الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “octobre, 2016”

سيناريوهات اختطاف واختفاء الزعيم السياسي المهدي بن بركة

عبد العزيز كوكاس

محتفظا بهدوئه التام، سار المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفواتو، كانت تلك آخر نظرة للزموري وهو يرى المهدي يسير أمام « الشرطة »، وحسب إدعائه فإن تلميذ المهدي بثانوية مولاي يوسف بالرباط، أعتقد أن الأمر كان يتعلق بحملة تفتيشية ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولأنه أصيب بالرعب ولم يرد التورط في العملية، فقد ذهب ليختبئ عند إحدى عشيقاته، لكن لماذا لم يبلغ الشرطة لتدارك الأمر؟ ولماذا لم يخبر أوساط الطلبة، أو أحد أقارب المختطف إلا بعد وقت متأخر؟

هذا الصمت أثار الكثير من القلق، خاصة وأن زوجة الزموري السكرتيرة في مقر حلف الناتو ببروكسيل ستصبح بعد الاختطاف السكرتيرة الخاصة لسفير الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، والزموري نفسه سيوجد مشنوقا بعد ذلك.

ما العلاقة بين هذه الخيوط؟ ألا يتعلق الأمر بأيادي المخابرات المركزية الأمريكية؟ وحسب جوردون توماس في كتابه « التاريخ السردي للموساد »، فإن الموساد كانت حاضرة في عملية التحضير للاختطاف غير أن عميلها « أوحنا » الذي وصل مع بن بركة من جنيف إلى فرنسا أحس بمحاولة إبعاده من طرف صقور المخابرات الفرنسية، فأخبر رئيسه بالموساد مائير عاميث، الذي استشعر خطورة ما يُدبر في الخفاء، فطالب من العميل الإشراف على تقديم الدعم دون التورط المباشر في الاغتيال!

على متن سيارة « SDECE » جهاز محاربة التجسس الفرنسي سيُختطف بن بركة ويُقتاد إلى فيلا المجرم بوتشيش في فونيتاي لوفيكونت.. أمام المنزل الريفي في ضواحي باريس كان باليس وبوتشيش ينتظران « الطرد الجاهز »، إنه المهدي الذي أنزل بهدوء، قيل له: « إن الرئيس يريد رؤيتك » فصدق، وفي الطابق الأول طلب بن بركة كأس شاي فجاء به المجرم دوباي، لحظة يلتحق فيغون عبر سيارة أجرة بالمجموعة، كان بن بركة يقرأ موسوعة للشباب، يدخن سيجارته ويحتسي الشاي، لكن مع مرور الوقت سيتقدم بوتشيش ليخبر المهدي أن الرئيس سيتأخر نظرا للطوارئ!

المهدي بن بركة

بوابة الجحيم

في الجهة الأخرى كان أصدقاء المهدي في حيرة من أمرهم، فهذا الرجل الملتزم بمواعيده لدرجة يمكن ضبط عقارب الساعة على خطواته، غاب فجأة بشكل ملتبس، فالسيد الطاهري الذي ظل ينتظر بن بركة طيلة الصباح ليحضر معه عرضا مسرحيا سيقوم بإبلاغ خبر اختطاف المهدي وهو نفسه ما قام به أخ المهدي عبد القادر بن بركة خاصة بعد اتصالات جرت بين الطاهري وسي ناصر أحد مناضلي الأوساط الطلابية حيث أبلغه في الأخير الطالب الزموري بواسطة زوجته خبر إلقاء الشرطة القبض على المهدي، وفي 12 زوالا سينتدب مفتش الشرطة « كايد » من طرف رؤسائه لإخبار السيد عبد القادر بن بركة بأن أي مصلحة للأمن الفرنسي لم تقم بإلقاء القبض على أخيه.

ما بين الواحدة والواحدة والنصف زوالا اتصل لوبيز هاتفيا بالسيد بوالو مساعد لوروي لإشعاره بما حدث، ولم تفقد خيوط الهاتف بين الرباط وباريس حرارتها، ففي 4 و19 دقيقة بعد الظهر اتصل لوبيز وسوشون من مكتب للبريد بمطار أورلي مباشرة بإدارة الأمن الوطني وبوزارة الداخلية بالرباط، وفي التاسعة مساء يتصلان بأوفقير بمكناس: « ألو إن الطرد وصل – طيب نحن قادمون » وبالفعل فقد أخبر الجنرال الدموي لوبيز وسوشون وهو بفاس حوالي العاشرة وعشرين دقيقة بأنه قادم إلى باريس في الغد على الساعة الثالثة مساء وهو ما تم تأجيله إلى ساعتين فيما بعد، حيث حل المسؤول المغربي ووجد في استقباله الشتوكي والغالي الماحي الذي صرح بأنه كان ينتظر قدوم زوجته ليلى بالمطار فطلب منه الجنرال حجز غرفة بفندق روايال، لن يستغلها أبدا.

نام بن بركة يوم الجمعة دون تناول عشائه، فقد بدأ يستشعر بعض ما يُدبَّر له، وزوال يوم السبت 30 أكتوبر سيصل الدليمي مدير الأمن الوطني إلى مطار أورلي على الساعة الثانية بعد الزوال وبعد ثلاث ساعات يصل الجنرال أوفقير في نفس المطار ويتوجه رفقة لوبيز إلى فيلا بوتشيش، وصل الدليمي رفقة العشعاشي إلى فونطوناي لوفيكونت على متن سيارة لوبيز، فصعد دوباي ووضع منوما في كأس شاي للمهدي شربه على التو، وبعد ربع ساعة صعد بوتشيش إلى الطابق الأول ففهم بن بركة أنه ضحية مصيدة، فقفز من كرسيه وأخذ يدافع عن نفسه بجنون، إذ كان لمنوم فيرغان مفعولا عكسيا تحول معه بن بركة إلى مقاتل شرس.. نجح المجرمون الأربعة دوباي ولوني وبوتشيش وباليس في شده بعد أن أشبعوه ضربا وأوثقوه، فصعد الدليمي والعشعاشي وعندما رآهما المهدي هدأ..

حينما وصل أوفقير كان يبدو مرحا للغاية لوقوع عدوه الأول في المصيدة، وحسب رواية دوباي التي وردت في كتاب علي بوريكات (الذي كان بإحدى المعتقلات السرية بالرباط وأطلق سراحه فطلب اللجوء السياسي إلى أمريكا، وفي كتابه يتحدث عن رواية دوباي الذي كان معتقلا معه أيضا ويرسم خريطة مكان دفن جثة بن بركة التي تم نقلها من فرنسا عبر طائرة عسكرية)، فإن أوفقير أخذ سكينا وبدأ يذبح حنجرة المهدي وصدره بطرف السكين بلذة سادية، أما لوني فيحكي أنه حين جاء أوفقير ارتمى على المهدي بن بركة وشدَّ خناقه صائحا: « ها أنت أيها الوغد بين أيدينا » واستل خنجرا لكن بوتشيش اعترض قائلا: ليس في منزلي! » أما صاحب كتاب « التاريخ السري للموساد » فيحكي كيف أشرف الجنرال أوفقير شخصيا صحبة الدليمي على استنطاق بن بركة وتعذيبه حتى الفجر فأعدموه والتقط أوفقير مجموعة من الصور الفوتوغرافية للجثة قبل أن يتم دفنها في حديثة المنزل، طار الوزير المغربي ومعه الصور!

نشوة القتل

كان للخبر الذي نشرته « لوموند » حول اختفاء المهدي والزيارة الخاطفة التي قام بها الجنرال أوفقير إلى باريس مساء يوم 30 أكتوبر 1965 دوي الصاعقة في الأوساط الفرنسية.

مع حلول الليل كان المنفذون والمخططون للعملية يشربون كؤوس الشامبانيا لمداراة الجريمة، ففي 10 و30 مساء رافق أنطوان لوبيز عائلته إلى لولواري عائدا إلى بيته حيث وجد أوفقير والحسوني (ممرض تخدير) ودوباي وفيغون مجتمعين.

في اليوم الموالي (31 أكتوبر) سينتشر الخبر القنبلة، ففي الساعة السادسة صباحا سيتناول الجنرال أوفقير فطوره مع لوبيز صحبة مغربيين آخرين قبل أن يتوجه إلى جنيف في طائرة الثامنة والنصف، وفي التاسعة سيقدم عبد القادر بن بركة شكوى لدائرة الأمن شانزليزي ثم يتوجه إلى مقر الشرطة القضائية حيث سيستقبله في الساعة العاشرة العميد المداوم مارشان، في نفس الوقت ومع 9 و35 دقيقة كان الدليمي والشتوكي والحسوني الممرض والصقلي يستقلون الطائرة نحو المغرب.

وفي الحادية عشرة و35 دقيقة، يهاتف لوبيز لوروي ليخبره بتوجه أوفقير إلى المكان الذي أقتيد إليه بن بركة بالأمس وهكذا كان المخبر لوبيز يضرب عصفورين بحجرة واحدة، فمن جهة يقدم المعلومات التفصيلية لتحركات المسؤولين المغاربة وتنقلاتهم للمخابرات الفرنسية، ومن جهة أخرى، يعمل لحسابه الشخصي خاصة وأنه كانت هناك ترتيبات لتعيينه في منصب بإدارة عملاقة بالمغرب.

في فاتح نونبر 1965، مع التباشير الأولى للصباح يخبر العميد « كأي » من الاستعمالات العامة لولاية الأمن بأن أحد الخيوط المؤدية لاختطاف المهدي بن بركة تتمثل في جورج فيغون الذي شارك في العملية، ويحاول الاتصال بمحاميه السيد بيير لومارشان النائب الديغولي، ومع 9 و40 دقيقة سيتوجه المجرم بوتشيش إلى الدار البيضاء حسب الترتيبات، وفي 11 والنصف تتم أول جلسة استماع للصحفي فيليب برنيي حيث اتهم الشتوكي وأوفقير بتدبير الاختطاف ووصف موقف جورج فيغون بالمشبوه.

وهكذا توالت الأحداث بشكل متسارع يوم الإثنين 2 نونبر 1965، مع الساعة الثامنة صباحا النائب والمحامي بيير لومارشان يُتلفن إلى العميد كاي، هذا الأخير يصرح أنه علم بالدور الذي لعبه المخبر أنطوان لوبيز في الاختطاف، ومع الساعة 12 يقابل فيغون محاميه لومارشان، في ذات الوقت كانت أسرة بن بركة تسارع ضد الوقت لرفع الصمت عن مصير إبنها، حيث قام عبد القادر بن بركة مع الواحدة و45 دقيقة بالإجراءات القانونية للشكوى ونصَّب نفسه طرفا مدنيا، وتم تعيين السيد بويس زولينجر قاضيا للتحقيق في الملف.

ولما عاد نائب مدير الشرطة القضائية لولاية الأمن بباريس ورئيس الشرطة الجنائية العميد موريس بوفيي من عطلته استأنف عمله في « الكي دي زورفيفر » وتسلم مسؤولية البحث في اختفاء المهدي بن بركة، حيث يُستنتج من المعطيات الأولى التي أعدها العميد المياوم في إدارة الاستعلامات العامة بأن فيغون ولوبيز متورطان في القضية، وكانت أول خطة قام بها موريس بوفيي هي الاستماع إلى شقيق المهدي عبد القادر بن بركة واستدعاء الصحفي فيليب برنيي.

بعد التفتيش توصل « كانتان » والشرطة الجنائية إلى وجود ضيعة واسعة في ملكية المجرم « جورج بوتشيش » الذي تربطه علاقات ودية بصديق الطفولة « أنطوان لوبيز » صاحب فيلا جان دارك، وأنه كانت هناك حركات مشبوهة بين الفيلتين يوم الحادث، يوم الأربعاء 3 نونبر 1965، يعترف سوشون أمام مديره السابق في شرطة الآداب العميد أندري سامبي بمشاركته في الاختطاف بمعية فواتو، وسيرفع العميد سامبي تقريرا في القضية إلى مدير الشرطة القضائية ماكس فيرني الذي سيخبر بدوره موريس بابون والي الأمن الذي تولى نقل تقرير إلى السيد روجي فراي وزير الداخلية الفرنسي، الذي لم يخبر النيابة العامة ولا قاضي التحقيق بالأمر! وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام تبقى مفتوحة رفقة بياضات واسعة لم يجب عنها التحقيق إلى اليوم، فقد صرح مفتش الشرطة الممتاز سوشون بأنه عندما اقتاد بن بركة على متن سيارة مصلحة وبدون رخصة إلى فيلا بعيدة في الضاحية بمعية مجرمين معروفين عوض التوجه إلى مقر الشرطة القضائية، فإنه لم ير في ذلك ما هو غير سوي! إنه أراد إسداء خدمة لعميله لوبيز الذي أراد تسهيل اقتياد بن بركة لملاقاة أوفقير، مقابل ما كان يسديه المخبر لوبيز للشرطة! وبأنه أخبر مرؤوسيه بذلك، وهو ما نفاه وزير الداخلية الفرنسي روجي فراي منكراً أي علاقة تربطه بأوفقير الذي لم يتعرف عليه أكثر من مرة!

هل كان الأمر يتعلق بمحاولة حماية جهاز الأمن الفرنسي المنخور بعد تورطه في العملية القذرة؟ وما علاقة روجي فراي بالقضية؟ وكيف صرح فيما بعد أمام الجمعية الوطنية بأنه أول من فوجئ بحضور أوفقير دون أن يُخبر بذلك؟ يذهب جاك دوروجي وفردريك بلوكان في كتابهما: « لقد اغتالوا بن بركة » إلى أن روجي فراي الذي ذكر أنه لا يعرف أوفقير إلا من خلال إقامة قصيرة مع إبنه في المغرب، أنه قضى في شهر شتنبر 1965 أسبوعا كاملا في ضيعة أوفقير بالمغرب وأن العلاقة بينهما كانت جد حميمية! ألم يكن ذلك جزءاً من ترتيبات عملية الاختطاف؟ أم الأمر مجرد مكر الصُّدف؟!

المهدي بن بركة

المهدي بن بركة

نجاح أوفقير ونجاته

مع توتر البحث والتحقيق ستؤدي اعترافات لوبيز، الذي سلم نفسه للشرطة الجنائية، بروجي سوشون إلى غرفة الجنايات حيث سيشرع في الاستماع إليه – ومع الظهر سيعود الجنرال أوفقير من جنيف إلى مطار أورلي حيث سيقابل وزير الداخلية الفرنسي خلال حفل استقبال نُظم بوزارة الخارجية على شرف أربعة عمال أنهوا تداريب دراسية دامت ثلاثة أشهر في فرنسا، وأمام إحراج الصحفيين سيصرح بأنه مرَّ بباريس يوم 30 أكتوبر وذهب لرؤية أبنائه المقيمين بسويسرا، وعاد إلى باريس ليحضر نهاية التدريب الدراسي الذي يجتازه العمال المغاربة، كما أنه جاء من أجل تهييئ الزيارة الملكية التي كانت مقررة في 11 يناير، وأعلن أنه فوجئ باختطاف خصمه السياسي…

لقد كان العمل متقنا بدهاء من كل النواحي: عناصر التمويه، حفل السفارة والعمال المغاربة الذين أنهوا تداريبهم وذلك بتقديم الذرائع وتبرير التنقلات بين باريس والرباط.

ومساء نفس اليوم سيحضر أوفقير حفل عشاء بفيلا سعيد « مقر إقامة السفير المغربي وذلك برفقة الدليمي الذي عاد كذلك إلى باريس، وخلال هذا الحفل سيتسلم باليس أحد الفارين من العدالة من يد الغالي الماحي، اليتيم الذي تبناه أوفقير، ما قدره 10 آلاف فرنك فرنسي خصَّه بها وزير الداخلية المغربي مقابل وصل! وهو ما سيثير حيرة الماحي حسب تصريحه بعد اعتقاله.. كان أوفقير ينوي العودة ليلا إلى المغرب، غير أنه لم يجد أي طائرة، فأقام ليلته بمنزل المستشار الاقتصادي للسفارة المغربية. فيما ذهب الماحي مع زوجته والكاتب الأول للسفارة إلى فندق لوري للقاء المجرمين باليس ولوني ودوباي ليعود بعد ذلك إلى محل إقامة أوفقير عند المستشار الاقتصادي، المدير العام للأمن الوطني (62/1965) (تولى فيما بعد ولاية الأمن بباريس خلفا لموريس بابون)، وقام بترحيل الجنرال أوفقير ومدير الأمن الدليمي إلى الدار البيضاء على متن طائرة تابعة للخطوط الفرنسية بدعوى وجود خطر اضطرابات في المغرب!

وعوض البحث عن الحقيقة، فإن مصالح فرنسا في المغرب ستُغلِّب طابع العلاقات الدبلوماسية وهو ما عكسه حوار بومْبيدو الوزير الأول الفرنسي مع وزير الداخلية روجي فراي، وتلك الخيوط المتحركة بين باريس والرباط، إذ يوم 5 نونبر سيحل فيليب مالو مدير الخارجية الفرنسي بالرباط ويتوجه صحبة سفير فرنسا روبير جيلي للقاء السلطات المغربية بفاس بعد تصريحات لوبيز التي وجهت الاتهام لأوفقير، غير أن المغرب رفض تسليم المتهمين تبعا لتأويل الاتفاقية القضائية بين البلدين، وطلب إخبار باريس بأنه سيحيل الملف فورا على القضاء المغربي، فيما ظل الطلب الفرنسي واضحا: التخلي عن أوفقير تفاديا لمصالح البلدين، وهو ما اعتبره الملك الراحل تدخلا في الشؤون الداخلية للمغرب، إذ حتى بعد صدور حكم محكمة لاسي في يونيو 67 على أوفقير بالسجن المؤبد ظل هذا الأخير وزير الداخلية حتى غشت 71.

يوم 11 نونبر 1965 سيوضح لويس سوشون المفتش الممتاز مدير مجموعة قمع تهريب المخدرات ونائبه الضابط روجي فواتو تحت الحراسة النظرية، وسيتكلف العميد موريس بوفيي ونائبه روجي بوابلون باستنطاقهما وذلك بناء على المكالمات التي تمت من طرف إيلي تورجمان وبينهما يوجد رقم سوشون، وعلاقات لوبيز بالضابطين.

ومع استمرار الغموض حول اختطاف المهدي بن بركة ستصدر وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس بريس) تصريح أحد موظفي وزارة الداخلية ينفي فيه تورط مصالح الأمن الفرنسية في القضية، غير أن وقائع اليوم الموالي ستكذب البلاغ بعد اعتراف سوشون فواتو رسميا بتواطؤهما في عملية الاختطاف.

ارتباك المغرب الرسمي

أما في المغرب ومع ضغط الحملة الإعلامية الفرنسية وتوجيه أصابع الاتهام للجنرال الدموي، فقد اتخذت أزمة العلاقات المغربية الفرنسية أبعاداً خطيرة، كان أوفقير قد خرج من صمته وصرح لمراسل فرانس بريس: « إن اتهامات العدالة الفرنسية مختلقة » بل إن وزير الفلاحة السيد المحجوبي أحرضان أفصح ببلاغة نادرة قائلا: « إن الجنرال أوفقير لا يمكنه من تلقاء ذاته ليقوم بعمل يمكن لعواقبه أن تحرج جلالة الملك(…) إن المهدي بن بركة بالنسبة لي شخص شرير ويستحق الاحتقار مصيره في الحقيقة لا يهمني، لكن ما أرفض التسليم به هو أن تنجح قضية شخص من أمثاله في زرع الخلاف بين بلدينا! » وفي 6 نونبر 1965 أصدرت وزارة الإعلام بلاغا تشجب فيه « مرتكبي الاختطاف »، وفي نفس الآن تهاجم المنظمات والمنابر المغرضة التي اعتادت الصيد في الماء العكر!

يوم 10 نونبر تصدر الحكومة المغربية بيانا يتهم الإعلام الفرنسي بالكذب مما جاء فيه: « إن المغرب الذي التزم صمت الفضيلة إلى حد الساعة يدين الاتهامات الموجهة ضده، ويشد على ثقته في مسؤوليه »، وسيزداد هذا السعار الرسمي مع تصريح وزير الخارجية الفرنسي « كون دومور فيل » حول أمله في إقالة أوفقير أو إبعاده، ومع الندوة الصحفية التي نظمها شارل دوغول والتي كانت فيها أصابع الاتهام تتجه إلى السلطات المغربية التي قدَّمت الحماية للمجرمين. ولإتمام مسطرة البحث وجه القاضي زولينجر المكلف بالتحقيق في الملف طلبا للسطات المغربية للانتداب القضائي من أجل الاستماع إلى تصريحات أوفقير والدليمي يوم 14 نونبر، خاصة مع بروز جزء من شبكة الخيوط السرية الرابطة بين الدليمي مدير الأمن وفواتو وسوشون من الشرطة القضائية الفرنسية الذي كان يحمي لوبيز كعميل سري، وبوتشيش شريك لوبيز في فنادق الدعارة وجوعطية كزعيم عصابة وأصدقائه، باليس دوباي ولوني، ومحور العملية جورج فيغون.

هذا التلاقي الغريب بين عناصر الإجرام وضباط الشرطة هو ما دفع صاحبا كتاب « لقد اغتالوا بن بركة » إلى القول: « إن بن بركة سقط في فرنسا ضحية هذا التحالف الشاذ، الذي يربط بعضاً ممن هم مطالبين بالدفاع عن القانون مع من يحتالون عليه »!!

في نفس الأسبوع توصلت النيابة العامة بالرباط من وزارة العدل المغربية بأمر اعتقال دولي وطلب ترحيل المجرم بوتشيش، وقد اجتمع إثر ذلك مجلس الوزراء لمدة يومين للتداول في الأمر.. أما على مستوى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فقد كان لوقع الخبر أثر الصاعقة، فقد أصدرت الأمانة العامة بيانا تدين فيه الاختطاف وتطالب بكشف الحقيقة وإدانة أي مناورة لتحريف طريق التحقيق رابطا بين الاختفاء ووجود مسؤولين مغاربة كبار لمدة طويلة بباريس… أم الشهيد السيدة فطومة بوعنان لم تجد أكثر من مراسلة دوغول تستفسره حول مصير فلذة كبدها، وخارج البروتوكول يتصل شارل دوغول عبر سفارة فرنسا بالرباط بأم بن بركة مطمئنا إياها على أن العدالة الفرنسية ستأخذ مجراها.

رغم مرور خمسة عشرة يوما لم تقم الشرطة الفرنسية سوى بأربعة اعتقالات رغم أنها جمعت قرائن تدل على مسؤولية الجهاز المخابراتي وتورط كبار موظفي الأمن المغربي وأحد أعضاء الحكومة النافذين في الرباط، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي دوغول يستشعر وجود عراقيل في التحقيق، وفي الوقت الذي أثارت فيه الأسبوعية الديغولية « جمهوريتنا » فرضية تورط المصالح السرية الفرنسية في العملية واكتشاف الخيوط الإسرائيلية في الملف، غضب دوغول وصرخ « إن العملية برمتها عليها خاتم تل أبيب »، ونتيجة لذلك تجمدت العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية، وهو ما فجر الصراع داخل إسرائيل، حيث انهال النقد على رئيس الموساد عاميث من كل صوب رغم تأكيده بأن الموساد لم يتجاوز دورها توفير بضعة جوازات سفر واستئجار سيارات، وظل سلفه إيسارهاريل يردد أن عملية بن بركة لم تكن لتحدث على عهده وهو ما خلف نقاشا كاد يعصف بالحكومة الإسرائيلية.

mahdi-bn-barka

« أسرار الدفاع » تحجب الحقيقة

مازالت قضية اختفاء المهدي بن بركة تطرح الكثير من الغموض بحكم تداخل مصالح أكثر من دولة في القضية وهو ما يترك بياضات كبرى في خيوط العملية، وحتى في تحديد طبيعة القضية قضائيا: هل هي سياسية؟ أم تمس الأمن؟ أم تتعلق بالتجسس؟ أم الإجرام؟ أم هي جمعت كل هل هذه الحيثيات؟

فحين جاء قرار غرفة الاتهام يوم 25 نونبر 1965 وأخبر العميد بوفيي بإغلاق الملف بعد ثلاثة أسابيع من التحقيق لم يقدم أجوبة شافية لا حول مصير المهدي ولا عن طبيعة الملف!

وإذا كان الملف قد أحيل على أنظار المحاكم مرتين، في خريف 66 وربيع 67 بباريس فإن القضاة حكموا بالاختطاف وليس بالاغتيال، وهذا ما دفع أبناء الزعيم الاتحادي إلى رفع شكوى جديدة حول « القتل العمد والمشاركة في القتل »، فالقضية التي حقق فيها القاضي زولينجر بعد الدعوة التي رفعها عبد القادر بن بركة توبع فيها المتهمون بتهمة « الاعتقال غير القانوني والحجز لمدة شهر والمشاركة »، حيث صدر الحكم في 67 بتبرئة الدليمي والماحي وفواتو ولوروي والصحفي برنيي وحكم لوبيز وسوشون بثمان و6 سنوات سجنا نافذة على التوالي، وعلى أوفقير والمجرمين الهاربين بالمؤبد.

وقد ظلت القضية مجمدة حتى تم إحياؤها في أكتوبر 1975 حيث أسندت إلى القاضي هوبير بانسو وناب عن المهدي المحامي موريس بوتان الذي كان حاضرا في محاكمتي 66 و67 حيث راسلا كل الرؤساء والوزراء في الدول المعنية لرفع اليد عن الوثائق المرتبطة بالملف، لكن بدون جدوى، إذ لم يتمكن القاضي في 14 ماي 1982 من الإطلاع على 200 وثيقة الموجودة بوزارة العدل الفرنسية بدعوى « سر الدفاع » كما أن المخابرات المركزية الأمريكية أغلقت الباب في وجه البشير بدعوى « الأمن القومي »!

وتزداد صعوبة البحث اليوم في القضية بسبب إغلاق أرشيف الأجهزة الحساسة من جهة. وأيضا بسبب عامل الزمن الذي أدى إلى موت عدد كبير من المشتبه فيهم والشهود الأساسيين والمساعدين من الجنرال دغول إلى جاك فوكار ووزير الداخلية روجي فراي والجنرال أوفقير والدليمي وجورج فيغون محور العملية الذي تم إدخاله إلى مستشفى المجانين حيث وجد مشنوقا يوم 17 يناير 66، ولويس سوشون والمجرمين الأربعة الذين تمتعوا بحماية السلطات المغربية قبل أن تعمل على تصفيتهم حسب إبن الزعيم الاتحادي، وآخرهم جان باليس الذي توفي بالرباط في شتنبر 79.

Publicités

إعادة تركيب سيناريوهات اختطاف واختفاء الزعيم السياسي اليساري:جثة المهدي بن بركة وتفاصيل موت ملغز

عبد العزيز كوكاس

المهدي بن بركة

في قضية المهدي بن بركة، نحس أن الموتى يظلون متشبثين بتلابيب الأحياء، إنه هنا الحاضر الغائب، ذاكرة وجثة، فكراً وموتاً ملغزاً.. في أي محاولة لبناء معرفة دقيقة بالشهيد المهدي بن بركة يحتاج المرء إلى الكثير من الموضوعية والصدق، وإلى ما تسميه الكاتبة زكية داوود بـ « البراءة » في محاولة كتابة حياة هذا الزعيم السياسي الذي وشم مرحلة بكاملها، لكن كيف يمكن للمرء أن يكون موضوعيا وبريئا أمام لغة ليست محايدة، فكلمات: شهيد، مناضل تقدمي، عريس الشهداء، اغتيال.. تجعل المرء متورطاً في السياق التاريخي الذي ما زال يجذب إليه، أحياء عديدين، إذ مثلما رأى دانييل غيران: « هذا الميت ستكون حياته صعبة، هذا الميت ستكون له الكلمة الأخيرة الحاسمة »!

تختلط في صورة المهدي بن بركة تناقضات المرحلة، فهو لدى البعض مجرد ثوري انقلابي، وهو عند آخرين وقود لأحلام مرحلة وجيل بكامله.. أستاذ لملك رمز، ورمز لمغرب مستقل قيد التشكل، وبين الهاذين، هناك من يرى في بن بركة دكتاتوراً، شيوعيا مندفعا أخفى ميولاته الانقلابية، سياسيا متهوراً وطائشاً، جمهوريا في مدرسة ملك… في كل هذا يظل المهدي حلما عصياً عن التملك.. بل إنه أكبر من حلم وأوسع من جرح.

هل مات المهدي بن بركة؟

للموت طقوس، جثمان وقبر.. والأسرة لم تتسلم جثة ولا أقامت مأتماً حول الجثمان، لذلك فموت بن بركة يظل موتا افتراضيا معادلا لطبيعة جريمة الاختطاف وسياقها، ولهذا الغياب الطويل.. لعل هذا ما جعل زوجة بن بركة السيدة « غيثة » تصرخ: « هذا الانتظار تقريبا منهك »! ودفع أحد رفاق دربه، عبد الرحمان اليوسفي، في استجواب مع القناة الفرنسية TV5 يوم 13/9/1999، إلى القول: « لا أعتقد أن ما نعرفه الآن حول قضية المهدي بن بركة من الحقيقة المؤكدة في شيء، رأيي الشخصي أن المعطى الثابت والموضوعي هو أن بن بركة قد ركب السيارة مع لوبيز، كل ما تبقى، يظل في رأيي مجرد سيناريو تم رسمه من طرف السيد لوبيز ».

ما طبيعة السيناريو الذي رسمه لوبيز؟ وما هي مختلف الروايات التي حاولت إعادة سرد وقائع الاختطاف بناء على تصريحات الشهود وعلى تأويل ملفات القضية؟

في السياق التالي نحاول تركيب سيناريو عملية الاختطاف بناء على ما تداولته العديد من الكتب التي اهتمت بالقضية في تفاصيلها والأطراف المخططة والمنفذة، ونحاول تسليط الضوء على جوانب من موت ملغز.

المهدي بن بركة

الشتوكي يلقي بالطعم

مثل بطل تراجيدي كان المهدي يسير نحو الموت كقدر شخصي لإثبات وجود آلهة ما، ظل يتحرك بديناميته المعهود ومرحه المشوب برائحة الطفولة، في الوقت ذاته كانت خيوط عملية الاختطاف تُنسج بدهاء في الأروقة السرية لأجهزة الاستخبارات المغربية، الفرنسية، الأمريكية والإسرائيلية، كانت لكل طرف دوافعه المختلفة.. ومنذ عام 1965 ستبدأ عملية تعبيد طريق اختطاف الزعيم الدولي بن بركة.. من خلال اتصالات العميل الغامض « العربي الشتوكي » الذي يرمز له تارة بـ « هـ. ت » مدير أمن سابق بوجدة وتازة، وتارة بـ (الميلود. ت) ويسميه لوبيز « عباس ».. أجرى الشتوكي اتصالات مع الصحفي العامل بمجلة « مينوت » فيليب بيرتيي الذي كانت له علاقات مع زعماء حركة التحرر المغربي.. في مقهى السلام سيتم إغراء الصحفي الفرنسي بإنشاء وكالة الصحافة التي كان يحلم بها مقابل استدراج بن بركة للقاء الجنرال أوفقير، وسيَقترح الشتوكي منانسبة المؤتمر الأفرو – أسيَوي بالجزائر لتمرير بن بركة عبر الحدود المغربية، بدعوى أن السلطات الجزائرية ستغمض العين مقابل تسليمها المعارض الكولونيل صادوق الذي يأتي عادة إلى المغرب.

كان العرض مغريا، لكن بيرنيي لم يساير الخطة، لذلك سيفكر في اقتراح بديل، إنجاز فيلم حول التحرير، وسيتعرف فيما بعد على جورج فيغون الذي سيصبح الرجل المفتاح في القضية، وفي اللقاء الثاني مع الشتوكي الذي كان برفقة فرنسي بعد أسبوع، سيطمئن العميل المغربي الصحافي بيرنيي إلى أن كل شيء سيكون تحت رعاية السلطات العليا الفرنسية والمغربية، وحسب الكاتب « جان بول مارك »، فإن برنيي قرر ألا ينغمس في الخطة دون احتياطات، لذلك سينذرُ شقيق المهدي بما يحيط بالزعيم المغربي من مخاطر لضمان قربه من بن بركة حتى إذا فشلت الخطة بقي محافظا على حسن نيته!

من جهته قام الشتوكي بفتح قنوات أخرى، حيث تعرف على بوتشيش الذي بدوره قدمه إلى أصدقائه ووضعهم تحت إمرته.

في ماي 65 سيستضيف أوفقير بالرباط العميل أنطوان لوبيز، الذي كانت له شبكة من العلاقات الواسعة مع الفرنسيين والمغاربة الإسرائيليين والأمريكيين.. لقد كان يلقب بـ « صديق المغاربة » وسبق لزوجته « أوديت لوبيز » أن انتخبت كملكة جمال للمغرب، كان لوبيز يعمل كمخبر لشرطة الآداب، وكمفتش رئيسي في الخطوط الجوية الفرنسية بأورلي، وقد استغل وظيفته لربط علاقات مع شخصيات وازنة في المغرب، وأخرى إجرامية بباريس، وسيعتبر لوبيز الوسيط الأساسي في تنفيذ خطة اختطاف بن بركة.

في يونيو 65، سيبعث مارسيل لوروي مذكرة إلى جهاز الاستخبارات الفرنسية (SDECE) يفصل فيها المعلومات التي استجمعها عميل الأمن الخارجي لوبيز حول استرجاع بن بركة بمبادرة من أوفقير وسيتم استعمال طعم الصحفي برنيي الذي فاتح بن بركة في شأن مشروع فيلم عن زعماء التحرير بعنوان « Basta! كفى » حيث تم ذكر إسم فرانجو كمخرج وجورج نيغون (مخبر للشرطة كممول.. لكن مارسيل لوروي لم يتلق أي جَواب، وَهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، فالسلطات الفرنسية كانت على علم بجميع التفاصيل، فلماذا لم تقم الحماية للزعيم المغربي؟

الفيلم وسيناريو الاستدراج

في الضفة الأخرى كان بن بركة يتنقل بين عدة عواصم في أفق انعقاد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر القارات الثلاث حيث حلَّ بالقاهرة يوم 2 شتنبر 65، وهناك ستبدأ الخيوط الملتبسة للعملية… أحست المخابرات المصرية بتعقب الشتوكي لخطوات بن بركة وأفشلت محاولة فرقة خاصة تعمل تحت إمرة أوفقير لاختطاف بن بركة، الذي نصحت عائلته بتغيير مقر سكناها، في 15 شتنبر بمطار أورلي بفرنسا، نزل بن بركة وصديق يهودي يدعى « جو أوحنا » قد يكون استخدم من ماتير عاميت رئيس الموساد الذي كان يوجه رسائل مشفرة إلى أوفقير، لم يكن المهدي يتخذ الحذر الكافي، لقد ظل متابعاً في كافة تفاصيل حياته من استخبارات عواصم عدة.. في ذلك الحين كان الشتوكي على موعد مع الصحافي برنيي في حانة مونطانا بسان جيرمان دي بري برفقة شخص هيأته هيأة مجرم ضليع، وفي الوقت الذي كان الراحل الحسن الثاني يبحث عن حل لمعادلة رياضية، كانت تجري محاولة إلباس كل أحداث 23 مارس 1965 للمهدي بن بركة.

في 20 شتنبر سافر الشتوكي إلى جنيب، حيث سيلتحق به فيغون وبرنيي على نفس الطائرة التي كان بها المحامي والنائب الديغولي بيير لومارشان الذي ادعى في التحقيق أنه سافر من أجل موكل له يدعى « إيتنبول »، ومع توالي البحث، تبين أن أحد الركاب يدعى إيتنبول سافر إلى المغرب بعد اختطاف بن بركة يوم 30 أكتوبر 65.

ولربط حلقة الوصل بين المغرب وفرنسا، يوم 5 أكتوبر 1965 سيعود الماحي الغالي عميد شرطة ممتاز كان يعمل بديوان مدير الأمن المغربي، وقريب أوفقير من جهة زوجته، سجل نفسه في المدرسة العليا للدراسات التجارية في غشت 65 كموظف تابع لوزارة الداخلية، حَل الماحي بباريس والتقى الشتوكي أحد مساعدي الدليمي، الذي طلب منه أن يدله على منزل أنطوان لوبيز ملك الخدمات المتبادلة، الذي سيصبح دليل أوفقير الأساسي، هو وصديقه بوتشيش المجرم الخطير في عصابة « جوعطية »، وهو ما يدل على أن المخابرات المغربية بدأت تستقطب الأيادي القذرة لتنفيذ اختطاف بن بركة.. الذي بدأ يطلع على بعض تفاصيل فيلم « Basta » وقد رفض أن يكون بتمويل إسرائيلي وحين مده فيفون بنصف مليون فرنك فرنسي رفض تسلمها ونصح باستثمارها لصالح أعمال اجتماعية.

المهدي بن بركة

إتقان الفخ

مع توالي أيام تحضير عناصر الدراما الحزينة بدأت تبرز إلى الوجود خيوط جديدة.. ظلت الاجتماعات والتحضيرات جارية على قدم وساق بين رجال الأمن المغاربة والعملاء والمجرمين الفرنسيين، وهكذا تم وضع اللمسات الأخيرة على الخطة يوم 25 أكتوبر بمنزل أحد أصدقاء بوتشيش، حيث حضر لوبيز والشتوكي والكولنيل الصفريوي والعربي الشلواطي والماحي، ويتعلق الأمر ببييردو باي أحد الحراس الخاصين للمجرم « جوعطية، وجان باليس وجوليان لوتي ».

يوم 27 أكتوبر على الساعة التاسعة ونصف سيتصل المهدي بن بركة من جنيف بمنزل برنيي ويقترح عليه تخصيص الأيام الثلاثة الأخيرة من أكتوبر لمناقشة الفيلم بعد قدومه إلى باريس محدداً معه موعداً للغذاء بأحد مطاعم سان جيرمان، مبلغا إياه أنه سيكون صحبة مؤرخ شاب قد يفيد في التعاون معه وهو ما وصل إلى علم الموساد، من جهته سيقوم الصحافي برنيي بإخبار فرانجو كمخرج للفيلم ويكلفه بإبلاغ فيفون، وسيجري الشتوكي محادثات مع لوبيز وسوشون يوم 28 أكتوبر لوضع آخر اللمسات على خطة اختطاف المهدي بن بركة.

نحو الجحيم السري

لم يكن يوم 29 أكتوبر 65 عاديا بكل المقاييس، بالنسبة للمهدي بن بركة، الحي/ الميت الذي كان محافظا على مواعيده دون اتخاذ أي احتياطات، وهو المناضل الأممي الثوري المطلوب رأسه من أكثر من جهة.. وبالنسبة لمهندسي ومنفذي خطة الاختطاف التي أخذت تقتربُ نحو الصفر.

في التاسعة صباحاً، اتصل أنطون لوبيز برئيسه في المخابرات لوروي لإشعاره بمقابلة بن بركة لبعض المغاربة ظهر اليوم، وأنه لن يحضر إلى أورلي لاستقبال الجنرال جاكيي المدير العام للمخابرات الفرنسية العائد من ليشبونه، في نفس الوقت كان بن بركة ليتوجه إلى مطار أورلي.

بزقاق جان ميرموز يستودع المهدي أمتعته عند صديقه « جو أحنا » ويجري بعض المكالمات الهاتفية، في نفس الآن كان المخبر لوبيز والمفتش الممتاز سوشن يتواجدان في فناء نوتردام، ينتظران إشارة الضوء الأخضر، من مراكز السلطة العليا التي هي أوبير مدير ديوان وزير الداخلية الفرنسي حسب سوشون، ولو مارشان حسب نقابة الشرطة.

ينتقل سوشون إلى مكتبه للبحث عن مساعده فواتو الذي صرح بأن المفتش الممتاز سبق أن قال له بأنه سيحتاجه في خدمة تتعلق باعتقال مهرب مشهور يحمل وثائق مزورة!

المنعطف الأخير

على الساعة 11 صباحا يلتقي بن بركة الطالب الزموري في ساحة الشان زليزيه، ثم يتوجهان إلى سان جرمان دوبري على متن سيارة أجرة وذلك قبل الموعد المقرر في مقهى ليب، حيث طلب المهدي من الطالب إنجاز دراسة وتحليل تاريخي حول حركات التحرر في القارة الثلاث بالإضافة على المساهمة في فيلم « Basta »، وقدم له السيناريو الذي أنجزه فرانجو، بالموازاة مع ذلك سيطلب العميل الشتوكي من لوبيز الاتصال بالرباط ما بين الرابعة والخامسة مساء بمدير ديوان الدليمي ومدير ديوان الجنرال أوفقير، محتوى المكالمة لا يتجاوز الشفرات الملغزة: « ألو، طردك جاهز »، « لقد وصل ضيفك ».

كانت عناصر العصابة المكلفة بتنفيذ العملية هناك، قرب مقهى ليب، لوبيز متنكراً، ولوني يجوب الشارع جيئة وذهاباً، وفي الجانب الآخر هناك سوشون وفواتو وآخرين، البعض يطالع جرائد فرانس سوار للتمويه، والبعض الآخر يراقب حركات الفريسة، والكل ينتظر التعليمات، وفيما كان المهدي يتجول مع الطالب التهامي الزموري في انتظار الموعد، تقدم الشرطي سوشون نحو المهدي مبرزاً لوحته المعدنية مع الساعة الثانية عشر وربع زوالا، وخاطب المهدي بلطف: « اتبعني من فضلط » والتمس من الطالب الزموري الابتعاد.

محتفظا بهدوئه، استسلم المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفوات، كانت تلك آخر نظرة ألقاها الزموري على المهدي، وآخر حلقة مجمع عليها من طرف كل الحكايات.. أين حمل المهدي بن بركة؟ متى حضر الدليمي وأوفقير إلى منزل العصابة المجرمة؟ ما مصير جثته، هنا يوجد الخيال أكثر من الحقيقة، وتتضارب الروايات..

في الجزء التالي تركيب لسناريوهات ما حدث تلك الليلة بين باريس والرباط

أبتر

عبد العزيز كوكاس

نحت

من لا ذراع له كيف سيرفع أكفه إلى السماء؟

كيف سيمد يده للريح مثل جناح فراشة

يطير..

من لا ذراع له .. كيف يوقد الحنين في جذر الزهرة

ليبشر بالربيع

من أين له أن يوقد شمعة في محراب الله ويتلو صلواته

بتضرع المؤمن؟

من لا ذراع له، كيف يلمس جسدا مرتعشا مثل الزئبق

وينتشي

وحده قلبه مقبرة للحنين، للعناق، للوداع وللوعيد

للسلام وللغضب..

تمني

 

ليتني أعثر على فم لأقول كل هذا الضجيج داخلي..

تشكيل

لذة الألم

 

الافتقار إلى الخيال هو ما يجعلنا لا نفكر في ما يؤلم، التعب هو الألم الضروري لمقايضة النجاح.

نحت

شذرة

العاشق الفارس

لا أحد يمكن أن ينوب عنك في خوض معارك قلبك.. فكن فارس عشقك

تشكيل

إلى من علمني حرفا فصرت به حرا

إلىمن علمني حرفا فصرت به حرا

تشكيل

أبراهام السرفاتي: اليساري الذي آمن بأن الحياة حرب وحب، والاستسلام رواية تبعث على الملل

 

عبد العزيز كوكاس

« لا شيء خارجك لديه سلطة عليك » رالف إيميرسون

تبدو سيرة أبراهام ألبير السرفاتي كدفاع مستميت من أجل أن يكتب المنهزم في صراع السلطة تاريخه الخاص ويروي حقيقته النوعية دون خنوع أو خضوع.. في معركة الكفاح الوطني أو في مواجهة نظام سياسي مبني على القوة، اختصر جسد السرفاتي وشم تاريخ المغرب المعاصر.

أبراهام السرفاتي

أبراهام السرفاتي

كان مثل نخلة شامخة تمنح ظلها بعيدا عن أنانية جدعها، لذلك ظل رمزا لجيل حلم بوشم مغرب عادل ونامٍ متقدم ومتحرر بتوهج الحضور، فرمته قوى العسف إلى سراديب الغياب… برغم قضائه 17 سنة في جحيم سجون الحسن الثاني، وثماني سنوات في المنفى، لم يحمل ذرة حقد تجاه جلاديه وظل يحذر رفاقه من مزالق شهوة الانتقام والتباساتها… في ذاته تُختزَل جراح عقدين من الزمن الرصاصي لمغرب، بدل أن يخرج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، خرج من سجن أصغر ليتحول كل الوطن إلى سجن كبير، قاعة الضيافة فيه تبتدئ من درب مولاي الشريف إلى هوامش مدن الصفيح وقسوة الحياة في المناجم وسغب جوع صغار الفلاحين والمهمشين المغتصبين في حياتهم.. ولأن الأحلام هي بوابة الحقائق، فقد اتبع درب الحلم الذي قاده إلى درب مولاي الشريف، الذي لم يستطع أن يغلق قلوب جيل عن حب الأب الروحي لليسار الجديد، الذي سيظل مثل الوشم على جسد اليسار الجذري بالمغرب.

لم تسعفه هشاشة القلب، في أن يمضي نحو الأقاصي لمؤاخاة ظلال حلمه بمغرب ينمو ببطء، لكن بخطى الواثق من وقع أقدامه على إسفلت الطريق.. إنه الموت:

وإذا المنية أنشبت أظفارها   ألفيت كل تميمة لا تنفع.

كل اللغات ستظل دون شموخ قامة رجل خرج من نعيم دواوين الوزارات دون أن تغريه حواء بالفاكهة المحرمة، وحده الحلم قاده نحو عتمات السجون ويُتم النفي بتهمة جنسية اقترحها على الدولة زعيم حكيم من اليسار.. وما بدَّل تبديلا!

كل مفردات اللغة ستظل كسيحة عن أن تساير قامة رجل دق أجراس الخلود، جمرا وألما وعنادا لا ينتهي، خارجا من زهو البطولات المنكسرة ألقا وضياء.. وحده يُجسد تلك المساحة العميقة التي طبعت مرحلة بكاملها من المغرب المعاصر، بين جراح الحلم وأعراض الهزيمة، كأنه النشيد المدوي لانكسار أنغام البطولات والثورة الحمراء التي لم تخرج من كراريس « إلى الأمام » لتترجل قليلا في جنوب المتوسط وتسير بشموخ الأطلس بين الكولخوزات والسوفخوزات ومشاريع الطبقة الطليعية كما نظَّر لها هربرت ماركوز..

وحده يحمل في ذاته تلك الشعارات الصادحة المبشرة بغد أفضل وضجيج الرفاق الذين تعبوا أو تفرقت بهم السبل.

 أبراهام السرفاتي ليس فردا كما تتبدى سيرته المثبتة على لوح سجلات الحالة المدنية أو تقارير المخبرين وسدنة الزنازن.. أبراهام هو المغربي اليهودي، اليساري الديمقراطي، الشيوعي الوطني، القومي التحرري… هو الجمع الذي قال لا في زمن كان شعلة من نار، حيث تحترق أصابع السياسيين ممن لا يلوون عنق الحقائق لتتكيف مع ربطات عنقهم، قال لا رافضا ومحتجا بصدق الأنبياء، وقليل هم من صادقوا الدرب وصدقوا…

20161024_222839.jpg

 

في 12 يناير 1926 رأى أبراهام السرفاتي النور بمدينة الدار البيضاء بملامح يهودية أندلسية., كانت بنادق المقاومة في جبال الأطلس تصدح بقوة ضد المستعمر فيما رائحة انتصارات البارود تنتشر في جبال الريف تتحول تدريجيا إلى أسطورة ستصبح ملهمة لكل الثورات الموؤودة التي عرفها المغرب الحديث.

وفي 18 نونبر 2010 بمراكش كان رموز اليسار، صحبة من آخته في ظلال الحلم ومحنة السجن، كريستين دور، يقودون الرجل نحو مثواه الأخير.

بين الزمنين عاش السرفاتي، الذي خبر كل أنواع المعادن، بين طغيان نظام الاستبداد بلونيه الغربي متمثلا في الاستعمار الفرنسي الذي ألقى عليه القبض في أبريل 1950 وحكم عليه بشهرين سجنا، ثم أعاد اعتقاله في شتنبر 1952 ليتم إبعاده في دجنبر من العام نفسه عن المغرب.. والاستبداد الشرقي متمثلا في نظام الحكم الفردي المطلق الذي قاده إلى دهاليز الاعتقال مرتين، في دجنبر 1962 ومارس 1965، وفي يناير 1972 وفي نونبر 1974، حيث ذاق كل أصناف التعذيب النفسي والجسدي في درب مولاي الشريف قبل أن يحاكم بالسجن المؤبد ضمن مجموعة 77 الشهيرة في 15 نونبر 1977، ويتم نفيه إلى باريس في 13 شتنبر 1991 تحت ذريعة أنه برازيلي الجنسية… حيث تخلص منه النظام مثل « جمرة خبيثة » بعد 17 سنة من السجن قضاها بين اغبيلة بالبيضاء والسجن المركزي بالقنيطرة.

من سجن إلى سجن، ظل أبراهام السرفاتي، طاقة مشتعلة من الأمل والحب والحنين… طاقة إنسانية ممتلئة برحيق الحلم، طاقة متجددة منفتحة على الكوني والمتغيرات الدولية، ولولا خوفي من أمريكا لقلت – على شاكلة ما وصف به الماغوط الشاعر أنسي الحاج – إنه طاقة نووية، وستبقى المشاعر التي أبلغه بها الملك محمد السادس محفورة في ذاكرة الرجل إلى الأبد، إنها نوع من التكفير عن خطيئة نظام سياسي عاقب جيلا بكامله على مجرد حقه في الحلم، يوم أعاده معززا مكرما إلى وطنه، يقول الراحل السرفاتي: « لقد أبلغني الملك أولا بأن رجوعي أمر بديهي وبدون قيد أو شرط، ثم رد إلي الاعتبار بصفتي مواطنا مغربيا كامل الحقوق خلال الأسابيع الأولى التي تلت عودتي، ويوم أعاد إليَّ جواز سفري وبطاقة هويتي، بعث إلي ثلاثة من أقرب المقربين منه، بينهم مدير الديوان الملكي، كي يسلموني هذه الوثائق بأنفسهم ويبلغوني بأني أصبحت أتمتع بكامل حقوقي، بما في ذلك لقبي كمهندس مناجم، وبأن الملك قد أهداني هذا المنزل.. هذه السلسلة من الأعمال الخيرة تتجاوز بكثير الحسابات السياسية، وفضلا عن كونها تشريفا لي، فإنها تبعث في نفسي كثيرا من الآمال في مستقبل المغرب بقيادة الملك محمد السادس ».

كان السرفاتي بالنسبة لنا، نحن الذين لم نصل عتبة الجامعة إلا في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، سليل دهشة وخيط دخان، منارة لإرشاد السفن التائهة وهو القابع في السجن المركزي بالقنيطرة، فيما سيسميه – فيما بعد – بـ « المنطقة المحررة » من المغرب، لأن موت سعيدة المنبهي وآخرين في حرب الأمعاء الفارغة، سمح للرفاق بالانتقال من بروليتارية الاعتقال إلى بورجوازية السجن، حيث الخلوة الجنسية والكتب والتطبيب، بل حتى ضمان الخروج من السجن والعودة إليه قبل غروب الشمس، إلى أن حدثت واقعة غرق أحد المعتقلين السياسيين في وادي أبي رقراق… ففي السجن وبالضبط في عام 1986 سيعقد قرانه على كريستين دور المرأة الفرنسية التي كانت إلى جانب كل النبلاء في العالم، كان يوما استثنائيا في تاريخ السجن المركزي بالقنيطرة.

وحين التقيته وجها لوجه بصحبة عبد اللطيف اللعبي وجمال براوي في طنجة بمناسبة الجامعة الخريفية التي نظمتها جمعية بدائل بفندق سولازور ذات عشاء، رقصنا فيها فرحا بقطب يساري لم يشب عن الطوق.. كان لا يزال مؤمنا بالتغيير وإن في سياق متبدل، صوته أكثر رزانة زالت منه الكثير من الوثوقيات والطوباويات.. أو حين زرته صحبة الزميل نور الدين مفتاح عام 1999 بإقامته على شاطئ مانسمان بالمحمدية الذي هيأه نور الدين عيوش.. كنت أود أن أقف على ما خلفته فيه سنوات السجن من انكسارات وأحقاد.. لكن ظنوني خابت، كوَّمتها في أكفان ضعف بشري، لم ألمسه في أبراهام السرفاتي، على خلاف كل من نعتوه بالخيانة و »بيع الماتش ».. يومها حضرتني حكاية الشاعر أحمد فؤاد نجم مع الصحافي الذي جاء ليستوجبه في منزله الفقير في الحي الشعبي بالغورية، حين سأل الصحافي: يقولون إنك خنت القضية؟ فأجاب الشاعر الساخر، وهو يشير إلى ما سقط من متاع الدنيا في بيته الموحش: تشتري بكم يا وله؟!

في عز الاستجواب كنا كمن يحرك المواجع الراقدة في تاريخ السرفاتي، كان يتكلم بثبات ويروي أحداث محاكمة مجموعة 77  لحظة وصفه للمحاكمة بالمفبركة وتوجهه إلى القاضي بنفس الحماس، لدرجة أنه نسي لحظة أنه يجلس على كرسي متحرك، فرفع يده وهو يردد النشيد الجماعي الذي غنته المجموعة في قاعة المحكمة وأراد أن يقوم من كرسيه…

لم يكن بوسع سدنة الزنازن أن يئدوا في السرفاتي حق الحلم، ذلك الإصرار النبيل ليكون الإنسان حرا معنى ومبنى، وأن يكون في وضع برجوازي طيب مع العالم ولو من أجل الدفاع عن فكرة بروليتارية!

للتعليم فضائل قصوى على السرفاتي، كمتلقي وكمرسل.. لقد درس بثانوية ليوطي بالبيضاء، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبتين هما الفلسفة والرياضيات عام 1973، ليلتحق سنة 1945 بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس، إذ حصل منها على دبلوم عال في الهندسة المدنية للمعادن، وفي قلب عاصمة الأنوار سيصبح الفتى أبراهام عضوا في الشبيبة الشيوعية عام 1944 ثم إطارا في الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1945.

مارس مهامه كمهندس للمعادن ومديرا لورش الأبحاث المعدنية بالأطلس المتوسط سنتي 1949 و1950، ومباشرة بعد الاستقلال تقلد منصب مدير ديوان كتابة الدولة في الإنتاج الصناعي والمعادن سنة 1958، ثم مدير المعادن والجيولوجيا من يناير 59 إلى يونيو 1960، وفي ذات الوقت كان مكلفا بمهمة في ديوان الراحل عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد الوطني في حكومة عبد الله إبراهيم.. لكن مهنة التدريس وحدها، كانت تمتلك جاذبية وتمارس سحرا على أبراهام السرفاتي، حيث سيعمل كأستاذ باحث بالمدرسة المحمدية للمهندسين، بالإضافة إلى إدارة « مشروع المعادن بالقسم النهائي، وتدريسه لمادة التكنولوجيا بكلية العلوم الاقتصادية بين 1964 و1965، قبل أن يصبح مديرا للدراسات بين 1971 و1972 بالمدرسة المحمدية للمهندسين التي حولها إلى مشتل لنخب اليسار الجذري.

وحتى بعد استعادته لحريته يوم 13 شتنبر 1991، تحت ضغط داخلي ودولي، ونفيه إلى فرنسا حيث عاش كلاجئ سياسي، اشتغل الراحل السرفاتي بالتدريس ما بين 1992 و1994 بجامعة سان دوني بباريس في مادة « الهويات الديمقراطية بالعالم العربي ».

لقد خدم التعليم السرفاتي بأن خلص ذاكرته من ضجر الزمن وضوضاء العابر والطارئ، فكان مثل صوفي صادق الدرب وسار عليه وجعله سرا لم يفصح عنه إلا للخلصاء من الرفاق الخمسة الذين أسس معهم سرا نواة الحركة الثورية » إلى الأمام »، ولأنه نجا من تعب البكاء على أعطاب الماضي وخيانات ناسه، فقد ظل مؤمنا بأنه لا يخشى الموت سوى الموتى، وحتى في اللحظات التي كان يحس فيها بطعم الهزيمة.. كان يبحث على أعلى ربوة لينصب عليها، مرحليا، راية الاستسلام.. ويعاود مراجعة الفكرة المرة تلو الأخرى، بحدس من يشعر أن الذين لا يغيرون أفكارهم، كلما برز عطبها، يحبون أنفسهم بشكل أناني أكثر من عشقهم للحقيقة.. تجديد فكر السرفاتي في كل لحظة تاريخية يعود أيضا إلى التربية التي نشأ عليها الرجل، فأسرته المنحدرة من الأندلس تحمل رسم ثقافة باذخة قادرة على التكيف مع تبدلات الزمان، ونصائح أبيه الذي كان ينتمي إلى الحركة الماسونية، إلى ما كان يسمى « الشرفاء البناؤون »، كانت دوما حاضرة في تفكيره.

لعب الراحل السرفاتي دورا كبيرا في وضع قانون العامل المنجمي، ورغم إغراءات منصبه، كمدير قسم الأبحاث والتنمية في المكتب الشريف للفوسفاط الذي كان يحول التراب إلى تبر يراكم عائداته النافذون في البنوك السرية، فيما يشبه تبييض الأموال.. من 1960 إلى 1968، لحظة إضراب العمال المنجميين، الذي جعل البرجوازي الناعم يخرج عن صمته ويعلن تضامنه مع العمال المضربين في الفوسفاط، ويخاطبهم: « إن المكتب بدونكم، لا شيء »، وهو ما عرضه للطرد، ليلتحق في نفس السنة بالمدرسة المحمدية للمهندسين وبهيئة تحرير مجلة « أنفاس » التي كان يديرها رفيقه غير المهادن شعرا ونضالا، عبد اللطيف اللعبي، الذي أسس برفقته « جمعية البحث الثقافي ».. في المدرسة المحمدية للمهندسين سيحدث أول لقاء غريب بين السرفاتي وأوفقير، هكذا رواه المناضل اليساري : »حدث الأمر في اليوم الأول للانتخابات التشريعية الأولى في المغرب عندما دعا اليسار إلى مقاطعة الانتخابات كان ذلك صباح يوم أحد وجاء أحدهم ليقول لي أن الشرطة قد احتلت المدرسة المحمدية للهندسة وكان الطلاب قد صعدوا إلى السطح وكانوا يلقون قصاصات معارضة للانتخابات.. وكانت الشرطة قد جاءت لذبحهم بكل ما للكلمة من معنى، توجهت إلى المدير كنت أعرفه وكان صديقا لي فقال: « هذه كارثة »، لكنه لم يضف شيئا.. توجهت إلى السلالم، فقد كان الطلاب على السطح، صعدت كي أراهم بينما كانت الشرطة تحاول إنزالهم بالقوة، بدأت أحتج وأصرخ فأنزلوني بالقوة أيضا، في الأسفل كان يقف الجنرال أوفقير لا أعرف إن كان قد رقي لرتبة جنرال حينها، توجهت مباشرة نحوه وقلت له: » لا يحق لك فعل هذا ».. أوفقير لم يكن يعرفني، لم يعرف ما إذا كنت مغربيا أم فرنسيا، لو عرف أنني مغربي لأرسلني مباشرة إلى قسم الشرطة أو السجن قال لي: » أخرج من هنا يا سيدي » أو شيئا من هذا القبيل لم يكن بوسعي سوى تنفيذ ما قاله والخروج، لكن بعد ذلك بساعتين جاءت شاحنة شرطة وأوقفوني وقادوني مباشرة إلى مكتب أوفقير، يجب أن أروي هذا، سألني: » كم تجني من العمل في مكتب الفوسفاط؟ » وفي ذلك الوقت كنت أجني ما يقارب ثلاثمائة ألف فرنك، فقال لي: » عليك أن تتلقى كل صباح ثلاثمائة ألف ضربة بالعصا »ََ !

حين أسس السرفاتي صحبة ستة أشخاص، سينسحب واحد منهم، منظمة « إلى الأمام » جمرة الحياة والموت، كان الأمر أشبه ب »الانتحار » الطبقي، كانت الخطابات النارية مثل بنادق كلاشنكوف تبشر بحرب التحرير الشعبية، لذلك سيصبح السرفاتي مبحوثا عنه لدى البوليس السري وهو ما اضطره للتخفي في بيت لصديق فرنسي هاجر المغرب وترك له الشقة وبطاقة الهوية، وعاش متنكرا لمدة سنتين، أطال شعره وغير من شكل هندامه وأسعفته فرنسيته على العيش حرا حتى عام 1974، ومع ذلك استمرت وزارة المالية في ضخ راتبه الشهري، وهو ما سيكلف أخته إيفلين السرفاتي حياتها، حيث كانت تملك حق التصرف في سحب المال من حسابه البنكي، وهو ما اكتشفه رجال الأمن الذين اعتبروا أنها تعرف مقر إقامة أبراهام وهي من توصل له المال.. ولأنه لم تكشف عن مكانه قدمت حياتها في محرقة « سقطت الأقنعة فلنفتح الطريق الثوري »…

لم ينل السرفاتي من هذه الدنيا غير ما تملكه العصافير من حق الطيران فوق الأرض وشرعية الحلم، لذلك ومنذ انخراطه في العمل السياسي في صفوف الشباب الشيوعي سنة 1944، من الحزب الشيوعي الفرنسي إلى الحزب الشيوعي المغربي، حتى تأسيسه منظمة « إلى الأمام » في 30 غشت 1970 عبر انفصاله عن رفيق الكفاح علي يعتة.. كان السرفاتي يناضل من الطرف الأقصى لليسار عن الحق في مغرب اشتراكي بدون طبقات، استهوته، كما سائر جيله، أوهام ودوغمائيات لم تسقطها كل تجارب ومحن السجون، وحين انصبت المعاول على تحطيم الجدار الفاصل بين الألمانيتين، كان الرجل قد تسلح بالكثير من الوعي، ليبعده عن صنمية الفكرة لأنه ابن واقع متجدد، كانت الأفكار الشيوعية حينها مختلطة بحلم مجتمع بدون طبقات، إذ « سيكون الاستعمال الأمثل للذهب هو أن نصنع منه مراحيض عمومية في الساحات العامة »، كما بشر بذلك لينين، وبين ثقل جبروت الدولة الحمراء التي ابتلعت كل المجتمع، الذي تحول بمجموعه إلى أفراد أشرار، من أجل إنقاذ إلاه الفكرة الطيبة: « الشيوعية ».

سيقول البعض إن جدران السجن المركزي وحدها من حمى فكر أبراهام السرفاتي من الانهيار، ونقول لا، إنه من مكر التاريخ أن يكون أكبر مستفيد من انهيار الشيوعية هو أكبر مدافع عنها، لأن انهيار جدار برلين 1989، كان أحد المقدمات الأساسية لانهيار جدران السجن المركزي بالقنيطرة، حيث أفرج عن أقدم معتقل سياسي يوم 13 شتنبر 1991.

ومع ذلك ما بدل تبديلا، إذ ظل من باريس، يعاند من أجل إصدار نشرة « إلى الأمام » الصادرة في أبريل 1992 في حلتها الجديدة..

ثمة ملمح آخر طبع مسار أبراهام السرفاتي، وهو خصيصة مغربية تنأى عن المقارنة مع أي بلد من بقاع الدنيا، وهو هذا التآخي بين اليهودية والإسلام، فما خِيضت حروب لإقصاء الرجل من زعامة مرحلة بسبب انتمائه، ولا استعمل انتسابه الديني، لا من طرف الدولة ولا من طرف خصومه في أي منازلة سياسية، كان الرجل إلى جانب رفاقه من المغاربة اليهود ممن نددوا بالاحتلال الإسرائيلي في نكبة 1967، وظل يعبر بدقة الخبير الحدود الفاصلة بين تعاليم التوراة وما تمخض عن مؤتمر بال.. لذلك وفي الوقت الذي كان فيه العديد من اليهود المغاربة يحلمون بالعودة إلى أرض الميعاد المقدسة، ظل السرفاتي يحلم فقط بالعودة إلى أرض الوطن، ويصيح بأعلى ما تبقى في حنجرته من هواء التحدي: »أنا عربي يهودي مناهض للصهيونية وأدافع عن فلسطين ».

ليعذرني أنسي الحاج الذي كان يقول: « باعة الرثاء حملة صلبان مزورة »، فأنا ما كنت أرثي سوى ما تبقى من حلم في جيلي، و »تشتري بكم يا وله ».

 

حكاية غزو « البق » للبرلمان

عبد العزيز كوكاس

برلمان

تعيش البيوت والفنادق الأمريكية اليوم، على إيقاع غزو غريب لحشرة البق لدور وشقق الشعب الأمريكي، ولا حديث اليوم في وسائل الإعلام، بما فيها « cnn »، إلا عن المشكلة الكبرى للبق، الذي دفع بالعديد من الجامعات والمنظمات لعقد مؤتمر علمي للبحث في وسائل القضاء على هذه الحشرة الغريبة… لا يعلم الكثير من المغاربة، أننا سبقنا أمريكا على عظمتها في التعرف على حشرة البق.. وفي أسمى مؤسسة في المعمار الدستوري، وأجمل بناية في شارع محمد الخامس بالعاصمة..

بعد عقد من الحياة النيابية، اكتشف الموظفون غزوا زاحفا لحشرة البق في قبة البرلمان، فوصل النبأ العظيم إلى الملك الراحل فتشكلت لجنة خاصة لتتبع ودراسة الموضوع، وقدم إدريس البصري تقريرا مفصلا للحسن الثاني، حيث استنتج الباحثون في سيرة بق البرلمان، أن سبب انتشار هذه الحشرة اللعينة يعود إلى أن نواب الأمة، بحكم أجورهم الهزيلة، ينزلون في فنادق السويقة غير المصنفة حيث كل أنواع الحشرات، لذلك كانوا ينقلون معهم البق إلى كراسي البرلمان، مما جعله يتناسل ويتحول إلى جيش جرار يقلق راحة نوابنا المحترمين، لذلك كلف الملك الراحل المهندس الفرنسي باكار في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بإصلاح بناية البرلمان، وأمر بتلك الزيادة المهمة في أجرة النواب ليشرِّفوا أمتهم… غير أن البق للأسف طاح على القبة كلها بنوابها وبمناقشاتها.. ولم يعد المواطن يتتبع سجالات المؤسسة التشريعية.

 

العلاقة بين بن بركة و أوفقير.. لا أحد يقول الحقيقة

عبد العزيز كوكاس

في « ذاكرة ملك » يستغرب الحسن الثاني للعداوة التي نبتت بين المهدي بن بركة ومحمد أوفقير قائلا: إن العلاقة بينهما « كانت ممتازة، فلما كنا في المنفى كان هناك تعاون وثيق بين بن بركة وأوفقير »، وأكد على وجود شراكة حقيقية بين الرجلين مضيفا إن أوفقير كان يساعد المهدي من خلال مده بالمعلومات، كما كان يساعده على الاختباء والتنقل، فقد كانت شراكة حقيقية قائمة بينهما على الأقل طيلة سنتين ونصف السنة، ولما عدنا من المنفى كان يلتقيان ويتعانقان « ليؤكد فيما بعد تدهور علاقتهما.

بوعبيد وأوفقير

بوعبيد وأوفقير

هل كان بن بركة على اتصال بأوفقير؟

لا يمكن المساواة بين الضحية والجلاد، لكن كل الذين تحدثوا عن الرجلين الذين وشما تاريخ المغرب المعاصر، يتحدثون عن وجود علاقة قوية بين المهدي بن بركة ومحمد أوفقير تعود إلى عام 1947، أي بعد عودة الجنرال إلى المغرب واشتغاله إلى جانب الإقامة العامة الفرنسية.

الحسن الثاني، زكية داوود وفاطمة ورؤوف أوفقير وستيفن سميت يتحدثون جميعهم عن وجود تقاطع بين الرجلين قبل أن تتفرق بهما السبل وتنشب العداوة التي ستصبح دموية: جثة بلا قبر وقاتل بلا محاكمة!

لكن بكل تأكيد كان هناك التقاء بين أوفقير والمهدي بن بركة، إلى الحد الذي ذهبت فيه زوجة الجنرال أن هذا الأخير هو من اقترح على الملك تنصيب أوفقير على مديرية الأمن الوطني، وحكت أنها كانت تحمل بن بركة على عهد الاستعمار في الصندوق الخلفي لإدخاله إلى القصر الملكي أو الذهاب به للالتقاء بأوفقير.

كيف تفرقت بين الرجلين السبل سنة 1947 و1955، هنا يصمت الكل وتمتد مساحات واسعة من الغُموض والبياض، ولا نعرف سوى النتيجة، أوفقير سيصبح رجل دولة وأحد أعمدة النظام السياسي، والمهدي بن بركة أستاذ الملك سيصبح المعارض الأول لحكم الحسن الثاني، ولن يلتقي الرجلان: صنيعة المعمر الفرنسي والثائر المعارض إلا على مائدة من دم في قلب عاصمة الأنوار باريس حيث تم إطفاء نجم المهدي بن بركة.

Navigation des articles