الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “août, 2016”

الحسن الثاني.. الملك الذي كان صانعا للموت وموضوعا له

عبد العزيز كوكاس

رغم مرور 17 سنة على رحيله.. لا زال شخص الحسن الثاني يثير الانتباه إليه، ثمة جوانب كثيرة تستغوي الباحث وتستدرجه إلى دهاليزها.. وهناك موضوع مثير يرتبط بالحرب والموت والسياسة في علاقتها بحكم الملك الراحل..

منذ ألكسندر الأكبر حتى يومنا هذا تعتبر السياسة مرادفاً آخر للموت، والحرب هو البوابة التي تصنع الأمجاد والبطولات، والزعماء الكبار من هنيبال، ألكسندر إلى تشرتشل وهتلر والخطابي… صُنع مسارهم السياسي بالطعم المزدوج للموت والسياسة..

الحسن الثاني لا يخرج عن هذه الطينة، عاش حياته السياسية بقيم الفرسان.. حيث الموت هو فضيلة السياسة، وهو الرجل العاشق للحياة حتى النخاع، فكان القاتل والمقتول، حياة تراوحت بين الشهادة والاستشهاد في زمن مليء بالالتباسات.

الحسن الثاني

كان الحسن الثاني مدبراً للموت والحرب والانقلاب تجاه معارضيه داخل المغرب وخارجه، لذلك لعب في المطبخ الموريتاني، وساهم في قلب نظام الزايير وحاول الإطاحة بالعقيد القذافي، وقلب كفة الصراع في الكونغو والطوغو، حتى بدعم أنظمة عسكرية دموية.. تلك لعبة الحرب، التي لم تكن أحزاب الداخل متفقة فيها مع نهج الملك الراحل، لأنه دعم أنظمة استبدادية، وأخرى عسكراتية.. لكنها بمعيار الحرب والسياسة جعلت النظام الملكي بالمغرب رقما أساسيا في معادلات الصراع حتى بين القوى العظمى.

لم يكن الحسن الثاني صانعاً للموت فقط في السياسة، ليس هو المُعْدم لمعارضيه، الذين يُدخلهم القبور والسجون لإبراز تفوقه كحاكم لدولة ما بعد الاستقلال، ولكنه أيضا الملك موضوع الموت.. لقد تعرض لأكثر من أربع محاولات انقلابية أولاها في 1971 وثانيها في حادثة الطائرة في غشت 1972، التي كانت الأفظع حيث تعرضت طائرة البوينغ التي كانت تقل الحسن الثاني إلى وابل من رصاص الطائرات حتى اشتعلت النيران في محركاتها، بل إن لكويرة قام بهجوم انتحاري على طائرة الملك الذي نَجا بأعجوبة من الحادث..

في كل مرة كان الحسن الثاني يختلق الموت ليديم حياة عرشه، فمُجايلوه من زعماء الأحزاب السياسية، من معارضيه خاصة، كانوا يعرفون أن العديد مما ادعاه الملك الراحل من وجود مؤامرات تستهدف حياته، كان مختلقا لوءد الخصوم ليعيش الملك… لم تكن الانقلابات وحدها السبيل لقتل الحسن الثاني، بل كان هناك القناصون وكانت الصواريخ الموجهة لمحل إقامته، والمخططات التي تستهدف الاختطاف أو إحداث عطب بسيارة أو بطائرة.. فقد حكى الفقيه البصري للناشط المدني أحمد ويحمان أن الحسن الثاني تعرض لأكثر من 18 محاولة اغتيال كانت للراحل البصري اليد الطولى في أغلبها.

في كل مرة كان الحسن الثاني ينجو من الموت، كان ينتصر للحياة… يتقوى ويتجدد مثل طائر فنيق، حتى أصبح في باب « المستحيل قهره وإفناؤه »، ومن باب عبور دائرة الموت سالماً في أكثر من مرة، خلق الحسن الثاني هيبته وقوته ومجده السياسي.. وإعادة أسطرته باستمرار.

ثمة مناطق ظل من حياة الملك الراحل غير مكشوفة وتحتاج إلى الحفر الأركيولوجي المستمر، حيث كان فيها انقلابيا، دبَّر مكائد لقلب أنظمة حكم في إفريقيا: في الكونغو، الزايير، أنغولا، وليبيا.. وأدام الحياة على دكتاتوريين نفتهم شعوبهم أو ثورات مضادة إلى جحيم الموت الرمزي والمادي، وتمة لحظات كان فيها الملك الراحل موضوعا للموت حيث  تعرض لعدة محاولات اغتيال منذ كان ولي عهد سنة 1958 بمطار الحسيمة وحادثة الحجاج الذي سدَّد بندقيته خمس مرات لقتل الأمير مولاي الحسن، مروراً بمؤامرة 1963 وصاروخ وديع حداد بمدريد وانقلابي الجيش في 1971 و1972.

لقد تآلف الحسن الثاني مع موته قبل الأوان، صادقه في الدروب السرية وشم رائحته على وسادة النوم، لعله لذلك كان لا ينام الليل إلا أقله، كي لا يخونه العمر أو رشاشة طائشة، وبالغ في اكتناز ملذات الحياة وأسرارها، ومن بوابة الموت صنع حياة حكمه، أدخل معارضيه جحيما هاديسيا، ولم تأخذه رأفة ولا شفقة اتجاه من اشتبه به فقط للتفكير في اللعب من وراء ظهره.. لذلك كلما نجا من الموت لبس بزته العسكرية وأضفى على ملامحه بعض القسوة، وفي الليل عانق مباهج الحياة، لذلك مات ميتة الفرسان، لم يخنه جسده على مرأى الجميع كما العديدين، مات شامخا ولم يطلع إلا الأقربون جدا على ضعفه الإنساني.. هذا مدخل برأيي لإعادة تسليط الضوء على جوانب معتمة من حياة الملك الراحل.

 

Publicités

لا تستهينوا بالشارع!

عبد العزيز كوكاس

« لا نهزم السلطة بوردة »! جان إيف تادييه

لا نهزم السلطة بوردة، كما لا يمكن أن تهزم السلطة وردة بهراوة!

ذلك هو السر في التمييز بين « دولة القوة » و »قوة الدولة ».. مساران ملتبسان وشما جسد الدولة المغربية الحديثة.

528414_2

قد لا نتنازع-  كديمقراطيين-  في تفسير أسباب « دولة القوة » بالمغرب منذ الخمسينيات إلى نهاية الثمانينيات في زمن الأحلام الكبرى وصراع الإيديولوجيات في عالم ثنائي القطبية، لكن يمكن أن نختلف في بسط أسباب « قوة الدولة » في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية..

إن « دولة القوة » زائلة إما بتطويع ذاتي لأجهزتها أو وفق سياقات خارجة عن رغباتها أو بمزاحمتها بقوة منافسة… أما « قوة الدولة » فهي مثل البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا والذي يدوم ببقاء أسباب قوته غير القمعية بالضرورة لتوحد المصلحة داخله.

تأسيسا على هذا، هل الدولة المغربية الآن قوية؟ ووفق أي معنى؟

 لنستعرض بضعة محطات لاختبار ردود فعل الدولة، وواقع اختبار قوتها:

-المحطة الأولى: غداة رحيل الحسن الثاني، بدا لكل من حضر الجنازة، أن الأمور قابلة للانفجار أمام تلك الحشود العائمة من الجماهير التي حجت إلى العاصمة من كل حدب وصوب، وإذا حدث أي احتكاك فلن تُوقف زحفها أية قوة، فتصرفت السلطة بحياد.. اكتفت بدور المراقب وإجراء التحاليل حول ما حدث، بدا كما لو أن كل شيء محسوب بميزان من ذهب في لحظة بياض في تاريخ السلطة السياسية بالمغرب..  ومر كل شيء بسلام.

انتقلت مقاليد الحكم إلى الملك محمد السادس، وعاد الناس للخوض فيما كانوا فيه مستبشرين بملك جديد ظهر في صور حميمية كسرت الأجواء الرسمية الباردة « للسلطان »، وحدها السلطة أدخلت الأرقام والتحاليل إلى مختبراتها لاستخدامها فيما يأتي من الزمن!

-المحطة الثانية: مع تظاهرة7 أبريل 2002  للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أحست الدولة بعد سلاسل المنع أن الاحتقان الداخلي وسط الشعب قد وصل حد الانفجار، فرخصت بتنظيم المسيرة وحشدت لها كل أجهزتها، وأمام حساب الأحزاب وخلافاتها، تبنت الدولة مسيرة الشعب الحاشدة وحولتها إلى انتصار قابل للاستثمار في الداخل والخارج، فمن حيث التوقيت، اختارت السلطة 7 أبريل 2002 بمنتهى الدقة، فهو قريب من فاتح ماي لذلك بدت التظاهرات العمالية شاحبة، لأن مساحات الغضب تم إشباعها في مناسبة قومية همت شرائح متعددة تتجاوز العمال والطلبة…  ومن جهة أخرى تم اختيار توقيت متزامن مع زيارة كولن باول للمغرب وشَكْل استقباله البارد بشارة « كلنا فلسطينيون » وبعدها طار الملك إلى أمريكا ليستثمر سياسيا واقتصاديا ما أثمرته مسيرة 7 أبريل2002 من موقع القوة التفاوضية.

بعدها وعت الدولة العميقة بالمغرب الدرس الاجتماعي أقوى مما استطاع أن يستوعبه نظام بن علي ومبارك والقذافي … تمرنت السلطة على بعد استعادة الفضاء العام الذي سمحت بأن يستثمر من كافة القوى والفاعلين ولكن ظلت تعيد تكييف ترسيم الخطوط والموانع وفق مستجدات الشارع السياسي وضغط المطالب الاجتماعية .. ولعبت المعلومات المتحصلة والسرعة على تحليلها وترتيب النتائج المؤمل منها في تمنيع قوة الدولة وتحصينها، وهو ما حمى النظام السياسي من ارتجاجات الطريق مع هبوب رياح الربيع العربي.

إن مصدر قوة الدولة غير نابع من قوتها القمعية واستخدامها في كل حين، كما قد يميل إلى ذلك الحرس القديم في الأجهزة، بل في تقدير نقط ضعفها وحجم قوتها في آن، وامتلاكها معرفة حقيقية بالمجال الذي يحيط بها وتتحرك داخله.

قوة الدولة في جميع محطات الاختناق الاجتماعي طيلة العقد الأخير لم تكن باستعراض الأسلحة القمعية التي تملكها، ولا بقدرتها على الضبط القمعي، بل نابعة من امتلاك وعي حقيقي بآليات الضبط والترويض والتكيف.. وهذا ما عكسه تصريح وزير داخلية سابق حين قال  في اجتماع سري : »لا تستهينوا بالشارع! »  ونصح مجموعة من الفاعلين بأن مفتاح الأزمة التي تعانيها الدولة اليوم تتمثل في تحمل كل الأطراف مسؤولية حل معضلة البطالة، بما يعني أن الدولة تعي نقط ضعفها، لكن هل هذا وحده يكفي؟!

الدولة مجموعة غير متجانسة من المصالح، والخطر في المغرب ظلت منابعه دائما من داخل أجهزتها، وقد نجح الحكم حتى الآن في رسم الحدود داخل الأجهزة بالشكل الذي لا ينفجر فيه الصراع، ولم يكن رأي تيار نافذ في الدولة العميقة يشكل يومها بالضرورة منحى لتفكير باقي الأجهزة.

وإذا كانت بعض الأجهزة الاستخباراتية اليوم قد بنت استراتيجيتها على أساس التفوق في حصد أكبر عدد من المعلومات، واخترقت حتى حرمة الهواتف بالتنصت على كل صغيرة وكبيرة، فإن العبرة لم تكن يوما بحجم المعلومات المرصودة، بل بالعقل المدبر الذي يستطيع، بناء على تحليل وتفكيك وتركيب المعلومات القليلة المتوفرة، بناء استراتيجية التعامل مع الواقع بكل مركباته والقدرة على التنبؤ بما يمكن أن يقع على آماد بعيدة، فهل تستطيع السلطة إدامة قوة الدولة، بالانتقال من سياسة تدبير اليومي.

مع مسيرة يوم الأحد للتضامن مع غزة يبدو أن الدولة وحدها فهمت الحكاية وأسرارها وكيفت رغبات الشارع مع اتجاهاتها..إنه الدرس الذي لم تستوعبه للأسف كافة التشكيلات السياسية والإطارات المدنية.

 

هذه الحرب.. بيننا

عبد العزيز كوكاس

« حرب الطرق »، « الطريق تقتل »، « نعم للحياة، لا للسرعة »، « لا لحوادث السير »،  « لنغير سلوكنا »…. ، وتتوالى الشعارات المنمقة للحملات الوقائية، وترتفع اللافتات بألوان مزركشة وتعقد الندوات التي تصرف عليها الملايين، ومعها تنمو الفواجع والمصائب، حيث تصطاد طرق السير بسمة الحياة بيننا!

1907470_655594724545861_7478232488151432817_n

وأنا أتابع باهتمام بالغ ما تعرضه الحملات المتوالية للتخفيف من وطأة حوادث السير ببلادنا، في المقابل تظل وسائل الإعلام تنقل يوميا صور حوادث سير مفجعة تحصد أرواح الأبرياء كما لو أن المغاربة في دائرة حرب أهلية متسترة في جلباب حوادث الطرق.. وأتساءل لماذا لم تأت كل الحملات الدعائية ولا القوانين الزجرية أُكْلها؟ وأطالع الجرائد والتقارير التي تنجزها اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، وأتابع تغطيات تلفزتنا، وأتأمل هذه اللوحات المعدنية الصماء وإشارات المرور المنتصبة كتماثيل باردة، لماذا لم تعد تعني للسائقين شيئا، وأكرر التساؤل الملغز: لماذا لم تُجْد كل هذه الحملات نفعا؟ فلا حوادث السير خفت، ولا مآسيها أخذت في التقلص!

ويجتهد المجتهدون في جلاء الأسباب وبيان الحلول لحرب الحديد الذي فيه منافع وبأس شديد للناس، حيث درج البعض على إعادة أسباب هذه الحوادث إلى الحالة الصحية للسيارات والأعطاب التقنية للشاحنات المهترئة والخلل الميكانيكي للحافلات الكئيبة، وأيضا للطرق وهشاشة البنية التحتية، حيث توجد بين حفرة وحفرة، حفرة!

في حين يربط البعض ارتفاع معدلات حرب الطرق بتفشي المحسوبية والرشوة وقيم الوساطة والزبونية التي تعطل تطبيق القوانين، والطرق الملتوية للحصول على رخص السياقة أو للنجاة من كمائن رجال الدرك الذين يبيع بعضهم وردة الحياة والروح العزيزة عند الله بدراهم بخسة… وهناك من يعيد هذه الأسباب إلى العنصر الإنساني… إلى السائق نفسه لعدم احترامه قوانين السير والجهل بقيم حياة الأفراد وغياب التسامح… لقد تعددت الأسباب لكن الموت واحد!

لذا يبقى السؤال قائما لِم َ لم تجد كل الحملات الوقائية نفعا في التخفيف من مآسي حرب الطرق؟ لماذا لا نعيد النظر في طرق معالجتنا لهذه الآفة الخطيرة؟ ألا يدخل المشكل في صلب التكوين الفردي وأسس التنشئة الاجتماعية؟ لماذا لم نجرب تغيير زاوية المعالجة عبر دراسة حالات أصحاب « السوابق » في حوادث السير..  نصنفهم ونستخلص نتائج يمكن أن تفيد في التخفيف من حدة هذه الحرب الأهلية المستترة بيننا؟

وبرغم محاولة مسؤولينا الاستعانة بالتجربة السويدية للحد من حوادث السير، فإني أحس بلا جدوى الأمر، لأن المشكل موجود بقوة الأشياء في العنصر البشري، ألا يمكن أن نخلص إلى أن الأسباب الحقيقية التي ساهمت بقوة في الرفع من حرب الطرق كما وكيفا، تكمن في أن السيارة أو الشاحنة مثلا أصبحت وسيلة أساسية لتفجير السخط، وللتنفيس عن لحظات الغضب والتوتر والكبت والقهر الاجتماعي والاختيارات المفروضة، إحساس نفسي بالفراغ واللاجدوى وثقل الواقع اليومي، تحدي أصم يريد أن يدوس بالسيارة أو الحافلة كل مشاعر العجز المفروض، نوع من الأنانية، محاولة إذابة الغبن أو التوتر الناتج عن إرغامات اجتماعية وضغوط نفسية قاهرة. إنه عنف أخطأ الطريق نحو وجهته الرئيسية.

فكرة مجنونة، أليس كذلك! لكنها ليست أكثر جنونا من حرب الطرق هذه التي تحصد كل يوم أرواح الكثيرين منا وتخلف وراءها مآسي وكوارث أكثر جنونا .

 

 

الفيدورات الجدد

عبد العزيز كوكاس

« إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكانا » مثل صيني

حين سألت زميلا لي ومناضلا في أحد الأحزاب اليسارية الكبرى عن عدم حضوره لنشاط سياسي لحزبه قال لي بالحرف: « الله ينعل أمها سكرة فبار ولا فيه الفيدورهو مول البار » وحين قصر فهمي عن استيعاب قول صاحبنا، ولما لمس مني قصورا في الفهم، أضاف: « بالأمس كانت أحزابنا تشبه الحانة.. مكانا للحلم وتفجير المكبوت وللالتقاء برفاق الدرب، فضاء للأمل وشحن الذات بالأماني الجميلة… وكان للحانة مالك أنيق لا يُرى إلا لماما، يبدو أنيقا ملما بأسرار نعجز عن فهمها، كان ياسرنا بطلعته البهية وبكلامه الساحر الذي يخرج من فمه مثل الدرر، ويتحول لدينا في الأماسي الباردة والنقاشات الحامية إلى حكم نستدل بها في حديثنا ونحاجج بها من يختلف عن وجهة نظرنا.

22779 _n

حملة الأقلام عبيد السلطان

 وكان لهذه الحانة مدير للعمل اليومي يشرف على تنظيم شؤونها ويشرفعلى تسييرها بشكل مباشر، ولاتغرب عنه أي شاذة أو فادة، وحين كنا نهيم – نحن مرتادي الحانة– في أحلامنا الحمراء مؤمنين بالتغيير بحماس قل نظيره، كان مدير البار يتتبع كل التفاصيل عن مرتادي الحانة وأشيائها، وفي الباب الرئيسي للحانة هناك فيدورات كل قوتهم تبدو في الآلة الضخمة لجسدهم، لا يعرفون إلا تطبيق الأوامر والحفاظ على هدوء الحانة وطرد المشاغبين وغير المرغوب فيهم، والوقوف حاجزا أمام كل شخص يمكن أن يشوش على النظام الداخلي للحانة.

 وبعد موت المالك الأصلي للحانة الذينلا يتذكر الرواد إلا صوره المشرقة والأنيقة التي لا تشوبها شائبة، أصبح المسير هو المالك الأصلي لهذه الحانة والذي أصبح يفوض بعض اختصاصاته في إدارة « البار » لأوفى فيدور لديه، وهنا بعد أن كانت الحانة تتسع لفئات مختلفة من المجتمع وتسمح بحق النقد نسبيا وممارسة الاختلاف في الحدود الدنيا التي تسمح بسير الأمور داخل البار بشكل عادي وطبيعي، زادت نسبة التحكم في رواد الحانة ومراقبة ما يخوض فيه الزبناء، وارتفعت قائمة الممنوعات داخلها ولم يعد يسمح بالقدر الكبير من الاختلاف وبدأ الفيدورات يغلقون النوافذ التي تسمح بدوران تيار الهواء، وكلما اشتكى زبون من سوء الخدمة وتدني جودة ما يقدم داخلها من شراب ومأكولات أخذ يواجه بالتشويش، لكن بحكم حجم وثقل صورة المالك الأصلي للحانة رغم رحيله وبحكم السمعة السابقة البار، فإن المالك الجديد لم يكن يذهب إلى أبعد مدى حتى ولو كان أشبه بشفرة حلاقة وسط قطن ناعم، وبعد أن رحل كما تقتضي الطبيعة المسير العام الذي أصبح مالكا للحانة بعد رحيل مالكها الأصلي آلت أمور الحانة كلها إلى الفيدور الوفي الذي أصبح هو المالك الأصلي الذي لا تحدث جزئية صغيرة في قلب البار دون أن تكون بعلمه، وبحكم أنه كان في الأصل مجرد فيدور فقد ظل يعتمد على قوته الجسمانية في حل كل المشاكل الطارئة، لذلك لا يسمح بأن تتعالى أصوات الزبناء فوق ما يراه مناسبا ولا الاحتجاج على تدني جودة الخدمات داخل البار، وأصبح كل من يبدي حدا أدنى من النقد لكيفية تسيير الحانة يجد نفسه مطرودا، وختم المناضل السياسي كلامه بنفس ما ابتدأ به قائلا: « الله ينعل أمها سكر في بار تحول الفيدور فيه إلى مالك أصلي ».

وأدرك سكارى الحانة الصباح فسكتوا عن الكلام المباح.

حقنا في اقتسام المعلومة

عبد العزيز كوكاس

« من يمتلك السلطة يمتلك المعلومة »، تلك قاعدة مؤسسة لكل أشكال السلط في التجمع البشري من الأسرة والمدرسة إلى الاقتصاد والحكم، ومن تم فإن النقاش حول مد الناس بالمعلومات التي تحيطهم علما بما يجري في المجتمع الذي يعيشون فيه , ليتخذوا القرارات والمواقف السليمة اتجاه القضايا التي تعترضهم في حياتهم اليومية بناء على المعارف التي تعتبر حقا من حقوق الإنسان، هذا النقاش ليس ترفا فكريا في مجتمع لديه أولويات ضاغطة ومتزاحمة في قمة سلم التراتبية، بل هو جزء أساسي من تحقيق التنمية والديمقراطية الشاملة والعدالة الاجتماعية.

13432230_1036566643090440_3906743313004100160_n

لقد نصت كل المواثيق الدولية على حق الناس في الوصول إلى المعلومات، وأكدت توصيات الأمم المتحدة أن الحق في الحصول على المعلومات هو اختبار لتحقيق باقي حقوق الإنسان، لذا فإن مد العموم بالمعلومات الضرورية معناه إعطاؤهم حقهم في المعرفة ونصيبهم من الحقيقة ومن الوجود.. فإذا انبنى الفكر العقلاني على الكوجيطو الديكارتي: « أنا أفكر إذن أنا موجود »، فإن الثورة التقنية اليوم، جعلت العالم يتأسس على كوجيطو آخر، هو « أنا أعرف، إذن أنا موجود ».. وعلى غرار ما نادى به الفكر الاشتراكي الديمقراطي حول « التوزيع العادل للثروات »، فإننا يجب اليوم، في عصر المعلوميات، أن ندافع بقوة عن التوزيع العادل للمعلومات باعتباره المدخل الأساسي لتأسيس مجتمع العلم والمعرفة، لقد كان جيمس ماديسون محقا حين قال في رسالته إلى و.ب. باري في غشت 1822، قبل قرنين من هذا العصر: « سوف تتحكم المعرفة بالجهل إلى الأبد، والشعب الذي يريد أن يحكم، عليه أن يسلح نفسه بالقوة التي تمنحه إياها المعرفة ».

إن التوزيع العادل للمعلومات على عموم المواطنين، هو الذي يؤسس لقيم تكافؤ الفرص والمساواة والعدل والشفافية في تدبير الشأن العام، وتعزيز ثقافة المشاركة والمحاسبة ومقاومة جيوب الفساد التي تتدثر بالسرية والكتمان وحجب المعلومات، وهو الرافعة الأساسية لتجسيد أن الأمة هي مصدر السلطة، فالصراع الذي بدأت معالمه تتضح في العالم اليوم، ليس بين مالكي الأرض والفلاحين وليس بين الرأسمال وجهد العمال العضلي.. بل هو بين مصالح المفسدين التي تتحد في حجب المعلومات وبين الديمقراطيين وقوى المجتمع المدني والإعلام المستقل مبنى ومعنى، وللأسف فإن دعاة السرية وإخفاء المعلومات عن العموم، يملكون كل الوسائل المادية والبشرية في هذه المواجهة غير المتكافئة، فيما لا يزال الطرف الآخر يفتقد للوعي بقيمة الصراع من أجل الدفاع عن الحق في الحصول على المعلومات ولا التأثير على مراكز القرار خاصة في الدول النامية التي لا تولي قواها الحية إلا اهتماما جانبيا بالحق في التدفق الحر للمعلومات، وتمتلئ قوانينها بكل النصوص التي تجرم كشف المعلومات، تلك القوانين نفسها التي كانت تستخدمها الدول المستعمرة ضد الوطنيين ودعاة الاستقلال ومن يفضحون جرائم المستعمر واستغلال خيرات الدول المستعمرة، والتي حافظ عليها، المحميون الجدد، من حكام ما بعد الاستقلال.. لأن حجب المعلومات وفرض مبدأ السرية على الوثائق يسمح لهم بالهيمنة والانفراد بالحكم.

إن عدم وجود قانون مغربي ينظم الحق في الولوج إلى المعلومات لعموم المواطنين، لا يقف ضرورة عند إضعاف وسائل الإعلام التي تعتبر وسيطا بين مراكز القرار والجمهور، وباعتبارها أكبر مستهلك للمعلومات، ولا يرتبط فقط بإفراغ حرية التعبير والرأي واعتناق الأفكار والآراء ونشرها بأي وسيلة كانت بغض النظر عن الحدود الجغرافية للدول، كما تنص على ذلك المادة 19 الشهيرة، بل إن ضرر الكتمان والسرية يصل إلى تهديد الوجود برمته.. فأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرون الكبار قادرون على تمويل جمعيات نشيطة في حماية البيئة ومد وسائل الإعلام بأسباب استمرارها في الحياة، أي الإعلانات، لحجب المعلومات الخطيرة التي تتسبب فيها أنشطتهم الاقتصادية المؤثرة على البيئة والمضرة بصحة الناس، ويمتد تأثير الشركات العظمى في هذا الباب، إلى حرمة الدراسات الأكاديمية والعلمية في الجامعات، وتوجيه أبحاثها وفق ما يخدم أهدافها ومشاريعها.. في حين أن كشف المعلومات والوثائق لعموم الناس سيمكن من دفاع الناس عن بيئتهم والمساهمة في القرارات المرتبطة بحياتهم.

من يقع عليه عبء حق الولوج إلى المعلومات؟ ومن يستفيد منها؟

الدولة أولا.. فالمعلومات التي تتوفر عليها المؤسسات العمومية هي ملك مشترك لعموم المواطنين، هذا هو العربون الأول لتجسيد مفهوم سلطة منفتحة تستجلب ثقة المواطنين بها.. من هنا ضرورة التجند الجماعي للدفاع عما أسميته بالتوزيع العادل للمعلومات.

من أجل حقنا في المعلومة.. من أجل نصيبنا في المعرفة وفي الوجود..

لنقف ضد سياسة غلق الأبواب على المواطن بحجب المعلومات، ونقاوم ثقافة « المطمورة » المعادل الموضوعي للسرية والكتمان، فالديمقراطية لا تعيش في الدهاليز السرية أو البيوت المغلقة بإحكام.. هنا ينتصب سؤال عميق حول الممنوع والمباح في تداول المعلومات، إنه أمر منطقي منصوص عليه في المواثيق والعهود الدولية والمرتبط بحماية أمن الدولة والمصلحة العامة والحياة الشخصية للأفراد.. حتى في الأمر الديني حيث علم الله آدم الأسماء كلها وأحاطه بالمعلومات الأساسية التي يحتاج إليها في تدبير حياته منذ بدأ الخليقة من خلال الرسائل السماوية، وضع حدا على بعض المعلومات المرتبطة بقوة الخالق من مثل: « ويسألونك عن الساعة، قل هي من أمر ربي ».

فكذلك أمر شؤوننا الدنيوية، يحق للدولة أن تضع قيودا على المعلومات المتداولة التي قد يلحق كشفها ضررا على أمن المجتمع وعلى سلامة الدولة أو يمس بحق أفراد آخرين، كما تنص على ذلك الفقرة الثالثة من المادة 19 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، لكن لا يجب تعويم هذه القيود في عبارات فضفاضة مليئة بالغموض وتحتمل التأويل الذي ترتديه السلطة، بل يجب كما في الأمر الإلاهي، « قل الساعة من أمر ربي »، التنصيص الواضح على المعلومات الممنوعة من التداول بشكل واضح وبقانون منصف وفي أجل محدد يبرز المعلومات التي تقبل جزئيا أو كليا مبدأ الانتقال من السرية إلى العلنية، وأن تكون القاعدة في وضع حق الحصول على المعلومات، هي العلنية والسرية هي الاستثناء المقيد بنص قانوني واضح.

صحيح أن التنصيص القانوني ليس وحده كافيا لضمان حق المواطنين في الولوج إلى المعلومات والوثائق، ولكن لنبدأ أولا بوجود النص الذي نحتكم إليه، وبعدها يمكن أن نختلف على الحكم على حسن تطبيقه، وعلى عيوب بعض النصوص والتشريعات الأخرى المناقضة لروح مبدأ الحق في الوصول إلى المعلومات، أو حول تأهيل الإدارات ماديا وبشريا أو القيام بحملات بمشاركة المجتمع المدني لتوعية المواطنين باستعمال هذا الحق، وتسجيل شكاوى اتجاه حرمانهم أو خرق حقهم الأساسي في الوصول إلى المعلومات التي يطلبونها.

لنبدأ أولا من النقطة المركزية: الدفاع من أجل إقرار قانون حق المواطنين في الحصول على المعلومات، تفعيلا للدستور الجديد.

 

نسألك الرحيلا..

عبد العزيز كوكاس- المشعل يناير 2015

« لنفترق أحبابا

فالطير في كل موسم.. تفارق الهضابا

والشمس يا حبيبي.. تكون أحلى عندما تحاول الغيابا » نزار قباني

رسالة خاصة لبنكيران

نسألك الرحيلا،لأجل هذا الذي نما ذات حلم بيننا.. لخير ما شيدناه معا ذات خيبةوانكسار..لقد استنبتنا الحلم من ظهر المستحيلا..

نسألك الرحيلا.. باسم حب رائع حفر على قلبنا وإن نسيته في زحمة اهتماماتك بما بدا لك كبيرا.. بحق ما وعدتنا به وبما كتبته إلينا من رسائل عشق، وبما أنعشت من آمالنا في الرفع من سقف التنمية وحفظ كرامة العجزة والمرضى والمقصيين من سياساتنا العمومية.. بحق ما أيقظته فينا من أحلام عذبة وما وهبناك إياه من ثقة.. حتى داعبنا الآمال البعيدة.. من القضاء على الفساد حتى الزيادة في الأجور.. نسألك الرحيلا..

بن كيران

نحن لم نلتمس منك المستحيلا، ما التمسنا منك أن تطارد الساحرات أو تصرع عفاريت الأرض والسماء.. طموحنا بقدر اللحاف الذي نمد عليه جثثنا كلما هجعنا إلى منازلنا بعد رحلة من كد وتعب.. ألا نغمس خبزنا بملح دموعنا وألا تجوع الحرة منا فتأكل بثدييها، وأن تحفظ كرامة من اغتصبتهم الحياة منا، هل طلبنا المحالا..

حلمنا معك فقط أن نعيش كمواطنين أحرار في وطن حر، وأن نتنفس هواء نقيا ونحس بأن شرفنا وكرامتنا غير مغموسة بالوحل.. وأن تفي بما وعدتنا به والذي على أساسه أعليناك في مقام الحاكمين….

نسألك الرحيلا.. لنفترق قليلا لخير هذا الحب يا حبيبي، وخير هذا الشعب..

نحن لا نريد أن نكرهك ولا حزبك لا قليلا ولا كثيرا..

ما أعليناك فوق جراحنا لنراك ملاكا، ولا التمسنا منك أن تخاصم الملك والملكية، وألا تتمتع بما يجدر أن يكون لك من نعيم وأنت في قلب الجحيم، ما اشتهينا أن تنصب لنا بين جبل توبقال وجبل أوكيمدن قنطرة من ذهب.. أو أن تجلب لنا حليب العصفور وأن تلد البغال على يديك.. نحن البسطاء المكتوون بنار الفساد.. الذين اختلست منهم الأموال والأماني والحق في الفرح وما عادوا قادرين على اليأس أكثر مما يئسوا..

نسألك الرحيلا.. من ذكَر غالية كانت على كلينا.. بحق حب رائع كان أكبر من كلام شفاهنا، فالطير في كل موسم تفارق الهضابا والشمس يا بن كيران تكون أحلى عندما تحاول الغيابا..

نسألك الرحيلا.. فقط لتكون وفيا لما تبقى لك من وعد، ألم تجعل من نفسك فارسا يقود أمانينا نحو المحال.. وأعليت من شهواتنا فاتسعت رئانا لهواء أكبر ونمت رؤانا شوقا لما لم نره في معيشنا.. فكان ذلك علينا وبالا.

 حتى وأنت تطوي السنين في الحكم تغدو صباحا ومساء بين زنقة الأميرات والمشور السعيد وبيتك في زنقة جان جوريس بحي الليمون، بين نعيم الفتيات الحسان وابتساماتهن مثل مضيفات الطائرات، ما الذي سيذكرك بحرقة « أمي يزة » في دوار الحاجة التي فاقصبر صبرأيوب وهي تر الدود الذي ينهش جسدها، ولا حول ولا قوة لها،وبا « سكالا » الذي دفع بناته للحصول على القوت بعرق غروجهن بعد أن سدت كل الأبواب في وجوههن…

نسألك الرحيلا..لأنك خيبت آمالانا وما عدت الفارس الذي تشتهيه النساء منا، والأزهار التي أهديتنا إياها ذبلت في مزهريتنا قبل أن يجف رضاب مياهها، سأمنا انتظار القطارات التي لا تأتي في موعدها والسنونو الذي لا يبشر بالربيع..كما سأمنا نكتك وسخريتك التي لم تعد تطرب فينا أحدا.. لأنها لا تجلب الدواء لمريض ولا تطعم زغب الحواصل من جياعنا.

نسألك الرحيلا..فقط لتظل ذكرى حبنا لك جميلا..

ما عدنا نطيق موالك القديم حول التغيير والتنزيل السليم للدستور وباقي الوعود أجمعينا،

 لم نعد قادرين على اشتهاء المستحيل وكل أحلامنا القديمة غدت مثل قش تدروه الرياح، لم تنسينا يا بنكيران بؤس البكاء وشظف العيش وهذا الفقر المدقعوالمرض المنتشر فينا، ماعادت لمعاركك آثار دخان ونار..  نراك من خلالها قاهر العفاريت والتماسيح، وها قد صار حبنا لك اعتيادا وشوقك رمادا..

ما عدت لآلامنا أكثر اقترابا، لذلك نسأل الذهابا.. فقط لأننا نريد أن نفترق ونحن عاشقان يسكننا الحب والحنان والسلام

فنحن شعب مسامح ونخاف أن نمل وصالنا وعناقنا.. لذلك نسالك يا بن كيران الرحيلا.

مل الشارع لغة أخرى لإيصال صوته وسألهما الرحيل..

 لماذا لا يرحل الدكتاتور إلا بعد أن يحرق كل شيء.. تاريخا وشعباً وذاكرة، وبعد أن يجهض أحلام أمة بأنانية مفرطة في التمسك بالكرسي؟ ! كل الدكتاتوريين انتهوا إما إلا المقاصل وأعواد المشانق أو تسول أمكنة للجوء والفرار، حيث يصبحون مثل البعير الأجرب، لكن كما يفهمون متأخرين رغبات شعوبهم، فإنهم كذلك لا يعتبرون بدروس من سبقوهم..

من نزل إلى الشارع في تونس ومصر واليمن والأردن؟ إنهم الشباب قبل أن تلتحق بهم باقي الأطياف والأجيال، حتى في غياب تأطير الوسائط الحزبية والنقابية والمدنية التي ستنزع عنها صمتها ومساوماتها والكسل التاريخي لقياداتها ،لتلتحق بغضب الشعب الذي وُصف، حتى وقت قريب، بالمخصي والعديم الحركة والذي جُوِّع ليتبع حكامه حتى أنه لم يعد يمتلك ذرة كرامة أو شهامة.. كل الحكام العرب المستبدين اليوم ..ترتعد فرائصهم من هبَّة الشعب وغضبه، سيبدون جد طيبين، يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، ويحافظون على قدرتنا الشرائية وحماية حقنا في التظاهر والاحتجاج وحرية التعبير، وقد يذهبون إلى أبعد مدى، حفاظاً على كراسي حكمهم، في التسامح إزاء الفرَّاشة وأصحاب الكراريس، والباعة المتجولين الذين أصبحوا علامة على قلب أنظمة استبدادية تحكم شعوبها بالحديد والنار.. فهلا اتعظتم!

الاكتئاب السلطوي

عبد العزيز كوكاس في مارس 2011

« نيرون مات، لكن روما لم تمت، لازالت بعينيها تقاتل » محمود درويش

لماذا لا يرحل الدكتاتور إلا بعد أن يدمِّر كل شيء.. وفي حالة معمر القذافي، هذا الزعيم القادم من قرية جهنم وأحد المبشرين بجدة كما تقول نكت الفايسبوك، لم تكفه أبداً أربعة عقود من التحكم في رقاب شعبه ونَهب ثرواته.. ورغم أنه ليست له أي بارقة أمل للنجاة بعد أن فقد هيبته واحترام شعبه.. فإنه لا زال مصراً على التمسك بكرسي السلطة حتى ولو أدى الأمر إلى إبادة كل الليبيين، ليسود الزعيم ويحكم على أرض محروقة!

القدافي

ما صدر عن مجنون ليبيا، تقول النكتة، دفع الشعبين المصري والتونسي للاعتذار لإبن علي ومبارك.. « ماتعودو إلى الحكم.. داحنا كنا نهزَّر معاكم! »، لأنه بالفعل، بدا بن علي ومبارك كقائدين نبيلين أمام حماقات معمر القذافي الذي شن هجوما بالطائرات على شعبه، وسخر مرتزقة إفريقيا لقنص المتظاهرين العزل، على الأقل فخطب زين العابدين بن علي وحسني مبارك، كانت لبقة وحافظت على هيبة رجل دولة، بالإضافة إلى أنها كانت مليئة بالاعتذار وطلب الصفح من الشعب.. لكن معمر القذافي، الذي يقتلنا سخرية ورصاصاً، مال إلى لغة قذرة مليئة بالسب والقذف، ما حال هذا الدكتاتور المعمر الذي قذف شعبه بكل أنواع القذائف من التجهيل إلى القنابل؟ كيف تجرأ على ملء خطابه بمفردات الحثالة من المقملين والمهلوسين والكلاب ومأجورين يتحركون بأجندات خارجية و.. و.. وغيرها من الأوصاف الدنيئة التي لا تليق بـ « قائد ثروة » عفوا « ثورة »! لقد عبَّر معمر القذافي عن وحشية استثنائية تجاه شعبه، بدا أنه قادر على إبادة كل ليبيا من أجل أن يظل القائد الفاتح زعيما على جغرافيا محروقة.. كأنه لم يقرأ حرفاً من التاريخ ليعلم أن نيرون، الذي أحرق روما وجلس يتلذذ بأشلاء الجثث المتفحمة، قد مات، وأن روما لم تمت ولا زالت بعينيها تعشق الحياة وتعانق مباهجها..

إنها عقدة « الاكتئاب السلطوي » إن شئتم، حيث يحس خلالها الحاكم أنه وكرسي الحكم وحدة متجانسة حد التماهي، « أنا هو وهو أنا »، روحان تجمعتا في جسد واحد، وأي فصل بينهما لا يعني سوى العدم.. القذافي بدون كرسي لن يصبح « معمراً » بل سيصبح فارغا وأجوفا ومعتلا، لأنه مصاب بحالة « الاكتئاب السلطوي ».. في ليبيا، تأكل الثورة أبناءها وثروة البلد التي استحوذت عليها أسرة العقيد، في ليبيا التي تُقرأ من اليمين كما اليسار، يريد الحاكم أن يُسقط الشعب ويمحيه من خريطة الوجود، فقط لأنه طالب بحقه في الكرامة والمساواة والعدل، لأنه لم يعد يرضى بالذل و »الحكرة ».

وحيد هو القذافي في فرادته وفي عزلته عن شعبه.. وحيد هو القذافي في سخريته وجنونه وفي « اكتئابه السلطوي »..

 

 

 

ظلك سيدتي أبهى

عبد العزيز كوكاس

كانت أنثى في كامل بهائها.. ولأن مكبر الصوت لم يكن يعلن سوى للذكور: « نخبر السادة المسافرين أن القطار سينطلق بعد قليل… »، فإنها بقيت هناك.. في زاوية قصية مثل متقاعد في عز زمن الحزن.. بكامل بهائها جلست تحت كنف الظلام، تبحث عن جوهر المعنى..

رحيل

امرأة في الأربعين، أو الثلاثين، لم أعد أتذكر.. مثل من يأتي في المواعيد الخائبة، بعد رحيل

ما تبقى من رحيق العمر.. حين استأذنتُ خطاي للتقدم نحوها، بدوت كمن لا يملك الرصيد الكافي لإجراء مكالمة..

ولأنها لم تكن تملك أي حساب بنكي، سوى أنوثتها والمقعد الرخامي.. في ركن محطة القطار، فقد غويت!

كانت كتلة من الدموع الممزوجة بالمرح الشفيف.. غرقت للحظة في عينيها

ولما رحلت في عباءة حزنها.. وجدتني وحيداً، على رصيف السكة الحديدية

وصوت مكبر الصوت يعلن: « انتباه.. نخبر السادة المسافرين أن القطار القادم من.. والمتوجه إلى.. سيتأخر عن موعد الوصول ».. وكنت ذكراً في قمة حزني!

وزارة للكسل

عبد العزيز كوكاس

« إذا كانت كذبة واحدة قادرة على تدمير حياة، فإن حقيقة واحدة لا تكفي لإعادتها » مثل أمريكي

تبدو جل حكومتنا في وضع من يزرع أوهام التقدم والتنمية على سطح بناية لا في أرض حيث تمتد الجذور وتثمر الأشجار وينبت الربيع، فتجعلنا خمّاسين في حقول الوهم إلى أن يهطل المطر فتزهر الحقيقة.

في كل مرحلة تبرع حكومتنا في خلق الأساطير التي لا تدفئ فئات عريضة من المجتمع المغربي التي لم تعد قادرة على تصديق الحلم لأن الواقع يكذب باستمرار.

13590415_1048487435231694_8788951371491297298_n

هو ذا ما حمله بين يدي مستثمر نشر أمامي ملفاته، وقادني إلى دهاليز معاناته من شباك إلى شباك، من دروب مقاطعة إلى أخرى، ومن أروقة وزارة إلى شقيقتها المزاحمة لها في الاختصاص… وكانت اللازمة الرئيسية للمسؤولين في كل مرة: المدير غائب أو في عطلة أو منشغل في اجتماع، الملف لم يصلنا بعد، الملف ناقص…

ولأنه صدّق خطاب محاربة الرشوة، فإنه أصر على أخذ وثائقه بقوة الحق لا  بـ « مْصيريف » القهوة… وحين اقترب المشروع من لحظة الصفر، وجد أن عليه إعادة الحكاية من جديد لأن هناك وثائق انتهى أجلها وأخرى ناقصة… ولأنه، كأي خبير تجاري، يتقن عملية الحساب، فقد وجد أن ربع تكلفة المشروع ضاعت بين دهاليز الإدارات، وثلث الزمن الذي كان مقررا لبداية إنتاج الثروة في معمله الجديد ليحقق التوازن بين الرأسمال ومصاريف الإنتاج قد عطِّل الحلم بكامله.

حكاية هذا المستثمر غيض من فيض، في زمن الحديث عن إدخال المغرب إلى عالم العلم والمعرفة، حيث بدأت تختزل كل عمليات تحديث المؤسسات في إدخال الحواسيب والأنترنيت إلى عالم الشغل، رغم أن مقياس التقدم لا يعود إلى التقنية ذاتها وشكلها الحداثي، بل إلى ربح الزمن الذي توفره، ففي القرن 18 بأوربا كان حصاد آر واحد من الحبوب بالمنجل التقليدي يستغرق حوالي ساعة، وبعد صنع المنجل الكبير تقلص الزمن إلى ربع ساعة، وبعد ظهور الآلة الحاصدة أصبح الحصاد في دقيقتين ليتحول إلى ثلاثين ثانية فقط، لقد تم اختصار مدة العمل إلى عدة أضعاف وهو ما دعَّم مؤشر التقدم.

في المغرب، رغم تقدم استعمال أحدث التقنيات في إدارتنا، لازال الإنجاز بطيئا، فالزمن الذي كان يستغرقه الحصول على وثيقة إدارية قبل نصف قرن، هو نفسه اليوم!

إن التنمية هي نتاج توافق ثلاثة مؤشرات أساسية هي عمل الإنسان وإنتاج الثروة وتوزيع الخيرات المنتجة، وهو ما لازلنا بعيدين عنه بُعد السماء عن الأرض، فإداراتنا تبدو كما لو أنها قاطرة تسير في الاتجاه المعاكس لقطار التنمية، ورغم التخمة التي تعاني منها إدارتنا التي تعج بغير أهل الاختصاص، فإن التماطل والانتظار يصدان المواطن في كل مرة يقصد فيها إحدى الإدارات للحصول على وثيقة ما.

لقد عملت فرنسا في 1981 على إنشاء وزارة الراحة  « Loisirs » التي يعرفها معجم روبير بـ « إمكانية استخدام الزمن بكل حرية »، ولأننا لا نعرف كيف نستغل زمننا، فلماذا لا تفكر حكوماتنا في إنشاء وزارة للكسل « Paresse » مادامت تنقصنا فضيلة العمل أو ما أسماه ماكس فيبر بـ « روح الرأسمالية »؟! وهكذا تصبح لدينا وزارة للكسل ولن نضطر نهائيا لاستجلاب أطر من الخارج وبالعملة الصعبة، فالحمد لله بلادنا لم تفلح سوى في إنتاج الكسالى.

حب الأوطان من الإيمان؟

عبد العزيز كوكاس

« وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه » كاتب سهى البال عن إسمه

لكم أن تراكموا الثروات كما شئتم وبالقدر الذي تقوى على حمله حساباتكم البنكية في الداخل كما في الخارج، ولنا أن نُكَوِّم أحلامنا عن وطن نشتهي أن نليق بالانتساب إليه ويليق بنا…

لكن أن تَعْلوا المنابر، وأن تحتلوا واجهات الصحف، وأن تسكنوا شاشات تلفزيوننا المتعدد في أشكال الرداءة، لتتوحدوا على إمطارنا بغيرتكم على الصالح العام الذي لا يستقيم بدونكم، ومصالح العامة التي تضيع في منتصف الطريق إلى نعيمكم، لكم أن تَغْتَمُّوا لأن المطر بلَّل معطفكم في الطريق إلى موعد عاشق أو لقاء رسمي، أو لأنه عرَّى عورة صفقة طريق أو زيف سور انهار على طفل استند إليه ليحلم بحقه في مأوى أو مقعد في المدرسة.. ولنا حرقة في القلب ووجع في الدماغ على وطن نكسو أديمه بما تبقى من جلدنا، فيما لا زال يخفي ظل ابتسامته عنا، وهو وإن جار علينا عزيز..

Abdel-aziz-Gougass-7

لكم الشاشات الملونة، الورق الصقيل للمجلات الوردية، الصحون المقعرة، الحسابات البنكية المنتفخة، والعرَّابون في مراكز القرار.. ولنا المواجع كلها، نتين قلبنا لا يبتسم إلا حين يُشَرَّح…

لكم الجنسيات المزدوجة، والمظلات الوردية الواقية من وابل المطر أو ضربة شمس، ولنا حافة للنِّسيان وموعد في كل منتصف طريق، مع جحافل البق وجيوش الحشرات التي تقتات على أجسادنا، وما تراكم على ظهر الزمان من غم وحزن..

لكم أن تزرعوا الشوك على طريق حلمنا، وتجنو زهرة كاميليا من وخز جراحنا، فنحن دَوماً النصف الثاني الفارغ من كأس أفراحكم، لأنكم دوما متشائمون باستمرار وجودنا على ظهر البسيطة، برغم ما سلكتموه لمحونا.. لكم أن تختاروا، وبمحض أذواقكم، على أي زهرة تستقر النحلة، وكيف توجهون نسلها..

ولمن تمنحوه الصبر على لسعة شوكها دون تذوق طعم علسها.. لنا ما لنا من صلح الوطن وصهد شمسه، واحات للأمل ننشرها كلما ضاقت بنا أرض الله الواسعة، مقابر تطفو على الماء، شبر على زليج زنزانة عقاباً على سرقة صغيرة أكبر من جرمكم!!

اسألونا عن ذكركم بأنكم موجودون دائما، وتسلوا عن ذكرنا: فنحن مجرد عدم، وإن كانت ضرورة لوجوده، فذلك فقط من أجل أن نكون في خلفية الصورة التي تأخذونها للذكرى، أن نملأ الكراسي، أن نحج للتصويت زرافات وحميراً، وأن نكثر من نعمة التصفيق على خطبكم وتصريحاتكم، لما في ذلك من خير عميم على سلامة الديمقراطية ومستقبل أبنائنا، الذين سنورثهم ذل العمودية مثل وردة تلد زهرة في مزهرية، أو طائراً يلد صغاره في قفص…

لكم حق التحكم في أرزاقنا وأنعامنا.. أن ترسلونا إلى أبعد مدى.

Navigation des articles