوم أن نقبل عبودية أقل، ديمقراطية أقل مقابل استقرار أكبر، وفي ظل مناخ عربي متوتر وعاصف للأنظمة والبنيات والمواقف.. يحاول بن كيران أن يقنعنا بأن علينا أن ننعم بما حُرم منه الغير وأن نؤجل مطلب الديمقراطية مرة أخرى إلى عام الفيل، وكل تأجيل أعزائي ونحن على غير خير، إذ البيت الذي شيد من قش وتبن ليس مثل ذاك الذي شيد من حجر وحديد، فحين تضرب نيران المصائب وحوادث الدهر كلا البيتين يبدو الفرق واضحا في العواقب والخسائر.

إن الضامن الأساسي للاستقرار في المغرب ظل هو الملكية، لكن ألا يمكن أن يعاضد قوة هذا البنيان الوطني تنزيل الديمقراطية والانتقال إلى دولة المؤسسات، ومتى تصبح الديمقراطية بالمغرب غير ممنوعة من الصرف.

عبودية

كوكاس
حين لا تُغري الحشود نزوة الحمام وشهية الخروج عن السرب..
لما تصلي الجموع بإيمان الخالق خلف قائد الجوقة وتسير مهللة بالعويل،
وحين لا يكترث الأسرى لارتعاش حريتهم، ويغدون متباهين بأساور القيود وأشكال وشم الجلادين على أجسادهم.

13620830_1050170895063348_6296004338373469911_n

التصرفيق و الاستثمار

كوكاس

« من نام رأى الأحلام » مثل عربي

الحلم حق إنساني ..لكنه حين يصل حد الغرابة فإنه يحتاج إلى الاستعانة بفرويد أو باشلار لكشف بعض طلاسيمه، فقد أخبرني أحد الزملاء عن أمنية غريبة لرجل تعليم يحلم بأن يفوز في لعبة « التيرسي » أو « اللوطو » بـ 900 مليون درهم. إلى هنا يبدو الأمر عاديا، إذ يحدث لنا جميعا أن نحلم بمثل هذا الفوز الذي يأتي مثل ضربة نرد، لكن الغريب الذي لا يخلو من سادية، هو أن هدف الحالم هو أنه يريد أن يفوز بهذا المبلغ فقط ليصفع الناس، إذ بعد حصوله على المبلغ إياه، سينشر إعلانا في الجرائد مؤدى عنه..مفاده: « من يريد أن يُصفع فليتقدم إلى العنوان الفلاني، 1000 درهم للصفعة ».

ولنتصور الفوائد التي سيسديها هذا الخبر لعموم المواطنين.. إذ سينتشر الخبر كالنار في الهشيم، وبسرعة البرق سيأتي « المستصفعون » من كل حدب وصوب.. وسيتجمهرون أمام باب رجل التعليم الذي سيتكفل بنفسه بصفع كل مواطن مقابل 1000 درهم… سيبيت الناس أمام بيته كما ينامون أمام أبواب السفارات الأجنبية طلبا للفيزا، وبهذا ستقل ظاهرة الحريك ومآسيها، إذ المغاربة يفضلون « قطران بلدهم على عسل بلاد الغربة ».

 

طابور طويل من « المستصفعين » ستنشب بينهم الفوضى.. لذا ستتدخل السلطة لتنظيم المواطنين واستتباب الأمن، وبحكم بعض العادات القبيحة ستنتشر المحسوبية والزبونية، وقد يشتري البعض أمكنة مواطنين آخرين مقابل أن يُصْفَعوا بدلهم ويسلموهم نصف المبلغ ويحتفظوا بالصفعة والنصف الآخر من المال، ونظرا لأن المغاربة صُفعوا أكثر من مرة بالمجان، بل وأحيانا بأداء غرامة لمن صفعهم. فسوف يفرحون بهذا الصفع المربح، إذ قد يأتي الرجل بجميع أفراد أسرته لضمان ربح أكبر، وسيُفاجأ رجل التعليم « الصافع » بعادات جديدة، مثل طلب البعض لكي يأخذ صفعتين، بدل صفعة واحدة، أو الزيادة في ثمن صفعة قوية، أو التفاوض حول هل الصفع يتم باليد اليمنى أم باليد اليسرى؟!…

وأمام هذه القيم الجديدة، وبحكم التمايز الذي سيفرزه الصفع المؤدى عنه سيصدر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بيانا، يعلن فيه، استنادا إلى تأويل بنود الإعلام العالمي لحقوق الإنسان، وللمواثيق الدولية والعهد الدولي… عن ضرورة المساواة في الصفع، فالناس كأسنان المشط حتى في « التصرفيق « .. بل وسيذهب بعيدا لمطالبة وزارة العدل بتخصيص يوم وطني للصفع، وستتحول وظائف الجمعيات للكشف عن خروقات السلطة والصافع، وترفع شكاوى ضد التمايز في الصفع… ستكتب الجرائد عن الظاهرة وستنزل القنوات التلفزية لتغطية الحدث الفريد، وسيعلو كعب صاحبنا الصافع. وبحكم هذه الشهرة، سيهب الكثير من « المحسنين » لاستثمار أموالهم في مجال الصفع، لينتعش الاقتصاد الوطني، ويزول شبح البطالة وتنخفض معدلات الجريمة والدعارة، وتختفي أشكال الاقتصاد الهامشي، ويسود الرواج التجاري ويكثر الاستهلاك ويتطور الإنتاج… وهو ما سيدفع وزارة المالية لتقديم مشاريع قوانين لضبط وصرف اقتصاد الصفع، وعلى غرار ما نظَّر له ماركس حول مؤسسة السجن التي ترتبط بجيش من الوظائف، سيهُبُّ المفكرون والمحللون السوسيولوجيون للحديث عن ثقافة الصفع ونتائجها الباهرة على الاقتصاد والمجتمع والفكر والفن… وستُنَظَّم الندوات وتُنْجَز الأطروحات حول تاريخ الصفع وأنماطه وأشكاله… كما أن « المصفوعين » و »المستصفعين » سوف  ينتظمون في تنظيمات مدنية وينشئون نقابات تدافع عن ملفهم المطلبي، مثل المطالبة بالزيادة في عدد الصفعات على غرار مطالبة العمال بالزيادة في ساعات العمل، أو الإلحاح على الزيادة في ثمن الصفعة… ويمكن أن تتناسل فكرة الصفع إلى ما لا نهاية، مثل الاجتهاد في التحديد الفيزيائي لسرعة وقوة الصفعة وتحديد مكانها.. وحجم الكف الصافعة واستجابتها لمعايير الجودة العالمية…!

ونظرا للإقبال الكبير وكثرة المستثمرين في الصفع ستجتهد الداخلية والإدارة في ضبط مجال الاختصاص الترابي بين المستثمرين الصافعين  وتحديد هوية المستصفعين، والتعامل بحزم مع المتحايلين… ويمكن ألاَّ نقف عند حد لهذا المشهد السوريالي.

أليس هذا مضحكا؟! وكم ذا بالمغرب من مضحكات، لكنه ضحك كالبكاء؟!

راسبوتين بيننا

كوكاس

تبدو شخصية راسبوتين غامضة وملتبسة لا تشبع نهم القراء الذين يسعون نحو الاستثناء والعجائب في التاريخ ولعل اسم راسبوتين نفسه يحمل هذا الالتباس لأنه يدل في اللغة الروسية على مفترق الطرق، مزيج من الإيمان بالدين والانغماس الجنسي وشراهة السلطة لقد وجد الرجل نفسه وهو الراهب الماجن في أحضان حكم القياصرة، وفي ما يشبه المقاومة الباطنية استطاع الرجل أن يقاوم تيار التاريخ الذي ستقذفه أمواجه.

13707692_1060207977392973_5915054781146794979_n

كان راسبوتين يتمتع بقوة داخلية خارقة حتى تحول من مجرد فلاح وسكير وعاشق للجنس إلى قديس القياصرة في روسيا القادر على توبيخ القيصر وجعله مثل طفل وديع، فقد جاء من قريته التي نشأ فيها وحمل وشمها إلى بوطرسبورج في أوائل القرن الماضي، وفي إحدى شوارع هذه المدينة التي حملت وشم ثورة البلاشفة سيتم إعدامه وبين البداية والنهاية ترتسم صور متناقضة لراسبوتين الراهب، القديس، والداعر المجرم وسيد الشيطان، لقد دخل حيز الأساطير وربما وجد نفسه أمام تمزق عائلي وكان الدين في مثابة البلسم لراسبوتين الذي سيتحول إلى راهب ستظهر له معجزات تبهر كل المتحلقين حوله لكن الجنس كان نقطة ضعف راسبوتين والذي قاده إلى العربدة النساء والخمر اليوم ولا أمر غدا، كان التقاء راسبوتين بالأب جون نطقة تحول ستقوده إلى قصر القياصرة فهو المتنبئ بوريث العرش الروسي ضامن لاستمرار نسل العائلة الحاكمة، لم يكن راسبوتين رجلا شجعا لجمع المال لكن كان يحركه هاجس خفي للشهرة والسلطة ووشم التاريخ بميسمه الخاص وهو ما سيتحقق صحبة نيقولا الثاني حيث سيصبح راسبوتين الحاكم الفعلي لروسيا والذي على عهده سينتهي حكم البلاشفة تنبغيييييك. بسبب مفترق الطرق أو « راسبوتين » الذي استغل ثقة ثقة الملك وسذاجة القيصر ببسط نفوذه على البلاد وأجهزة الحكم، فهذا الفلاح الأمي سيحول عرش الإمبراطور إلى مجرد لعبة كراكيز بين يديه.

لكن كيف نجح هذا الرجل في التسلل إلى بلاط آخر القياصرة؟ لقد بدأ في خلق المعجزات للنساء اللواتي لهن نفوذ في البلاط الملكي وقد كتب عنه القيصر قائلا: لقد تم التعرف اليوم على رجل قريب من الرب. كان الرجل يستخدم قوته الباطنية في علاج مرضى القصر وداعت أساطير كثيرة وخرافات متقنة الصنع حول القدرات العجيبة لراسبوتين لعلاج المرضى الذي سيتحول إلى قديس صانع المعجزات لم يكن الرجل مجرد دجال بل كان له نوع من النبوغ الروحي، ثقة العائلة المالكة هي التي لا تبني المجد السياسي لراسبوتين الذي استطاع أن يكون دائرة في المحيط الحاكم من الأصدقاء الذين يدافعون عنه في دائرة البلاط ضد مكر الماكرين ودسائس الحساد وكما يقول كولن ويلسن صاحب كتاب راسبوتين: « كلما تعاظم أثر راسبوتين في البلاط زاد عدد معاونيه وشركائه » وسيصبح القصر كله يكن كامل التبجيل وهو ما جعله في قلب المكائد، قربه من القيصر خلق له متاعب كثيرة لكنه استطاع بدهاء أن يزيح كل معارضيه من الطريق وأصبحت له اليد الأولى في تعيين الوزراء وجنرالات الجيش لدرجة أنه أصبح الحاكم الحقيقي، تقرب من بنات القيصر وحين اشتكت الخادمة من سلوك راسبوتين طردها وحين داعب ممرضة الأميرات واشتكت به للتزارينا زوجة القيصر أرسلتها إلى مصحة عقلية بل إن زوجة القيصر ستسقط في عشق راسبوتين يقول عنه أحد الكتاب: « كان راسبوتين يحصل على أتباعه وتلاميذه بلمح البصر، سيما بين النساء اللاتي انجذبن إليه كما ينجذب الدبور للعسل » هذا النجاح الذي يؤدي دوما إلى حتف صاحبه غير الكثير من سلوكات راسبوتين الذي أصبح يحتقر كبار رجال الدولة وأصبح مهاب الجانب وسعى الكثيرون إلى تدميره.

بدأت فضائح راسبوتين الجنسية تطفو على السطح وبدأ الناس يتساءلون: هل راسبوتين قديس أم شيطان؟ وأخذت الفضائح تنزل تباعا على رأس هذا الرجل النافذ لكنه مع ذلك ما فقد قوته السحرية وحتى حين نشرت إحدى الصحف: « راسبوتين زاني الأرواح الإنسانية وأجسادها » اكتفت زوجة القيصر بالتعليق: « الكل يكرهه لأننا نحبه » فما كان من القيصر إلا أن أصدر مرسوما يمنع بموجبه أية صحيفة تتحدث عن راسبوتين عام 1905، كان ذلك هو العصر الذهبي لراسبوتين لكن مع بداية العقد الثاني من القرن الماضي سيعاني راسبوتين مما يمكن أن نسميه بعمى التاريخ فقد تعرض القيصر إلى أكثر من محاولة اغتيال ووجد راسبوتين نفسه في المحرقة بعد انتصارات متتالية لنين وجماعته وكان موقف راسبوتين المناهض للحرب مع ألمانيا بداية العد العكسي لأمجاد هذا الرجل الساحر. المهم أن بداية الثورة البلشفية ستكون نهاية القديس الفاسق راسبوتين حيث سينتهي مقتولا بشكل سيء وسيرمى في نهر النفكا الصغير ولم يكتف الثوار بذلك بل أخرجوا جثة راسبوتين من قبرها وأحرقوها إمعانا في الازدراء وفي نهاية مرحلة كان راسبوتين يحكم فيها روسيا على مشيئته وهواه، تلكم فقط بعض عبر التاريخ.

الاكتئاب السلطوي

عبد العزيز كوكاس

« نيرون مات، لكن روما لم تمت، لازالت بعينيها تقاتل » محمود درويش

لماذا لا يرحل الدكتاتور إلا بعد أن يدمِّر كل شيء.. وفي حالة معمر القذافي، هذا الزعيم القادم من قرية جهنم وأحد المبشرين بجدة كما تقول نكت الفايسبوك، لم تكفه أبداً أربعة عقود من التحكم في رقاب شعبه ونَهب ثرواته.. ورغم أنه ليست له أي بارقة أمل للنجاة بعد أن فقد هيبته واحترام شعبه.. فإنه لا زال مصراً على التمسك بكرسي السلطة حتى ولو أدى الأمر إلى إبادة كل الليبيين، ليسود الزعيم ويحكم على أرض محروقة!

13645275_1054484187965352_3062445358903193530_n

ما صدر عن مجنون ليبيا، تقول النكتة، دفع الشعبين المصري والتونسي للاعتذار لإبن علي ومبارك.. « ماتعودو إلى الحكم.. داحنا كنا نهزَّر معاكم! »، لأنه بالفعل، بدا بن علي ومبارك كقائدين نبيلين أمام حماقات معمر القذافي الذي شن هجوما بالطائرات على شعبه، وسخر مرتزقة إفريقيا لقنص المتظاهرين العزل، على الأقل فخطب زين العابدين بن علي وحسني مبارك، كانت لبقة وحافظت على هيبة رجل دولة، بالإضافة إلى أنها كانت مليئة بالاعتذار وطلب الصفح من الشعب.. لكن معمر القذافي، الذي يقتلنا سخرية ورصاصاً، مال إلى لغة قذرة مليئة بالسب والقذف، ما حال هذا الدكتاتور المعمر الذي قذف شعبه بكل أنواع القذائف من التجهيل إلى القنابل؟ كيف تجرأ على ملء خطابه بمفردات الحثالة من المقملين والمهلوسين والكلاب ومأجورين يتحركون بأجندات خارجية و.. و.. وغيرها من الأوصاف الدنيئة التي لا تليق بـ « قائد ثروة » عفوا « ثورة »! لقد عبَّر معمر القذافي عن وحشية استثنائية تجاه شعبه، بدا أنه قادر على إبادة كل ليبيا من أجل أن يظل القائد الفاتح زعيما على جغرافيا محروقة.. كأنه لم يقرأ حرفاً من التاريخ ليعلم أن نيرون، الذي أحرق روما وجلس يتلذذ بأشلاء الجثث المتفحمة، قد مات، وأن روما لم تمت ولا زالت بعينيها تعشق الحياة وتعانق مباهجها..

إنها عقدة « الاكتئاب السلطوي » إن شئتم، حيث يحس خلالها الحاكم أنه وكرسي الحكم وحدة متجانسة حد التماهي، « أنا هو وهو أنا »، روحان تجمعتا في جسد واحد، وأي فصل بينهما لا يعني سوى العدم.. القذافي بدون كرسي لن يصبح « معمراً » بل سيصبح فارغا وأجوفا ومعتلا، لأنه مصاب بحالة « الاكتئاب السلطوي ».. في ليبيا، تأكل الثورة أبناءها وثروة البلد التي استحوذت عليها أسرة العقيد، في ليبيا التي تُقرأ من اليمين كما اليسار، يريد الحاكم أن يُسقط الشعب ويمحيه من خريطة الوجود، فقط لأنه طالب بحقه في الكرامة والمساواة والعدل، لأنه لم يعد يرضى بالذل و »الحكرة ».

وحيد هو القذافي في فرادته وفي عزلته عن شعبه.. وحيد هو القذافي في سخريته وجنونه وفي « اكتئابه السلطوي »..

أنا متشائل

عبد العزيز كوكاس

« ما فائدة الدنيا الواسعة، إذا كان حذاؤك ضيقاً » حكمة صينية

أنا « متشائل ».. أي نصف متفائل ونصف متشائم، حسب التعبير الذي اشتقه الروائي الحكيم إميل حبيبي..

أنا متفائل لوجود حركة شبابية، اختارت التظاهرات السلمية للمطالبة بإصلاحات سياسية بدرجة معقولة، برغم محاولات الاختراق المخزني أو الركوب على سقف مطالبها من هذه الجهة السياسية أو تلك، وأن رياح التغيير الذي بشرت به، عمَّ الكثير من حقولنا، وأعاد الكثير من الدفء إلى الجسد الاجتماعي وإلى مفاصل اللعبة السياسية التي كانت قد تحولت إلى طبق بارد بلا مشهيات ولا مقبلات.. وحولت الشارع إلى ساحة للفعل السياسي.

13592681_1048605068553264_5323849880731846245_n

أنا متشائم، لأن ذات الحركة، أو بعض مفاصلها، لم تعد تميز بين الاحتجاج والتغيير، وكم أعجبني كاريكاتير نشر بيومية « الشرق الأوسط » الأسبوع الماضي، يبرزه فيه المواطن العربي متردداً بين بابين، باب للتغيير « مبسم » أي مفتتح قليلا، وباب للاحتجاج مشرع عن آخره، فعوض أن يدخل المواطن المصاب بالدوخة، باب التغيير أو على الأقل يشرعه أكثر، يلج باب الاحتجاج.. الطريق السهل.

هكذا أضحى جزء من الحركة من محترفي الاحتجاج حتى قبل أن تظهر أمام أعيننا مسودة الدستور، ويتم تحديد أجندة سياسية للاستحقاقات السياسية، وقبل أن تدخل حركة « 20 فبراير » في قراءة نقدية لحصيلة نضالاتها، وتقويم مسارها.. إن الكثير مما حصل هو بسبب فورة هؤلاء الشباب، لكن كل حركة اجتماعية لابد أن تصاب بأمراض المجتمع الذي تتحرك وسطه، وعليها أن تُخضع نفسها للنقد والتقويم والمراجعة، من أجل الحفاظ على النفس الطويل، وتطوير أساليب العمل، ووضع سيناريوهات المرحلة القادمة، والبحث عن تقوية مناعة الحركة عبر الالتحام العضوي مع كل الحركات الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير، مع حفاظ حركة شباب « 20 فبراير » على استقلاليتهم وتواضعهم أمام التاريخ، إذ خلت من قبلهم حركات سياسية واجتماعية، كل منها قاد قاطرة الديمقراطية في هذا البلد، ولن تكون هي نهاية حركات التغيير.. أنا متشائم لأن الكثير من الأدعياء يعتبرون أن التاريخ فقط بدأ من « 20 فبراير » وسينتهي إلى الركوع عند قدميها؟ وهذا في تقديري أكبر مصيدة لتلغيم وتفجير الحركة الشبابية.

أنا متفائل، لأن هذا المخاض العسير، لن يكون بمثابة جبل تمخَّض فولد فأراً، إذ من خلال ما تحبل به الساحة السياسية اليوم، فإن الدستور الجديد مفصلي في تاريخ الإصلاحات الدستورية، وأن الكثير من مطالب التغيير التي ظلت تطالب بها الأحزاب الوازنة بالمغرب، وجدت طريقها إلى النص الدستوري الجديد.. أنا متفائل لأنه اتحدت إرادة أمة في التغيير وتفهَّم ملك عصري هذه المطالب، ولم ينكر على شعبه الحق في التظاهر، وإن كان الأمنيون يزحفون بين الفينة والأخرى على الساحات العامة، لاستعراض قوتهم ومكانتهم في النظام السياسي، ملك لم يصف المتظاهرين بالعملاء الذين يخدمون أجندة أجنبية ولا نعتهم بالمقملين والمقرقبين والأوباش، بل اعترف بشرعية مطالبهم..

أنا متشائم، لأن الحلو عندنا ما يكملش أبدا، إذ يحتوي المشروع الدستوري على بعض الصياغات المفصلية  تُفرغ الكثير من البنود المتقدمة من محتواها الديمقراطي، فالنص الدستوري ينبني على سوء النية لا على حسنها، ومن تم قد يجري الالتفاف على كل التغييرات الجذرية في المعمار الدستوري إما بعبارات فضفاضة تحتمل تعدد التأويل، أو بوضع فخاخ في طريق الذهاب نحو العتبة العليا في التغيير، أي أننا نجد أنفسنا اليوم أمام نص حمَّال أَوْجه، ولكل الوجه الذي يريد، لكن صاحب السلطة هو الذي يمتلك حجية التأويل، لأنه هو اللي فصَّل وخيَّط!

أنا متفائل، لأنه باستثناء احتجاجات 14 دجنبر 1990، كان الحكم هو الذي يزيد من تضييق الخناق على المعارضة بعد كل حركة احتجاجية، بينما الأمر تغير اليوم، إننا نُزكي بعد التغيير ضمن الاستمرارية، لكن الآن، ليس بنفس ميزان القوى الذي كان عليه الأمر بالأمس.

أنا متشائم، لأننا نُنتج دستوراً من آخر صيحة، لكن التسابق الذي ألمسه اليوم، في الدوائر الانتخابية، من طرف نفس عناصر الفساد التي حكمتنا لعقود، وهي النخب التي بسببها فقدنا الثقة في مؤسساتنا التشريعية، ولم نُقبل على الانتخابات بتلك الكثافة التي تزكي النظام السياسي..

هي نفس النخب التي تُعطي الأموال من الآن، وتحجز شيكات بدون رصيد، وتشكل الخلايا الانتخابية، إنهم نفس « حرايفية » الانتخابات من المفسدين الذين لا يهمهم الدستور ولا مطالب الشعب، وأتصور إن أجرينا انتخابات سابقة لأوانها بنفس الآليات الانتخابية وبنفس ذوي السوابق من مجرمي ومفسدي الاستحقاقات السياسية، هل سنفلح ولو كان لنا دستور السويد؟!

أنا متشائم لأني لا أرى النصف الممتلئ من كوب الماء، ولا ألمس في الوردة غير الشوك، أنا متفائل لأني مطمئن للنصف الممتلئ من الكأس وألمس في الوردة زهرها.. إذن أنا متشائل.

Navigation des articles