الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

تعتيم لا بد منه: هذه الشذرات المتشظية

تقديم كتاب « الصحو مثير للضجر » لعبد العزيز كوكاس

ما خططته هنا مجرد أثر للشذرة، حاشية صغرى على متن غامض في زوايا معتمة لم تُسعفني العبارة للقبض عليه، ليس فقط بسبب الأنانية المتأصلة في النفس التي تحث على الانحفاز في التأليف وتعجيل الإتمام به كما يقول أبو حازم القرطاجني، ولكن أيضا لأني أحس بالعجز التام عن استقصاء تفاصيل الشذرة المختفية في أغوار سحيقة لأناي بكل الاقتصاد اللغوي الممكن!

إنني حين أطالع ما خطَّهُ كبار مبدعي الكتابة الشذرية من نيتشه وكارل كراوس إلى موريس بلانشو وأنطونيو بورتشيا وبيسوا… أحس بتلك المرارة التي شعر بها أندريه جيد حين قال: « إن قراءة رامبو ونشيد مالدورور السادس تجعلني أخجل من مؤلفاتي ».

أود فقط التأكيد على أن التقديم الذي افتتحت به هذا الكتاب مليء بالإدعاء النظري، لذا أنبه القارئ الكريم إلى أن ما رسمته هنا قد لا يفي بمكونات الكتابة الشذرية ولا يلامسها إلا جزئيا.. ورغم أن بعض النقاد الأصدقاء، ممن أطلعتهم على المادة الخام لهذا الكتاب، يصرون على أن ما كتبته هنا يبدو أقرب إلى « الهايكو » الياباني الذي ينحدر من نوع آخر من الشعر القديم ازدهر في القرن الثامن الميلادي وهو « الرنغا »  الذي كان مرتبطا بديانة الزن.. فإنني أعتبره كتابة متشظية تقترب أحيانا من الخاطرة والحكمة، وأحيانا تبدو بلا رأس ولا ذيل.

الصحو مثير للضجر

أحاول هنا أن أقول أقصى ما يستطيع قولي قوله، أن أتكلم بدون كلمات عامة، أنفتح بذهن

واسع على كل الآلام، بقلب مفتوح مثل سماء.. بلا دليل مثل سلالات الريح التي تعبر البرية

كما البحار بكبرياء لا يضاهى.. أفتش عن النشوة العميقة لما يسكنني.. ما أسميه استثمار الألم

إلى الحد الأقصى.

الإقامة في المنافي هو ما يعلمنا فضيلة العزلة والبحث عن صوتنا الخاص خارج الضجيج

« فكل فكرة جلية هي بلا غد » (سيوران )، أبحث عن لون ورائحة ألمي، بَصْمتي الخاصة

التي لا تجعلني مطابقا لغير أناي.. أحس بذات الوجع الذي عبر عنه فان غوغ بعد أن أطلق

على نفسه النار من فوهة مسدس:  » كم أنا فاشل حتى في الموت ».. لأن الكتابة وحدها

تنجيني من إغراء الاختفاء عن العالم.

حتى بعد أن استوى هذا الكتاب، ظللت أؤجل نشره بنوع من الرهبة، وقد اضطررت إلى

حذف بعض مما اعتقدت أنني نسجته على غير منوال سابق، فإذا بي حين اكتشفت سيوران

ولاوتسو وبيسوا… بعمق أقوى، وجدت أن العديد مما كنت أعتبره منتوجا خالصا لي هو

أشبه بتوارد المخاطر بين أزمنة وهويات متباعدة.. إن أكبر حزن يحسه كاتب صغير مثلي،

هو حين يكون قد اقترب من إصدار منتوجه، واطلع في ذات الوقت على كاتب عظيم ووجد

بمحض الصدفة أن بعضا مما نسجته يداه يوجد له شبه عند هذا الكاتب، أحيانا حد التماه

خاصة في التماعات الشذرة..

صحيح أن بعض الفرح يغزوك كلما صادفت نتفا من صنع يراعك تلتمع بين جواهر كاتب

عظيم، كدليل على النضج والدنو من ذروة الأحاسيس العميقة، لكن في السبق أيضا بعض من

نشوة الانتصار.. وهنا كم تحزن في مواقف شبيهة بهذه.

يا للحسرة! التي تجعلك تشتهي لو كنت سبقت زمن هذا الكاتب أو استعجلت النشر في غير

القرن الذي سقطت فيه.. في موقف مثل هذا وإذا لم تحذف مما لم تسرقه عن غيرك، كيف

ستنفي عنك تهمة التقليد والانتحال والسرقة الأدبية؟ في أحسن الأحوال ستجد نفسك في وضع

أستاذ اللاهوت الذي سردت عليه طالبة جميع الحجج التي تعرضها الكنيسة لإثبات وجود الله،

وقالت له: « مع الأسف أني لا أومن بأي حجة منها »، فأخذ الأستاذ يجهد نفسه لشرح كل حجة

وما يعرضه اللاهوت المسيحي، لكن الطالبة مع ذلك ظلت تواجهه بأنها لم تقتنع، فلم يملك

سوى أن يقول لها بحماس المؤمن: » أقسم لك بالله إن الله موجود »..

Publicités

Navigation dans un article

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :