الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

أرض أقل.. سماء أرحب

عبد العزيز كوكاس

téléchargement

على هذه الأرض ما يستحق الإبداع..

أرض أقل تكفي المبدع المصطفى غزلاني لينصب فوقها أحلامه، ذكرياته، خياله ومخلوقاته الإبداعية.. فالأرض ليست مجرد طوبوغرافيا هندسية أو مكان مسور بطول وعرض ومساحة، إنها هوية متجددة دوما قيد التشكل، قيمة إنسانية محملة بالرمزية اللامحدودة: التعدد الاجتماعي، التنوع والغنى، الوطن بأفقه المفتوح وكثافته التراثية والجمالية..

شيء من الأرض.. شيء قليل منها فقط يكفي المبدع المصطفى غزلاني ليتنسم هواء الحرية ويخصب بخياله موجوداته التي يخلقها بألم وأمل ثم يستريح..

الأرض معمار وتعمير، تدافع وجذب، خصوبة وجدب..

الأرض ذاكرة، خيال، حلم ممتد باعتباره مأوى الكائن البشري..

لا خواء هنا، لا عدم، لا سديم أولي.. القليل منها فقط يكفي، بياض يتسع لما في القلب من نبض الحياة، قطعة قماش، لوحة تتسع لبهجة الخطوط والألوان، قطعة من طين أو خشب أو صخر تحوي خيالات المبدع الذي يرتقي بالأشياء إلى رمزيات متعالية..

ولا أرض بلا سماء، بلا صراع بين الرموز، بلا هواء ولا نجوم وشمس وقمر، بلا عين أخرى تمنح المعنى للمنتوج الرمزي للمصطفى غزلاني، بذاكرتها الخصبة بآلامها وآمالها، بأفراحها وأتراحها، بانتصاراتها وانكساراتها..

إن اختيار المنظمين لعنوان « شيء من الأرض يكفي » لهذا اللقاء الذي نحتفي فيه بالمبدع المصطفى غزلاني، نابع أساسا من استكناه مسار الفنان ومنتوجه الرمزي، الذي توجد الأرض في قلب انشغالاته: شعرا، رواية وتشكيلا واهتماما نقديا، بخصوصية متميزة في المقاربة وتنوع مبهر في الأشكال التعبيرية والجمالية، وتعدد في اختيار أجناس أدبية  يُجري بينها المصطفى غزلاني حوارا يكسر الحدود، يُخصب الدلالات ويرفع الأسلاك الأجناسية بمهارة عالية..

إن المصطفى غزلاني كائن متعدد الأبعاد، من « خرائط الغيم »، « أشياء أخرى » إلى « بيضة الرماد » و »جراء » وباقي إبداعاته التشكيلية نلمح ذلك البعد الرؤيوي الذي عبره يصنع كائناته ورموزه من طين الأرض وصلصالها، وينفخ فيها من روحه.. الممكن، المختلف، المتحول والمتعدد… وهو ما يميز إبداعات المصطفى غزلاني الذي يغير أشكاله ويجري حوارا متواصلا مع إبداعاته بغاية التجاوز بالمعنى الكانطي للكلمة، بحثا عن صوته الخاص، بصمته الذاتية وعن مسكنه الوجودي على أرض الإبداع المتميز، حيث قليل من الأرض يكفيه، لأنه ينظر إلى الأرض عموديا لا أفقيا، هنا يجب الوقوف على الرهانات الإبداعية للمصطفى غزلاني، وإذا كانت الأرض حاضرة بقوة ليس فقط في منتوجاته التشكيلية المعروضة أو من خلال عناوين المعارض التي أقامها أو شارك فيها: « النشيد على الأرض »، أيتها الأرض أحسك » أو « يا الأرض أشعر بك »، « ولاء »، « الظل »، عنصر الأرض » أو من خلال مجموعة الأرض للفنون التشكيلية التي يعود له الفضل في تأسيسها.. بل أيضا في منتوجه الشعري والروائي على حد سواء حيث نلمس قوة حضور الطيني، ملمح التراب، ونشم رائحة الصلصال.. هنا نعثر على نواة البعد الرؤيوي الذي يشم الإبداع الزاخر للمصطفى غزلاني الذي يتجاوز الأصول القروية للمبدع والوفاء لتربة الأرض في صفائها وصيرورة فضاءاتها وحيوية كائناتها.. فالأرض هي ذلك المطلق الوجودي الذي يدركه الإنسان ويحسه، ولا غرابة أن تكون محاور الفلسفة الأولى هي الاهتمام بأصل الكون وعناصره الأولى: نارا، ترابا، ماء أو هواء، وأن تسعى الميثولوجيات القديمة إلى محاولة إدراك لغز الوجود الكوني.. وأن تكون الأسئلة الكبرى الموازية لهذا الاهتمام الجنيني بالأرض/ الكون/ الوجود… هي الوجود والعدم، المكان والزمان، الخلود والفناء، المادة والروح، الضرورة والاختيار أو الحتمية والاحتمال… فالوعي البشري الفلسفي والديني والجمالي هو انعكاس لصراع الإنسان على هذه الأرض و معه لغز هذا الكون، وسعي الإنسان/ المفكر/ المبدع لإدراك محيطه ويظل الخيال دليله للقبض على شساعة الوجود ومنح الأشياء معنى وقيمة.

هذا ما أكتشفه عميقا في إبداعات المصطفى غزلاني، هذا ما ألمسه بيداي، أشم رائحته وأتذوقه بعذوبة رائقة في منجزه الممتع والحمال أوجه.

كلمة ألقيت في اللقاء الاحتفائي بالمبدع المصطفى غزلاني بمناسبة معرض الكتاب بن سليمان- في 3 أبريل 2019

Navigation dans un article

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :