الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “البوح الممكن”

أحزابنا العتيدة من تنظيمات ديناصورية تنازع شرعية النظام إلى فزّاعات حقول جرداء

« يموت الجبناء قبل موتهم الأخير، أما الرجال الشجعان فيبقون أحياء حتى بعد موتهم«  وليام شكسبير

عبد العزيز كوكاس

هناك علاقة وطيدة بين الظاهرة الحزبية والنظام السياسي، فشكل هذه الظاهرة وطبيعتها البنيوية ومسار تطورها يحيلنا على طبيعة النسق السياسي وطبيعة الحياة السياسية في أي بلد، لذا لا يمكن مقاربة الظاهرة الحزبية بمعزل عن سياق تطورها وعن التربة التي احتضنتها بحكم الارتباط العضوي بين الأحزاب والواقع السياسي والمجتمعي الذي نبتت فيه، والمغرب ليس استثناء.

من هذا المنطلق وتأسيسا عليه يجب فهم طبيعة تفكك الأحزاب المغربية وعدم قدرتها على تجاوز تناقضاتها التنظيمية والسياسية، ليس كظاهرة منفصلة من جهة عن النظام السياسي، ومن جهة أخرى عن سياق تطور هذه الأحزاب في تربة مجتمعية محددة.

فللأسف لم تستطع أحزابنا النجاح في التمرين الديمقراطي بدرجات متفاوتة ولأسباب متباينة، فقد لجأ الحكم مبكرا إلى القمع الوقائي ضد الأحزاب المنافسة عبر تكتيكين متوازيين:

– تكتيك استبعادي ضد مكونات الحركة الوطنية والمكونات المتناسلة عنها.

– تكتيك استيعابي تجاه مقاطع متعددة من النخبة التي استعملت في أحزاب شكلية كإطارات واقية زمن الصراع السياسي، ونجح بالتالي في التحكم في الخريطة السياسية عبر آليتي التدمير والإدماج، ونجح النظام في خلق مهام و »وظائف سامية » جعلت مقاطع كبرى من النخبة تستفيد من العمل السياسي اجتماعيا وتنتفع ماديا ورمزيا، هذه الوظائف ربطت مسار هذه النخب بعجلة النظام، وسهرت أجهزته على خروج الكل راضيا من « معركة » الصراع السياسي، شريطة عدم تحول المنهزم أو المنتصر إلى خصم جذري، لذلك نلاحظ مع أي تعديل أو تغيير في المناصب الرسمية، هناك منصات شرفية تنتظر « المنهزمين »، قاعة باردة للانتظار تزداد انفتاحا مع مشهيات كل مرحلة من المسلسل الديمقراطي إلى التوافق والتناوب إلى الإجماع بتعاقد وبدونه…

__ 8

هذه الخطوة لم تنج من مآزق، خاصة مع حلاوة مشهيات المسلسل الديمقراطي وازدحام قاعة الانتظار بأطر لم تجد لنفسها مقعدا، وعدم قدرة المخزن على إشباع رغبات نخب انفتحت شهيتها أكثر من اللازم، خاصة مع تجاوز نظام الحكم للمغرب، ما يصفه هنتينجتون « بأولوية توافر النظام العام الشرعي والاستقرار السياسي »، لأن السلطة السياسية نجحت في الحفاظ على السند الشرعي وتحقيق إجماع شبه مطلق حولها، وظلت الأزمة الأساسية ليست هي إنشاء السلطة، بل الرقابة عليها لعدم وجود اتفاق وتعاقد واضحين بين الفاعلين المركزيين حول قواعد اللعبة السياسية.

قدرة النظام السياسي بالمغرب على دمج العديد من النخب التي أفرزتها عملية التحديث والتقليل من التناقضات المجتمعية عبر آليات الضبط والترويض أو التكييف أو توسيع المشاركة نسبيا والانفتاح الديمقراطي أحيانا، أو ربط مصالح هذه النخبة بعجلته أو بقمعها وتفكيكها أو الاستجابة الجزئية لبعض مطالبها بالشكل الذي يمكن النظام من التكيف مع الوضع الجديد، جعل للمخزن زبناء جدد حتى داخل الأحزاب الوطنية التي رفعت شعار التحديث والديمقراطية وسعت لاقتسام السلطة مع مركز القرار، ومع تطور مسار هذه النخب الحزبية، تحولت الأحزاب الأصيلة في المغرب من نمط الحزب التعبوي الذي يساهم في التنشئة السياسية إلى أحزاب متكيفة مع اتجاهات الواقع، أي المحافظة على القيم التقليدية عوض خلق قيم العقلانية، قيم العمل، دمقرطة السلوك والعلاقات، وطبقت النخب النافذة في أحزابنا، والتي تعرضت للقمع والاستبداد، إزاء معارضيها، داخل الحزب الواحد نفس أنماط ومستويات القمع الذي تعرضت له، وبذلك ساهمت في إعادة إنتاج نفس العلاقات غير الديمقراطية.

هذا المسار جعل الأحزاب المعارضة تنتقل من دور تجميع مصالح أوسع الفئات الاجتماعية باعتبارها مشتلا للأطر، إلى القيام بدور توزيع المنافع وتنظيم تقسيمها بين الاتجاهات النافذة وسطها، وعوض تقوية وظيفة التعاقد بين مختلف منخرطيها على أساس إيديولوجي مشترك تحولت إلى إطار لإشباع رغبات بعض الأطر دون تنظيمها أو عقلنتها، مما ساهم في قلب سلم القيم النضالية وشجع على بروز أدوار جديدة: الفساد، تحول مناصب التسيير والمسؤولية العمومية إلى مصدر للثراء الشخصي، يمكن الوقوف على هذا البعد من خلال نسبة المعطلين في الانتخابات المحلية ترشيحا ودعما، ظاهرة الرحل في البرلمان والأحزاب، طبيعة الزبناء السوسيو-ديمغرافيين الجدد لأحزابنا…)

هذا البعد أدى إلى جو من التذمر وسط المناضلين بحكم اعتبار القيادات الحزبية أن المزيد من توسيع مجال المشاركة في صنع القرار يعتبر تهديدا للقيم المتواطأ حولها، وأصبحت الأطر الهامشية تعزف عن المشاركة الحزبية، إما لعدم اقتناعها بمردودية هذه المشاركة، أو لأن طموح التدرج في المواقع التنظيمية والسياسية غير مرتبط برغباتها، وليس محددا بكفاءاتها ومردوديتها، بل هناك اعتبارات أخرى مثل الأصول والواقع الطبقي أو الولاء التنظيمي بل حتى الوراثي!

هكذا شكلت هذه العوامل المجتمعية وضعية جديدة داخل أحزابنا السياسية، التي تحولت من معادلة التنافس والصراع مع الحكم، إلى التنافس والصراع على حقائب الحكومة، ومن التنافس حول توسيع المشاركة في صنع القرار، إلى التنافس من أجل النفوذ في مؤسسات الدولة (إدارة، حكومة، برلمان، جماعات محلية…)، هذا التحول انعكس على لائحة المطالب الأساسية للتحديث التي رفعتها الأحزاب الأصيلة في المغرب، أقصد الأحزاب المستقلة في نشأتها عن الدولة ذات الامتداد التنظيمي في قلب المجتمع، فمن مناهضة الحكم الفردي الاستبدادي إلى وضع المعركة الدستورية على رأس لائحة المطالب، ومن المجلس التأسيسي إلى قبول الدستور الممنوح والانتقال إلى أن العطب ليس في الدستور، وإنما في الانتخابات، إلى غض الطرف نهائيا عن تعديل الدستور، بل المطالبة بإبقاء أكثر الفصول مثارا للجدل أو المطالبة بحذف أحد فصوله الديمقراطية لمجرد أنه يقصيها من رئاسة الحكومة بسبب تراجعها انتخابيا،الشيء الذي لا يساهم في تحديد الأدوار بشكل واضح من خلال توازن السلط، وذلك للاحتماء بالنظام من فاعلين جدد في الساحة السياسية، ويتعلق الأمر بالحركة الإسلامية، وتم الانتقال من رفض هيمنة التقنوقراط إلى المطالبة بعدم مزاحمتهم للسياسي أو طغيانهم في مراكز القرار إلى تلوين التقنوقراطي بصباغة حزبية!

هذا التحول أدخل أحزابنا بؤرة التوتر، ومع عدم ربط القيادة لأحزمة السلامة لاتقاء اهتزازات الاختبار الديمقراطي تفرقت الملل والنحل، وتحول الحزب الواحد إلى أحزاب تخرج من الصلب والترائب، أحزاب مستنسخة حد المسوخ، رغم نبل بعض أطرها.. لم تستطع خلق بديل قوي بسبب الخصاص الديمقراطي مجتمعيا وسياسيا، وزادت علاقات السيطرة والتبعية الشخصية وتضخيم المشروعية التاريخية للزعيم وفي مرحلة تالية النفوذ التنظيمي للزعيم حتى على رأس حزب أضحى مجرد هيكل عظمي، من حجم تفكك أحزابنا التي لم تستطع مواكبة التطور المجتمعي الذي ولد جماعات جديدة لم يستطع التشكل الحزبي استيعابها ولا القدرة على تلبية حاجاتها، خطابا وممارسة.. وأمام اتساع دائرة استقلال الفرد المغربي مع احتكاك المواطن بالإدارة، وتدفق المعلومات وتطور وانتشار التعليم وتعدد مصادر التكوين والمعرفة.. حدثت طفرة في إدراك المواطن المغربي لذاته في علاقته بكل أشكال السلط، لذلك سيحتاج الفاعل السياسي الغارق في جبة الاستعلاء عن نبض الشارع إلى فهم الحركة المدنية التي رافقت العديد من القضايا الاجتماعية، وإلى أحزمة الدفاع التي بدأت تنشأ في بعض المداشروالقرى النائية والأحياء الهامشية وحتى في قلب الحواضر التي اعتدنا تواجد الخلايا الحزبية فيها لتأطير وتوجيه وتوظيف أي حركية اجتماعية، مجموعة القضايا هاته التي ترفع مطالب جزئية وخاصة بالمنتسبين إليها تحاول الابتعاد دوما عن الهيمنة الحزبية والنقابية أيضا، حتى أضحى المجتمع ينظم نفسه في أنوية للتعبير عن مطالبه وحقوقه دون أي تأطير حزبي!

هذه العوامل مجتمعة جعلت مراكز القرار الحزبي تتربع على فزاعات لحقول جرداء لذلك تفرغت للاحتراب فيما بينها وحولت أحزابها إلى أصل تجاري وحده الزعيم يملك مفاتيحه ويرش حوارييه وأتباعه بما تساقط من متاع المناصب الدنيا الزهيد، لذلك أضحت تنظيمات محرومة من ماء الحياة.. الجماهير والنخب المنتشرة في المجتمع والذي لم تعد تجد ذاتها في قلب هذه التنظيمات، وجعل التنظيمات الحزبية التقليدية معزولة عن أي امتداد اجتماعي وبدون سلاح سوى الابتزاز والتفاوض حول الحصص الصغرى بلا أجنحة أو امتداد في عمق المجتمع وبلا مشاريع سياسية أو اجتماعية، وأضحت تتفرج على واقع متحول تعجز عن إدراكه وبالأحرى تأطيره، غير قادرة على الانخراط فيه لأنها مطعون فيها كدكاكين انتخابية ولعل حراك الريف أكبر دليل على ما آلت إليه التنظيمات الحزبية التقليدية…

 

Publicités

أعترف أمامكم

عبد العزيز كوكاس

« لدينا ما يكفي من الدين الذي يجعلنا نكره، ولكن ليس لدينا من الدين ما يكفي ليجعلنا نحب بعضنا البعض » جوناثان سويفت

الوقت

أعترف أمامكم..أنا علماني، إذا كانت العلمانية، تعني حفظ حق الناس في الحياة، وحماية الدولة المدنية لكرامة مواطنيها مهما كان لونهم، جنسهم أو موقعهم الاجتماعي أو معتقداتهم.. أنا علماني، أعترف أمامكم بدون أقنعة، لأني أومن بأن مشاكل الفقراء ليست في مشيئة السماء، ويأس المحرومين ليس قدراً ربانيا أبديا، والفساد ليس تفاوتاً في الأرزاق.. وأن مشاكل الإنسانية في تدبير الرزق والمعاش، والتدافع في الأرض تعود إلى الماسكين بزمام السلطة وليس إلى إرادة ربانية، أو أي سلطة لا متناهية لا راد لقدرها..

أضع بين أيديكم رقم بطاقتي الوطنية كشبه مواطن في شبه وطن، وما يشبه هاتفي المحمول لما يشبه شخصي، وشبه عنوان لما يشبه منزلي.. أقصد مكاني الأكثر حميمية، وأعترف أمامكم أني علماني حد النخاع، إذا كانت العلمانية تعني الشفافية والنزاهة، والاحتكام للقانون دون حاجة لاستخدام تفاضلية العرق أو اللون، الانتماء الاجتماعي أو التمايز النوعي…

أعباد الله أنا علماني، إذا كانت العلمانية تقصد تخليق السياسات العمومية ومشاركة المواطنين في تدبير شؤونهم بأنفسهم، وإن لم يستطيعوا فلهم الحق في الاختيار الحر والنزيه لمن ينوب عنهم، ويظلون يمتلكون سلطة مراقبة من اختاروهم، لأنهم سادة قرارهم لا عبيد أنظمتهم التي تقرر كل شيء باسمهم بدعوى عدم نضجهم أو جهالتهم العظمى…

نعم أنا علماني، إذا كانت العلمانية تعني اعتماد المردودية والكفاءة والاستحقاق في إسناد المناصب والمسؤوليات بدل الزبونية والمحسوبية والانتماء العائلي أو الحزبي أو العقدي.. وما دامت العلمانية تعني أن الأخوة في الله لا تعني الاتكال وترسيخ الجهل ومحاسبة الناس على اختياراتهم الفكرية والإيديولوجية والجمالية والعقدية…

لكن في نفس الوقت احذروا.. فأنا إسلامي أيضا، إذا كان الانتماء للإسلام يعني ألا معبود على وجه هذا الكون يستحق السجود والركوع، والحمد والشكر باسمه، سوى هذا الامتداد الكوني الذي لا علم ولا قدرة بشرية تحده…

أنا إسلامي حد جراح القلب، إذا كان الإسلام يعني المجادلة بالتي هي أحسن، وأننا اخترنا كخير أمة أخرجت للناس، لا لنرمي بالآخرين إلى الجحيم، لأن لنا وحدنا ما اتسع من الأرض وأفق السماء، باعتبارنا أمة محمد (ص) خير الآنام الذي أُنزل عليه القرآن الذي لن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل لنعي أن في الاختلاف رحمة، وأنه منذ بُلبل اللسان وتمايزت الأجناس خُلقنا للتعارف والتوادد وأن أكرمنا عند الله أتقانا..

أيها الناس، أعلن أمامكم، أني إسلامي قلبا وقالباً، إذا كان الإسلام يعني عدم استعباد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وأن الفقر يكاد يكون كفراً، وهو محرك مآسي وأوجاع البشرية خاصة وأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن التفاوت في الأرزاق ترسيخ وتشجيع لمبدأ التنافس والتزاحم في الأرض، وأن رب السماوات رحيم بالعباد، ولا يُرسخ الطواغيت والاستبداد والجهل، ولا يزكي اقتصاد الريع، والظلم هو أول من نصح بتجاوزه، ولأن الإسلام، وإن كان يجُبُّ ما قبله، أوصى نبي الأمة الكريم (ص) أن يكون رؤوفاً بالعباد، لأنه بُعث كخير الآنام لا ليكون على الناس بمسيطر، إذ لو شاء لآمن كل من خلق دون وجع الرأس.. وحفظ حق الناس في الاعتقاد الحر، وما خلقه من عذاب في حده الأقصى، من رجم وإعدام وقصاص موكول لجهة ذات الاختصاص بالاحتكام في كل عصر إلى ما تحقق من تقدم في مختلف مجالات العلوم.. لأن الإنسان بعد أن هداه الله النجدين، قادر على سن ما يصلح لعصره من قوانين ونظم وأحكام ما دامت غير مناقضة للفطرة التي خلقه عليها رب الأكوان..

 أنا إسلامي، ليس لأني شخت وأخاف جهنم، أو لأني وقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً أبتغي نفاقاً الحصول على مقعد في الجنة.. بلى، أنا إسلامي، لأني خُلقت على الفطرة وما هوّدني أب ولا نصرتني أم ولا مجسني إخوة.. ارتديت الإسلام دينا حنيفا، لأني أحس دوماً بالنقصان وفي الحاجة إلى كمال إلاهي، هو من رسخ الاختلاف فينا طبعا، وهدانا النجدين، وعلمنا أن الحق لا يقايض وأن الظلم من الكبائر التي يجب أن تقاوم هنا والآن.

أنا إسلامي، إذا كان الإسلام لا يعادي الديمقراطية، وينصح الناس بالاجتهاد لما يصلح به عصرهم، ويؤمن بأن الكلام عامة هو حمال أوجه فبالأحرى كلام الله، بشرط عدم التركيز على المتشابه من الآيات لمن في قلبه زيغ، وأن باب التأويل مفتوح على عواهنه، وأن ليس كل من هب ودب ينزع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحد السيف.

أيها العلماني في، أيها الإسلامي في.. تعالا إلى مائدة التفاوض بلا أسلحة نفي، ولا أحكام مسبقة أورثها الجهل والمصالح وعماء الأنانيات، تعالا إلى كلمة سواء، لما فيه صلاح البلاد ونماء العباد.. سنمشي سوية نحو المؤتلف فينا لنصون المختلف، لنكون ما نحن عليه: متعددين، مختلفين.. متباينين، لكن نحن ما عليه، لا ما يريده أولوا الأمر فينا، أن نكونه بعيداً عن هويتنا.

عنف الأزمة وخطاب الارتياح

« إن الكرة الأرضية تختلف من وجهة نظر من يملك السوط عما هي عليه في رأي من يتلقى الضربات »

نعوم شومسكي

« المغرب عبر منطقة الخطر واستطاع تحسين أدائه الاقتصادي رغم الركود الاقتصادي العالمي » « الحكومة تجاوزت السكتة القلبية التي تهدد المغرب »، « لقد هيأنا استراتيجية طموحة للقضاء على السكن غير اللائق/لإصلاح القضاء/للإصلاح الإداري »و… هلم أماني!

هذا غيض من فيض سمفونية الإرتياح في الخطاب الحكومي، الذي يتمنى المفجوع في عيشته، المكتوي بلهيب الأسعار والدائخ في متاهات الحياة اليومية، أن يعيش داخل الخطاب المسطح والحريري للحكومة بدل جحيم الواقع، كم مرة نريد أن نصدق أحلامنا لكن الواقع يكذب!!

والملفات التي تنشرها الصحف بصورها الصاعقة، وأرقامها الفاضحة تدل على انحرافات جارحة تخترق الكيان الاجتماعي، فهذا العنف المتنامي يعكس خللا حقيقيا في سياسة الدولة تجاه المجتمع..

إن الانشغال بالإحصائيات الاقتصادية الباردة. والركون لبعض مؤشرات الاستقرار الخادعة ليس من شأنه سوى أن يقدم للناس وهم « الدولة السعيدة » و »البلد الأمين » عن طريق إبراز سمات الكيان الاجتماعي المنسجم أو تماسك الحقيقة الاجتماعية السائدة!

فالمتأمل لهذا العنف المتنامي الذي يملأ الفضاء الاجتماعي، وتطور أشكال الجريمة المنظمة، وتطور أشكال العنف من ضرب وجرح واغتصاب واعتداءات جنسية على أجساد الطفولة البريئة واعتداء الفروع (الأبناء) على الأصول (الآباء) أو العكس، والعنف المتزايد تجاه النساء، وأشكال التعذيب الوحشي التي يمارسها بسادية بعض المجرمين تجاه ضحاياهم… والوقائع والأحداث التي تقدمها الصحف حول ما يجري في مؤسسات التنشئة الاجتماعية ( أسرة، مدرسة، خيرية، سجون، جامعات… انتخابات، أحزاب، نقابات…) تدل على المنفلت وسطنا، وتحمل بعدا ينم عن أن المجتمع المغربي يتجه نحو الطبيعة، أقصد أن سلوكات أفراده أصبحت تتحكم فيها الغريزة لا الدوافع العقلانية أس كل مجتمع سوي…

إن الأمر يبدو كما لو أننا نعيش « حربا أهلية » مستترة، إذ أصبح المواطن، مهددا في روحه وماله وممتلكاته، خاصة داخل التجمعات الهامشية والمدن المكتظة! ورغم خطاب الإرتياح الحكومي، فإن مؤشرات الانفجار الاجتماعي كامنة في صلب الكيان المغربي، وعدم الالتفات لها قبل فوات الأوان أشبه بدفن الرأس في الرمل مثل النعامة!

إننا ندق ناقوس الخطر، ولقد بلغنا، فاللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد.

الصحيفة قي 19 أبريل2002

شارون » وبائعون

عبد العزيز كوكاس
‮ »‬لنا‮ ‬إخوة‮ ‬خلف‮ ‬هذا‮ ‬المدى‮ ‬إخوة‮ ‬طيبون‮ ‬يحبوننا‮ ‬ينظرون‮ ‬إلينا‮ ‬ويبكون‮ ‬ثم‮ ‬يقولون‮ ‬في‮ ‬سرهم‮:‬
ليت‮ ‬هذا‮ ‬الحصار‮ ‬هنا‮ ‬علني‭…‬‮ ‬ولا‮ ‬يكملون‮ ‬العبارة‭.‬
لا‮ ‬تتركونا‮ ‬وحيدين،‮ ‬لا‮ ‬تتركونا‮ »‬
محمود‮ ‬درويش‮ ‬في‮ « ‬حالة‮ ‬حصار‮ »‬
بابتسامتها الربيعية التي تشع بالأمل، بوجهها الصبوح الدائري كانت حياة الأخرس تقف شامخة مثل شجر السنديان في صحراء قلوبنا، تركت لعبها ودفاترها، براءة طفولتها المغتصبة، ولأن إسمها حياة فقد فجرت ذرات جسدها ودمها الوردي في قلب القدس ملتحقة بعذارى الخلود.. لست أدري‮ ‬أي‮ ‬مكر‮ ‬يحمله‮ ‬إسم‮ ‬الشهيدة‮ ‬حياة‮ ‬الأخرس‮ ‬ذات‮ ‬الستة‮ ‬عشر‮ ‬سنة‭.‬‮ ‬فهي‮ ‬ككل‮ ‬فلسطيني‮ ‬يعانق‮ ‬الموت‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬حياة‮ ‬شعب‭…‬‮ ‬لقد‮ ‬أخرستنا‮ ‬جميعا‮!!‬
أي‮ ‬كلام‮ ‬أحمر‮ ‬مثل‮ ‬الجمر‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬يصف‮ ‬ما‮ ‬يقع‮ ‬الآن‮ ‬بالأرض‮ ‬المحتلة‮! ‬أي‮ ‬كتابة‮ ‬سوداء‮ ‬مثل‮ ‬الفحم‮ ‬تستطيع‮ ‬أن‮ ‬تنقل‮ ‬كل‮ ‬هذا‮ ‬الليل‮ ‬الجاثم‮ ‬على‮ ‬صدورنا؟
لقد فكرت في أن أترك هذا البياض ناصعا احتجاجا وتضامنا وتعبيرا عن حالة إدانة لهذا الصمت العربي المخجل… فكل الكلمات كسيحة أمام بنية الشهادة والاستشهاد التي يرسمها الشعب الفلسطيني، خاصة هؤلاء الأطفال الذين ودعوا اللعب والابتسامة ودعة الأم وصدرها الحنون، وتمنطقوا بأحزمة الموت ليعانقوا فلسطين في منتصف الطريق إلى أحلامهم! هذه المنارات المضيئة في دروب ليلنا تعيد البكارة لنا، وتعلمنا أن الكتابة الحقيقية اليوم ترسم بالدم وتعمد بالشهادة! فهذه الدبابات التي تخبز المساكن والرصاص الطائش الذي يسرق وهج الحياة من شعب أعزل والصواريخ التي تحصد الأبرياء، هي ما يرسم جغرافية تاريخنا المعاصر بامتياز… وأما صمت « البائعين » لشرف العروبة ودم الإخوة، فإن « الشارون » في إسرائيل وأمريكا عرفوا كيف يقدمون الضحية في ثوب الجلاد، تحت غطاء، « الحرب على الإرهاب » الموضة الأمريكية.
إن أزمة الفلسطيني مضاعفة، فمن جهة ظل كضحية في حاجة دوما إلى أن يفسر للعالم محنته من أجل التحرر والانعتاق وأنه مظلوم ومحتل، ورغم كل تاريخ الشهادة التي دامت أكثر من50 سنة، مازال الصهيوني الغاصب يلبس مسوح البراءة ويمثل دور الحمامة الوديعة التي تريد العيش في سلام وأمن ودعة، لكن « الإرهابي » الفلسطيني يغرق إسرائيل في « مأساة حمام الدم »! وبرأيي فإن التراجيديا الفلسطينية تمثل استثناء وجوديا في الصراع الدولي على مدى التاريخ، ولأن العدو المغتصب ظل دوما يتقمص دور الضحية، وكلما أوغل سفكا في الدم الفلسطيني إلا وأجهش بالبكاء‮ ‬ولبس‮ ‬مسوح‮ « ‬الضحية‮ » ‬واستحضر‮ ‬أسطورة‮ ‬الشتات‮ ‬وأفران‮ ‬الغاز‮ ‬ليبرر‮ ‬عدوانيته‮!‬
هل‮ « ‬هكذا‮ ‬تستعاد‮ ‬الهوية‮ »‬؟‮!‬
ومن جهة أخرى كان على الفلسطيني الذي يعيش تحت قهر الحديد والنار أن يشرح للعالم، أنه يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلا، وأنه ليس متوحشا ولا عنصريا، وأن الأمهات الفلسطينيات لا يقدمن أطفالهن قرابين لغريزة الدم وشهوانية الموت الكامنة فيهن، بل فداء للوطن، وأن الفلسطيني الذي يلقي بنفسه في أتون الموت ليس ساديا ولا مازوشيا، وإنما هو مليء بحب « الحياة على الأرض بين الصنوبر والتين، لكنه ما استطاع إليها سبيلا، ففتش عنها بآخر ما يملك:الدم في جسد اللازورد » كما عبر الرائع محمود درويش.
5‮الصحيفة في ‬أبريل2002

برَّاد المخزن ونخبة السكر

عبد العزيز كوكاس

« العيب ماشي في اللي كيزرع فوق السطح العيب في اللي كيخمَّس عليه » مثل مغربي

يُحكى والعهدة على الراوي أن باحثا مصريا حضر إلى المغرب بغية إنجاز دراسة حول النظام السياسي، بنياته وإبدالاتها التاريخية، وبعد أن ابتلع كميات كبيرة من الكتب التي تتحدث عن تشكل نظام المخزن في المغرب وعلاقته بالنخب التي تدور في فلكه، وجد نفسه عاجزا عن فك ألغار هذا النظام السياسي الفريد من نوعه، فشكا همه إلى طالب مغربي يجلس بجواره في مكتبة الخزانة العامة بالرباط، لعله يستجلي من ابن البلد بعض أسرار المخزن، وبعد أن خمن الطالب ودبر، أسعفه خياله الواسع فبادر سائلا الشاب المصري:

10277779_596820567080712_9190830656377044414_n

ذوبان

– هل تعرف « البرَّاد » المغربي ، ذلك الإبريق الذي يهيء فيه الشاي؟

– نعم، هذا الذي يشبه العربي، ببطن منتفخ، ورأس فارع، منتصب دوما، وله يد كل من أتى يستعمله ؟!

– جيد هو ذاك، فالمخزن عندنا يشبه « البراد »!!

ولما لاحظ استغراب الباحث المصري الذي شَكُل عليه الربط بين البراد والمخزن، أضاف الطالب المغربي مستوضحا:

– أنت تعرف سنيدة، ذا نوع من السكر تضعه في البراد فيذوب بسرعة، سنيدة ذي هي العنصر وأحرضان، محمد أبيض، فهد يعته، عيسى الورديغي، والتهامي الخياري.. دول ذايبين على طول في المخزن، وفيه كمان سكر مقرط، ذا عبارة عن قطع متوسطة، ذي يلزمها القليل من الوقت لتذوب أيضا في براد الشاي، قطع السكر هذه هي عصمان، عبد العالي بنعمور، علي بلحاج، إسماعيل العلوي، عباس الفاسي… وفيه سكر عندنا جامد قوي نسميه في المغرب بالقالب، ذا يلزمه وقت كثير لكي يذوب كمان…

القالب ذا هو زي عبد الرحمان اليوسفي، محمد اليازغي، محمد شفيق، نوبير الأموي، عبد المجيد بوزوبع ذول يبدو في البداية عَصِيِّين شواي، بس في الأخير بيذوبو!

ولما لاحت إمارات الانشراح على المصري أضاف الطالب المغربي:

– وفيه كمان شمندر ذا ما يصلحش أبدا وضعه مباشرة في البراد لأنه بدون طعم ولا مذاق كمادة خام ومهما كانت درجة الحرارة لن يذوب، ذا يلزمه وقت طويل، ومصنع خاص للتحويل، بس في الأخير بيصير سكر، وبيذوب كمان… الشمندر ذا في نخبتنا هو: بن سعيد آيت يدر، صلاح الوديع، الفقيه البصري…

ثم هناك سكارين، أي سكر بدون مذاق يستعمله المرضى بالسكر… دول ذايبين على طول بدون مذاق في براد المخزن، دول نسميهم وزراء السيادة: العلوي المدغري، عبد الصادق ربيع ومحمد بنعيسى… وفيه سكر صلب، لا يقبل الذوبان في براد المخزن، ذا فيه أساليب خاصة، مصانع مغربية تخضعه للذوبان القسري، مثل قلعة مكونة، درب مولاي الشريف، تازمامارت… دول مثل بنو هاشم، زعزاع، بنزكري، الساسي، أحمد بنجلون عبد الرحيم برادة، وعبد الرحمان بن عمرو.. دول بيذوبو كمان في براد المخرن بطريقة خاصة، سيلزمها وقت طويل لكن أكيد بيذوبوا.

10أكتوبر 2002 في أسبوعية الصحيفة

Navigation des articles