الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “décembre, 2018”

رسالة إلى إرهابي

 كيف تسلقت هذا الأطلس الشامخ بعيدا عن أعين شمهورش قاضي جن الأرض، واغتصبت ثقتنا في أماننا؟

عبد العزيز كوكاس

« تتألم لأنك لا تتألم، ذلك هو الحجر الوجداني » أنسي الحاج

أيها الإرهابي الذي يتسلق دمنا.. كن ابن من شئت، لكن كن واضحاً كما الحقيقة، لنسير نحو المبارزة كندَّين يتصافحان وجها لوجه، قبل الاقتتال على الحلبة والموت بشرف الأبطال الكبار!

لماذا تطعنني من الخلف، بخنجر الغدر مثل أي جبان، وتهرب لتختبئ في محجرك مثل خفافيش الظلام.. وتنشر يأسك وعار جهلك ونتانتك فينا، أيها المتكئ على أساطير بناء بيت في الجنة من أشلاء الأبرياء.. أنت الإرهابي، الرافض للتقنية المستخدم لها، كيف أباح لك الرب الرحيم ذبح شابتين في رحيق العمر، بأعين عسلية جاءتا من بلدين سعيدين لتتقاسما على أعلى قمة للشموخ مع البسطاء في هوامشها بعضا من حب ومرح، كانتا تتقاسمان بثقة أحلامهما وتضحكان على بعض صور اقتنصاها من مباهج هذه الحمراء الساحرة وشواهقها الشامخات، أرض سبعة رجال.. مدينة هذا اليوسف الذي ترمونه- أنت وصحبك- في الجب باسم الذئب الداعشي؟ من أين تسللت بعيداً عن يقظة الحياة؟ كيف تسلقت هذا العلو السامق لتغتال حق الناس في الحب وتقاسُم الحنين والذكريات.. ما أجبنك!

images

هل لابد من الموت المتوحش لنَقيس حجم مغانم الحياة؟ هل كان ضروريا لتهيئ للموت وجبة من أشلاء تجاورت في محبة الحياة وتفصل الجثث تحت صرخات الرب المقدس، بسبب بغضك وأحقادك، بالدم ورائحة الكراهية؟ نحن الذين كنا نتغنى باستثنائنا الجميل، بتساكُننا وتعايُشنا بالود والمحبة، نحن المتدافعين في الأرض، من أجل أن يكون لهذا البلد وجه طفل له شكل الزهرة وطعم البرتقالة، وأن يكون لأبنائه الحق في الترقي في سلم الحياة وصناعة مستقبلهم بكل الأمان والتفاؤل اللازمين، كنا نعرف السبيل لتساكن الشر والخير فينا، لأننا لسنا ملائكة تماماً، ولسنا شياطين مطلقاً..! ولكن فقط نُحس بجاذبية المكان وألفة الذاكرة ورائحة الأجداد في هذا الوطن، فأي جحيم قادك إلينا؟ بأي حق تتجاوز عتبة الدم دون استئذان نسمة الحياة فينا؟!

تتسلل في واضحة النهار هذا الأطلس الشامخ بعيدا عن أعين شمهورش قاضي جن الأرض، استغللتم كبر سن هذا الحكيم، واغتصبت حق الحياة لسائحتين وثقتا في أماننا وطيبة ناس هذه الحمراء وهوامشها لتمنحهما تذكرة الرحيل إلى الجحيم.. لماذا تقتلنا لتحيى، تغمس فرحتك من أشلاء الأبرياء ودماء الضحايا التي اختلطت بماء وتراب أرض النخيل..؟! هل كنت في رحلة صيد، أو باحثا عن مغانم تؤثث بها جنتك الموعودة وتتلذذ بتفصيل جثتتين بريئتين بوحشية الذئاب؟! لم تسللت بمكر الثعالب إلى أحلامنا المخبأة لتغرس فينا مُديتك وترحل مثل غُراب البين؟!

نحن المنذورون اليوم للحزن، لسد ثقب في الرئة خلفته وحشيتك القاتلة، نقف على عتبة الدار ونستقبل المعزّين، ونحصي كم تابوتا علينا أن نخبئ فيه شهداءنا وضيوف أرضنا الطيبة، ونحرس سجَّاد هيكل أحلامنا من أقدامك النَّجسة.. علينا أن نتعلم كيف ننظف أحلامنا من كابوسك، وننزع شوك إرهابك من طريقنا.. وفي ظل كل هذه القيامة التي زرعتها في يقظتنا.. علينا ألاَّ نستكين لاستراحة القيلولة ولحزن الجنازة، ولظل الليل الذي يريد أن يطفئ أزهار الحديقة.. وأن نتعلم كيف لا نستسلم للعتمة التي أصابت قطارنا في التباس المنعطف التاريخي لجيل له عينان بسَعة الحلم تضيئان عتمة النوافذ.

كم يلزمك أيها الإرهابي من ألم لتبتسم لأسيادك؟ كم تحتاج من تابوت ومن عتمات ليل لتختبئ وراء نتانتك؟! كم من رصاصة غدر لا زالت في ماسورتك أيها الصياد، أنت يا ذئب..

نحن لا نستسلم للخديعة.. للهواء الأسود، لنقطف عنقوداً أو نجمة عالقة في السماء، لا يحجب الغيم طريقنا نحو ما نريد أن نكون عليه، فلنا مالنا من قوة الريح لنُزيل الغبار عن طريقنا، ولنا ما لنا من مطر يكفي لينبت عشب الحقيقة.. ولنا ما لنا من قدرة على تذكر أسمائنا بعد كل حرب أو حادثة سير، نحس بالألم لأننا لا زلنا أحياء، ولك ما لك من صرخات الموتى مثل عُواء الذئاب الجريحة تفترس ما تبقى فيك من مغنَم حياة، ولك ما لك من فلول الندم لتأكل ما تبقى فيك من زمن الساعة الرملية.. وأمامنا الغد يحفر أخدوده عميقاً صوب شجرة الأمل.. وقدرة الجسد على تحمل الجراح لأن به نسمة حياة.. وغداً سنُسقط جراحك من ذكرياتنا، ورمل ساعاتنا، ونغسل شجرنا مما تطاير علينا من قذائف حقدك لنزهو بالحياة ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

خسئت أيها الإرهابي.. فأنت مجرد جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب أمام طموح أمة لا يثني عزمها سم الغدر وسكين الخيانة، وما تراكم على الطريق من شوك وهباء!

*كتب هذا النص في الأصل كخواطرعلى وهج تهديد إرهابي قديما كان قد أصاب هذه الحمراء الفاتنة ذات طعنة جارحة وها أنا اليوم أخرجه كما خطته يدا الحزن فينا مع بعض التحيين.. لنصرخ في وجه كل إرهابي محتمل.. كفى، اتق الله فيما تبقى فيك من طين آدمي واعف عن هذا البلد الأمين.. لنا ما يكفي من جراح نود أن نداويها بكامل الحب بيننا بالإيخاء الإنساني النبيل بدل حقدك.

 

 

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

« بستان السيدة ».. رواية زئبقية مسكونة بالحلم والرؤيا

عبد العزيز كوكاس

Capture-3

يمنح نص « بستان السيدة » للمبدع عبد القادر الشاوي معنى حيويا لمفهوم أن الرواية جنس حر حد الاعتباطية، أي جنس مفتوح على كل الإمكانات الجمالية، تستدعي الحلم والتأمل والوهم وأشباهه، عبر كتابة تسلط الأضواء وتضع نقط الاستفهام، ليس فقط حول القيم والعواطف والعلاقات والأنساق والبنيات والتمثلات… ولكن أيضا حول معنى وقيمة مكانتها التاريخية والاجتماعية كما يؤكد ميشيل زيرافا.

إن النص السردي الأخير للشاوي، غير قابل للاحتجاز النصي، برغم تنصيص المؤلف على جنس الرواية على صدر الغلاف، لكنه ذاته سرعان ما يخرق هذا العقد القرائي في مفتتح النص بالحديث عن الحلم، وهي العبارة التي أضحت مثل عنوان فرعي في الصفحة الموالية للغلاف، بل إن سارده يمنح القارئ حرية التجنيس، « في هذا العمل(سمه رواية إن أحببت) ». (ص5)

يرسم النص مساره الحر في ذاكرة المتلقي المفترض ليرسو على شكله الأجناسي، إذ المؤلف لا يفرض صيغة « رواية » إلا بما تفرضه مواضعات المؤسسة الأدبية، لكنه في فجوات النص ومضمراته، يقوم نص « بستان السيدة » على الالتباس، الاشتغال على النص أثناء كتابته ومساءلة أدوات الكتابة، موضوعا وأسلوبا وبرنامجا سرديا، يقول السارد في ص24: « الرواية التي كانت تُكتب بمداد الذكريات وعواطف التوله والبعد النفسي كما القرب الموهوم والاشتباه والانفعال بكل ذلك وغيره انتهت.

كالإحساس النازع قصدا إلى الفراغ من مخاض متدافع التوترات توقف الألم الممض.

لا ولادة، لا صراخ، لا تركيب، أريد القول إنني لم أعد أجد في ذاتي ما يكفي من المبررات السردية للاستمرار في الكتابة، لقد أصبحت الرواية بين يدي على النحو الذي يفيد أنني انتهيت منها وكأنني لم أبدأ في كتابتها بعد ».

القلق بدل اليقين، الشك بدل الجزم والقطع بالرأي، النفي بعد الإثبات، الحلم بدل الواقع.. هو ذا ما يؤسس اللعب السردي في رواية « بستان السيدة »: « هنا تغير المسار، مسار الرواية أعني.. لاعبتها بالفعل في أوائل عام 2007 عندما كنت موظفا في شركة » ص17.. اللعب هنا بالمعنى الذي حدده « هزينكا Hezinga » باعتباره حركة حرة يُشعر بالحيوية، يستقر خارج الحياة اليومية قادر على الاحتواء التام للاعب ». يقول سعد: « فكان هدفي، صراحة، أن أتملك عالما اختلقته في وحدتي ». ص19

الموت نهاية أم بداية.. انقطاع أم اتصال؟

إذا كان « الموت تشويشا على نظام الأشياء » على حد تعبير جورج باطاي، فإن الكتابة عنه تفرض تشويشا على اللغة وأدوات الكتابة وبنية الحكاية ذاتها.. تولد رواية « بستان السيدة » من تأملات فلسفية حول الانتحار، انتحار حنان الداودي المعشوقة الافتراضية لمؤلف الرواية الافتراضي، نهاية بعد بداية حب مفترض، حالم، واهم.. موت حنان جاء في سياق تجربة ترجمة كتاب من العربية إلى الفرنسية، أي منح النص المراد ترجمته حياة جديدة في حضن لغة أخرى، مشروع الترجمة لا نعرف عنه سوى أنه بداية علاقة إلكترونية، أو تواصل افتراضي بين جسدين لم يلتقيا إلا في الحلم.. رجل وامرأة.. يؤشر الكاتب على ملاحظة في نهاية الرواية قائلا:  » لم تُعن هذه الرواية بالكتاب الذي ترجمته حنان الداودي، فوجب التنبيه. »

نهاية حياة حنان المنتحرة هي بداية ميلاد الرواية، نهاية دراماتيكية حزينة بعد انبثاق علاقة حب موله ملتبس، يشرع الباب واسعا أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، يستعيد الذكريات العذبة في أماسي حزينة، يختبر العواطف والانفعالات اللاواعية والهشاشات المصاحبة للوجود الإنساني القلق..

انتحرت حنان وتركت أشعارها ورسائلها وما قالته وما لم تقله، لسعد الحي الذي يحتاج إلى الإحسان أكثر من الميت كما يقول انتيفان.. ف »من يموتون يضعون حيلة خبيثة نحو الأحياء، يتوارون تاركين لهؤلاء مهمة تفسير فكرهم أي أن يتجادلوا حول ما قالوه وما كان ممكنا أن يقولوه، وما كان عليهم أن يقولوه، بل وحول ما لم يقولوه أبدا » (« لسان آدم » عبد الفتاح كيليطو). أو كما يقول كارل ماركس:  » ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضا « فالميت يمسك بالحي » (رأس المال المجلد 1 ص 7).

رحلت حنان الداودي وتركت لسعد ما ينقده من الموت : » إلى جانب رغبة متأججة، كلية ومطلقة، كنت أداريها طول الوقت، أقصد أن أكتب رواية وانتهى الأمر.. بعد أن جافيت عالم الكتابة والنشر سنوات كدت أموت فيها من الانحباس ». (ص21)

تبدأ أحداث الرواية- إن قدّر لنا حقا أن نمسك بخيوطها على النحو التقليدي، أقصد رأس الحكاية- من مشروع ترجمة كتاب من العربية إلى الفرنسية، بعد أن طلب صاحب دار نشر من سعد مساعدته على إيجاد مترجم، ستتدخل صديقته وحبيبته السابقة مريم البدري لتقترح عليه اسم صديقتها الحميمة، الشاعرة حنان الداودي التي اشتغلت على العديدة من الترجمات واستطاعت أن تمنح نصوصا عديدة حيوات أخرى في لغة أجنبية، وعجزت عن أن تبقي على حياتها.

سعد وسيط الترجمة، سيصبح ترجمانا للأشواق الدفينة، مُشعلها وموقد حرائقها التي سيصطلي بها أيضا، وستمنحه حنان المنتحرة، مذكرات ويوميات ورسائل… ما ينقذه من الموت.. أقصد ذلك الجفاف والانحباس في الكتابة الأدبية الذي أنهكه، إذ نشأت علاقة عشق سرية حالمة أو واهمة أو مقترضة، بين سعد الموظف في شركة إسبانية للاتصالات وحنان المتزوج من كريم السعداني الذي يوجد على حافة الموت بسبب مرض عضال، وإذا صح أن وراء كل رواية عملية قتل ما، فإن الكاتب يمنح موتاه جنازة تليق بهم، أو يعيد بعثهم في نص حكائي باذخ مبنى ومعنى.. هو « بستان السيدة ».

تنمو الحكاية انطلاقا من الذاكرة، وعبر الأثر الذي تركته حنان الداودي مكتوبا أو موشوما في رسائل إلكترونية حارقة وقلقة بين سعد وحنان، وحين تكتمل الحكاية في ثنايا الألم وتواشجاته، يمنح سعد مشروعه الإبداعي بدمه على خذه إلى قارئه الأول لنصوصه الإبداعية صديقه أحمد الناصري، الذي يوسع متاهة الحكاية عبر فتح كوة نحو نص روائي إسباني « الوداع الأخير » للكاتبة الإسبانية سليبيا جويس، الذي يتحدث عن علاقة مستحيلة بين ساندرا وعشيقتها/ معشوقتها مونيكا..

المكر هو ما يؤسس لعبة الحكاية في « بستان السيدة »

في تتبعه لهذه الهشاشة التي تتلبس بشرط الوجود الإنساني، وفي محاولة سبره لأغوار العواطف وتموجات المشاعر والإحباطات الغامضة المحيطة بانتحار حنان الداودي وهي على وشك إخراج حب مزلزل من حالة الكمون إلى حالة الوجود.. يلجأ الكاتب إلى نصب الفخاخ لنسج خيوط الحكاية، تبدو للوهلة الأولى مفككة وصادمة للقراءة المسطحة والاستعجالية، لكنها ذات معمار ملتبس وملغز يرسمه سرد بلغة أنيقة، وما يبدو غير متناسق أو غير مركب وفق النسق التقليدي للحكاية، يمنح القراءة العاشقة حرية اللعب، وقراءة النص من أي فصل شاء ليقبض على خيوط الحكاية، رأسها وذيلها ويمكن أن ينجز التكملة بنفسه.. ن أنأ

ليس هناك غير المكر- خارج أي بعد أخلاقي- في رواية « بستان السيدة »، فالناشر وبدافع ترجمة كتاب لا نعرف عنه شيئا، من العربية إلى الفرنسية، يورّط سعد في كتابة رواية شخصيته التي ليست هو، في علاقة دراماتيكية مفترضة مع حنان الداودي، ومريم البدري بمكر تورط صديقها القديم بأن تقوده نحو بستان السيدة، الشخصية المأساوية المتزوجة من كريم السعداني، تمده ببريدها الإلكتروني مرفوقا بصورتها التي ستقوده نحو مهاوي سحيقة.

وأحمد الناصري/ القارئ الماكر يوجه، برسالة ملغزة وماكرة، الكاتب سعد نحو النص الإسباني « الوداع الأخير »، الذي سيكون هو الرواية المفتتح بعد فصل « كيف أن الانتحار نهاية »، كنص حواري يهاجر من لغة أخرى، وسعد نفسه أو شخصيته الأخرى المفترضة، سينشئ حكايته في تداخل نصي مع رائعة سليبيا جويس، حيث « سينتهي التراسل في رواية سليبيا جويس بالانقطاع الذي هو الانتحار أيضا، وينتهي في روايتي بالانتحار الذي هو الانقطاع أيضا، أعني بذلك الفعل الذي أصبح بقوة الفجع انتحارا أقدمت عليه حنان الداودي » (ص41).

ذات المكر يقيمه المؤلف سعد مع شخوصه وفي مقدمتهم حنان الداودي التي لم تكن رسائله الإلكترونية نحوها بلغة الوسيط بين الناشر والمترجم، وإنما كانت رسائل ملغزة مليئة بالشجون والتدفق العاطفي والتوقعات والاستمالات والفخاخ والإشارات والألغاز… يقول: « غير أن رسالتي ، فيما أذكر وحتى حين لا أذكر شيئا، كانت تخفي، كعادتي كلما خاطبي النساء أساسا، شيئا من الطمع، الطمع الدفين الذي لا أعرف كيف استولى على عواطفي واستقر في نفسي، الطمع الذي يمكن أن ينتهي بالمفاجأة » (ص14)، رسائل سعد الإلكترونية كانت أشبه بنصب الفخاخ نحو « فريسته » صنو عزلته الباردة، مبرئة من سقم علاقة سابقة بصديقتها « أريد في البداية أن أقدم لك نفسي لكي تسهل مهمتي » (اللعين أنا، لماذا أريد فعل ذلك، وكان من الممكن أن أشرح لها مباشرة ما كنت أريده منها؟ ما المهمة أيها اللعين؟) (ص15)

لقد كتب رسالته الأولى المفترض أنها جد عادية للتعريف بنفسه وكيف حصل على بريدها الإلكتروني عبر صديقتها، وأن الهدف من التواصل هو أن يعرض عليها مقترح ترجمة كتاب، بدل أن تصبح هي ذاتها ترجمان للأشواق.. إنها رسائل مناورة غامضة وماكرة وغير محايدة ألبته.. ذات المكر سيتعامل به السارد اتجاه قرائه المفترضين حين يوهمهم بعلاقة افتراضية مع حنان الداودي بعد أن يبدأ بالشكوى من أنه لا يملك موضوعا للكتابة، إذ « اللغة تسعفني ولا يسعفني الموضوع »، ثم يؤكد  » ها الموضوع فأين اللغة؟ »

وستكون الوحدة القاتلة والعزلة الباردة دافعا له لكي يختلق علاقة افتراضية لم تتحقق مطلقا بين كائنين (الشخصية والمرأة).

« بستان السيدة » رواية زئبقية بامتياز، بلغة إشارية ذات نفس صوفي، فالعنوان نفسه ذو منشأ صوفي من بستان السيدة فاطمة الزهراء إلى « بستان الواعظين ورياض السامعين »، لابن الجوزي وكتاب « بستان العارفين » ليحيى بن شرف النووي، وحلقات المديح والسماع الصوفي الذي يسمى لدى الصوفية « بستان السماع »، ولغة الحلم لأن الرواية كلها هي خيال ورؤيا، « غير أنني أرى لقاء ما يدعوني إليه »(ص63)، و »حلمت بأن اللقاء الباريزي » و »أنت في حلمك يا هذا ذاهب إلى باريس »(ص65)، و »كانت تلك الأيام في الحلم باردة »، « هل كان من المفروض أن أتوقع كل شيء في الحلم » (ص66).

 

غزو الرداءة للسياسة والتفاهة تتسيد إعلامنا

« قتلتنا الردة يا مولاي.. حتى أن الواحد منا يحمل في الداخل ضده » مظفر النواب

عبد العزيز كوكاس

ZOL_0371

????????????????????????????????????

لم نعد قادرين حتى على تسمية ما نعيشه حقيقة، تبدو أدواتنا في التحليل غير مسعفة على وسم وتوصيف هذا الواقع السياسي الذي أضحينا نعيش في خضمه، بلا بوصلة، وبلا خرائط تنقذنا من التيه، ومن المسارات الأكثر إيلاما.

لم تعمل السياسات التحكمية بالمغرب سوى على تدجين حواسنا وتنويم الوعي النقدي فينا، وها نحن شهود على ما يشبه الدراما الحزينة لتبدلات السياسة، والممارسين في حقلها، وتراجع القيم، والانغلاق على هويات متوحشة دينية وعرقية وإثنية.. حتى أصبحنا غرباء عن ذاتنا، وزاد الإعلام الجديد العابر للقارات، في تسطيح الوعي، وأصبحنا نميل إلى الشاذ ونستهوي  »الفضائحي »، حتى تحول الفضاء الأزرق إلى ما يشبه « جنة السماء » في مقابل ما وصفته حنا أرندت ب « جحيم الأرض »، ممزقين بين الواقعي والافتراضي، نعيش حالة فصام بين الإنساني والحيواني فينا، المنطقي/العلمي والخرافي.

بالأمس كان العدو واضحا في السياسة كما في الثقافة، إنه الآخر تشكل في صورة المستعمر أو النظام الاستبدادي الفردي، أو الكومبرادور أو التحالف الطبقي أو المركب الإداري، المناهض للتغيير، كان العدو على مرمى حجر منا، نحدده بدقة ونمتلك عبقرية استثنائية لتوصيفه وتعيينه، كنا مثل ملائكة في مواجهة شياطين، مناضل انتحاري في مواجهة مناضل انتهازي.. لم تكن شاشة رصدنا سوى بلوني الأبيض والأسود..

وفجأة، انهار كل شيء، واكتشفنا أن الشياطين ينبعثون بيننا ومنا، وأن الشر ليس من وظيفة الغير، والجحيم هو ذواتنا وليس الآخر بالضرورة..

اتسع ذلك الثقب الأسود الذي تحدث عنه الشاعر دانتي، ليلتهم  بشهية لا توصف، قيم البراءة، التضحية، النزاهة، نكران الذات والإيمان بفضيلة العيش المشترك، أما الوطن والشرف فأضحت ـ لدى النخبة كما في قاع الطبقات الاجتماعية ـ مثل خردة متلاشيات أو نفايات لا تصلح حتى لإعادة التدوير..

وأنا أتأمل كل هذا الانحطاط السياسي المحيط بنا، لم أجد شيئا أصف به حالنا اليوم غير ما عبرت عنه جوليا كريستيفا ب « الجثث الحية »، وهي تشكو الرداءة والعنف الذي أصبح يغزو الحياة الإنسانية التي تحولت إلى شيء يخلو من أي قيمة، من خلال تفجير الشر باعتباره ثقافة.. ليس الأمر خصيصة مغربية إذن، فالتفاهة والعنف والإسفاف أرضية مشتركة، لم يعد هناك حزب سياسي قادر على المبادرة دون أن يتعرض للشيطنة، وافتقد الفاعل السياسي للوعي النقدي، وانفصلت التنظيمات الحزبية والنقابية والمدنية عن عمقها الاجتماعي، وتراجع الإعلام الأنيق، وأصبح المغاربة غارقين في تفاصيل اليومي حتى قُنّة رأسهم، تمطرهم الهواتف الذكية والحواسيب وشاشات التلفزيون بكل أشكال المسخ الوجودي، محاصرين بأشباه السياسيين الذين زحفوا مثل الجراد على التنظيمات الوسطية بين الدولة والمجتمع، والتي تتمثل وظيفتها الأساسية في تليين الغرائز المتوحشة، وترسيخ السلوك المدني لدى المواطنين، وتسلق بهلوانيون ومهرجون أعلى سلم في مؤسسات الدولة والإدارات، والتنظيمات الحزبية والنقابية والمدنية، بلا كفاءو ولا استحقاق.. وها هي الساحة السياسية تغرق بكائنات سطحية، جشعة، متملقة، وخردة أغبياء لا تليق بمعظمهم حتى سلة مهملات التاريخ..

وها نحن شهود على ذلك الانفصام بيننا كجثث حية وبين شرطنا الإنساني، نفتقد لأس الارتكاز الوجودي، الذي هو فن مقاومة الرداءة والتفاهة وكل أشكال الشر الذي تحول إلى ثقافة منوه بقيمتها.. مستسلمين كأبطال تراجيديين لهذا التسونامي الجارف، وعلينا أن نغرق في وحله، ونساير مساراته أو نقاوم كل من موقعه ككائن فاعل، منتج وحيوي ضد ما يسلب المغاربة شرطهم الإنساني، أقصد: الفعل، الأثر، الحركة.. أو نتمسك بنخوة أمير ميكيافيلي لنصالح جوهرنا الحيواني، ونتصرف بمنطق مزدوج: قوة الأسد ومكر الثعلب حتى نحافظ على وجودنا البيولوجي كجثث حية، فالصدق لم يعد فضيلة، والدهاء والأكاذيب هي جوهر العمل السياسي، والحقيقة محض كلمة لبناء جملة، كما يقول صاحب « المناضل الطبقي على الطريقة التاوية ».

نحتاج اليوم إلى زلزال كبير، ليس لنعود إلى ما كنا عليه، فلا يمكن أن نستحم في ذات النهر مرتين، وإنما لنتعرف على أنفسنا، ونصالح شرط وجودنا الإنساني ضد الرداءة والانحطاط ونتعرف على ذواتنا في المرآة، ونقاوم هذا الاستسلام الجماعي لقيم التفاهة والإسفاف، فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.

 

الأبعاد الشعرية في ديوان « نديم الطير » لمصطفى ادزيري: فتنة العتبات، صوفية المعنى وتعدد الدلالة

عبد العزيز كوكاس

يتكون ديوان « نديم الطير » من 13 قصيدة، جل عناوينها ذات حمولة صوفية « إشارة، سفر، عشق، هيام، وصال، تهجد، مدام الحبيب، الحضرة، مواقف، إبدال، سالك…). ويتعزز هذا البعد الصوفي بمعجم يستقي نفَسه ودلالاته من ذات الحوض اللسني الذي يخترق الديوان بكامله (خرَق، البلاء، السريرة، الحيارى، التيه، الغيوب، المعارج، الظنون، الفقر، لوعة، السكرة، المجاذيب، كومة..)

لا يلجأ الشاعر مصطفى ادزيري إلى التصوف، باعتباره موضة وأحد مآزق الحداثة كما يعلمنا أدونيس، ولا كهروب من واقع لا يتسع لقلق الشاعر، إنه ابن الحقل الصوفي شعرا وحياة، من أصوله ونشأته وهو القريب من مداغ سكنا وإقامة وولعا، إذ ظل يحضر احتفالات الطريقة البوتشيشية ومثَل أكثر من مرة بين يدي شيخها حمزة.. بل إن أطروحة الدكتوراه التي أخذت ثلث عمره، كانت حول موضوع التصوف، وخزانته الباذخة تضم جل المصنفات الأساسية لكبار رجالات التصوف والنقاد الذين اهتموا بالظاهرة الصوفية وتأريخها..

بهجة الخط وانتشاء الحرف.. مبدعان في واحد

بشكل استثنائي، يعود مصطفى ادزيري إلى استعادة الخط المغربي العتيق في تشكيل قصائد ديوان « نديم الطير »، مما يذكرنا بتجربة أعضاء مجلة « الثقافة الجديدة » محمد بنيس، أحمد بلبداوي والراحل عبد الله راجع، مع ما صاحب ذلك من جدل ثقافي باذخ حول دلالات استخدام الخط المغربي، ومحاذير استعادة الجانب الميتافيزيقي والتقليدي لهذا الخط في القصيدة المغربية المعاصرة.

تبدو الصفحة مثل جسد يحتفي بالوشم، وشم الحرف الذي خطه المبدع التشكيلي والخطاط إبراهيم حمامي، بتموجاته، يسبح في بياض الصفحة الشعرية، خالقا عوالم متداخلة الأبعاد. هذا البعد الكاليغرافي يمنح حياة إمبراطورية لعالم الدلالة، فالخط كما يقول عبد الله بن عباس « لسان اليد »، و »ترجمان الإنسان » و »حلية الكتب » بتعبير عبد الحميد الكاتب،  وكلما كان باذخا فهو » سمط الحكمة وبه تفصل شذورها وينتظم منثورها » كما قال جعفر بن يحيى، وبحكمة الفيلسوف وخبرة العالم يرى أُقليدس « الخط هندسة روحية وإن ظهرت بآلة جسمانية ».

ليس الخط هنا مجرد تجسيد للحروف وصورة للكلمات إنه تجربة إبداعية ذات دلالات فكرية وجمالية تستقي وهج حياتها من التصوف ومن هذا التآلف والتآخي بين الصورة والدلالة، المادة والروح، السماوي والأرضي، الناسوتي واللاهوتي، هذا الهوس الذي جمع شاعرا وخطاطا تشكيليا في بوتقة « نديم الطير »، كلاهما يقول الآخر بالصناعة التي يتقنها ويملك بزمام آلتها، مصطفى ادزيري الشاعر وإبراهيم حمامي التشكيلي.. يرقص الحرف في جذبة الكلمات، تنتشي الحروف وهي تتمايل بغنج على جسد الصفحة الشعرية في محاكاة لما يعتمل في فرن الذات/ الباطن بلغة التصوف من آلام وآمال، من انتصارات وانكسارات، من حال الجذبة الصوفية في حضرة هذا الذي لا يطاله خيال، من الاشداد إلى الواقع المادي وأمل في الانفلات من جاذبية العالم السفلي والسباحة في برزخ وملكوت العالم العلوي..

DSC_0011 (2)

شعرية العتمة في عتبات النص

تعكس لوحة الغلاف المخاض الذي صاحب السديم الأولي، هبة الفراغ، الأصل الأول للنشأة، ما بعد خراب الزلزال يبدأ البناء، التشكل.. يمتد التشكيل الكاليغرافي للفنان التشكيلي إبراهيم حمامي بتموجاته الساحرة على بياض الغلاف، تشكيل بالنيلة، بلون الغمام، الرمادي كرمز للمطر، الماء الذي « جعلنا منه كل شيء حي »، الرمادي كرمز للفناء، للطير الأسطوري الذي ينبعث من موته أرقى وأقوى، الشيبلغ الفارسي، العنقاء العربية، والفنيق اللاتيني، في البدء كان الحرف، الكلمة، وكان الشعر، لذلك تتخذ التشكيلات الكاليغرافية للغلاف، شكل « طير » عبر تطويع الحرف.. كما لو أن التشكيلي حمامي، ظل وفيا لأصول اسمه، ووضع عمق روحه في هذه التشكيلات التي تحتفي بالطير من خلال إعادة صهر الحروف، إلى جانب روح قصائد « نديم الطير »، حيث يعيد المبدع التشكيلي الحرف إلى أصوله الأولى ذات الطبيعة المادية.. جسدا وصورة، قبل أن يتعرض لعملية التجريد، لكنه بملمس خاص يتغيى الاشتغال على العلاقة الحميمة بين الحرف والجسد، ولعل هذا هو السر في اختيار حمامي مادتين أصيلتين، هما النيلة والصمغ، في تشكيلاته الكاليغرافية في صورة وخط ديوان « نديم الطير »..

النيلة ذات اللون الأزرق الذي يتجسد في الغلاف بشكل أقرب إلى الرمادي لون الغمام، الذي يمنح تلك الصلة الطبيعية بين السماء والأرض من خلال رمزية الماء، ولذلك تحدث القدامى عن ماء النص ورونقه وبهائه، فمادة النيلة تحيل إلى الأعلى، السماوي، الروحاني فيما الصمغ الذي يميل لونه إلى التراب، اللون البني يحيل على الأرض، العالم السفلي، إن الأمر أشبه بمحاكاة الحالة التي يعيشها المتصوف في الصراع المستمر بين الإنساني والإلاهي، الأرضي والسماوي، المادي والروحاني، العلوي والسفلي، لذلك يقيم التشكيلي ابراهيم حمامي، ومن خلال لوحة غلاف ديوان « نديم الطير »، حوارا مستمرا بين النيلة والصمغ، الأزرق والبني، الترابي والسماوي، وحوار بين شكلين: الدائري والهندسي، الدائرة تحيل على كل المخلوقات الإلاهية / الطبيعية، والهندسي (خاصة المربع والمستطيل، الذي يمثل إبداعا إنسانيا، كما تمثله لوحة الغلاف، وعموم الإبداعات التشكيلية للفنان إبراهيم حمامي.

ثم يأتي الطير، كمكون أساسي في عنوان الديوان بإيحاءاته الدينية والميثولوجية الباذخة، من الغراب الشاهد على أول جريمة قتل في تاريخية البشرية، الذي علم الإنسان (قابيل) دفن الجثة لإكرامها أو إخفاء لأسرار الجريمة في جوف الأرض إلى هدهد سليمان الذي أتاه بالنبأ العظيم عن بلقيس ملكة سبأ، إلى طير أبابيل التي رمت جيوش أبرهة الحبشي بحجارة من سجيل، والطيور الخرافية التي يزخر بها الأدب العالمي من العنقاء إلى الرخ والفنيق..

يحدد مصطفى ادزيري منذ صفحة الغلاف، جنس وهوية منتوجه الإبداعي كشعر، ويحدد أفق تلقيه، اختار له عنوان « نديم الطير »، الذي يحيل على ديوان فريد الدين العطار « منطق الطير »، وهناك دواوين شعرية عديدة تمتح من نفس العنوان الأصلي، أذكر منها ديوان « خبط الطير » لمحمد بشكار، « طير الله » لمراد القادري و »خلوة الطير » لعائشة البصري… وجل هذه العناوين تستوحي تمتح بشكل أو بآخر من هذه البنيات المرجعية العميقة مثل ديوان « منطق الطير » لفريد الدين العطار (ترجمه إلى العربية بديع محمد جمعة)، »رسالة الطير » لابن سينا و »رسالة الطير » للغزالي، وتستحضر أيضا مسرحية « العصافير » لأرستوفاتس.

« نديم الطير » هذه الثريا المضيئة في سماء صفحة الغلاف مثل زمرة متعددة تسبح في ملكوت البياض المشع مثل زمرة متعددة الأضلاع، نديم مفرد معرف بالإضافة، وهو مشتق من الندم، حيث أن تقديم الديوان بمقولة « كشاجم » التي تقول « أخبرني جماعة من الموثوق بهم في اللغة، أن العرب إنما سمت النديم نديما لأنه يُندم على فراقه »، يعتبر بمثابة تكثير وتعديد للمعنى الذي يستعمل به الشاعر هذا المفهوم، النديم هو الخل، الصاحب، الرفيق الحلو المعاشرة الذي تحس بمرارة فراقه، وقوة الفقد عند رحيله.

هيمنة الحوارية على ديوان الشاعر ادزيري 

يأتي ديوان « نديم الطير »، ليزكي خيارات الشاعر مصطفى ادزيري منذ ديوانه الأول « كتاب الخرَق »، محملا بلغة شعرية شفيفة وحس جمالي يعكس ذائقة فنية متميزة، تطارد هذا الذي لا يقال، البعيد رؤية ورؤيا، كما في قصيدة عشق (ص 30):

« يسبل

الغزال العينين

يرى ما لا ينقال »

وفي قصيدة « الحضرة » حيث يمثل أمام ذي الجلال (ص 84):

« قال لي: انظر وتمعن

فيك وحولك ما تراه وما لا تراه

ما يحيط به الحرف وما

لا يحيط به الحرف

جرار وكؤوس وفنان

فيها سكبت عتيق نبيذي

فاشرب »

ليس في نديم الطير غير السمو، حوار الأعالي، حيث يسبح الطير، القمر، الجبال السامقة، الشواهق، البرزخ، طلاسم الغيب، السموق، السحاب والغيم.. والشاعر يبدو مأخوذا بلغز هذه العوالم الساحرة يطوف بين جنائن سرية ومروج محجوبة:

 »كيف يحدث

أن تلبسني الغيوم

عاليا عاليا بي تطير

وأصير سيمرغا

تظلله الزرقة

كل حين ومن ريشه

تنتقي النجمة للغيمة

عذب الكلام

كيف يحدث

أن يلبسني السنا

من بعيد بطيوفه الساحرة

وأصير فراشا » (ص 73/74).

حيث يبدو نفَس المعري في « رسالة الغفران » وعوالم « الكوميديا الالاهية » لدانتي حاضرة في لاوعي النص، ويحضر الخيام، السهروردي، فريد الدين العطار، ابن الفارض… كبنية مرجعية، لكن في أفق مغاير تحكمه أسئلة الحاضر وقلق الذات الكاتبة في زمن مغاير ورؤيا شعرية تمتح من زخم النصوص وتفاعلها ومن السياقات الذاتية والجمعية لزمن المبدع:

« يراع جميل

المحيا

إلى غابة الليل

يزحف بي

يعلمني

كيف أوقد

النار

في جسدي

أجعل

عتمة

هذا

الكون

ضياء » (ص 35)

وفي قصيدة لهفة نقرأ:

« لهفة لافحة

تقود المواجع نحو الحطام

والتجلي يظل بعيد المنال

اقترب يا نديمي

وقدني إليه

فبعض البصيرة صار

عماء ». (ص 55)

إن السمو والصعود لا يكون فقط نحو الأعالي، بل في مدارج الهبوط أيضا، الوصول إلى نسغ الأصل الأول الذي فاضت عنه الأشياء والكائنات والكلمات..

« بذرة بي تسافر

في غور

الأرض

تعلمني

كيف أرى

ما لا تراه العين

كيف تقاس المسافات

بين البذرة في حضن

التراب

ووجه الهواء » (ص 39).

من العنوان يبدو الطابع الحواري للنص جليا، فالنديم هو الصديق الملازم الذي يوقظ السؤال والبسمة والكلام والألفة في الأشياء والكلمات.

لا يستقيم وجود النديم خارج الحوار الذي يبلغ ذروته في قصيدة « اعتراف »:

« للقصيدة قال المدام

أما ماؤك لولاي

ما مالت حروفك

ما أشرقت إشاراتك

ما سالت معانيك

للمدام تقول القصيدة

سناك أنا، لولاي كنت العتمة

ما سرى دبيبك

ما صرت ترياقا

للروح والخيال

لولاي ما تحررت

من خوابي العبارة

في مملكة الأشربة » (ص 26/27).

في قصيدة « عشق »، نعثر على ذلك التناغم الذي يتقطر شاعرية في حوار بين مصيدة وغزال، مناجاة آسرة مكثفة العبارة واسعة الدلالة تجعلنا مثل غزلان/ قراء نقع في غواية المصيدة/ القصيدة:

« هي

تفتح صدرا

في غنج

تشرع اليدين

تبسط اللسان

بين العشب

وبين الماء

هو يقفز

ثم يخطو

يتشمم عطرا مألوفا لا يتردد

ينجذب كعاشق

يغلبه الشوق

يرتمي في حضن المعشوق

بين ذراعيها تعصره

المصيدة

تلحفه وتغطيه

بحرير الكلام

وبحر الأشواق

تهمس وتناجيه:

حبيبي

تمدد واسترخ

مسافة هذا

التهجد

سكرة أو شهقة

أو منام » (ص 28/29)

وفي تلك الحوارية بين العاشق والمعشوق، العبد والرب:

حبيبي يقول:

تفضل كؤوس المدام

حياة

يليق بسعيك نحوي الشراب

أقول حبيبي مجاهل كأسك

تغري يباب رؤاي » (ص 62).

من الغزال إلى المصيدة، من الأيل إلى النورس الذي يأتي من سماء الخيال، يصحب الشاعر إلى جنة المعنى، واليراع الجميل المحيا الذي يعلم الذات كيف تحلم بتحويل عتمة هذا الكون إلى سنا وضياء، إلى الغيمة الأنثى التي تذيب مصطفى ادزيري، هذا المائي القادم من سلالة الطين، تزرع فيه غيمة المجاز والاستعارات ثورة، تحوله إلى سيل يجرف المجتر والمعاد، والطير هذا النديم يقوده نحو مدارج السماء، في الأعالي، للهروب من الدنو، الذبول، والحلول في ذات الجلال، الحق، الجمال، الخير، يسير نحو تلك الهزة المشتهاة، ذلك التيه الأبدي، يقول في قصيدة « رشفة »:

رشفة ثم تخطفنا

الدهشة العابرة

من أقاصي اليقين

إلى عرصات التوهم

رشفة ثم نغيب

كأننا لم نكن ها هنا ذات صحو

(…)

منذ صارت أجنحة الحلم تسمو بي

عاليا صوب مملكة الحب ».

DSC_0010 (2)

الزمن في ديوان « نديم الطير »

الختم هو ما يحكم نصوص « ديوان نديم الطير »، ذروة النهايات حيث الموت عشق، والفناء حياة، وكل موت هو بعث جديد في البرزخ العلوي حيث لا تُبصَر سوى القمم الشاهقة، وبراري يغسلها العطر وأرواح تهيم في ينابيع الضوء، والطيور المحلقة في سماوات بعيدة، حيث صفاء الرؤيا، غنيمة التيه، توحد الحال والمحلول، هناك يطارد الشاعر معنى المعنى بدون سياط، في جبهة البرزخ، ليس الطير سوى الشاعر، ليس سوى القصيدة والباقي مؤثثات السكرة: العشق، الفناء، المدام، الكتابة، البوح…

يبدو الزمن في قصائد « نديم الطير » دائريا، نقطة البدء هي نقطة الختم، الفناء والحلول، العودة إلى الأصل النقي:

« كما

الماء يعود إلى النبع

كما البذرة تعود إلى التراب

كما الطين يعود إلى الطين

تعالي » (ص 30).

ويحاكي الخط هذا الزمن الدائري الذي يحكم قصيدة « عشق »، ليست رحلة الصوفي سوى العودة إلى ما كان يبحث عنه، فيجده في داخله، في عمق ذاته، يعبر الشاعر أيضا كل هذه البراري أسوة بطيور فريد الدين العطار التي يقودها الهدهد في سفر طويل وشاق، مثل طائر »سيمُرغ » يرحل الشاعر نحو معشوقه، الذي سيكشف أنه وهو في حضنه، ليس غير ذاته وعلى عكس فريد الدين العطار، الذي كان أميل إلى صاحب « تهافت الفلسفة »، فإن مصطفى ادزيري، أقرب إلى « مواقف النفري »، حيث « صفاء الرؤيا غنيمة التيه » و »مطاردة معنى المعنى تتم بدون شباك »، و »قمر بجلال سموقه » يحمل الشاعر إلى أعلى ويعلمه كيف يفك طلاسم الغيب وكيف يقرأ كتاب السماء »، والسؤال زاد القلق.

« ويسأل:

خوابي الغيوب

وما من مجيب » (ص 24).

هذا البعد المتمثل في دلالات الزمن الدائري الذي يحاكي دورة القمر في بعده الجمالي والفزيائي يعكس بعدا فلسفيا يجعلنا في قلب الأسئلة العميقة لمفهوم الحداثة التي قطعت مع النظرة التقليدية للماضي والحاضر والمستقبل، ولمفهوم التقدم… فمنذ « فينومينولوجيا الروح » لهيغل أعدنا ترتيب حسابنا مع الزمن الهندسي بنية ورؤيا، الزمن الدائري في نص « نديم الطير » يتراوح بين الفناء والحلول، في الحياة والموت والبعث من جديد، في زمن قلق من جاذبية الترابي فينا ومحاولة السمو ثم العودة بعد جذبة الأعالي إلى عمق الذات بنقاء وعمق أكبر.. وهو ما يشي برفض الثبات والديمومة والتقليد… والانتصار للحركة، للتطور وللتجديد والإيمان العميق بفاعلية الذات الإنسانية في وشم مسارها الخاص وتغيير العالم، الزمن والنصوص… وهو شيء قريب مما أسماه فوكو ب »أنطولوجيا نحن ذاتنا ».

Navigation des articles