الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “décembre, 2016”

بشار الطبيب، بشار الأعمى

عبد العزيز كوكاس

« الكلب يُطاع وهو يحتل منصبا » « الملك لير » لشكسبير

سوريا

للسلطة شهوة لا تُضاهى في القتل، باعتبارها مقدسة ومحرمة، فإن مالكي زمام أمورها وحدهم لهم تميز امتلاك معنى الأشياء والأسماء، التاريخ والجغرافيا، مماليك البر والبحر، وحق التحكم في الماء والهواء والنار والتراب أصل الوجود كما لدى فلاسفة الإغريق القدامى.. لأن السلطة نظام كلي لا يقبل التنازع في جزئيات الوجود المشكلة لبنائه.. باعتبارها روحاً مطلقة وفكراً كليا..

لقد عشنا ورأينا كيف ابتلعت غوايات السلطة الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي، الواحد الأحد الذي لا ترفع صلاة إلا بأمره، ولا تغرب أو تشرق شمس خارج علم أجهزة مخابراته التي دخلت الجامعات وبيوت الله وبيوت العباد أيضا.. لقد انتصرت إرادة الشعب التونسي حين أراد الحياة، وصدق شاعر إسمه أبو القاسم الشابي وكذب رئيس أصبح إسمه شين الهاربين بن علي، وكذب الزعماء حتى ولو صدقوا وهم يخاطبون شعوبهم: « فهامتكوم، فهامتكوم »!

وجاء الدور على الزعيم الأبدي حسني مبارك فيما يشبه أكل القطة الجائعة لأبنائها، لأن السلطة لا تترك للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم وفستان أحلامهم، تسكرهم بخمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم.. فالداخل إلى السلطة مفقود والخارج منها مقدود، لذلك أشفقنا على رجل هرم يحاكم وهو ممدد على سرير وسط سجن المحكمة، رجل قادم من أبهة الجيش من مصر أم الدنيا التي لا تُضاهى في شموخ أهرامات أبي الهول، إلى مكائد السلطة، وجثم على صدر شعب، كما لو أن الفراعنة ما ذبلت شهبهم في الأعالي، كأن أساطير مومياتهم عادت إلى الحياة منذ عهد الفرعون رَعْ.. لكن زال وما زال شعب حتى وهو يحيى في نتوءات المقابر، أبدع النكتة ليحيى في كنف سلطة باغية مجحفة سادرة في غيها، لا يكبح جماحها قيد، ولا يحد من سيطرتها عرف ولا قانون.. لأن السلطة مثل عسل على شفرة حادة، هوس لتفريغ العقد حتى على أعواد مقصلة، وتفريغ للمكبوت في قالب مرصوص بالذهب.

حتى بعد انهيار نظام زين العابدين ومبارك، ظلت السلطة قائمة، حية ترزق فيما قضى عشاقها نحبهم ومنهم من لا زال ينتظر، لأنها هي روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجامش، هي الأنثى التي روضت أنكيدو وأفقدته قوة الطبيعة الزافرة.. وحده معمر القذافي زعيم رؤساء إفريقيا، ملك الملوك، ظل لحكمة ما ماتت معه للأسف يؤمن بأن « السلطة مصيبة والجالس على كرسيها دوما مصيب »، لقد نسي أن ليبيا دخلت العقد الثاني من القرن العشرين، وأن الشعب الذي حكمهُ منذ نهاية الستينيات قد تبدلت أحواله على مستوى البنيات والمواقف والأفكار.. لذلك حين خرج الناس عن سيطرته وصمهم بالجرذان والحشاشين والمقملين.. لأنه في ظل السلطة تختنق الحقيقة وينطفئ الصدق، حيث تتدلى ضفائر السلطة مثل مشانق وسط السراديب، لم يكن القذافي يعي أن موسم الصيد قد بدأ، والسلطة لا تعود إلى كرسيها مثل صياد خائب لأن لها دوماً نفس إحساس التذمر والانتقام الذي تحمله شباك الصياد الفارغة! وحده معمر القذافي لم يقرأ المثال الكلاسيكي المعكوس في اللغة العربية كما تمثله العرب « ساكب كاس »، لحسن الحظ أن « ليبيا » تقرأ بشكل سليم سواء من ذات اليمين أو ذات اليسار.. لذلك احتاج القذافي إلى القلب.. فوجد نفسه مثل الجرذ بين يدي الثوار يلتمس العفو والرحمة، كأب يحن إلى جميع أولاده.. كانت السلطة قد أشاحت بوجهها عنه وولتها شطر شلقم وعبد الجليل.. فكلما اهتز عرش عشاق السلطة.. غادرتهم نحو الغزاة الجدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة.. لأن السلطة عاهرة تمنح ذاتها للآخرين للأعداء كلما أصاب الجالس عليها سهو أو وسن، أو بعض عبث الصبية!

وجاء الدور على صالح اليمن، الذي أصبح طالحاً بالنسبة لغالبية شعبه الذي طالبه بالرحيل، ورغم جراح السلطة ظل الرجل يداوي ثورات شعبه بالتي هي أسوء إلى أن رحل إلى الأبد، أما طبيب العيون بشار الأسد فيوجد في قلب الزوبعة، لم يحفظ الولد المدلع أي حكمة عربية، وإلا كان استفاد من قول الشاعر:

لا تحتقرن صغيراً في مخاصمة # فإن البعوضة قد تدمي مقلة الأسد

وكم في الشرارة من ضعف # لكنها قد تأتي على بلد

لم يستوعب الرئيس السوري، أحد دول الممانعة يا حسرة، سياق الثورة العربية وأفقها، فحول رشاشات بنادقه وفوهات مدافعه نحو شعب أعزل أعمل فيه تقتيلا… كأن طبيب العيون لم ير ما حوله؟!

أيهما أعمى، أبو العلاء المعري الشاعر الحكيم الذي كان يرى أن الأعمى عورة يجب ستره في كل أحواله، لذلك لم يكن يخرج من سردابه الذي كان يمد له منه الغذاء والشراب، حدث ذلك في القرن الرابع الهجري، أما بشار الأسد إبن القرن الواحد والعشرين الميلادي، طبيب العيون الذي تزوج زهرة الصحراء ونهل من علوم أم الدنيا، الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس ذات قرن، وأصبح طبيب العيون، من سيداوي من العور، أبو العلاء المعري الأعمى أم بشار الأسد طبيب العيون ؟ المعري الحكيم أم بشار القتَّال لشعب من الأبرياء؟

تُرى لو كان القاضي أبو جعفر، الذي كان يكره الشاعر أبو العلاء المعري، لا زال على قيد الحياة، لمن كان سيوجه هجوه إلى الشاعر المعري أم إلى الحاكم بشار الأسد؟ حين قال:

كلب عوى بمعرة النعمان # لما خلا من ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبْتِ # إذ خرجت منك معرة النعمان.

للتاريخ أن يحكم خارج متاهات القول كما رسمها الرائع عبد الفتاح كيليطو.

Publicités

Navigation des articles