الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “novembre, 2016”

المعلومة الأنيقة والضجيج المنظم

عبد العزيز كوكاس

« أكثر الناس قلقا في السجن هو السجان » برناردشو

تعليم

تعليم

تعليم

ثمة شح كبير في المعلومات في حقل التداول العام، والمقياس الأساسي لندرة الأخبار نلمسه في صحفنا السيارة، فالإعلام هو معيار نبض حركية الفاعلين وجس مبادراتهم، وهو مرآة لكل الوقائع والأحداث التي يزخر بها المجتمع..

إن محنة أي صحافي مغربي اليوم هي نضوب مصادر الخبر، فالمعلومة لا تدور، وهو ما يفسر ارتكان الكثير من الأقلام إلى التحليل والتفسير والتعليق والتوجيه.. بدل الدور الجوهري للصحافة، الذي هو مد الناس بنصيبهم من المعلومات!

في مقابل شحوب مصادر المعلومات، هناك وعي متزايد لدى عموم القراء بالحاجة إلى الخبر، وهو ما يبرر بعض أحكامهم، من مثل تشابه الصحف، جريدة واحدة تغنيك عما تناثر على الأرصفة من عناوين، بالإضافة إلى بروز نوع من التشكيك في صحة ما تقدمه الصحف من أخبار بدون سند، اللهم « المصدر المطلع » و »العليم » الذي لا يعرف من العلم إلا الزيادة فيه، حيث أصبحنا أمام أخبار تخلق الوقائع والأحداث خلقا.

لا يمكن أن نطالب الصحافي بالإتيان بحليب العصفور، في حقل سياسي جامد تشوبه الكثير من مساحات البياض، وفي ظل مجتمع يتحصن فاعلوه بثقافة « المطمورة » و »سرّك في بير ».. فما أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن رشدت أرشد على قول الشاعر القديم.

تروي كتب التاريخ أن زعيم قبيلة عربية جمع الشعراء والخطباء ولامهم على خمولهم وعدم نظمهم للشعر وإلقاء الخطب الحماسية مثل ما يحدث بالقبيلة المجاورة، فأجابه حكيم منهم، بأن القبيلة الأخرى لها أيام ووقائع وأحداث، في كل يوم لهم غارة، يصنعون بها أمجاد يتداولها الشعراء والخطباء، أما قبيلتنا فلا شهدت غارة ولا صنعت مجدا، فعمَّ سيتحدث الشعراء والخطباء؟!

هو ذا ما ينطبق على علاقة صحافيينا بالمعلومة، ويفسر خلو صحفنا من الأخبار المتنوعة.. لكن ما مصدر هذه المعلومات التي تروج في جل صحفنا؟ أقول جازما، إن جل الأخبار التي تروج في صحفنا الوطنية اليوم، والتعميم فيه ظلم كبير لإبداع بعض الصحافيين وإنكار لجهد بعض الصحف، مصدرها واحد وإن تعدد الفاعلون داخل هذا المصدر، وهم الدائرة المقربة من مركز القرار السياسي في المملكة، من هنا ذلك التشابه الكبير في المعطيات والعناوين بين مختلف الصحف.

إننا أمام المعلومة الموجهة، تلك المعلومة الأنيقة المقدمة إلى الصحافي بكافة ملامح الإغراء، بقوام ممشوق وقامة هيفاء وشعر مصفف.. حتى أنه يخاف أن يضيف إليها عبارة واحدة قد تنقص من جماليتها.. بهذه المعلومة الأنيقة يخلق الفاعلون المعنيون بتسريبها ضجيجا منظما، المشكل في الأمر أن الخبر لا يخدم بالضرورة مصلحة الوطن، بل يعزز إصطفافات مصادر الخبر الدائرة حول مركز القرار، عبر تصفية الحسابات، وإعطاء هالة لواقعة هامشية، وتحطيم المتنافسين، وتزكية المواقع.. وهي كلها حروب صغيرة أمام القضايا الكبرى للمغرب.

فرجاء أعطوا الناس حقهم في المعلومة غير الموجهة.. واتركوهم يحكمون بأنفسهم على الوقائع والأحداث.

Publicités

بهجة الاستياء

طائر

عبد العزيز كوكاس

الاستياء ينتمي إلى جنس الأمراض الطويلة الأمد، إنه ذلك التوعك الصحي الذي يحسه كل من يتأمل الوجود بألم لذيذ..

الاستياء هو ما يمكن أن يصلح عنوانا لفصل كبير من رواية حياتي، افتقاد الإحساس بالوجود

كنعمة، ما يُسعد الآخرين يحزنني، منذ داومت التفكير في من أكون، وما الذي أصير عليه،

صرت أفتقد معنى للفرح خارج ألم التأمل في معنى الأشياء، الزمان، الموت..

أحيانا كثيرة لا يمكنك العثور علي في مكان أتواجد فيه باستمرار. وحدي على الرصيف

مثل باغية خانها العمر، ورفيق الدرب والزَّبون المحتمل.. مثل فكرة مهجورة من المعنى،

أحتسي كأس الفراغ وأنزع عن الهواء ما تناثر من لهب الكلام وظلال الحروف.

إن أكبر متمتع بلذة الحياة هو من يرفض أن يوجد فيها كشيء، حيث يتلقى العالم كجرح مثير للضجر، ويتعلم أصول قواعد فروسية دون كيشوت للدفاع عن نبل مختبئ في أحاسيسه وفي ظلال الأشياء .. أي تعبير يصلح للاستياء أقوى مما قاله المتنبي، حين أنشد قرآنه:

أي محلٍّ أرتقى … أي عظيمٍ أتقي
وكل ما خلق الله … وما لم يخلق
محتقر في همتي … كشعرة في مفرقي !

قلقي.. أناي لا آخر

عبد العزيز كوكاس

ثمة شخصان لا يملان من النظر لبعضهما البعض: أنا وقلقي.

22779 _n

حملة الأقلام عبيد السلطان

لقلقي شخصية غريبة وعجيبة، فهو دائما معتد بذاته، يأتيني متعجرفا، مزهوا بكبريائه..

ويسعى باستمرار لمحاولة إقناعي بأنه ليس شخصية مستقلة عني، فأناه هو.. هو أناي أنا!

لقلقي جسارة ملحوظة في التدليل على أنه ليس آخر، لكي يحافظ على المسافة الضرورية بين هويتين: أنا جسدا وروحا وهو كحالة كئيبة تقع بين السحر والسيكولوجيا، وأنه له مدة محددة لانتهاء الصلاحية حيث يهزمه مرح جميل يلمس نبض القلب وفكرة هيفاء في الدماغ..

قلقي لا يكف عن الاعتداد بذاته، وأن لي شرف أن أكون أناه الأخرى، لأن القلق – بحسب تعبيره- صديق الشعراء، خل العشاق، صنو المغامرين ورفيق المبدعين وظل الأنبياء، وأن جذوره نبيلة لا علاقة لها بفصيلة الدم المنحط أو المختلط.

أنا بحجم ما أراه

عبد العزيز كوكاس

10277779_596820567080712_9190830656377044414_n

ذوبان

أرى موتي مثل حبل قصير للمشنقة

كيف سأعبر عن ذلك؟ ذاك هو ما ينقصني، سيقال عني:

كان هنا ودخل في ال »ليس »، خلا منه المكان، كف عن الوجود، انتهى منه الوقت، وتعطل منه الكون، وبلغة مجازية: لقد جف مجراه الخاص..

أحس بنوع من نوستالجيا الوجود أني غبت في أقاصي غير شهية، ما عاد منها الراحلون ليحدثوننا عن الهناك.. دخلت دائرة العماء، أصبحت منفيا عن الوجود، عدما محضا،

أنا أصبحت « اللا أنا »، لم أعد « أنا »، هباء وزوالا أضحيت.

لا قبر يتسع للزعيم

عبد العزيز كوكاس

نادراً ما مات الديكتاتور على سرير نومه بشكل هادئ وبدون زوابع، فموت الطاغية مستفز، استثنائي، فرجوي، ميلودرامي، مليء بالإثارة.. يموت الحاكم المستبد وتتناسل حكايات وأساطير تنمو مثل كرة ثلج حول شكل موته الغريب والوحشي.. ولأن الطغاة دهاة حتى في موتهم فإن الأحياء يستمرون في القلق من جثثهم التي لا يتسع لها قبر.

تشكيل

تشكيل

جثة الطاغية ذات مكر خاص، تظل مصدر خطر داهم بالنسبة للأحياء.. حتى الثوار منهم لا يثقون بنصرهم إلا بعد إحراق جثته وذرها في البحر، أو إخفاء معالمها عن عامة الناس، هكذا هم الطغاة يحيروننا لما يحكموننا، ويحيروننا لما نقتلهم ويموتون.

في ذكرى ياسر عرفات.. حين يتوقف تاريخ أمة على نبض قلب رجل

عبد العزيز كوكاس

لم يختلف الفلسطينيون على قائد مثل ما اختلفوا حول ياسر عرفات ولم يتفق الفلسطينيون على رجل مثلما اتفقوا حول « أبو عمار »، رجل يبدو كما لو أنه قد من حديد، بين الرصاصة والأخرى ينحني قيلا، ثم يصعد مثل شجر السنديان.

ياسر عرفات

ياسر عرفات

ظل ياسر عرفات منذ نشأته في القاهرة إلى امتطائه الطائرة في اتجاه سرير بارد بباريس شاهدا على قرن بكامله، بمعجزاته وخياناته لشعب يطالب بأرض يرى عليها ظله.

 

برغم « تخلفه » الدراسي في مجال الهندسة، تخصصه الذي قاده إلى أن يكون رئيسا لاتحاد الطلبة الفلسطينيين سنة 1952، كان محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسني، مهندسا استراتيجيا لمسار الجرح الفلسطيني، ورغم أقمطة الحرير التي احتضنت الطفل ياسر عرفات في حي أرستوقراطي بشارع أمبان بالقاهرة، فإنه اختار الانتماء إلى منطقة الجرح، هكذا في 1952، وهو في منتصف عقده الثالث، جذبه بريق الإخوان المسلمين، وفيما يشبه حادثة سير في منعطف التاريخ، وجد عرفات نفسه إلى جانب خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) يضعون اليد على الجمر، ويطلقون الشرارة الأولى لحركة فتح.. ولأن الفلسطيني ظل وليمة للعديد من الأنظمة العربية، فقد كان عرفات في وضع الرجل الصبور الذي لا يستعجل التاريخ، لذلك سماه المقربون ب « ياسر » لأنه لم يجد صعوبة في امتطاء كل صعب.. من رام الله إلى غزة، ومن جرح فلسطين إلى قلبه.. من فلسطين إلى الأردن، ومن عمان إلى بيروت، تمتد الطريق إلى المنافي.. حيث ظل عرفات يحمل الحقيقة التي تحمله من ميناء إلى ميناء، من مطار إلى مطار بحثا عن وطن ظل يسرق من شعبه بالتقسيط المريح، وتحت حماية الأنظمة العربية، أتذكر بعد الرحيل عن بيروت نحو تونس سأله صحفي: « والآن إلى أين؟ » فأجاب بحكمة رزينة: « الآن إلى القدس » معشوقته المسلوبة.

لم يكن يحتاج طوال مساره إلى بوصلة حتى حينما وضعوا أمامه خريطة الطريق، لأنه كان يحمل القضية في قلبه، رافعا بيد بندقية وبالأخرى غصن زيتون وحمامة.. من مذبحة أيلول الأسود سنة 1970، حيث تم اغتيال الحركة الفدائية بأرض عربية إلى حصار إسرائيل لبيروت في 1982، كان يربي تربة فلسطين بيديه، قاد العاصفة على رصيف الحلم نحو الشهادة، ووجد نفسه في كماشة ما بعد حرب الخليج الأولى مضطرا لمصافحة إسحاق رابين بواشنطن في شتنبر 1993… لينقلب عليه الإخوان قبل الأعداء، ويحس إلى أي درجة أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند.

ظل القائد أبو عمار يمشي على أسلاك كهربائية عالية الضغط من أجل فسحة في الأرض فوجد نفسه يقضي بقية من العمر في غرفة محاصرا بدبابات إسرائيلية تزرع الموت من حوله، وما استكان، بل صرخ بوجع أيوبي: « يريدونني أسيرا أو شريدا أو قتيلا وأنا أقول لهم: سأكون شهيدا، شهيدا، شهيدا »… إذ ليس للمستلبة حريته سوى قيوده.

ظل يمد يده من أجل السلام، قبل أن تصاب بالارتعاش، وفي لغز تاريخي شائك، تساوت الضحية  والجلاد، وسارا وحيدين نحو مائدة التفاوض، واقتسم الشهيد والقاتل جائزة نوبل للسلام، في دجنبر 1994 بين ياسر عرفات وإسحاق رابين وشمعون بيريز.

ليرقد  في الأخير فيما يشبه لغز الحياة بمستشفى بفرنسا، التي ساعدته على إنقاذه من أنياب الموت سنة 1982 صحبة بيروت، في الكثير من الانعراجات كان يتوقف على نبضات قلبه مسار تاريخ شعب برمته.. حين وجد ياسر عرفات نفسه وجها لوجه مع قرار أممي بحجم قرار 181، أعلن في الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية، ومهد الطريق نحو أوسلو وهو يرى رفاق الدرب يسقطون تباعا بخطط الموساد ويرى بحسرة خروج 400 ألف فلسطيني غضبا من الكويت بسبب دعم صدام حسين الذي أصبح مدعم للانتفاضة، حينها بدأ يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام وبالاعتراف المتبادل باجتراحات اللحظة القاسية في ظل السواد العربي المنكفئ على هشاشاته الصغرى، لقد كان حقيقة يؤمن بالسلام، وحدها إسرائيل كانت تعرف أن الرجل الذي خبر دهاليز السياسة الإسرائيلية في مفترق الأزمنة، لن يضع أوزار الحرب حتى وهو مكبل داخل « قصره ». ولم تستطع المغامرة باقتحام  هوليودي لمقر إقامته، لأنها كانت تؤمن بامتلاك الرجل قدرة سحرية على النجاة من الموت وتتذكر جيدا كيف تسلل إلى بيروت إلى جانب مقاتليه، وكيف سقطت طائرته في صحراء ليبيا وظل وحده حيا على قيد الجمر. مثل طائر الفينق كان ياسر عرفات يستيقظ بين الأنقاض أكثر تجددا وصمودا.

وحتى حين كان ممددا على سرير الموت الذي لم يختره بعناية فائقة،  ظل يحلم بشرف التتويج حين قال للشرق الأوسط: « أنا مستعد لأن أكون نلسون مانديلا، أنا موافق، لكن بعد قيام دولة فلسطينية أتولى رئاستها في البداية ثم أتركها بعد ذلك للآخرين ». ومات وفي نفسه شيء من رائحة القدس التي لا زال صوت فيروز طريا يتردد في الآذان مبشرا بوعد الصلاة في القدس.

إلى صحافي(ة) ناشئ(ة)

عبد العزيز كوكاس

وأنت في أول الطريق نحو منعطف مهنة النبل التي اخترتها صدفة أو عشقا جارفا، أو بمحض حادثة سير في تاريخك أو تورطت فيها، هل تحتاج إلى بعض المنشطات، من غير المحظورة دوليا في سباق المسافات الطويلة نحو مهنة الوهم لاجتياز الطريق؟ هل تحتاج إلى ما يشد عضدك ويكون سندك في رفع الدهشة عن ممارسة مهنة الصحافة، ها إني أمنحك بعض الزاد، من خبير جابت أشرعة مركبه بحاراً لجاجا في صحافة هذا الوطن.

وأنت في أول الطريق تصاب بالرعشة، لقد تلقنت كل فنون السباحة دون أن تلمس الماء… تجد أشقاء في المهنة يسبحون بطرق غير التي تعلمتها، ويقودون أنفسهم نحو شاطئ النجاة بسلام، أتصور وضعك وأنت تدق باب أول جريدة..  خجلك الزائد عن الحاجة وأنت تمسك الهاتف لتحدث مسؤولا متواضعا ظللت تتهرب من جحيم لقائه، كي لا تنفرط حبَّات سبحة كل الكلام الذي نظـمته مسبقا، كم أود أن أهديك النجدين، أن أرشدك إلى ما يدلك على نفسك فيك!

نحت

الحق أقول لك: إذا كنت تريد أن تكون صحافيا ناجحا، فاحرق كل كتبك المدرسية، واتْفُل على جميع وصايا أساتذتك الذين شحنوك بما لا يصلح لحمل صارية على مركبك في لجاج الصحافة، وضع كل وصاياهم البليدة وراء ظهرك، إذ عليك أن تختار منذ البدء، بين أن تكون صحافي ظل، ليس مثل حكومة الظل في الدول ذات التقاليد الديمقراطية الباذخة، بل أن تكون في الصفوف الخلفية في جريدة ما، تُكلف بتغطية أو تعرية بعض الأحداث الهامشية وتكتب التعازي والتهاني… وبين أن تتبوأ سماوات الأعالي ليطلع اسمك بالبنط العريض في الصفحات الأولى!

عليك أن تختار بين أحد النجدين، أن تكون صحافيا يراعي نبل المهنة وأخلاقها ولا تأخذه في قول الحقيقة لومة لائم، وبين أن تقترف مهنة الصحافة وتدس ألغام الكذب في طريق الحقيقة، ولكل طريق تختاره ضريبته وفوائده، إذا كنت تريد أن تكون صحافيا وفق ما تعلمته فاعلم أنك ستفقد مصادر خبر نافذة، لأنك تخرج عن طوعها أو « تُحرِّف » حقيقتها، وسيكون عليك الوقوف أمام المحاكم أكثر من مرة بشبهة قول الحقيقة، وستتعرض لعملية سلخ الجلد من طرف زملاء محسوبين على المهنة  » يغمسون » مداد ما يُدبجون من دم جراحك وقد يترقوَّن على حسابك بسبب ما أبدوه من جسارة في مواجهتك، وبين أن تختار الانتساب للكتابات المسطحة التي تشبه خُطب الجنائز، تلك الكتابات التي لا تجلب عاراً ولا شنآناً، إنه طريق الرفاه لتفترش وسائد ريش الـ » نْعام أسِّي »!

اعلم أن أيسر السبل، هو أن تمارس هواية الارتشاء أو أن تمارس وظيفة قُطاع الطرق، قراصنة البحر الذين يختارون ملاجئ قصية لمراكمة خزائنهم من المنهوبات، اقبل عزومات مصدر الخبر، أنشئ معه حميمية تصبح أولى من الخبر.. لا مفر، لا إخوة لك في درب النزاهة والكرامة، والأخلاق المهنية مجرد كلمات لبناء جملة مفيدة، لا تجلب فائدة!

إذا لم يتفقدك برلماني أو وزير أو أي مسؤول سام، فاكتب عنه بشكل سيء، لن تحتاج إلى الكذب، بل فقط إلى بعض توابل الخيال لتضخيم الوقائع، فأنت ستجد، كما في أي عمل إنساني، وخاصة إذا كان صناعة مغربية، نقائص وثغرات… ضخمها كما تشاء، فالشعبوية لها موطئ قدم ببلادنا، حينها لن تعدم صحبة، وبعد صدور مقالك، سينادي عليك المسؤول لتفتح ملفك المطلبي، وسيقول لك زميله إن المسؤول الفلاني كاموني إذا لم « تعصِّيه » فلن يستجيب، وسوف تجد معجما خاصا بفن الضرب المباح في مجال الصحافة..  وستلتقي صحافيين يشاركونك تبادل الأدوار بتسليم ضحيتك مقابل ضحية جديدة، ستعرف أن هناك فنونا للكتابة عن مسؤول لم يفهم رأسه:

فهناك الغمز.. وهو مرحلة خفيفة من النقد الودي، ثم « القرص » ثم « تجبيد » الأذنين، ثم الصفع، ثم « الجمع بنص وتتلاقَّى ليه » أو الجمع بنص على الدَّص » والفرق بين الجمعين هو أن الجمع الأول بنص يبقى أرحم من الثاني، ثم ضربة الكاو… وفي المدح لن يخلو معجمك من مفردات تُتداول بين الصحافيين من « الترقاد في السمن » إلى « التَّخْمار »…

وأنصحك بعدم فتح « جريدة » في هذا البلد، إلا إذا كنت تُتقن فن التسول لتستجدي الإشهار وصدقات أولي الأمر في البلد، أو أن تملك مهارة القراصنة وقطاع الطرق الذين يهددون الفاعلين بمختلف أشكالهم بما شحَّ من أخبار، ليفرشوا طريقهم بالورود.

ما لك ومكافحة الرشوة، وصداع الرأس مع أخلاقيات جمعية ترانسبرانسي والوصايا الثقيلة لفقهاء أخلاقيات المهنة، اذهب حيث تقودك دروب الأظرفة المغلفة بالنعيم وذات الملمس الحريري، وتقبل كل الرشاوى المعروضة عليك بأنفة ولا تأخذ غنيمة وأنت صاغر خافض جناح الذل.. بل اقبضها بكبرياء، وشهامة باسم العادة و.. إذا عمت هانت!

تذكر أن زميلا لك ذهب في زيارة بلد خليجي صحبة زميلة له، وحين رفض تسلم « هدية » الأمير المسمومة باسم النظافة والنزاهة والبلادة وجد نفسه بدون تذكرة العودة إلى البلد، وتم حرمانه من كل الامتيازات التي كانت رهن إشارته، لقد كان بليداً! وحين رفض زميل لنا في  رشوة من وزير وازن في حكومة سابقة، منعت جريدته من كل إشهارات الوزارة المعنية إلى الأبد! لا تكن ساذجا فتتبع أهواء الذين فشلوا من قبلك!

هل تريد ألا يكون لك بيت فخم وتحرم أسرتك من العيش في رغد وهناء؟

إذن عليك أن تمشي بحذر في مشوارك الصحافي المليء بالألغام وتجاوز الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، كن مرناً كي لا تُعصر أو تُكسر، فالمقدسات تتجاوز حدود المكتوب، وعليك أن تتوفر في كل مرة على عبقرية استثنائية أو على عيون زرقاء اليمامة لترى إلى أفق ما يتوقعه أُولو الأمر.. فعين رضا المسؤول مرتبط أيضا بنوع الخدمة التي تقدمها  له، ويستفيد منها .

اتبع هذه الوصايا  تتجاوز كل وجع الرأس، وتُحول بذكاء مهن المتاعب إلى مهنة المغانم!

 

Navigation des articles