الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “avril, 2018”

المرأة التي تملك من الضجر ما تؤرق به الملائكة

عبد العزيز كوكاس

30226673_10214661674869691_568970561267433472_n

عائشة البصري ليست طارئة على الشعر ولا أتت إلى أرضه الطيبة متأخرة، منذ ديوانها الأول « مساءات » تبدو قصائدها كالبنيان المرصوص، مكتنزة بماء الشعر ورونقه، بذرة جمالها ذلك التآلف المطرز والمتناغم بين الصور والإيقاع والأساليب التي تنم عن تملك قوي لصناعة الشعر، لقد قررت القصيدة بمشيئة أن تأتي إلى عائشة البصري مثل الربيع الطلق، مكتملة البناء تامة المعمار، ممشوقة القوام، والدليل « أرق الملائكة » الديوان الثاني الذي اخترت قراءة مصاحبة فيه تركز على النصوص الموازية من مفتتح الغلاف وعنوان الديوان إلى الإهداء..

في عتبة الولوج، يطالعنا عنوان النص هذه الثريا المشعة مثل بلور متعدد الأضلاع، يعطي لكل الوجه الذي يريد، « أرق الملائكة » خبر لمبتدأ محذوف ومضاف إليه، مع وجود توتر دلالي بين المسند والمسند إليه، فالأرق سارق النوم، حين يخاصم النعاس الجفون، فهو نقيض الراحة الجسدية والنفسية، والأرق له أسباب ارتبطت في الذاكرة الشعرية باللوعة:

إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى   وأذللت دمعا من خلائقه الكبر (أبو فراس الحمداني)

والفراق واللوم والهجران، وهو صنو الليل الذي أرخي سدوله بأنواع من الهموم ليبتلي..

حين قال:

يا ليل الصب متى غده  أقيام الساعة موعده (الشاعر القيرواني)

فيا لك من ليل كان نجومه    بكل مغار الفتل شدت بيذبل  (امرؤ القيس)

-والخوف والعتاب والحزن كما لدى النابغة الذبياني:
كليني لهمٍ، يا أميمة َ، ناصبِ  و ليلٍ أقاسيهِ، بطيءِ الكواكبِ.

تطاولَ حتى قلتُ ليسَ بمنقضٍ   وليسَ الذي يرعى النجومَ بآيبِ.

ومنهم من رأى الليل هما ثقيلا كالشاعر بشار بن برد حين قال:

وطال عليَّ الليل حتى كأنه بليلين موصول فما يتزحزح

وهناك ملاحظة أساسية وهي أن جل دواوين الشاعرة عائشة لها علاقة بالليل:

مساءات: منشورات دار الثقافة للنشر، الدار البيضاء، المغرب 2001.

أرق الملائكة : منشورات دار عكاظ، الرباط، المغرب 2002.

شرفة مطفأة : منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب 2004.

ليلة سريعة العطب: دار النهضة، بيروت، لبنان 2007 – الطبعة الثانية صدرت عن منشورات مرايا، طنجة، المغرب 2009.

وحتى روايتها، تحيل على زمن الليل:

ليالي الحرير: رواية عن مكتبة الدار العربية للكتاب بالقاهرة . مصر 2013″

والأرق صنو الليل وربيب الخلوة، أما الملائكة، فمن الملأك، الذي تعني الألوكة، أي الرسالة التي يبعثها الله مع الملائكة، الذي يحيلون على مخلوقات نورانية تعيش في السماء، مطيعة لا تعصى أمرا إلاهيا، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون… فيما ملائكة عائشة البصري يحلمون، يعشقون، يشاكسون ويشتكون من الضجر ويتساءلون حيارى، ويرفضون الإيقاع المتكرر لوطأة الزمن، ولهم من الوجود حد القلق والأرق.. إن الملائكة أيضا يحيلون على الأطفال الذي يضحكون مع الملائكة من صنفهم، وتحضر في الديوان أسماء وأعلام تتقاطع مع أسماء أبناء عائشة البصري: لينا، شامة، والمهدي.. كل منهم له حلم وقلق وتطلع نحو أن يشذبوا أغصان الكون من شوكه، ويقطفون موز الحدائق ويعصرون غيم الأفق ليقطر شهده في فم العطشى.

29791335_10214633520325845_422804794848958987_n

بهذا الأفق المفتوح والمصاحبة العاشقة، نستمر في رسم جماليات الكون الشعري لعائشة البصري من خلال ديوانها الثاني « أرق الملائكة »، لقد قرأت شعرا موقعا في محكي المبدعة عائشة البصري أكثر مما وجدته في دواوين كثيرة ترمي بها المطابع اليوم، وقرأت سردا مكثفا وموحيا في قصائد عائشة البصري أكثر مما وجدته في روايات عديدة.. إن ما يغذي شعرية ديوان « أرق الملائكة » هو القدرة على الانتقال السلس من الحلم إلى الواقع، التوتر المقصود ب »سوء نية » لإقلاق غبطة الدليل اللغوي وسعادته، دون غموض مصطنع بين مدارج المبنى ومراقي  المعنى.. ذاك جزء مما يصنع حيوية التجربة الشعرية لعائشة البصري التي لا يسندها غير الماء الطاهر لقصيدتها، ولا يسهم في تألقها سوى سوء نيتها الشعرية وغوايتها في نقل ما لا يقال في زمن حراس الحب ».

 

 

Publicités

Navigation des articles