الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “mars, 2018”

الاكتئاب السلطوي

عبد العزيز كوكاس

« نيرون مات، لكن روما لم تمت، لازالت بعينيها تقاتل »

محمود درويش

معمر القذافي

معمر القذافي

لماذا لا يرحل الدكتاتور إلا بعد أن يدمِّر كل شيء.. وفي حالة معمر القذافي، هذا الزعيم القادم من قرية جهنم وأحد المبشرين بجدة كما تقول نكت الفايسبوك، لم تكفه أبداً أربعة عقود من التحكم في رقاب شعبه ونَهب ثرواته.. ورغم أنه ليست له أي بارقة أمل للنجاة بعد أن فقد هيبته واحترام شعبه.. فإنه لا زال مصراً على التمسك بكرسي السلطة حتى ولو أدى الأمر إلى إبادة كل الليبيين، ليسود الزعيم ويحكم على أرض محروقة!

ما صدر عن مجنون ليبيا، تقول النكتة، دفع الشعبين المصري والتونسي للاعتذار لإبن علي ومبارك.. « ماتعودو إلى الحكم.. داحنا كنا نهزَّر معاكم! »، لأنه بالفعل، بدا بن علي ومبارك كقائدين نبيلين أمام حماقات معمر القذافي الذي شن هجوما بالطائرات على شعبه، وسخر مرتزقة إفريقيا لقنص المتظاهرين العزل، على الأقل فخطب زين العابدين بن علي وحسني مبارك، كانت لبقة وحافظت على هيبة رجل دولة، بالإضافة إلى أنها كانت مليئة بالاعتذار وطلب الصفح من الشعب.. لكن معمر القذافي، الذي يقتلنا سخرية ورصاصاً، مال إلى لغة قذرة مليئة بالسب والقذف، ما حال هذا الدكتاتور المعمر الذي قذف شعبه بكل أنواع القذائف من التجهيل إلى القنابل؟ كيف تجرأ على ملء خطابه بمفردات الحثالة من المقملين والمهلوسين والكلاب ومأجورين يتحركون بأجندات خارجية و.. و.. وغيرها من الأوصاف الدنيئة التي لا تليق بـ « قائد ثروة » عفوا « ثورة »! لقد عبَّر معمر القذافي عن وحشية استثنائية تجاه شعبه، بدا أنه قادر على إبادة كل ليبيا من أجل أن يظل القائد الفاتح زعيما على جغرافيا محروقة.. كأنه لم يقرأ حرفاً من التاريخ ليعلم أن نيرون، الذي أحرق روما وجلس يتلذذ بأشلاء الجثث المتفحمة، قد مات، وأن روما لم تمت ولا زالت بعينيها تعشق الحياة وتعانق مباهجها..

إنها عقدة « الاكتئاب السلطوي » إن شئتم، حيث يحس خلالها الحاكم أنه وكرسي الحكم وحدة متجانسة حد التماهي، « أنا هو وهو أنا »، روحان تجمعتا في جسد واحد، وأي فصل بينهما لا يعني سوى العدم.. القذافي بدون كرسي لن يصبح « معمراً » بل سيصبح فارغا وأجوفا ومعتلا، لأنه مصاب بحالة « الاكتئاب السلطوي ».. في ليبيا، تأكل الثورة أبناءها وثروة البلد التي استحوذت عليها أسرة العقيد، في ليبيا التي تُقرأ من اليمين كما اليسار، يريد الحاكم أن يُسقط الشعب ويمحيه من خريطة الوجود، فقط لأنه طالب بحقه في الكرامة والمساواة والعدل، لأنه لم يعد يرضى بالذل و »الحكرة ».

وحيد هو القذافي في فرادته وفي عزلته عن شعبه.. وحيد هو القذافي في سخريته وجنونه وفي « اكتئابه السلطوي »..

 

Publicités

المغاربة والجسد

عبد العزيز كوكاس

يحق لنا اليوم، بعد مرور أكثر من نصف قرن على صدور ظهير الحريات العامة في 15 نونبر 1958، أن نطرح أسئلة مغايرة لمغرب ما بعد الاستقلال، يحق لنا كأفراد، أو كمشروع مواطنين في مشروع وطن حر، أن نطرح أسئلة في مجال الحرية بشكل مغاير لما طُرح في مجال الحريات العامة، ليس لأننا أصبحنا نعيش تخمة الحريات العامة، ولكن فقط لأننا جيل لم يعش إكراهات قمعية تحت نير الاستعمار، وتحررنا نسبيا من ثقل زمن رصاصي، ولو أنه لا ضمانة لدينا بألا يتكرر ما حدث في الماضي.. ولأن الجيل الجديد من الحقوق الذي أصبح يكتسح العالم.. بات يفرض، بقوة الأشياء، نظرة مغايرة للأفراد في علاقتهم بمحيطهم وبذاتهم أيضا.

10411067_781969615232574_3235298745256141969_n

احتاج المغرب إلى ما يقارب نصف قرن من الزمن لاعتراف القانون بالمرأة المغربية ككائن مدني له حقوق وواجبات، فهل يلزمنا نصف قرن آخر لتكريس هذه الحقوق على مستوى الواقع؟! وبالأحرى أن نتحدث عن الحقوق الفردية؟! لنجرب فقط الحديث عن ذلك، لأن الواقع متقدم على القانون في هذا المجال بالذات، والظواهر التي كانت تبدو شاذة قبل عقد من الزمن، تآلف معها المجتمع وإن جعلها في الهامش من وعيه، لأنه يقبل التعايش معها دون التفكير أو التأطير القانوني لها.

ما علاقة المغاربة بجسدهم؟

قبل التسعينيات من القرن الماضي ما كان ممكنا الحديث عن الحريات الخاصة، إن ضغط الصراع السياسي حول السلطة لم يكن يسمح بغير سيادة مفهوم الحريات العامة (حرية الصحافة، حرية التظاهر والتجمع، وحرية تأسيس الجمعيات)، كان الصراع السياسي يعلي من صالح الهوية الجماعية (الجمعية،الحزب والنقابة) على حساب الهويات الفردية، وكان التمييز الشخصي ضربا من الخيانة للقضية الكبرى..

كان الجسد الجماعي مقدما ومحتفى به على حساب الجسد الشخصي، للأسف، كان ذلك في مغرب ثقافة الوشم كميسم شخصي وكإعلاء تعبيري من قيمة الجسد، هل يحق في مغرب اليوم أن نتكلم عن حرية الجسد، ونحن نرى كيف أن علاقة المغاربة بجسدهم يشوبها الكثير من النفاق والالتباس والغموض والكبت؟! إذ لا زال الجسد المغربي مغلفا بخطاب أخلاقي وإيديولوجي، حيث لا مجال للخصوصية، ولحق الجسد الفردي في نصوص الدساتير والقوانين في هويته المميزة، ودلالاته ورموزه الخاصة.. إذ لم نَصل بعد عقود من الاستقلال إلى ترسيخ قوانين تحمي الحريات الفردية في كافة تفاصيلها، وفي مقدمتها حق الجسد الشخصي في التعبير عن ذاته، وحماية كل التعبيرات الصادرة عن الجسد كهوية خاصة.. رغم الحديث عن الحرية، خاصة لدى أحزاب الحركة الوطنية وفي أدبيات الأحزاب الديمقراطية فإنها ترد بالمعنى المرادف « للتحرر » لا إلى البعد الشخصي في الحرية الفردية…

إن عدم حماية الجماعة للحرية الشخصية، خاصة منها ما يربط المواطن بجسده الفردي – إذ أن الوجود العضوي هو مدخل أساسي للوجود الإنساني-  يضيع على المجتمع المغربي الكثير من فرص التطور الديمقراطي الحقيقي، فالمدينة هي أساس الديمقراطية والمواطنة هي أساس المدينة، وأساس المواطنة استقلال الفرد كجوهر وحقه في حريته الشخصية.. فتقم المجتمعات اليوم أضحى يقاس بمدى قدرة الجسد على الإبداع والابتكار والحرية في الكشف عن هويته الخاصة ،عن رموزه وتعبيراته الذاتية خارج ثنائية المقدس والمدنس.. وعلى حد تعبير دافيد بروتون : ف »بدون هذا الجسد الذي يمنح حضورا ماديا ، فالإنسان لا يوجد ، وبهذا فإن الوجود الإنساني هو جسدي »،أو كما قال ميشيل فوكو : « الجسد كان دائما، ولا يزال واجهة تسمها مختلف التحولات الاجتماعية ، وصحيفة ينعكس عليها نمط علاقة الأفراد فيما بينهم ، ورؤيتهم للعالم والأشياء… »

بالأمس كان الجسد المغربي مسورا بوصايا القضايا الوطنية ،محجوبا تحت شعارات التحرير والتحرر والتقدم ،اليوم صرت أخشى أن يصبح هذا الجسد ملفوفا في قماط  الزي الخارجي والاطمئنان إلى الرؤى الجاهزة حول الجسد داخل نسق اجتماعي مطمئن لقناعاته الكسولة حول العالم والمجتمع والتاريخ ..حذار من اختزال تعبيرات الجسد في العري أو العبث الساذج بالمقدس لخلق تميز طفلي أو في انتهاك الممنوع بغايات زائفة كالشهرة والتميز.. دون عمق فكري يمنح الجسد الحق في البوح والتعبير عن تمثلاته للكون والزمن وللنسق الاجتماعي البديل الذي يجب أن يحتضن رموزه وقيمه …

الشَّذرة كمحاولة لكتابة الصمت

عبد العزيز كوكاس

« كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة » النفري

الكراسي

الكراسي

تمنحنا الدلالة المعجمية للشَّذرة مفاتيح سحرية لولوج عوالمها، إذ نعثر في « لسان العرب » على دلالات باذخة لجذر »شذر »، منها:

الشذر واحدة شذرة: قطَع من الذهب يُلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، ومما يُصاغ من الذهب، فرائد يُفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وهو أيضا صغار اللؤلؤ، أو قطع صغيرة كرؤوس النمل من الذهب، أو خُرَز يُفصل به النظم.

وشذَر النظم: فصّله، والتشذر: النشاط والسرعة في الأمر، وهو الحركة المعبرة عن الفرح، تقول تشذّرَت الناقة: إذا رأت رَعِيَّا يسرها فحركت رأسها مرحاً وفرحاً، والتشذر هو التفرق والذهاب في كل وجه مذاهب شتى.. شذر مذر.

الكتابة الشذرية إذن مثل قطع صغيرة من ذهب لها فرادتها وتفردها عن الكتابة المعهودة في التواصل العادي أو في الكتابات النسقية المألوفة، هي قطع صغيرة كرؤوس النمل من ذهب الروح، لآلئ وجواهر خالصة ترصع البياض بنشوة الفرح، لخفتها وسرعتها تسخر بمرح من العابر واليومي، تتفرق شذر مدر على بياض الصفحة راسمة مفازات التيه لمن يولع بجمع نثار الدرر بدل ما تساقط من كلام.. لأن الكلام جماعي والشذرة فردية موجهة لانتهاك حرمة المقول والمتماسك و تفكيك اليقينيات.

عبرت الشذرة مسارا طويلا من التحولات فقد بدأت علمية/ تأملية مع هيبوكراتيس في Aphorismi، ثم اكتست طابعا تأمليا/ فلسفيا تحاول القبض على المنفلت وغير المنصاع في قوالب النظريات الصارمة مع هيرقليطس وبرمنيدس إلى ديمقريطس.. تنجذب للتأمل وقوة الحدس والتساؤل وانتهت فلسفية/ شعرية مع خواطر باسكال الذي أسند للشذرة نظام الحدس ضد عقلنة الفراغ بمعنى الخواء ومأسسة البلادة، إلى نيتشه الذي قادته الشذرة نحو أقاصي العقل أو الجنون، فاعتبر الشذرة « فن الخلود » والسياسة الكبرى في الفلسفة، مرورا بالألماني فريديك شليغل، والنمساوي كارل كراوس وموريس بلانشو، جورج بيروس، والبلغاري إلياس كانيتي، والبرتغالي فرناندو بيسوا والروماني إميل سيوران… الذين حاولوا تأمل عالم فاقد لأي معنى وأنتجوا النص اللامكتوب.

1001214_481231698672074_1023699476_n

الشذرة هي القدرة على اقْتناص التَّفاصيل العَلَنية وكتابتها بحِبْر سري، هي الْتِماعة السهو أو صوت ما بعد منتصف ليل الروح.. للشذرة طقوس تستقطبها من أقاصي مملكة الأناشيد، وتحتاج دوما إلى قرابين استثنائية تُماثلها في التَّفرُّد، وقليلون من يستطيعون إنقاذ الشذرة من تعب الاستهلاك العام.

تحاكي الشذرة تخلِّي الطير عن الضروري من ريشه دون أن يموت بردا.. اختراق السبيل نحو الجغرافيا السرية للذات دون الوقوف أمام العتبة وانتظار حُسْن الضيافة، وامتلاك ما نكتبه قدرا كبيرا من الوقاحة ليُعَرِّي مُؤخِّرته في وجه الوصايا والموانع والآراء المسبَّقة، وكل هُزال الأمخاخ الذي أَوْرَثَنا أن نكون صالحين بخطابات متماسكة في أَعْين المؤسسة، فالشذرة » جنس كتابة مخيب للآمال بلا شك، مع أنه الوحيد النزيه » (سيوران)..

إنها محاولة (Versuch) لهتك « حرمة الخطاب والإجماع القائم » بتعبير هايدغر.. لذلك يعتبر اللعب والتشويش رهانها الذاتي، خاصة حين تتناول الشذرة الهامشي والمنسي..

« الشذرة (…) تمثل كبرياء لحظة محولة، مع كل التناقضات التي تحتويها، إن عملا ذا نفس طويل وخاضعا لمتطلبات البناء ومزيفا بهاجس التتابع، هو عمل من الإفراط في التماسك بحيث لا يمكن أن يكون حقيقيا » كما يعلمنا إميل سيوران.. هي نسغ الكلام ولبُّه، مدُّ وجزر الروح، وتَلَقِّيها يفرض امتلاك فن السخرية والتهكُّم لنُدوخ العالم حسب الساحر موريس بلانشو!

 

ليس في الشذرة قدرة على إعادة التَّصويب والإضافة، لأن المعنى الأول الذي وُلدت به واللِّباس الذي اتشحت به مُتَستِّرة عن أَعْين اليقظة، هو مبلغ التَّمام في اللاوعي، وأي محاولة للتصويب هي هَدْم كلي للمنتوج الأصلي.. لكن الشذرة سليلة المحو وبراعة البستاني لتشذيب أزهار الحقل، دون قتل الحياة في الوردة، في ثناياها تتحول الذاكرة إلى مجرد ظلال للأطلال، مقبرة لا تصلح إلا لتسَكّع الموتى!

الشذرة لآلئ الحقيقة التي تنفلت من طي النسيان وظلال الظلمات، كَسَطْوة الريح حين يُسقط كل الأوراق الزائدة أو يُشَطِّب الشوارع من رمال تائهة أو زوائد عالقة دون حاجة إلى عُمَّال النظافة أو حطَّابي الأشجار.. أقصد النقاد! لأن الشذرة، بتعبير جيل دولوز: « بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذر تفكيك سننها من قبل القانون والنقد والمؤسسة ».

إنها سليلة الحذف المضاعف، قوة الإيمان بإزالة ما عشقناه وهو مجرد فُضْلة.. لأن فضيلة الشذرة، تَنْقية وتطهير العبارات من الفُضْلات.. زُهْد اللغة وتقشُّفها الزائد الذي يمنح الوضوح الأعمق للكلمات، هي الدليل على أننا انتقلنا من تقويم شكل العبارة إلى تَشْذيب عمق اللغة، في الشذرة لم نَعُد نَبْحث عن المعنى الصحيح، بل عن الكلام السليم الذي يُسَايِرُ إيقاع دهاليز الروح.

الشذرة كُمْشة من نجم الكلام، واللغة الشذرية مثل سفينة في مهب الأمواج العاتية تتخلص مما زاد من سقط المتاع الذي بدا لنا ضرورياً للرحلة ونحن في مرفأ الأمان.. لأنها تنتمي لفضيلة النقصان لا لتَبَجُّح الكمال، تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم المفتون بما يجري على السطح!

هي رقصة الجسد متحرراً من شظايا الوصايا التي تميل إلى السكون، أو ما أسماه نيتشه « برنَّة الجسد » التي قال عنها بمرح طفولي: « لم تستطع لغة الْبَتة أن تُعبِّر قبلي عن هذه السعادة الزُّمردية وهذا الحنان الإلهي »، لأن الشذرة عدوة الثبات، كما أنها ضد زيف التحول بدعوى مواكبة العصر، انفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز.. سليلة الهباء هي، لا تحنُّ إلى ماض ولا تبني حاضراً ولا تستطلع مستقبلا، لأنها تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول.

الشذرة هي الكثافة اللازمة للكتابة، فرح الدال وغبطته بانفلاته من سلطة ميتافيزيقا الدليل، هي الالتفات الدقيق للهامشي واللامعقول.. ضد الحضور لأنها سليلة الغياب، لذلك تميل إلى سطوة الأبيض على الأسود، عبر تضييق مساحاته والرقص الحر على حلبته!

هي مقاومة تصدع العالم بالنَّزر القليل من الكلام على شاكلة شطحات الصوفية، تُزلزل ثرثرة الأشياء ذات الجلبة على السطح، لأنها تغوص بعيداً في خلجان عميقة للتاريخ، للإنسان، للطبيعة، للعالم.. ولما لا يُصاغ في لغة عامة هَرِمة، لذلك ترتسم اللغة الشذرية على شكل متاهة تُماثل انعراجات الروح، لتضبط « التعقيد الموجود أصلا في روح العصر » حسب ت. س. إليوت، فهي واضحة ووقحة لدرجة الغموض، « إذ كيف نطلب مَنْ يسير في ظلمات النفس أن يكون واضحاً؟! » يتعجب الشاعر ييتس.

الشذرة مشاكسة، لعب وهزء وشغب ومرح جميل، ذلك أن « ولادة الأطفال هي موت للآباء » (هيجل)، تعيش على « هامش المقول الذي يبقى دائما قابلا لأن يقال من أجل الكشف عن الكلام الذي لم يُقل بعد » (فوكو)، فتنطلق مثل رصاصة واحدة في الماسورة.. إما أن تُصيب أو تخيب، لذلك تمتلئ الكتابة الشذرية (Aphoristique) بالشعرية المكثفة وتلجأ إلى الحِمْية للتخلص من الذاكرة وتحافظ على رشاقتها بالدلالات المفتوحة.. فالإحساس بفواجع الكلمات هو ما يزكي مرح الشذرة.. وما يبقى هو ما يسمح بتعدد التآويل.

فيما تنفتح على السرد واللقطة والومضة في الصورة السينمائية، تخلق إيقاع الشعر في نثر الحياة اليومية.. تحاول أن تلامس ما وصفه إليوت بـ « النظرة الأصلية في طبيعة الإنسان »، وليس تعقيدها شكليا أو محض ترف لإبراز كفاءة معجمية أو فحولة لغوية، بل هو أداة ومضمون لزَلْزلة الذوق الفني.

تشكيل

الشذرة هي اختبار الفيافي الشاسعة، والكاتب الشذري مثل فاتح عظيم يريد أن يكتشف منبع الشمس أو مكان اختبائها في المغيب ثم يكتشف أوهامه الكبرى، لذلك لا تصلح الشذرة للإلقاء، ليس فقط لأنها لا تحتاج للجمهور ولا تصلح مطية للدعاوة السياسية والمنبرية الخطابية، بل لأنها نرجسية.. أقصد جد فردية، لأنها سليلة الرؤية لا الإنشاد فـ « الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدسا يتجلَّل بالسر » كما يعلمنا ملارميه.. في الشذرة لا نموذج يُحتذى، لأن الكتابة تشبه فعل اغتيال، « هدم المعبد قبل بنائه نقيا » (بلا نشو) ليقترب الأديب من حريته.. إدخال النص إلى عتمة لا يُرى فيها إلا اللا شيء، اللا نهائي، اللا معنى.. هي الكتابة المؤجلة، المتشظية، المضادة لفعلها والتي لا تتحقق إلا بالإعدام الرمزي للأب.. كاتبها!

الشذرة دليل ارتماء في الحديقة الخلفية للحلم، استخراج الهدوء من قلب الضجيج، هي الكل وقد تشظى، هي الجزء الذي يغني عن الكل المتناسق المحكم، « ارتقاءٌ » بالمعنى الذي يُشير إليه بودلير في ديوان « أزهار الشر »:

من فوق الغدران ومن فوق الأودية

وفوق الجبال والبحار والغابات

ومن فوق الشمس والسماوات

ووراء حدود الآفاق الفلكية.

الشذرة قفز حر نحو الغياهب، بتوجيه قليل لمؤشر الروح نحو المرايا التي لا تسكن بيوت الحقيقة، لأنها ضد النسخ والمثيل وصنو الشبه.. لها شكل الزُّمردة متعددة الأضلاع، مثل « ضربة نرد » ملارميه، تخرج من مسام جلد اللغة، لغة الصمت، وجود العدم، صدى الفراغ حين يكون مبحوحاً ووحدة التعدد!

لا شذرة تُكتب في حضرة الوعي أو بتأمل العلاقات بين الأشياء في حدود تمظهرها الخادع، في الشذرة ننطلق مما حولنا، لكن شيئا خفيّا وعميقا فينا هو الذي يحدد العلاقات الملتبسة بين الأشياء بوضوح جلي في لمحة بصر، ثم يذوب في الغموض.. يصبح الصوت صورة مجلوة، حيث ننجذب لغواية المكتوب لا للكلام المقول، ويتحول الحرف إلى قوس قزح متعدد الدلالات وحمَّال أوجه لأنه مشتت المعاني.. فيه تسقط الذاكرة ويمَّحي مخزونها، لأن الشذرة وليدة الذات الإنسانية العميقة فينا.. فلا شذرة بلا تأمل عاصف وحرقة في القلب.

في الكتابة المتشظية نُجري امتحانا للْعَدْو لكل الكلمات والعبارات والأفكار التي التصقت بذاكرتنا، ولا يستحق التَّتويج منها في حضرة الغموض وفي المكان المناسب، إلا ذو النَّفَس العميق، الغريب، العجيب والمتفرد الساكن في مدارج قصية معتمة!

للشذرة طقوس وحالات لأنها صنو المنفلت حيث در الحليب ينهمر، كنوز دفينة، كل الكتمان الأبدي، الصورة الأصلية للكون، ملكوت الأسرار التي نذهب إليها سابحين، بحر البشرية الأول.. بحر غامض طليق متوثب!

الشذرة صديق حميم عميق للكينونة البشرية حيث تذوب الملاحم والوصايا، ووشم للجسد حيث بهجة الأشياء، سحر الدهشة الأولى وطعم العشق الأول، مرايا صافية للذات.. هنا حيث  » تتجاوب الأنغام والألوان والعطور، أصداء مديدة امتزجت من مكان بعيد

في وحدة غامضة

واسعة كالغياهب، رحبة كالنور »(بودلير).

الصحو مثير للضجر

عبد العزيز كوكاس

قيود

أحيانا، لا أحب القيود كلها..

حتى بقائي على قَيْد الحياة!

فرغم محاولاتي المتكررة لم أنجح في الإقلاع عن عادة الحياة.

 1907470_655594724545861_7478232488151432817_n

رفقة

رافقت نفسي طويلا، ولو أن أبي نهاني عن رفقة السوء!

 

رأفة

يتمنى الدكتاتور دوما لو غزا السوس أسنان القطيع، كي لا يفتح فمه فيُصاب بالبرد.

 

الثابت والمتحول

برغم كل حواجز الجغرافيا وفخاخ هندستها، يظل التاريخ هو أول عداء ننتظره على خط الوصول.

 

حزن صامت

  • هل تدمع عينا السمكة؟
  • من أين جاءت ملوحة هذا البحر الشاسع؟!

 

هوى

أُنَقِّل قلبي حيثما شاء الهوى

خوفا من أن تَنبُت له جذور في قلب واحد.

 

الضحية والجَلاَّد

عِبْرة ليست محض إفريقية:

تغضب الفِيلة فتدعس العشب

تَمْرح الفِيلة فتدعس العشب!

 

جاذبية

منذ آدم، للتفاحة دائما حكاية طريفة..

– ما الجامع بين تفاحة نَهْديك وتفاحة نيوتن؟

– الجاذبية!

 

اختيار

لو خُيِّرت التُّفاحةُ بين الموت بين فكَّي الإنسان والذبح بالسكين..

لفضَّلَتْ ألاَّ تنضج أبدا.

 

براءة مستحيلة

للجلادين مشكلة مع إثبات براءتهم أمام جثث الضحايا..

 

إهمال

نسيتُ المفتاحَ داخل قُفل ذاكرتي، فَبِتُّ دهرا في العراء.

 

نجوم

دوماً كنت ألتذ برؤية النجوم، حتى حين يصفعُني أبي..

« الويل لمن لا يرى النجوم عندما يتلقى لطمة على وجهه ».

 

تاج متعب

حتى وهو على رأس الملك، يشتهى تاج الذهب أن يستلقي على الفراش ويحلم بالاسترخاء لحظة من تعب الأعالي..

  سطوة العتمة.. غربة داخلية تقاوم جاذبية التيه

محمد خفيفي

سطوة العتمة

شكلت رواية » ذاكرة الغياب » الصادرة عن مطبعة الرسالة في طبعتين سنة91 و 2007 المفتتح الرسمي لولوج عبد العزيز كوكاس عوالم السرد ومجاهله، رواية عانقت تشظي الذات وانشطارها من خلال تجربة عاشها مدرس بإحدى المناطق النائية بالمغرب، تجربة منذورة لاحتمالات كبرى لم يستطع معها « صالح » مقاومة البركان الجارف لانهيار الذات، فتحول الحكي إلى سرد المرارة، لم يستطع أن يبرأه من آثامه ويجلب له الغفران.

هذه المرة يخطو عبد العزيز كوكاس نحو عالم الكتابة وعنفوانها بمنجز لا ُيعين له جنسا محددا، كتابة اختارت الانتباه للتفاصيل الدقيقة القريبة منا، الساكنة في الجوار، المغيبة بصدإ اليومي الرابض فوق الصدور، تُرهف السمع لنبضات الوجع الكامن فينا، تحيي أسئلة مغيبة ومؤجلة عن الذي كان وسيكون.

« سطوة العتمة » يليه كناش الموتى هو عنوان الكتاب، تتوسطه لوحة للفنان والنحات الإسباني رافاييل كانوكار بعنوان « الشخصية من الداخل »، وهي من اللوحات المرتبطة بالمسار التجريدي لهذا الفنان المبدع الذي أخلص لتوظيفه وعشقه للون الأسود.

عتمة كوكاس لا تشبه » العتمة الباهرة » للطاهر بن جلون التي تماهت مع تجربة الاعتقال السياسي بالمغرب ودونت فواجع سجن تازمامارت ومآسيه، ولا تشبه » ستار العتمة « لوليد الهودلي التي أرخت لتسعين يوما من المواجهة والمقاوِمة في زنازن الصهيونية، ولا عتمة الكاتبة والروائية السعودية سلام عبد العزيز التي رصدت في روايتها  » العتمة » تمظهرات القبلية ، الرقابة، الكبت، الانتقام وتحجر العقلية الذكورية.. إنها عتمة خاصة، مفردة، لا تسكن في الأقبية والزنازن والفضاءات الديماسية، لها سطوة التواجد والتساكن مع كل الأشياء، أحوال طقسها متقلبة مع الفصول، تفكر في السلطة وفي الألوان وفي الموت والحب والغياب، في الفراشة والزهرة والسماء والشجر…

العتمة في اللغة هي الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الأخيرة، وظلمة الليل، تؤشر العتمة على الرهبة والخوف والتوجس، ترى تيري تيميت بيار أن عامل العتمة ليس وحده ما يخيف الطفل، بل ما يخيفه أكثر هو ما تطوره العتمة في مخيلته من أشباح ووحوش وغيرها من الأفكار التي تجعله يكشف الجانب المظلم من خياله ».

في « سطوة العتمة » تتحول هذه الأخيرة إلى حاضنة لمساحات الخيال، فسحات التأمل، نسيج حميمي لما تبقى من أنين الروح وهي تصاحب السواد.. العتمة سواد بلون اعتبره الفارابي معادلا سحريا لبقية الألوان، فهل هو البهاء يخرج من حلكة الظلام وينبثق من تضاعيف العتمة؟

أبو تمام بهرته مركزية الأسود وهو يصف معركة عمورية:

غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى           يشله وسطها صبح من اللهب

حتى كأن جلابيب الدجى رغبت عن لونها      أو كأن الشمس لم تغب

للون الأسود جاذبية استهوت عددا من مبدعي الفن التشكيلي، دولاكروا ورامبرانت وغيرهما، فيه تتحقق الهرمونيا البصرية الباحثة عن ترميزات لا متناهية، سيد الألوان الذي يقيم دائما في الأشياء، ظلمة الظمإ الصوفي الذي عشقه النفري، » قال لي قعِ في الظلمة، فوقعت في الظلمة فأبصرت نفسي ».

كوكاس وخفيفي

كوكاس وخفيفي

في « سطوة العتمة » تنهض شعرية التباسات كبرى، لا تتحسس الذات وجودها وموقعها، تترنح بين الشك واليقين، غربة داخلية تقاوم جاذبية التيه وإغراءات الهاوية : » ظللت ممدا على السرير، أرمق الهاوية السحيقة التي يقودني إليها هذا الالتباس: أين تركت نفسي؟ أتساءل بحيرة الغريب.. في عفن الفراغ أم في الضياء المخادع، على قارعة الطريق، فوق شجرة الحديقة، على شفتي الحبيبة أم على مقبض الباب ؟ فقدت ظلي ويقين النسيان… أصبحت طيفا لآخر، منذ هجرني « أنا » استيقظت على شخص لا يشبهني في كل التفاصيل…ص42″ .

في حمى التشظي، تغوص الكتابة في البحث عن وشي للحنين، واصلة بين الذي كان من عمر أثثته أحلام متوهجة بغد جميل ومشرق، أحلام بريئة تنضح بالأمل والحب، ترسم وطنا مشتهى وعالما أرحب.

الحنين سند نفسي يبدد عتمات الانحرافات التي نحتت جروحا وندوبا قوضت سنابل الفرح، وأجهضت بسمة رقيقة راهنت على فجر آت، ذلك نزيف يحاصره القلق والغبار .

كيف ينتظم اللا جدوى في ليل العتمة والفراغ؟ هل حينما يكون الفراغ رفيق البياض المرصوص على الأوراق؟ أم حينما تكون العتمة دليل الغياب الشاهد على من رحلوا وما قالوا شيئا عن عودتهم؟ وهل يعوض الرثاء، خصوصا إذا كان للمقربين الأب والأخ، ما ترسب في أعماق النفس من حزن فائض؟.

يعود كوكاس إلى حضن الغائبين متعبا، مثقلا بهذه الأواصر الشقية الدفينة التي تبعث ما يشبه البكاء وتنضح بهدير موجع لا يقبل بالفاجعة، فيه شيء من مالك بن الريب وهو يرثي نفسه، وفيه ثمالة من طمأنينة تريد إعادة ترتيب الكون على مقاس شاعر، هوسليل الظلمات كبطل رواية « عشب الليل » للمبدع الليبي إبراهيم كوني الذي أراد الخلود عن طريق خرق الناموس، وكبر في عينيه حس العتمة إلى حد ألهمه الشعر.

الفقدان والغياب عالمان يؤطران كناش الموتى، بين الكتاب الفرعوني والكناش صلة قرابة لا يدركها إلا الراسخون في تذوق الفواجع ومرارة الرحيل المباغت، لا بد من استرخاء الذاكرة لتقطع أوصال الزمن، وتتذكر…

أعترف أمامكم

عبد العزيز كوكاس

« لدينا ما يكفي من الدين الذي يجعلنا نكره، ولكن ليس لدينا من الدين ما يكفي ليجعلنا نحب بعضنا البعض » جوناثان سويفت

الوقت

أعترف أمامكم..أنا علماني، إذا كانت العلمانية، تعني حفظ حق الناس في الحياة، وحماية الدولة المدنية لكرامة مواطنيها مهما كان لونهم، جنسهم أو موقعهم الاجتماعي أو معتقداتهم.. أنا علماني، أعترف أمامكم بدون أقنعة، لأني أومن بأن مشاكل الفقراء ليست في مشيئة السماء، ويأس المحرومين ليس قدراً ربانيا أبديا، والفساد ليس تفاوتاً في الأرزاق.. وأن مشاكل الإنسانية في تدبير الرزق والمعاش، والتدافع في الأرض تعود إلى الماسكين بزمام السلطة وليس إلى إرادة ربانية، أو أي سلطة لا متناهية لا راد لقدرها..

أضع بين أيديكم رقم بطاقتي الوطنية كشبه مواطن في شبه وطن، وما يشبه هاتفي المحمول لما يشبه شخصي، وشبه عنوان لما يشبه منزلي.. أقصد مكاني الأكثر حميمية، وأعترف أمامكم أني علماني حد النخاع، إذا كانت العلمانية تعني الشفافية والنزاهة، والاحتكام للقانون دون حاجة لاستخدام تفاضلية العرق أو اللون، الانتماء الاجتماعي أو التمايز النوعي…

أعباد الله أنا علماني، إذا كانت العلمانية تقصد تخليق السياسات العمومية ومشاركة المواطنين في تدبير شؤونهم بأنفسهم، وإن لم يستطيعوا فلهم الحق في الاختيار الحر والنزيه لمن ينوب عنهم، ويظلون يمتلكون سلطة مراقبة من اختاروهم، لأنهم سادة قرارهم لا عبيد أنظمتهم التي تقرر كل شيء باسمهم بدعوى عدم نضجهم أو جهالتهم العظمى…

نعم أنا علماني، إذا كانت العلمانية تعني اعتماد المردودية والكفاءة والاستحقاق في إسناد المناصب والمسؤوليات بدل الزبونية والمحسوبية والانتماء العائلي أو الحزبي أو العقدي.. وما دامت العلمانية تعني أن الأخوة في الله لا تعني الاتكال وترسيخ الجهل ومحاسبة الناس على اختياراتهم الفكرية والإيديولوجية والجمالية والعقدية…

لكن في نفس الوقت احذروا.. فأنا إسلامي أيضا، إذا كان الانتماء للإسلام يعني ألا معبود على وجه هذا الكون يستحق السجود والركوع، والحمد والشكر باسمه، سوى هذا الامتداد الكوني الذي لا علم ولا قدرة بشرية تحده…

أنا إسلامي حد جراح القلب، إذا كان الإسلام يعني المجادلة بالتي هي أحسن، وأننا اخترنا كخير أمة أخرجت للناس، لا لنرمي بالآخرين إلى الجحيم، لأن لنا وحدنا ما اتسع من الأرض وأفق السماء، باعتبارنا أمة محمد (ص) خير الآنام الذي أُنزل عليه القرآن الذي لن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل لنعي أن في الاختلاف رحمة، وأنه منذ بُلبل اللسان وتمايزت الأجناس خُلقنا للتعارف والتوادد وأن أكرمنا عند الله أتقانا..

أيها الناس، أعلن أمامكم، أني إسلامي قلبا وقالباً، إذا كان الإسلام يعني عدم استعباد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وأن الفقر يكاد يكون كفراً، وهو محرك مآسي وأوجاع البشرية خاصة وأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن التفاوت في الأرزاق ترسيخ وتشجيع لمبدأ التنافس والتزاحم في الأرض، وأن رب السماوات رحيم بالعباد، ولا يُرسخ الطواغيت والاستبداد والجهل، ولا يزكي اقتصاد الريع، والظلم هو أول من نصح بتجاوزه، ولأن الإسلام، وإن كان يجُبُّ ما قبله، أوصى نبي الأمة الكريم (ص) أن يكون رؤوفاً بالعباد، لأنه بُعث كخير الآنام لا ليكون على الناس بمسيطر، إذ لو شاء لآمن كل من خلق دون وجع الرأس.. وحفظ حق الناس في الاعتقاد الحر، وما خلقه من عذاب في حده الأقصى، من رجم وإعدام وقصاص موكول لجهة ذات الاختصاص بالاحتكام في كل عصر إلى ما تحقق من تقدم في مختلف مجالات العلوم.. لأن الإنسان بعد أن هداه الله النجدين، قادر على سن ما يصلح لعصره من قوانين ونظم وأحكام ما دامت غير مناقضة للفطرة التي خلقه عليها رب الأكوان..

 أنا إسلامي، ليس لأني شخت وأخاف جهنم، أو لأني وقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً أبتغي نفاقاً الحصول على مقعد في الجنة.. بلى، أنا إسلامي، لأني خُلقت على الفطرة وما هوّدني أب ولا نصرتني أم ولا مجسني إخوة.. ارتديت الإسلام دينا حنيفا، لأني أحس دوماً بالنقصان وفي الحاجة إلى كمال إلاهي، هو من رسخ الاختلاف فينا طبعا، وهدانا النجدين، وعلمنا أن الحق لا يقايض وأن الظلم من الكبائر التي يجب أن تقاوم هنا والآن.

أنا إسلامي، إذا كان الإسلام لا يعادي الديمقراطية، وينصح الناس بالاجتهاد لما يصلح به عصرهم، ويؤمن بأن الكلام عامة هو حمال أوجه فبالأحرى كلام الله، بشرط عدم التركيز على المتشابه من الآيات لمن في قلبه زيغ، وأن باب التأويل مفتوح على عواهنه، وأن ليس كل من هب ودب ينزع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحد السيف.

أيها العلماني في، أيها الإسلامي في.. تعالا إلى مائدة التفاوض بلا أسلحة نفي، ولا أحكام مسبقة أورثها الجهل والمصالح وعماء الأنانيات، تعالا إلى كلمة سواء، لما فيه صلاح البلاد ونماء العباد.. سنمشي سوية نحو المؤتلف فينا لنصون المختلف، لنكون ما نحن عليه: متعددين، مختلفين.. متباينين، لكن نحن ما عليه، لا ما يريده أولوا الأمر فينا، أن نكونه بعيداً عن هويتنا.

Navigation des articles