الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “février, 2018”

رسالة كوكاس للكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي ” تذكر .. للتاريخ ضمير ”

« قبل أن نصل إلى السلطة، علينا أن نصل إلى الحكمة كي نستخدم السلطة بشكل جيد” .. رالف إيميرسون

عبد العزيز كوكاس وادريس لشكر

أعرف أنه ليس بيننا مودة كبيرة، لكنني جد متأكد من أننا لا نحمل لبعضنا أية ضغائن أو أحقاد، لأن احتكاكنا مع بعضنا كان في لحظات تواصلنا الإنساني المشترك أو في سياق قيامك بمهامك السياسية وممارستي لمهامي الإعلامية، كل مما يمليه عليه واجبه الأخلاقي ودوره المهني، وهو ما يجعل رسالتي إليك خالصة من أية ضغينة، ونابعة من غيرة حقيقية على إرث جماعي مشترك أخذ يتبدد تدريجيا حتى قبل أن تأتي إلى قيادة حزب القوات الشعبية..

لقد ترددت كثيرا في اختيار الصيغة الملائمة لمخاطبتك، ورسوت على أن أراسلك بالصدق الذي يوجع لكنه لا يضر، لعل رسالتي يكون لها وقع على براءة الإنساني في السياسي فيك.

عزيزي إدريس:

أن تكون كاتبا أول للاتحاد الاشتراكي؛ أي زعيما للحزب الذي كان وشما على جسد الفعل السياسي بالمغرب، معناه أن تتقلد مسؤولية تاريخية ثقيلة لسجل حافل من العرق والدموع، من الأماني والآلام، من الفرح والخوف، والحب الأسطوري لفكرة نبيلة، من الانتصارات والإحباطات، من الصدق ومن الخيانات الملازمة أيضا لروح فكرة جوهرية في التاريخ…

أن تكون رئيسا لحزب سليل حركة التحرر الوطني، هو ببساطة أن تكون مؤتمنا على تاريخ طويل وأمجاد زاخرة تفرض عليك أن تكون أبا روحيا للجميع وأن تكون رائدا للاختلاف، حتى تصبح رئيسا فعليا للفريق الذي اختارتك أغلبيته لتكون سائدا عليها، وأن تكون إنسانا لاحما، لا بالمعنى البيولوجي للكائن اللاحم، بل أن تلحم أجزاء الحزب بالحب، الصبر، التضحية والتأسيس لقيم العقل ضد قيم الغريزة والدم..

أنت الآن زعيما لأي اتحاد؟ هل اتحاد عبد الله ابراهيم والمهدي بن بركة والفقيه البصري وعمر بن جلون، أمْ اتحاد محمد باهي ومحمد عابد الجابري وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد اليازغي وآخر الأوراق المتساقطة أحمد الزايدي؟ أم أنت الآن كاتبا أول لما تبقى في الاتحاد الاشتراكي من قيم نبيلة وئدت بالتدريج وبشكل قسري، بعد أن ضاقت الأرض، على شساعتها، بكل من وهب حلمه للفكرة الاتحادية وبعد أن أضحى حزب القوات الشعبية أثرا بعد عين؟

قد يرى البعض أنك الآن كاتبا أول لآخر اتحاد، ما كان عدو ولا حبيب يحلم بأن يصير إلى ما أصبح عليه، وقد يتساءلون وهم حيارى وأنت تجلس على كرسيك الفخم في مقر الاتحاد الاشتراكي وتعد لك السكرتيرة قهوة الصباح وجرائد اليوم، هل تحس بالسواد الساكن بين أضلاعهم؟ وأنت تتمدد يمينا ويسارا فوق كرسيك المريح وتخطط لانتصاراتك القادمة، هل تشعر بحجم الدماء والدموع والعرق الذي صنع حزب الاتحاد الاشتراكي وجعله شامخا مثل منارة تضيء للسفن التائهة موانئ النجاة؟

وآخرون ممن مسهم الإقصاء والتهميش يتساءلون وهم يتصورونك تضع الخريطة التنظيمية للحزب فوق طاولتك مثل رقعة شطرنج، تفصل المؤتمرات والمكاتب المسؤولة في الفروع والجهات، في الأقاليم والقطاعات وتمهد الطريق لفتوحاتك وغزواتك القادمة… هل تعي جيدا تاريخ الاتحاد الذي صنع من جراح ودماء، من آمال وآلام، هل تفكر في من وهبوا زهرات عمرهم لصنع فكرة الاتحاد؟ وبحرقة يتساءلون هل تحس كزعيم بهؤلاء الاتحاديين البسطاء في المداشر والقرى النائية الذين لم يكن الاتحاد الاشتراكي بالنسبة لبعض أهلها، ممن نجو من خطاب السلطة وطغيان أحزابها الإدارية، سوى حلم جيل في التحرر والتنمية والتقدم، لذلك ظلوا يضعون خشب حياتهم مثل حطب تدفئة أمة بكاملها في قاطرة الاتحاد الاشتراكي؟

عزيزي إدريس:

وأنت تجلس على كرسي فخم في قلب العاصمة وسط رياضها الأنيق، هل تذكر شيخ العرب الأسطورة؟ محمد كرينة الأمازيغي النبيل الذي بكى الراحل بوعبيد غداة وفاته؟ هل تذكر بنونة، عبد اللطيف بن جلون، عمر بن جلون وغيرهم من الأبطال الذين تركوا أمجادهم الشخصية ووهبوا حياتهم بزهو ..الفرسان في محرقة الاتحاد الاشتراكي… أم إنهم كلهم قتلة ومجرمون استحقوا عن جدارة النهايات المأساوية التي انتهوا إليها؟

ربما وجودك بين الأتباع والحواريين ممن لهم مصالح مباشرة في تزيين الوضع لديك يعتبر مضللا، والكثير من الاتحاديين، ممن لهم كامل الحق الذي تفرضه المواطنة الحزبية في معرفة اتجاه ربان سفينتهم، لم يعودوا قادرين على ضبط بوصلة اتجاهك وأنت تقود حزب القوات الشعبية منذ ضربتك على الطاولة حول الوافد الجديد، إلى دعوتك إلى التنسيق مع حزب العدالة والتنمية، حتى وضعك خطا أحمر للتنسيق معه وموالاتك لحزب الوافد الجديد… برغم المكر الذي تفرضه السياسة، فإن الصدق أيضا بعض من توابلها.

بعد مسار طويل من الصراع بدأ مع فرض الاستقالة على عبد الرحمان اليوسفي وبعدها بالطريقة ذاتها تم تكرار السيناريو نفسه مع محمد اليازغي، ها أنت الآن زعيما سياسيا، قوتك في أن تكون كاتبا أول لكل الاتحاد الاشتراكي لا لجزء منه.. لم يعد الوقت يتسع لإعداد الخطط لفصل المعارضين و”تطهير” الحزب من ”المشوشين” على اختياراتك، هل تسمع صرخات الحزانى، أنين المكلومين، صيحات من عذبوا من أجل فكرة نبيلة اسمها الاتحاد، هل تحس بوجع من اختطفوا ومن عذبوا بوحشية ومن أقبروا إلى الأبد، فقط لأنهم آمنوا بالاتحاد الاشتراكي، حلما جميلا؟ لم يعد الزمن يسمح بتهيئ الأعداء من المخالفين لمجازر غير مشتهاة ودفع الخصوم والمعارضين نحو المجهول.. فما أقسى أن يتهم زعيم بتبديد كل كنوز حزبه التي صنعها أبطال بلا مجد بالدم والدمع والعرق، بالآلام المكتومة وآهات نساء فقدن أزواجا أو أبناء في المنعطف التاريخي الملتبس للمغرب المعاصر؟

عزيزي إدريس:

هل سبق أن قرأت آية الكرسي واستوعبت معنى قول العلي القدير وشديد العقاب: ”له ملك السماوات والأرض” وقول العظيم أيضا: ”وسعت رحمته كل شيء”؟ كن رحيما بمعارضيك.. امنحهم لحظة الزهو للتعبير عن أمانيهم الخاصة، عن أفكارهم محض شخصية، لا تعشق صورتك في الكرسي كي لا يكون لك مصير النرجس فتغرق في الضباب.

لم يكن بن بركة قاتلا، وبن جلون ابن تراب هذه الأرض ومن لبنها رضع، ومهما تثعلب الفقيه البصري فلأجل هذا البلد.. فلذلك رجاء اتق الله في الاتحاد وفي من حلموا بأن يكون لهذا البلد حزب نظيف.. هي لحظة تاريخية مواتية للتجميع ولجعل الاتحاد أرضا واسعة لما تبقى من الفكرة الاتحادية النبيلة، مد يديك بحب إلى الأصفياء والنزهاء وإلى كل من تم إقصاؤهم عبر مسار الاتحاد، فستجدهم مثل الأساور يحيطون بك متى خلصت النيات وصدق العمل على الأرض ما وقر في النفوس من نوايا طيبة، حتى ولو أصبحت السياسة بالمغرب هي وكر الأفاعي كما قال يوما الراحل محمد باهي عن جريدة الاتحاد الاشتراكي التي قتلته مسؤوليتها في منتصف التسعينيات.

حين تضع رأسك على الوسادة الحريرية، هل تفكر بغيرك وتضع في اعتبارك كل الذين توسدوا الحجر وتلحفوا التراب، كل الذين هادوا وما هادنوا، سفوا التراب من أجل أن يبقى الاتحاد متألقا، قويا… وما باعوا الرسالة ولا خانوا حتى في أشد لحظات الضعف الإنساني؟

لم تهمهم النياشين وهم يواجهون بصدور عارية أقوى ما فيها ذلك الإيمان القوي الصلب المعجزة الذي سكن قلوبهم.. كل أشكال العنف والتعذيب والاختطاف والموت… ويوم كان يأتيهم عبد الرحيم بوعبيد طالبا منهم أن يترشحوا، كانوا يتأففون ويتراجعون إلى الظل، كانوا يتسابقون نحو الموت مثل فراشات الضوء، ولكنهم في جني المغانم كانوا قلائل ومتعففين ..

لم يستطع المخزن في أقوى لحظات عظمته وجبروته، بما ملك من أجهزة سرية وعلنية على عهد أوفقير والدليمي والبصري، أن يئد الفكرة الاتحادية، ونجح أهل الاتحاد في ظرف قصير في أن يذبحوا الاتحاد الاشتراكي الذي كانت تذبح من أجله القرابين، فكن جديرا بأن تكون زعيما لكل الاتحاديين، كن لطيفا بمن وهبك كرسيا..

عزيزي إدريس:

تجل لنا لنراك أبا لكل الاتحاديين، فالاتحاد الاشتراكي فكرة، تاريخ، ألم ودمع، أنين موتى وصدى للعذاب وأحلام أجيال… حنانيك كن رؤوفا بما تبقى في الاتحاد من حلم قد يسعف لبعض من حياة نبيلة، فلا يزال هناك متسع من الأمل وارع كل هذا التاريخ، ولا تبعه، كما يوسف، بثمن بخس فلن ترث غير الهباء.

Publicités

عبد العزيز كوكاس بتحدث عن معاناة الصحافيين

DCS_1312
نظم نادي الصحافة بصفرو الملتقى الثالث أيام 6، 7 و8 من أبريل 2012 وعرف حضور متميز لمجموعة من الإعلاميين المرموقين وعرف يوم السبت ثلاث ورشات، شاركت في الورشة التي أطرها الإعلامي عبد العزيز كوكاس حول معانات الصحفي اليومية، هذه مقتطغات منها حول شروط الصحافي الناجح

https://web.facebook.com/Med.najib.fanni/videos/2977763810759/

المثقف والسلطة بالمغرب.. العلاقة الأشد التباسا

عبد العزيز كوكاس

10534671_1507435129493827_8661143492982542347_n

« للمخيلة أناس سعداء وآخرون أشقياء، لها قديسوها ومرضاها، أثرياؤها وفقراؤها، ولديها أيضا مجانينها وحكماؤها » باسكال

تعتبر علاقة المثقف بالسلطة العلاقة الأشد التباسا عبر كل فصول التاريخ، فخارج ذلك التآلف الأسطوري، الذي مثلته حكايات كليلة ودمنة، بين الملك دبشليم الذي كان يمثل السلطة السياسية – المادية.. والفيلسوف بيدبا الذي كان يمثل السلطة المعرفية – الرمزية، وما جسدته شهرزاد والطاغية شهريار الذي حولته الحكاية من سلطان ظالم إلى حاكم عاشق، حيث توج السلطة والمعرفة « وعاشا في ثبات ونبات وخلفا صبيانا وبنات »، وخارج بعض الاستثناءات التي لا تتكرر مثل تلك التي جمعت أرسطو بالإسكندر المقدوني وفولتير بإمبراطور بروسيا وهيغل بالملك بنابليون وفريدريك الثاني وأبو الطيب المتنبي وسيف الدولة.. لا يحفظ التاريخ الكثير من علاقات الود بين السلطة والمثقف، من محنة ابن حنبل وابن رشد حتى غربة علال الفاسي وعبد الله العروي وأدونيس.. لقد كان المثقف العربي بمثابة « الآلهة التي تفشل دائما »، على حد تعبير إدوارد سعيد.

شكل أرسطو والإسكندر الأكبر ثنائيا استثنائيا في علاقة المثقف بالسلطة، جاء الفيلسوف إلى القصر المقدوني بشرف وأملى شروطه لتعليم ابن القائد الأعور، اشترط مقابل تعليمه الإسكندر، على أبيه الملك فيليپ إعادة بناء بلدة ستاگيرا، مسقط رأس أرسطو، التي كان الملك قد دكها، وإعادة توطين أهلها بها، وعلى شراء وتحرير كل من استعبد منهم، والعفو عن أولئك المنفيين ودعوتهم للرجوع إلى ديارهم..

اكتشف أرسطو الشغف الكبير لإسكندر بملحمة هوميروس، فقدم له نسخة مشروحة منها، حملها الإسكندر معه في كل حملاته العسكرية، وكانت منبع العديد من استراتيجياته الحربية التي لا زالت تغري الدارسين حتى اليوم، لقد شكل أرسطو تلك الخميرة الفكرية التي جعلت المعرفة تسير جنبا إلى جنب مع سيف السلطة تهديبا وفتحا للآفاق الرحبة للعبقرية الإنسانية التي سيمثلها أرسطو وإسكندر الأكبر..

في أوج قوته ومجده الإمبراطوري، وصل إسكندر الأكبر إلى كورنث الرومانية التي استسلمت بلا مقاومة، وفي إحدى جولاته التقى بالفيلسوف الكبير الزاهد ديوجنيس صاحب المصباح الشهير الباحث عن الحقيقة في واضحة النهار بسراج مصباحه المتقد دوما، وكان الإسكندر معجبا بديوجين فوقف أمامه وقال له: « أما عرفتني؟ » فباغته الحكيم بازدراء: « تنح قليلا، فإنك تحجب عني الشمس »، فأعجب الملك العظيم برد مثقف أعظم، لذلك قال الإسكندر يوما: « حقًا أقول لكم، لو لم أكن الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجين ».

أما باقي العلاقات التي نجح الحكام في بنائها مع المثقفين فكان أغلبها ينتهي بالتفكك والصراع، فقد قضى « فولتير » المدافع عن الحرية زمنا في قصر الإمبراطور فريدريك الأكبر ملك بروسيا، الذي كان يقترف قرض الشعر، وكان الشاعر العظيم يتكفل بتقويم قصائده الركيكة، غير أنهما اختلفا فيما بينهما فقرر الإمبراطور البروسي طرده، وقال هازئا أمام حاشيته: « لقد قذفنا بقشرة البرتقال بعد أن اعتصرناها. » فرد عليه فولتير ساخرا: « لقد كنت أغسل للإمبراطور ملابسه القذرة. »

ائتلاف عظيم قام عن بعد بين فيلسوف عظيم من حجم هيغل والقائد العسكري نابليون بونبارت الذي رأى فيه هيغل أنه يمتطي روح التاريخ التي سبق أن بشر بها، حتى وهو يغزو بلده ألمانيا، كان للسلطة أن تستنير بعقل الفكرة لتصنع التاريخ الجدلي، لم يتهم أحد هيغل بالعمالة للمستعمر، لأنه رأى في نابليون حاملا لقيم الثورة الفرنسية وللمبادئ الديمقراطية التي بشر بها في فلسفته.. شيء من هذا كان يمكن أن يحدث في مصر بين نابليون وعبد الرحمان الجبرتي الذي أعجب بالجانب التنويري في الحملة الفرنسية على مصر، طبا وأخلاقا وقانونا وعلما… رافق حملات نابليون وكتب في « آثاره » ما يدل العرب على سبيل لنهضتهم وترك تخلفهم، غير أنه تعرض لحملة دنيئة بالعمالة للمستعمر الفرنسي وهمشت كتبه، لأن مصر ليست هي ألمانيا، لذلك دنست السلطة سيرة مثقف كان يرى روح الحضارة تشرق على مصر عبر جواد قائد عظيم امتطى صهوة التاريخ لتحضير مصر الغارقة في التخلف والجهل.

وفي المغرب ظلت العلاقة دوما متوترة بين « المخزن » والمثقف، فباستقراء التاريخ نجد أن العلماء أو أهل الحل والعقد، ظلوا يحتلون مراتب دنيا في الهرم السياسي بسبب خوف « المخزن » من الرأسمال الرمزي الذي يحملونه أو تحت تعلة ضعف خبرتهم في مجال التسيير والتدبير، وظل السلاطين المغاربة يعتمدون في تسيير دواليب الدولة على العسكريين والتجار من ذوي الخبرة، ولم يكونوا يتركون للعلماء سوى الوظائف الأقل خطورة، مثل: الكتابة/ القضاء/ النظارة.. وعوض أن يُنظر إلى دور التوازن الذي يمكن أن يلعبه المثقف/ الخاصة/ العلماء.. بين السلطان والرعية، كان « المخزن » يعمل على إبعاد المثقفين اتقاء لشرهم، وهذا ما أكده « ابن زيدان »، حين قال: « العلماء تتقيهم الملوك كما تتقي ملوك أوربا المجالس وآراء العامة الناشئة وحرية المطابع ».

وقد صنف الأستاذ مصطفى الشايب في كتابه: « النخب المخزنية في القرن الـ 19″، روافد السلطة المخزنية التي تبتدئ بالعائلات الأصلية.. النسب والحسب، والمعروفة بولائها للمخزن، ثم الخبرة في التجارة أو الخدمة العسكرية وبدرجة أقل العلماء، خاصة من خريجي جامع القرويين.

وباستقراء تاريخ السلطة السياسية الحديثة نجد نفس النهج يظل ساري المفعول، فعلاقة الحكم بالمثقف تظل متوترة، كانت السلطة تعمد إلى إبعاد المثقف المعارض وتعدمه رمزيا أو ماديا حتى، وحين تستوعبه تجعله تبعيا، فهي لا ترضى بغير علاقة قنانة مع المثقف، ويظل نموذج عبد الله العروي حاضرا في هذا الباب، فقد أصيب العروي بصدمتين عطلتا مشروع إصلاحه الفكري:

17201075_10208305219803961_3018934283209238932_n

الصدمة الأولى جسدتها وفاة رجل من العيار الثقيل في حجم علال الفاسي الذي كان يطمح الملك الحسن الثاني أن يكون منظرا لفكره ويعطي تلك الالتماعة الضرورية لروح الفكرة السياسية، والصدمة الثانية مثلها رحيل استراتيجي وازن من عيار عبد الرحيم بوعبيد، مما جعله يغير زاوية نظره بخصوص منطق الإصلاح، واندمج في دواليب الدولة بهدف نبيل.. التغيير من الداخل، كان يريد أن يختبر صدقية أطروحاته، لكن رياح السلطة جرت بما لا تشتهي سفن المثقف، فماذا حدث؟

تُرك عبد الله العروي لما اعتبره الحكم أفكارا طوباوية غير واقعية في وَحْل السياسة، واسْتُعمل في مراسيم بروتوكولية جافة، هكذا كان العروي يضطر للبقاء في فندق بلغازي بطرابلس لأيام وهو ينتظر استقبال القائد الليبي ليسلمه رسالة من « شقيقه » الملك الراحل الحسن الثاني، على سبيل المثال.. نفس الشيء حدث مع الدكتور المهدي المنجرة، لما أهداه الحسن الثاني كتابه « التحدي » موقعا بخط يده، وكان ينوي استقطابه إلى جانبه.. لكن المنجرة اختار خندقاً مغايراً حين ترأس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان وهو ما كان يسبب لصهره وقريبه، حارس الأختام الملكيَّة عبد الحق المريني، الكثير من وجع الرأس.. فوجد نفسه خارج دائرة السلطة..

كان يمكن لمثقف وازن من حجم العروي أن يلعب مع الراحل الحسن الثاني نفس الدور الذي لعبه أرسطو في حياة الإسكندر الأكبر، بحيث يتحول المثقف إلى عقل الدولة بغرض الاستفادة من تلك الخميرة الفكرية، التي تجسد المنارة التي ترشد السفن التائهة بين الأمواج المتلاطمة في الدياجي المعتمة للسياسة، لكن السلطة لم تكن ترضى بغير علاقة قنانة للمثقف مع سلطته، لذلك عاش عبد الله العروي على هامش الفعل المركزي للقرار السياسي، وكذلك الشأن مع مثقفين كبار لم يرضوا أن يكونوا مجرد أقنان في حظيرة السلطان.

وإذا كنا قد استمعنا دوما إلى رأي المثقف، فإننا لم نستمع يوما للسبب الحقيقي لغياب هذا الائتلاف المنشود بين المثقف والحاكم، وقد وجدت في نص فريد من رواية « قرية ظالمة » للكاتب محمد كامل حسين، جوابا شافيا في حوار بين حاكم وفيلسوف تجسد بحق رؤية منسجمة واعية ومقنعة لتخلي الحاكم عن المثقف، لأترككم تستمتعون بها، يقول الحاكم:

« إن الفلسفة قائمة بذاتها شيء جميل، ولكن حين يجد الجد لا نجد فيها هداية ولا رشدا، وإذا أراد رجل العمل أن يفيد من علم أهل الفكر قامت دون ذلك صعاب كثيرة أصلها ما لا بد منه من نقل لغة الفكر إلى لغة العمل، فإن المطابقة بين الألفاظ ومدلولاتها في كل منها أمر عسير، ذلك أن الفلسفة تقوم على تعريف الأشياء وحكم الفلاسفة على الأشياء فرع من هذا التعريف، ولكن رجل العمل لا يري ما تعريف عمله قبل أن يقوم به، ولهذا أخفقت الفلسفة في هداية رجال الحكم إلى الصواب، فالشجاعة عند « الفلاسفة » مثلا وسط بين التهور والجبن، وهذا حق لا مراء فيه، ولكني لا أدري ولا يدري قائد جيشي هل ما عمله كل منا في يومنا هذا يعد تهورا أو جبنا أو شجاعة، والفلسفة لا تدلنا على حقيقة ما نعمل ولا تهدينا يقينا إلى التعريف الحق لما نعمل إلا بعد أن يتم العمل، وأكثر أحكامها على الأعمال تحليلية، وعمل رجال الحكم بناء لا تحليل.

القوة إذا انتصرت للحق، فالنصر للقوة لا للحق، وأن القوة من طبعها الشطط فلا تلبث أن تنتصر للباطل، وإذا اصطدم الحق والباطل وانهزم الحق فإن ضمير الناس وسير التاريخ كفيلان بإصلاح الخطأ، أما إذا استعان الحق بالقوة فالغلبة لها، وما دام الحق في المحل الثاني، فسيان أن يكون خاضعا للقوة أو للباطل ».

 

الإعلام وتبدلات اللسان .. حكاية تجربة صحفي: عبد العزيز كوكاس . إعلامي وكاتب

كذب السياسي وعنف السلطة

عبد العزيز كوكاس

 1932387_10201328000817847_1888657001_n

 

كذب السياسي

اغتيال غموض الحقيقة بوهم الدفاع عن تجليها.

في السياسة وحدها يسير الكذب والحقيقة على شكل متوازي، لكن الكذب يتقاطع بقوة مع الحقيقة، ففرص إثبات وجوده أقوى من فرص ظهور الحقيقة التي لا أتباع لها ولا حشود.

في السياسة، للكذب ابتهاج أقوى بالحضور مرتين: حضوره الطبيعي ككذب وحضوره الثاني حين يُزيح الحقيقة ولا يسمح لها بحق الحضور..

-لكن متى تسعد الحقيقة حتى بغيابها؟

-حين تجد أن الكذب لعب أدوارا مهمة في حياة أمة أحسن مما لو سادت فيه كحقيقة!

الصالح العام

شجرة تخفي غابة من المتوحشين الآدميين:

انتهازيون وقناصو فرص، مصاصو دماء، زعماء سياسيون ينبتون مثل الفطر يحترفون الكذب وبقوة الخيميائي يحولون الخسارات الموجعة إلى انتصارات على غير مثال سابق، جنرالات خططوا لحروب لم يخوضوها وجنوا مغانم لا تحصى، جرائم ذوي الياقات البيضاء، « فيدورات » الفساد، أفاكون ومنافقون ممن ساعدوا الزلزال أن يرتفع أكثر على سلم ريشتر، ليبنوا للأحياء الناجين بيوتا بسعر السوق السوداء، تجار الحروب وأكاذيب كثيرة..

كم يلزم من حرائق لنكتشف كل الحقائق المختبئة في جوف شجرة الصالح العام !

المصيبة والمصيب

السلطة مصيبة والجالس على الكرسي دوماً مصيب!

لا قبر يتسع للزعيم

نادراً ما مات الديكتاتور على سرير نومه بشكل هادئ وبدون زوابع، فموت الطاغية مستفز، استثنائي، فرجوي، ميلودرامي، مليء بالإثارة.. يموت الحاكم المستبد وتتناسل حكايات وأساطير تنمو مثل كرة ثلج حول شكل موته الغريب والوحشي.. ولأن الطغاة دهاة حتى في موتهم فإن الأحياء يستمرون في القلق من جثثهم التي لا يتسع لها قبر.

جثة الطاغية ذات مكر خاص، تظل مصدر خطر داهم بالنسبة للأحياء.. حتى الثوار منهم لا يثقون بنصرهم إلا بعد إحراق جثته وذرها في البحر، أو إخفاء معالمها عن عامة الناس، هكذا هم الطغاة يحيروننا لما يحكموننا، ويحيروننا لما نقتلهم ويموتون.

8d6cc4dd

صدق الكذب

الكذب مجرد تنفيس عن احتقانات الحقيقة، وحاجة الصدق لعدم الوضوح.

الكذب حبل قصير للمشنقة.. أشبه بأُكلة مع الشيطان بملاعق من ذهب.

التباس مفهومي

أيهما أكثر صدقا:

من يحسن التعبير عن الكذب أم من يسيء التعبير عنه؟

حجاج

الكذب فن البحث بمكر عن حجج للإقناع، فيما الصدق ساذج لا يُتقن الدفاع عن صدقيته.

هاجس مؤرق

السهر الدائم للسلطة هو ما يؤرق الحاكم

فالعين التي لا تنام.. لا ترى.

درس في الإستوغرافيا

الكذب هو ما يجعل السياسة ممكنة والتاريخ حفنة وقائع لم تحدث يرويها أفاكون وأدعياء.

انقلاب

الثورة لها مدة صلاحية محددة كرمز للتجديد والتغيير، بعدها تحمل في ذاتها نقيضها وما

جاءت بالضبط من أجل هدمه.

شهوة الكذب

شهادة الكذاب مثل شاهدة القبر تدلنا على أمكنة لا يقيم فيها أحد.

الذئب والحمل

السياسي الذي يبدو زاهدا في السلطة، لا يكذب ولا تتسخ يداه بدم المنافسين ولم يتحالف مع الشيطان، إما سياسي فاشل أو ذئب بقناع حمل وديع.

حقيقة

العري في الحقائق مجرد كذب.

1544545_416868195140963_2220058531827655713_n

حرمان

ما يفتقده الكذاب، ليس قول الصدق، بل فضيلة الزهو وسعادة الاعتقاد بقول الصدق.

الكذب كفعل

ولو حملتَ مصباح ديوجنيس فلن تجد أي حقيقة في خطاب السياسي والداعية، سوى حقيقة فعل الكذب، أي المراوغة، المكر، التدليس، الخداع، المخاتلة…

فالكذب، كما يعلمنا دريدا، هو إتلاف حقيقة الواقع وإخفاء مستنداته الأصلية.

الخادع والمخدوع

كم يُبدع الكذاب ويجهد نفسه في تحريك قاع أخيلته ليقول الكذبة الحقيقية؟

لا يخيف الكذاب سوط الحقيقة ولا كلفة الكذب، بل سذاجة الصادقين الذين يتلقون الكذب ببراءة..

ما يؤلم الكذاب هو تلك النظرة الخبيثة التي تصدر من المخدوع نحو الخادع.

لغة السلطة

لغة السلطة هي كل لغة تملك حجية الإقناع بالشيء ونقيضه:

الحرية والقمع، الزبونية والكفاءة، الحياة والموت، الكذب والصدق…

لأن أول ضحية في لغة السلطة.. هي الحقيقة.

الصدق

هو القبول المسبق باستعمال الحق في الكذب.

الزعيم لا يموت!

من شنق صدام إلى سحل القذافي.. لم يصدق الكثيرون أن الزعيمين قد ماتا.

موت الطاغية يظل في اعتقاد عامة الناس أشبه بالخدعة، فالمستبد استثنائي، كائن يقترب من الأسطورة، وبحكم دهائه ومكره يملك قدرات غيبية لينبعث من جديد، يتجمهر الناس حول جثة الطاغية يريدون التأكد من أنه غادر عالم الأحياء ولن يعود إلى سابق بطشه، إنهم لا يثقون بالأخبار الرسمية، فالشعب المضطهد يصطف في طوابير للتأكد من موت الزعيم، وأنه ليس أمام خدعة حرب، بل إن الجثة نفسها لا تقوم كدليل على موت الحاكم المستبد، إذا لم تُلمس أو تصور أو ترى في مشهد فرجة جماعي.. لكي لا ينبعث من مرقده الأخير، ليس الحاكم، ولكن حكمه المستبد، إرهابه وطغيانه ورعبه.

حقيقة الكذب

نُنعش جذور الأمل فينا بماء كذب الآخرين..

أحيانا يبدو الحبل القصير لمشنقة الآخرين هو الدليل الوحيد على ما تبقى فينا من وجع

الحياة.. فالكذب لا يُوقف نَسْل الحقيقة!

وهم

الشفافية والمساواة محض كذبة لبناء وهم التماسك الاجتماعي.

عنف السلطة

هل كان ميكيافليي حقا منظرا للسياسة أم مجرد مبرر لاستعمال توابل العنف في صلصة

السلطة، فهذا الرومانسي ظل مفتونا حد النخاع بالنموذج الروماني القديم للحكم، ألم يكن

كل مساء، حين يدخل مكتبه يلبس حُلة ملكية تليق ببلاط إمبراطوري.

أثر من لاوتسو

الصدق كلمات حقيقية ليست جميلة

الكذب كلمات جميلة ليست حقيقية.

كِدية

كَذبُ السياسي لا يصدقه مَيِّت يمني النفس بعودة الحياة إلى قلبه.

لِم تحمله الحشود دوماً كزاد لا يثمر!

 

 

Navigation des articles