الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “juillet, 2018”

شعرية العنوان في « سلطان لحروف »

عبد العزيز كوكاس

يبدو الغلاف باعتباره عتبة للبيت الذي يشيده لنا « البناء » عبد الرحيم لقلع والذي يحمل عنوان « سلطان الحرف » في درب « الزجل »، مثل شمس تنتصب على صدر الصفحة الأولى، ليليق بعرش جلوس « السلطان » المفرد بصيغة الجمع، كشمس « كتكوي، كتكدي، ولي كواه الحرف، ما يجيه ركاد ففراش، حيت الحرف منغاز، حيت الحرف هواس ف الراس دكان المهراز ».. ليس هناك غير الضوء وظله، في الانصهار الكيميائي الذي تعكسه لوحة المبدع التشكيلي شفيق الزوكاري.. البوتقة، الانصهار، الذوبان، حيث الحرف صهد، انحياز حارق، انتماء، لا فراغ في الغلاف، كامتداد أيقوني حيث ترقد لوحة الغلاف، العنوان، الكاتب، هوية النص المعلن عن انتمائه منذ البدء، قطرة الحليب الأولى من ثدي الأم، مجهول الهوية في حضرة السلطان العالم بتفاصيل مملكته وجغرافيتها السرية، بناسها وكائناتها.. لا غُفل هنا، فالشمس/ الضوء تعني من أحد وجوهما الكشف/ الحقيقة/ الضياء/ الوضوح.. يقول عبد الرحيم لقلع في طي الغلاف:

« كلشي يبهات ويكشف

كلشي يبهات ويخرّف

وتبقى لحروف ضاوية

تاج فوق راسك

هي العولة ف ضيق الحال

هي الزاد

هي لكلام لمطرّز

بذهب المداد ».

ترقد اللوحة والعنوان على فسيفساء الدار العتيقة، سحر البناء في المنزل المغربي، ما يعطي للقصر، هذا المعمار النصي الممتد بين دفتي الغلاف، بهاءه وأصالته، توليف في الخلق له جاذبية الألق، يشمله أيضا صهد هذه الشمس المشعة من لوحة الغلاف، حين تفيض البوتقة على ما حولها.

وفي الأعلى مثل ثريا يمتد العنوان: نحن في مقام الجلالة، إلاهي.. يا لهيبة المقام، نحن بحضرة السلطان، والسلطان خليفة الله في أرضه، يلهج بأمره، يطبق عدله ويبين للناس سبل المحجة البيضاء لا يزوغ عنها إلا هالك، يشغل الخدم في حضرته والأسياد على السواء.

« آروا التاج لمرصع

بثلث نجمات ضاوية

حطوه على راس السلطان

ومن هنا يبدا لحكام ».

يتكون العنوان.. هذا البهي/ المشع، المليء بالسمو، من « سلطان ».. كلمة مفرد بهذا الخط الملكي المغربي الذي لا يكتب به سوى الملوك « الشرفا »، كما يقول المغاربة، له هبة الجلالة المرافقة لكل « سلطان »، والذي يحمل معاني: القوّة والنفوذ، السيطرة، القهر والغلبة، الحجّة، البرهان والدليل، الهيبة والسيادة، والعلم والدراية.. مضاف إلى « لحروف » الجمع المعرف كفاية، والذي يجعل « سلطان » معرفا بالإضافة، ذا هوية وليس نكرة، إنه « سلطان لحروف »، وتضم هذه الأضمومة الشعرية، العديد من الإحالات التي تصب في الحوض الدلالي للسلطان: « مولاك، أمرك، سلطانة الما وسلطانة السما، الله، المولى، نملك، مولاه، لملوك، حكام، سلطانك المنفي، ختام، خيول، اللجام، حاكم جاير، قبيلة سايبة، حاكم لقصيبة، مكحلة، زناد، خيول مركوبة، عزها وبهاها، سلطان السروت، الخيل والخيالة، أسيادي، سلاطن، مالين، السمعلاوالطاعة… »

يحتفي شاعرنا ب »الحروف السلطان » لا الحروف العبيد / مشرطة لحناك، الموضوعة رهن الإشارة وتحت الطلب، بل هو خادم هذا السلطان، ومن تواضع للحرف رفعه، لذلك يعتلي اسمه صدر الغلاف، في أعلى لا أسفل الصفحة.. والاشتغال بحضرة « لحروف » ليس مهنة، والكاتب المبدع ليس موضوعا تحت الطلب، منذ البداية يعلن عبد الرحيم لقلع عن انتمائه للحرف/ السيد:

« الحرف الوكاد

المسكون بيه

ما يتهنى ما يرتاح

لاف عشوية، لاف صباح

حتى يعانك الليل بياض الفجر ».

images

والكتابة ليست تسويدا للبياض، إنها مسؤولية، اصطفاف، صدق، لوعة وعشق، وليست ترفا، لا شيء يعلو على « سلطان لحروف »..

« سلالة هي ما تقبل

حكام

ما يطوعها غير شيوخ لكلام

صحاب الطابع كَبريتي لواح وختام »

وصاحب « الراس بحر » أحد شيوخ لكلام، يعي أن الكتابة « حال » « وجع » « سحاب » « محنة »، لذلك يستدعي الجدة ووصاياها، إيقاظ السلف الصالح من الغياب ليكون شاهدا على هذا الزمان وأهله، حيث غابت الخيول ومات الخيالة، ولم يعد الناس على ما كانوا عليه من صدق ومحبة وعشق.. وعبد الرحيم لقلع يلعب دور الشاهد والشهيد، واستدعاء الماضي هو المعادل الموضوعي بتعبير ت.س. إليوت للقيم العليا كالشرف والصدق والالتزام والحب، يقول:

« وأنا ف راسي

يا ناسي

ما لكيت رحمة

ملكايا مع البحر والريح

ولا ملكايا

مع صحبة ناس

سمنها بالخف يريح »

يحيل فهرس الديوان الشعري لعبد الرحيم لقلع إلى دورة شبيهة بدورة الحياة من الولادة إلى الموت، من وجع المخاض إلى رأس العزاء، من الحَمام إلى اليمام، حيث تبدأ الأضمومة الشعرية بقصيدة « جوج حمامات » وتنتهي ب « سلطان الما ». تفتح بحوارية الشاعر مع قلبه مصدر القلق والحال، في لحظة المصالحة مع الذات والزمن والتاريخ عبر رمز الحمامتين، « الطوبيات، التوميات، الحوريات »، في زمن تبدو فيه الأشياء واضحة، والعالم متآخي متراض مليء ب »الجودة والسخاوة » و ب »الحكمة والرزانة »،

 

وأمام عمق التبدلات المصاحبة للعصر، يبدو الشاعر لقلع منجذبا لذلك الزمن الجميل، مفتونا بهذه النوستالجيا إلى الحميمي الحالم حيث صفاء القلب، مهجة الروح، الصدق، تقاسم الفضاء المشترك مع الآخر، « مراضيين مقاسمين بلا خصام بلا مخالفة »، « النص بالنص ».

حيث الكلمة صدق وعشق، والالتزام بأوجاع الناس وقلقهم يملك أولوية لدى الشاعر عبد الرحيم لقلع، لكن ذلك ـ بأية حال ـ ليس على حساب التفريط في الإعلاء من شعرية النص، حيث الأسماء والأمكنة والذوات لا تحضر بوقائعيتها بل فقط كظل شفيف، والكلمات أسبق من الأشياء، من هنا هذا التكثيف الشعري الذي يميز ديوان « سلطان لحروف »، حيث اقتصاد العبارة والاكتفاء بالإشارة، خاصة حين يدخل الشاعر حالة الجدبة كما في قصيدتي « مقام الكتبة » و »سلطان الما ».

في قصيدة « سلطان لحروف » تصبح لغة الكتابة موضوعا للتأمل والمساءلة، فيما يشبه الخطاب الميتا لغوي الذي يحتفي بجاذبية لغة الحال.. مسكونا بروح « شهوة الأصالة »، بالمعنى الذي يعطيه لها الشاعر بول فاليري: « تلك الشهوة » هي « أم الاقتباسات كلها، وأم للمحاكاة، لا شيء أكثر أصالة، لا شيء هو ذاتك أكثر من أن تتعدى ذاتك من الآخرين لكن يجب هضمهم.. » (دفاتر)، التي تجعله يستكنه أعماق دواخله، منجم أسرار لا ينضب، كما في قصيدة « جوج حمامات »:

« يا كلبي

أنا مولاك

وحرت فأمرك

ياك أنا مولاك

وما قدرت نفهمك

ولا قدرت نفك

لسرار المدفونة فيك ».

يستمع عميقا للكلام الذي يقوله  »الدعدوع على محاين دم ودموع » و »النخلة المجردة فلعلالي تتمايل »، أو حين يستفرد بذاته قبل أن تباغته تبدلات الزمن وسلوكات أهله:

« فيوم وأنا ماشي

جنب لبحر بالليل

فريد داوي مع راسي

بغيت نساوي معاه ميزاني ».

 

Publicités

تعتيم لا بد منه: هذه الشذرات المتشظية

تقديم كتاب « الصحو مثير للضجر » لعبد العزيز كوكاس

ما خططته هنا مجرد أثر للشذرة، حاشية صغرى على متن غامض في زوايا معتمة لم تُسعفني العبارة للقبض عليه، ليس فقط بسبب الأنانية المتأصلة في النفس التي تحث على الانحفاز في التأليف وتعجيل الإتمام به كما يقول أبو حازم القرطاجني، ولكن أيضا لأني أحس بالعجز التام عن استقصاء تفاصيل الشذرة المختفية في أغوار سحيقة لأناي بكل الاقتصاد اللغوي الممكن!

إنني حين أطالع ما خطَّهُ كبار مبدعي الكتابة الشذرية من نيتشه وكارل كراوس إلى موريس بلانشو وأنطونيو بورتشيا وبيسوا… أحس بتلك المرارة التي شعر بها أندريه جيد حين قال: « إن قراءة رامبو ونشيد مالدورور السادس تجعلني أخجل من مؤلفاتي ».

أود فقط التأكيد على أن التقديم الذي افتتحت به هذا الكتاب مليء بالإدعاء النظري، لذا أنبه القارئ الكريم إلى أن ما رسمته هنا قد لا يفي بمكونات الكتابة الشذرية ولا يلامسها إلا جزئيا.. ورغم أن بعض النقاد الأصدقاء، ممن أطلعتهم على المادة الخام لهذا الكتاب، يصرون على أن ما كتبته هنا يبدو أقرب إلى « الهايكو » الياباني الذي ينحدر من نوع آخر من الشعر القديم ازدهر في القرن الثامن الميلادي وهو « الرنغا »  الذي كان مرتبطا بديانة الزن.. فإنني أعتبره كتابة متشظية تقترب أحيانا من الخاطرة والحكمة، وأحيانا تبدو بلا رأس ولا ذيل.

الصحو مثير للضجر

أحاول هنا أن أقول أقصى ما يستطيع قولي قوله، أن أتكلم بدون كلمات عامة، أنفتح بذهن

واسع على كل الآلام، بقلب مفتوح مثل سماء.. بلا دليل مثل سلالات الريح التي تعبر البرية

كما البحار بكبرياء لا يضاهى.. أفتش عن النشوة العميقة لما يسكنني.. ما أسميه استثمار الألم

إلى الحد الأقصى.

الإقامة في المنافي هو ما يعلمنا فضيلة العزلة والبحث عن صوتنا الخاص خارج الضجيج

« فكل فكرة جلية هي بلا غد » (سيوران )، أبحث عن لون ورائحة ألمي، بَصْمتي الخاصة

التي لا تجعلني مطابقا لغير أناي.. أحس بذات الوجع الذي عبر عنه فان غوغ بعد أن أطلق

على نفسه النار من فوهة مسدس:  » كم أنا فاشل حتى في الموت ».. لأن الكتابة وحدها

تنجيني من إغراء الاختفاء عن العالم.

حتى بعد أن استوى هذا الكتاب، ظللت أؤجل نشره بنوع من الرهبة، وقد اضطررت إلى

حذف بعض مما اعتقدت أنني نسجته على غير منوال سابق، فإذا بي حين اكتشفت سيوران

ولاوتسو وبيسوا… بعمق أقوى، وجدت أن العديد مما كنت أعتبره منتوجا خالصا لي هو

أشبه بتوارد المخاطر بين أزمنة وهويات متباعدة.. إن أكبر حزن يحسه كاتب صغير مثلي،

هو حين يكون قد اقترب من إصدار منتوجه، واطلع في ذات الوقت على كاتب عظيم ووجد

بمحض الصدفة أن بعضا مما نسجته يداه يوجد له شبه عند هذا الكاتب، أحيانا حد التماه

خاصة في التماعات الشذرة..

صحيح أن بعض الفرح يغزوك كلما صادفت نتفا من صنع يراعك تلتمع بين جواهر كاتب

عظيم، كدليل على النضج والدنو من ذروة الأحاسيس العميقة، لكن في السبق أيضا بعض من

نشوة الانتصار.. وهنا كم تحزن في مواقف شبيهة بهذه.

يا للحسرة! التي تجعلك تشتهي لو كنت سبقت زمن هذا الكاتب أو استعجلت النشر في غير

القرن الذي سقطت فيه.. في موقف مثل هذا وإذا لم تحذف مما لم تسرقه عن غيرك، كيف

ستنفي عنك تهمة التقليد والانتحال والسرقة الأدبية؟ في أحسن الأحوال ستجد نفسك في وضع

أستاذ اللاهوت الذي سردت عليه طالبة جميع الحجج التي تعرضها الكنيسة لإثبات وجود الله،

وقالت له: « مع الأسف أني لا أومن بأي حجة منها »، فأخذ الأستاذ يجهد نفسه لشرح كل حجة

وما يعرضه اللاهوت المسيحي، لكن الطالبة مع ذلك ظلت تواجهه بأنها لم تقتنع، فلم يملك

سوى أن يقول لها بحماس المؤمن: » أقسم لك بالله إن الله موجود »..

الشَّذرة كمحاولة لكتابة الصمت

عبد العزيز كوكاس

« كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة » النفري

الصحو مثير للضجر

تمنحنا الدلالة المعجمية للشَّذرة مفاتيح سحرية لولوج عوالمها، إذ نعثر في « لسان العرب » على دلالات باذخة لجذر »شذر »، منها:

الشذر واحدة شذرة: قطَع من الذهب يُلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، ومما يُصاغ من الذهب، فرائد يُفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وهو أيضا صغار اللؤلؤ، أو قطع صغيرة كرؤوس النمل من الذهب، أو خُرَز يُفصل به النظم.

وشذَر النظم: فصّله، والتشذر: النشاط والسرعة في الأمر، وهو الحركة المعبرة عن الفرح، تقول تشذّرَت الناقة: إذا رأت رَعِيَّا يسرها فحركت رأسها مرحاً وفرحاً، والتشذر هو التفرق والذهاب في كل وجه مذاهب شتى.. شذر مذر.

الكتابة الشذرية إذن مثل قطع صغيرة من ذهب لها فرادتها وتفردها عن الكتابة المعهودة في التواصل العادي أو في الكتابات النسقية المألوفة، هي قطع صغيرة كرؤوس النمل من ذهب الروح، لآلئ وجواهر خالصة ترصع البياض بنشوة الفرح، لخفتها وسرعتها تسخر بمرح من العابر واليومي، تتفرق شذر مدر على بياض الصفحة راسمة مفازات التيه لمن يولع بجمع نثار الدرر بدل ما تساقط من كلام.. لأن الكلام جماعي والشذرة فردية موجهة لانتهاك حرمة المقول والمتماسك و تفكيك اليقينيات.

عبرت الشذرة مسارا طويلا من التحولات فقد بدأت علمية/ تأملية مع هيبوكراتيس في Aphorismi، ثم اكتست طابعا تأمليا/ فلسفيا تحاول القبض على المنفلت وغير المنصاع في قوالب النظريات الصارمة مع هيرقليطس وبرمنيدس إلى ديمقريطس.. تنجذب للتأمل وقوة الحدس والتساؤل وانتهت فلسفية/ شعرية مع خواطر باسكال الذي أسند للشذرة نظام الحدس ضد عقلنة الفراغ بمعنى الخواء ومأسسة البلادة، إلى نيتشه الذي قادته الشذرة نحو أقاصي العقل أو الجنون، فاعتبر الشذرة « فن الخلود » والسياسة الكبرى في الفلسفة، مرورا بالألماني فريديك شليغل، والنمساوي كارل كراوس وموريس بلانشو، جورج بيروس، والبلغاري إلياس كانيتي، والبرتغالي فرناندو بيسوا والروماني إميل سيوران… الذين حاولوا تأمل عالم فاقد لأي معنى وأنتجوا النص اللامكتوب.

الشذرة هي القدرة على اقْتناص التَّفاصيل العَلَنية وكتابتها بحِبْر سري، هي الْتِماعة السهو أو صوت ما بعد منتصف ليل الروح.. للشذرة طقوس تستقطبها من أقاصي مملكة الأناشيد، وتحتاج دوما إلى قرابين استثنائية تُماثلها في التَّفرُّد، وقليلون من يستطيعون إنقاذ الشذرة من تعب الاستهلاك العام.

تحاكي الشذرة تخلِّي الطير عن الضروري من ريشه دون أن يموت بردا.. اختراق السبيل نحو الجغرافيا السرية للذات دون الوقوف أمام العتبة وانتظار حُسْن الضيافة، وامتلاك ما نكتبه قدرا كبيرا من الوقاحة ليُعَرِّي مُؤخِّرته في وجه الوصايا والموانع والآراء المسبَّقة، وكل هُزال الأمخاخ الذي أَوْرَثَنا أن نكون صالحين بخطابات متماسكة في أَعْين المؤسسة، فالشذرة » جنس كتابة مخيب للآمال بلا شك، مع أنه الوحيد النزيه » (سيوران)..

إنها محاولة (Versuch) لهتك « حرمة الخطاب والإجماع القائم » بتعبير هايدغر.. لذلك يعتبر اللعب والتشويش رهانها الذاتي، خاصة حين تتناول الشذرة الهامشي والمنسي..

« الشذرة (…) تمثل كبرياء لحظة محولة، مع كل التناقضات التي تحتويها، إن عملا ذا نفس طويل وخاضعا لمتطلبات البناء ومزيفا بهاجس التتابع، هو عمل من الإفراط في التماسك بحيث لا يمكن أن يكون حقيقيا » كما يعلمنا إميل سيوران.. هي نسغ الكلام ولبُّه، مدُّ وجزر الروح، وتَلَقِّيها يفرض امتلاك فن السخرية والتهكُّم لنُدوخ العالم حسب الساحر موريس بلانشو!

ليس في الشذرة قدرة على إعادة التَّصويب والإضافة، لأن المعنى الأول الذي وُلدت به واللِّباس الذي اتشحت به مُتَستِّرة عن أَعْين اليقظة، هو مبلغ التَّمام في اللاوعي، وأي محاولة للتصويب هي هَدْم كلي للمنتوج الأصلي.. لكن الشذرة سليلة المحو وبراعة البستاني لتشذيب أزهار الحقل، دون قتل الحياة في الوردة، في ثناياها تتحول الذاكرة إلى مجرد ظلال للأطلال، مقبرة لا تصلح إلا لتسَكّع الموتى!

الشذرة لآلئ الحقيقة التي تنفلت من طي النسيان وظلال الظلمات، كَسَطْوة الريح حين يُسقط كل الأوراق الزائدة أو يُشَطِّب الشوارع من رمال تائهة أو زوائد عالقة دون حاجة إلى عُمَّال النظافة أو حطَّابي الأشجار.. أقصد النقاد! لأن الشذرة، بتعبير جيل دولوز: « بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذر تفكيك سننها من قبل القانون والنقد والمؤسسة ».

الكراسي

الكراسي

إنها سليلة الحذف المضاعف، قوة الإيمان بإزالة ما عشقناه وهو مجرد فُضْلة.. لأن فضيلة الشذرة، تَنْقية وتطهير العبارات من الفُضْلات.. زُهْد اللغة وتقشُّفها الزائد الذي يمنح الوضوح الأعمق للكلمات، هي الدليل على أننا انتقلنا من تقويم شكل العبارة إلى تَشْذيب عمق اللغة، في الشذرة لم نَعُد نَبْحث عن المعنى الصحيح، بل عن الكلام السليم الذي يُسَايِرُ إيقاع دهاليز الروح.

الشذرة كُمْشة من نجم الكلام، واللغة الشذرية مثل سفينة في مهب الأمواج العاتية تتخلص مما زاد من سقط المتاع الذي بدا لنا ضرورياً للرحلة ونحن في مرفأ الأمان.. لأنها تنتمي لفضيلة النقصان لا لتَبَجُّح الكمال، تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم المفتون بما يجري على السطح!

هي رقصة الجسد متحرراً من شظايا الوصايا التي تميل إلى السكون، أو ما أسماه نيتشه « برنَّة الجسد » التي قال عنها بمرح طفولي: « لم تستطع لغة الْبَتة أن تُعبِّر قبلي عن هذه السعادة الزُّمردية وهذا الحنان الإلهي »، لأن الشذرة عدوة الثبات، كما أنها ضد زيف التحول بدعوى مواكبة العصر، انفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز.. سليلة الهباء هي، لا تحنُّ إلى ماض ولا تبني حاضراً ولا تستطلع مستقبلا، لأنها تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول.

الشذرة هي الكثافة اللازمة للكتابة، فرح الدال وغبطته بانفلاته من سلطة ميتافيزيقا الدليل، هي الالتفات الدقيق للهامشي واللامعقول.. ضد الحضور لأنها سليلة الغياب، لذلك تميل إلى سطوة الأبيض على الأسود، عبر تضييق مساحاته والرقص الحر على حلبته!

هي مقاومة تصدع العالم بالنَّزر القليل من الكلام على شاكلة شطحات الصوفية، تُزلزل ثرثرة الأشياء ذات الجلبة على السطح، لأنها تغوص بعيداً في خلجان عميقة للتاريخ، للإنسان، للطبيعة، للعالم.. ولما لا يُصاغ في لغة عامة هَرِمة، لذلك ترتسم اللغة الشذرية على شكل متاهة تُماثل انعراجات الروح، لتضبط « التعقيد الموجود أصلا في روح العصر » حسب ت. س. إليوت، فهي واضحة ووقحة لدرجة الغموض، « إذ كيف نطلب مَنْ يسير في ظلمات النفس أن يكون واضحاً؟! » يتعجب الشاعر ييتس.

الشذرة مشاكسة، لعب وهزء وشغب ومرح جميل، ذلك أن « ولادة الأطفال هي موت للآباء » (هيجل)، تعيش على « هامش المقول الذي يبقى دائما قابلا لأن يقال من أجل الكشف عن الكلام الذي لم يُقل بعد » (فوكو)، فتنطلق مثل رصاصة واحدة في الماسورة.. إما أن تُصيب أو تخيب، لذلك تمتلئ الكتابة الشذرية (Aphoristique) بالشعرية المكثفة وتلجأ إلى الحِمْية للتخلص من الذاكرة وتحافظ على رشاقتها بالدلالات المفتوحة.. فالإحساس بفواجع الكلمات هو ما يزكي مرح الشذرة.. وما يبقى هو ما يسمح بتعدد التآويل.

فيما تنفتح على السرد واللقطة والومضة في الصورة السينمائية، تخلق إيقاع الشعر في نثر الحياة اليومية.. تحاول أن تلامس ما وصفه إليوت بـ « النظرة الأصلية في طبيعة الإنسان »، وليس تعقيدها شكليا أو محض ترف لإبراز كفاءة معجمية أو فحولة لغوية، بل هو أداة ومضمون لزَلْزلة الذوق الفني.

الشذرة هي اختبار الفيافي الشاسعة، والكاتب الشذري مثل فاتح عظيم يريد أن يكتشف منبع الشمس أو مكان اختبائها في المغيب ثم يكتشف أوهامه الكبرى، لذلك لا تصلح الشذرة للإلقاء، ليس فقط لأنها لا تحتاج للجمهور ولا تصلح مطية للدعاوة السياسية والمنبرية الخطابية، بل لأنها نرجسية.. أقصد جد فردية، لأنها سليلة الرؤية لا الإنشاد فـ « الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدسا يتجلَّل بالسر » كما يعلمنا ملارميه.. في الشذرة لا نموذج يُحتذى، لأن الكتابة تشبه فعل اغتيال، « هدم المعبد قبل بنائه نقيا » (بلا نشو) ليقترب الأديب من حريته.. إدخال النص إلى عتمة لا يُرى فيها إلا اللا شيء، اللا نهائي، اللا معنى.. هي الكتابة المؤجلة، المتشظية، المضادة لفعلها والتي لا تتحقق إلا بالإعدام الرمزي للأب.. كاتبها!

الشذرة دليل ارتماء في الحديقة الخلفية للحلم، استخراج الهدوء من قلب الضجيج، هي الكل وقد تشظى، هي الجزء الذي يغني عن الكل المتناسق المحكم، « ارتقاءٌ » بالمعنى الذي يُشير إليه بودلير في ديوان « أزهار الشر »:

من فوق الغدران ومن فوق الأودية

وفوق الجبال والبحار والغابات

ومن فوق الشمس والسماوات

ووراء حدود الآفاق الفلكية.

1544545_416868195140963_2220058531827655713_n

الشذرة قفز حر نحو الغياهب، بتوجيه قليل لمؤشر الروح نحو المرايا التي لا تسكن بيوت الحقيقة، لأنها ضد النسخ والمثيل وصنو الشبه.. لها شكل الزُّمردة متعددة الأضلاع، مثل « ضربة نرد » ملارميه، تخرج من مسام جلد اللغة، لغة الصمت، وجود العدم، صدى الفراغ حين يكون مبحوحاً ووحدة التعدد!

لا شذرة تُكتب في حضرة الوعي أو بتأمل العلاقات بين الأشياء في حدود تمظهرها الخادع، في الشذرة ننطلق مما حولنا، لكن شيئا خفيّا وعميقا فينا هو الذي يحدد العلاقات الملتبسة بين الأشياء بوضوح جلي في لمحة بصر، ثم يذوب في الغموض.. يصبح الصوت صورة مجلوة، حيث ننجذب لغواية المكتوب لا للكلام المقول، ويتحول الحرف إلى قوس قزح متعدد الدلالات وحمَّال أوجه لأنه مشتت المعاني.. فيه تسقط الذاكرة ويمَّحي مخزونها، لأن الشذرة وليدة الذات الإنسانية العميقة فينا.. فلا شذرة بلا تأمل عاصف وحرقة في القلب.

في الكتابة المتشظية نُجري امتحانا للْعَدْو لكل الكلمات والعبارات والأفكار التي التصقت بذاكرتنا، ولا يستحق التَّتويج منها في حضرة الغموض وفي المكان المناسب، إلا ذو النَّفَس العميق، الغريب، العجيب والمتفرد الساكن في مدارج قصية معتمة!

للشذرة طقوس وحالات لأنها صنو المنفلت حيث در الحليب ينهمر، كنوز دفينة، كل الكتمان الأبدي، الصورة الأصلية للكون، ملكوت الأسرار التي نذهب إليها سابحين، بحر البشرية الأول.. بحر غامض طليق متوثب!

الشذرة صديق حميم عميق للكينونة البشرية حيث تذوب الملاحم والوصايا، ووشم للجسد حيث بهجة الأشياء، سحر الدهشة الأولى وطعم العشق الأول، مرايا صافية للذات.. هنا حيث  » تتجاوب الأنغام والألوان والعطور، أصداء مديدة امتزجت من مكان بعيد

في وحدة غامضة

واسعة كالغياهب، رحبة كالنور »(بودلير).

تقديم الناشر لكتاب »الصحو مثير للضجر..تشظيات »

عبد العزيز كوكاس إعلامي ارتبط اسمه برئاسة تحرير العديد من الصحف الأسبوعية المستقلة، منذ روايته الأولى « ذاكرة الغياب » ظل كوكاس القادم من مدينة الرباط والمقيم بالمحمدية منذ عقدين، ينسج أسلوبه الخاص في كتابة تراوح بين الشعر وغوايته والنثر وسحره، كتاباته الصحافية تجمع بين الفائدة والمتعة، وكتاباته الأدبية يستهويها تتبع التفاصيل الدقيقة والإقامة في ثنايا الهامشي، الذي تحول إلى مركز في سطوة العتمة، في هذا الكتاب يفجر كوكاس طاقة لغوية مكثفة منحوتة بدقة، كتابة متشظية تجعل التأمل في المنفلت والعابر واللامرئي موضوعها…

الصحو مثير للضجر

كتاب الصحو مثير للضجر كتاب شذري لعبد العزيز كوكاس

صدر للمؤلف:

– « ذاكرة الغياب »( رواية): الطبعة الأولى (2001) والثانية (2007)

– « سطوة العتمة » (نصوص إبداعية): (2009)

– « اللعب في مملكة السلطان.. في امتداح النص »:    (2014 )

 

Navigation des articles