الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives mensuelles de “février, 2019”

أيها الفاسدون العابرون.. لكم مغربكم ولنا مغربنا

عبد العزيز كوكاس

« مكافأة الفساد لم تكن يومـًا سوى إطعام ديناصور لا يعرف معنى الشبع » ياسر ثابت

عشقنا هذه الأرض بلا حدود، ولو أننا أشباه مواطنين في شبه مساكن أو دور، شبه أموات في شبه أحياء مهمشة ونتنة، من ماء هذا الوطن وهوائه وتربته.. سحنة بشرتنا، وهج أحلامنا التي لا نمدد أقدامها بعيدا عن سرير نومنا.. وكل آمالنا وآلامنا.. حتى من هاجرها منا، ركب الموت واتشح بعراء السماء، قنطا من قطران البلاد وطمعا في عسل « بلادات الناس »، ظل متشبثا بالحنين إليها، ولم تغادره رائحتها.

وأنتم الطارئون علينا، الذين تسيدتم في زمن الهباء وتدني سماواتنا التي علقنا عليها نجمة رايتنا.. استلاما.. نحن سواد عين الأمة، جوهر هذه الأرض وأنتم عرضها وأعراضها المرضية.

لستم إلا ظل التخلف البليد، الاستعمار القديم والجديد، شره الرأسمالية الجبان، اخرجوا من دمنا ولحمنا.. ضعوا في جوف حقائبكم وأرصدتكم وبطونكم المتكورة، ما شئتم: أموالنا المستنزفة قسرا، نساؤنا اللواتي عهّرتهن ورضين بمساراتكم، احملوا ما شئتم من خمر أرضنا، زهر عطورنا، وما تساقط من لآلئ وجواهر من عرق جباهنا، وارحلوا من جرحنا.. بعيدا نحو الهباء.

أيها الفاسدون العابرون في زمن عابر.. أيها الملتصقون بجلدنا، المفسدون في الأرض.. لا تقنعونا بالقسمة الضيزى في الأرزاق، وبالأيام التي نداولها بين الناس، غلبة وسقوطا.. كفوا أيديكم عما تبقى من لحمنا.. احملوا قذاراتكم ومغانمكم وكل وسخ الدنيا المستنزف من جرحنا، وارحلوا.. فنعود بالله من شر ما خلق، من بشر كالعلق..

أيها المفسدون العابرون إلى مزابل التاريخ.. لقد أصابنا القرف من وجهكم، من خطاباتكم، من حيواناتكم المنوية.. ومن انتصابكم في وجهنا مثل رائحة الفضيحة. ومن سماع خطابتكم التي تأكل آمالنا كما يأكل الحسد الحسنات..

صمَتنا ليس جبنا، ولكن فقط لأننا لا نسعى إلى إيقاظ من أنزل الله البلادة على قلوبهم والغشاوة على عيونهم، لحكمة يعلم الله وحده أسرارها. نريد أن حررت قطرة المعلقة المعلقة في صنبور الأحلام، ونطلق الذكريات من مرابضها، ونجعل الأنهار تنام بأعين مفتوحة خارج نفاياتكم..

1932387_10201328000817847_1888657001_n

أيها الفاسدون المتسيدون على رملنا ومائنا، على سمائنا وأرضنا، النابتون في حقول أحلامنا وهوائنا مثل الفطر.. كونوا بشهامة الفرسان، صهيل الخيول.. تعالوا في مبارزة شريفة الند للند، وأزيلوا أقنعة الشركات، القوانين، الجنسيات المستعارة وباقي الأكاذيب التي لا تنبت رغيفا في حقل، لا تسمن من جوع ولا تأوي يتيما ذا مسغبة أو مسكينا ذا متربة..

لا تتصيدوا ما انزوى في الجزء المظلم فينا، لا تركبوا حاجاتنا وخصاصنا، لا تصطادوا في مستنقعات ضعفنا الآدمي..

لنا ما لنا على هذه الأرض، وطن مهما قسا علينا فهو جنة الخلد وأهله كرام.. كفوا عنا أذاكم.. أيها « المناقطية »، من يسرقون حقنا في أن نكون على غير ما نحن عليه، أنيقين بدون ياقات بيضاء، زاهدين في وسخ الدنيا، متحابين في الأخوة والدم.. والانتماء الإنساني جنسيتنا، بناة للوطن ومخَلّصيه من الجينات الفاسدة..

مللنا سخافتكم.. أميتكم المتعالية بلا سقف، اذهبوا بعيدا خارج جلدنا، وصلصال ترابنا.. وكفوا عن حلبنا وعصر دمائنا..

لكم الثروة ولنا جحيم الفقر والتخلف

لكم السلطة ولنا بؤسنا وجحيم تشرد أبنائنا

لكم المغانم كلها ولنا ما تساقط من فتات مزابلكم

وعلينا ما عليكم من سماء وما نقتسم من هواء

ليس عدلا أن تظلوا على رقابنا جاثمين ولخيراتنا ناهمين، ولأفق أحلامنا مغتصبين.. لهذه الأمة الحق في أن تغدو وطنا، فردوسا، أو مأوى يتسع للجميع، لأحلام الشيخ والرضيع.. أن يكون لهذا الوطن الأم أنبياؤه وكتبه، جغرافته وتاريخه، أساطيره وخرافاته، أن نقتسم آلامنا بالتساوي، ونشهر حبنا عاليا للوطن بلا خجل انتماء..

أيها المفسدون في أرضنا.. اخرجوا من هوائنا، من سمائنا.. كدسوا أوهامكم في أرصدتكم المنتفخة مثل بطونكم، خذوا كل حصتكم من برنا وبحرنا، لنا أحلام هنا نربيها، ذكريات من وجع وحب، لنا وصايا من أجدادنا، أثر ذكرياتهم نحميها.. فارحلوا عنا، نريد أن نحيا في وطن يليق بنا ونليق به.. به هواء نقتسمه بالتساوي، لكل حسب حاجاته، لكل حسب عمله.. وحيز مهما ضاق، نستطيع أن نمدد أرجلنا على سريره بلا رهبة من الكوابيس.

أيها العابرون إلى مزابل التاريخ.. ما عاد فينا حيز للصبر.. أيوب ثاب من حملنا.

لهذا البلد أن يحيا كما يشاء، ويذهب بعيدا خارج الحدود التي رسمتها عفونتكم ومطامحكم.. ولنا الماضي، الحاضر والمستقبل.. ارحلوا بعيدا كالغبار المر والذكريات السيئة، ولتعيثوا فسادا في أي بقعة شئتم.. فلنا مغربنا ولكم غربتكم.

وعلينا أن نحرس حلم البلد من كوابيسكم.. أيها الفاسدون آن لكم أن تنصرفوا واتركوا لنا ما تبقى في هذا البلد، متسع للحياة لنا ولذويكم من غير فساد في الأرض أو قلب جامد لا يقيم فيه بلد… وبئس المصير.

Publicités

الصحراويون بمخيمات تندوف.. هل هم لاجئون أم محتجزون؟

« لا يصبح الخطأ على وجه حق بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ لأن لا أحد يراها » المهاتما غاندي

عبد العزيز كوكاس

يعتبر مشكل الصحراويين المقيمين بمخيمات تندوف صلب قضية الصحراء، فهؤلاء الصحراويون الذين في سياق ظروف ملتبسة تم نقلهم في آناء الليل إلى منطقة تندوف وتجميعهم في مخيمات أقيمت في منطقة خاضعة للسيادة الجزائرية، مفتاح حل قضية الصحراء، بالنسبة للمغرب فهم صحراويون مغاربة محتجزون في مخيمات العار، وبالنسبة للجزائر هم لاجئون بالتراب الجزائري..

منذ دخول القضية إلى أروقة الأمم المتحدة تم التغييب التدريجي للجانب الإنساني لهؤلاء الصحراويين وظل الصراع دبلوماسيا وقانونيا بين أطراف النزاع، في حين أن الأمر يتعلق بمأساة إنسانية، هناك عائلات كبرى تم شطرها بين من ظل أو عاد إلى أرض الوطن وبين من لا زال هناك، نظرا للظروف الحاطة بالكرامة التي يعيشها هؤلاء الصحراويون الذين انتزعوا من أرضهم في ظروف يعرفها العالم، حين كانت الشاحنات الجزائرية  في ذروة مفاوضات مدريد لعام 1975 التي حتمت الجلاء الإسباني تجوب الأقاليم الصحراوية، لتهريب السكان عبر التغرير والقوة، وحين تبين أن أعداد المرحلين قسرا لا تفي بالغرض المطلوب، أي الإيهام بإمكانية إقامة دولة، عمدت الجزائر إلى إيواء نازحين أفارقة من بلدان الساحل جنوب الصحراء لتضخيم أعداد اللاجئين.

وقتها تبادلت الجزائر الأدوار مع أوساط إسبانية متشددة لم ترغب في الرحيل عن المستعمرة السابقة، إذ في الوقت الذي كان صعبا على هؤلاء المتغلغلين داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية وفي الإدارة، القيام بدور مباشر ضد الأوفاق التي وقعت عليها دولتهم علنا، استطاعت الجزائر أن تنوب عنهم في أداء المهمة نفسها، لكن ليس من طرف دولة الاحتلال التي أذعنت إلى حتمية التاريخ، ولكن عبر دولة عربية مجاورة، لم تهضم بدورها في أي مرحلة تداعيات حرب الرمال لعام 1963، وبقيت تتحين الفرصة من أجل الانتقام.. دون نسيان الظروف الداخلية التي عرضت مظاهرة بطانطان لقمع غير مبرر كما شرحت ذلك سابقا.(انظر كتابي: جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال، رؤية مغايرة).

في كل تجارب النزوح، ليست هناك دولة في العالم تقبل باستضافة آلاف الأشخاص من غير مواطنيها على أراض واقعة تحت نفوذها لعقود طويلة مع كل المشاكل المترتبة عن هذه الاستضافة التي تكون مؤقتة، بل إن الدولة التي تستضيف مثل هؤلاء اللاجئين ترفع صوتها عاليا وتضغط على المجتمع الدولي لإيجاد حل من أجل عودة هؤلاء إلى موطنهم الأصلي، وهو ما لم يسبق أن قامت به الجزائر التي لا تريد لهؤلاء الصحراويين أن يغادروا أراضيها أبدا بل تعرض الفارين منهم إلى عقوبات شديدة، وهذا خرق سافر لاتفاقية 1951 المتعلقة بلاجئين والبروتوكول الملحق به لعام 1967.

ففي القضايا المرتبطة باللاجئين والنازحين لاعتبارات مختلفة، تعمل الدول التي تحترم التزاماتها الإنسانية والقانونية والسياسية، بكل الوسائل من أجل إنهاء معاناتهم، خصوصا حين تكون الطريق إلى ذلك واضحة المعالم، أي السماح لهم بالعودة الطوعية إلى بلدهم، أو السماح بإحصائهم لتحديد حاجياتهم وتقديم المعونة الكافية لأعدادهم قبل البحث عن السبل الكفيلة بعودتهم إلى الموطن الأصلي الذي قدموا منه، ليست هناك دولة تتمسك ببقاء لاجئين فوق أراضيها، في ظل انتفاء شروط اللجوء الاضطراري، إلا أن يكون لها أجندة خاصة تستغل فيها وجود أولئك الأشخاص لأهداف غير بريئة.. لأنها تدرك أن عودة أولئك السكان إلى بلدانهم يعني تبديد آخر آثار قضية الصحراء التي ارتدت الأبعاد التي توجد عليها الآن، استنادا إلى وجود لاجئين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، وهي ترفض ذلك نتيجة خشيتها من انفضاح الخطة التي دبرتها في الخفاء لإقامة تلك المخيمات.. لم يحدث إلى الآن أن سلطت الأضواء الكاشفة عن ظروف نزوح أولئك السكان في اتجاه المخيمات، من جهة لأن العملية تمت بتواطئ بين السلطات الجزائرية والإدارة الإسبانية قبل انسحابها من الأقاليم الصحراوية، ومن جهة ثانية لأن تلك العملية ارتبطت بممارسات وانتهاكات طالت حقوق الإنسان، عبر اقتلاع الأهالي، وخصوصا الأطفال والشيوخ والنساء من أماكن إقامتهم للزج بهم تحت العراء والخيام الفاقدة لأبسط ظروف الحياة.

Capture

لا يمكن للمغرب أن يغير جيرانه، ذلك قدر الجيولوجيا والتاريخ، في الشمال هناك جار اشترك معه حضارة باذخة وظل وسمه الاستعماري قائما.. وفي الشرق، بلد احتد به التنافس حد الاكتئاب السياسي، هل هو مجرد سوء فهم كبير؟

كانت إسبانيا تعول على إقامة دويلة تابعة لها في الصحراء، وحين واجهت رفضا مغربيا قاطعا، بلورته الإرادة التحررية للسكان الوحدويين، حاولت الالتفاف على الموضوع بطرق أخرى، وهذا الموقف ينسجم مع كل التحركات الجزائرية على امتداد أطوار القضية، وكما أن الإدارة الإسبانية قامت بإحصاء ناقص للسكان قبل انسحابها، فإن الجزائر زادت على ذلك برفض القيام بأي إحصاء لسكان المخيمات.. أليس غريبا أن يحدث هذا التلاقي في الأدوار والممارسات والخلفيات، ماذا يجمع إسبانيا والجزائر وماذا يفرقهما في التعامل مع قضية الصحراء؟ أليس وجود المغرب في قلب هذه المعادلة هو مصدر كل المتاعب؟ لم استنكرت الجزائر نزول بضع جنود مغاربة على جزيرة ليلى المغربية، بعيدا عن مفاهيم مناصرة القضايا التحررية وفي مقدمتها استرجاع ثغور المغرب الشمالية المغتصبة من طرف إسبانيا؟

لنُعد ترسيم ملامح الصورة، إسبانيا كانت المستعمر السابق للساقية الحمراء ووادي الذهب، وهي بهذه الصفة التي لا تشرف تاريخها، كما لا يليق بها أن تستمر في احتلال مدينتي سبتة ومليلية وباقي جزر شمال المغرب، حرصت على ألا تغادر الصحراء، إن لم يكن لها وجود عسكري ومدني ملموس، فمن خلال الانشغال بالملف إلى درجة أن النظرة الاستعمارية يتم التغاضي عنها في كثير من الأحيان.. إنها بدورها معنية باستضافة صحراويين على أراضيها، وإن كان سوء التقدير يصدر عن تنظيمات غير حكومية في إطار صراعات داخلية، غير أن الجزائر تزايد أكثر على هذه التنظيمات وتنوب عنها في تصدير سياسة العداء تجاه الجار المغربي.

عندما نعرض إلى إشكاليات رفض إحصاء اللاجئين المقيمين في تندوف، فإن ذلك يحيلنا على جوانب من أزمة الصحراء، ارتبطت بتوزيع السكان بين بلدهم الأصلي.. المغرب، وبين الجزائر وموريتانيا، وبالتالي نتج عن ذلك مضاعفات عدة لا تتعلق فقط بسمات وخصوصيات الحياة في الصحراء التي تفرض الترحال والتنقل في مساحات شاسعة، وإنما انعكست سلبا على جهود حل النزاع.

كل العراقيل التي واجهت مساعي الأمم المتحدة توقفت عند هذه النقطة تحديدا، أي معرفة الأعداد الحقيقية لسكان المخيمات المنحدرين من أصول صحراوية، وغني عن البيان أن إعاقة التسوية السلمية كان هدفها عدم تمكين أولئك السكان من العودة الطوعية التي تصدت لها الجزائر بكل الوسائل، إذ يذكر في هذا الصدد أن خطة التسوية الأممية لعام 1991، قبل انهيارها، كانت تنص حرفيا على أن يقترعوا في مكان ازديادهم وانتسابهم داخل الأقاليم الصحراوية.

ثمة وجه آخر لأزمة اللاجئين أو المحتجزين بمخيمات الحمادة يرتبط بأنهم يوجدون في وضع يتناقض كليا مع القانون الدولي، ويتعلق بالبند رقم 94 للمفوضية السامية للاجئين التي أقرته لجنتها التنفيذية في 8 أكتوبر 2002، والذي ينص على أنه لا يتم الإقرار بصفة لاجئ وتقديم الحماية للاجئين إلا في ظل الطابع المدني السلمي، والحاصل أن مخيمات بوليساريو الموجودة على التراب الجزائري هب مخيمات عسكرية تضم أسلحة لا توجد لدولة قائمة الذات في بعض الدول الإفريقية وجيش منظم ويتلقى مساعدات عسكرية من البلد المضيف، في غياب أي حماية دولية كما تنص على ذلك الأوفاق الدولية وهو ما يعمق من الوضع المأساوي للصحراويين المحتجزين في هذه المخيمات.

Navigation des articles