الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “بحوث”

الأبعاد الشعرية في ديوان « نديم الطير » لمصطفى ادزيري: فتنة العتبات، صوفية المعنى وتعدد الدلالة

عبد العزيز كوكاس

يتكون ديوان « نديم الطير » من 13 قصيدة، جل عناوينها ذات حمولة صوفية « إشارة، سفر، عشق، هيام، وصال، تهجد، مدام الحبيب، الحضرة، مواقف، إبدال، سالك…). ويتعزز هذا البعد الصوفي بمعجم يستقي نفَسه ودلالاته من ذات الحوض اللسني الذي يخترق الديوان بكامله (خرَق، البلاء، السريرة، الحيارى، التيه، الغيوب، المعارج، الظنون، الفقر، لوعة، السكرة، المجاذيب، كومة..)

لا يلجأ الشاعر مصطفى ادزيري إلى التصوف، باعتباره موضة وأحد مآزق الحداثة كما يعلمنا أدونيس، ولا كهروب من واقع لا يتسع لقلق الشاعر، إنه ابن الحقل الصوفي شعرا وحياة، من أصوله ونشأته وهو القريب من مداغ سكنا وإقامة وولعا، إذ ظل يحضر احتفالات الطريقة البوتشيشية ومثَل أكثر من مرة بين يدي شيخها حمزة.. بل إن أطروحة الدكتوراه التي أخذت ثلث عمره، كانت حول موضوع التصوف، وخزانته الباذخة تضم جل المصنفات الأساسية لكبار رجالات التصوف والنقاد الذين اهتموا بالظاهرة الصوفية وتأريخها..

بهجة الخط وانتشاء الحرف.. مبدعان في واحد

بشكل استثنائي، يعود مصطفى ادزيري إلى استعادة الخط المغربي العتيق في تشكيل قصائد ديوان « نديم الطير »، مما يذكرنا بتجربة أعضاء مجلة « الثقافة الجديدة » محمد بنيس، أحمد بلبداوي والراحل عبد الله راجع، مع ما صاحب ذلك من جدل ثقافي باذخ حول دلالات استخدام الخط المغربي، ومحاذير استعادة الجانب الميتافيزيقي والتقليدي لهذا الخط في القصيدة المغربية المعاصرة.

تبدو الصفحة مثل جسد يحتفي بالوشم، وشم الحرف الذي خطه المبدع التشكيلي والخطاط إبراهيم حمامي، بتموجاته، يسبح في بياض الصفحة الشعرية، خالقا عوالم متداخلة الأبعاد. هذا البعد الكاليغرافي يمنح حياة إمبراطورية لعالم الدلالة، فالخط كما يقول عبد الله بن عباس « لسان اليد »، و »ترجمان الإنسان » و »حلية الكتب » بتعبير عبد الحميد الكاتب،  وكلما كان باذخا فهو » سمط الحكمة وبه تفصل شذورها وينتظم منثورها » كما قال جعفر بن يحيى، وبحكمة الفيلسوف وخبرة العالم يرى أُقليدس « الخط هندسة روحية وإن ظهرت بآلة جسمانية ».

ليس الخط هنا مجرد تجسيد للحروف وصورة للكلمات إنه تجربة إبداعية ذات دلالات فكرية وجمالية تستقي وهج حياتها من التصوف ومن هذا التآلف والتآخي بين الصورة والدلالة، المادة والروح، السماوي والأرضي، الناسوتي واللاهوتي، هذا الهوس الذي جمع شاعرا وخطاطا تشكيليا في بوتقة « نديم الطير »، كلاهما يقول الآخر بالصناعة التي يتقنها ويملك بزمام آلتها، مصطفى ادزيري الشاعر وإبراهيم حمامي التشكيلي.. يرقص الحرف في جذبة الكلمات، تنتشي الحروف وهي تتمايل بغنج على جسد الصفحة الشعرية في محاكاة لما يعتمل في فرن الذات/ الباطن بلغة التصوف من آلام وآمال، من انتصارات وانكسارات، من حال الجذبة الصوفية في حضرة هذا الذي لا يطاله خيال، من الاشداد إلى الواقع المادي وأمل في الانفلات من جاذبية العالم السفلي والسباحة في برزخ وملكوت العالم العلوي..

DSC_0011 (2)

شعرية العتمة في عتبات النص

تعكس لوحة الغلاف المخاض الذي صاحب السديم الأولي، هبة الفراغ، الأصل الأول للنشأة، ما بعد خراب الزلزال يبدأ البناء، التشكل.. يمتد التشكيل الكاليغرافي للفنان التشكيلي إبراهيم حمامي بتموجاته الساحرة على بياض الغلاف، تشكيل بالنيلة، بلون الغمام، الرمادي كرمز للمطر، الماء الذي « جعلنا منه كل شيء حي »، الرمادي كرمز للفناء، للطير الأسطوري الذي ينبعث من موته أرقى وأقوى، الشيبلغ الفارسي، العنقاء العربية، والفنيق اللاتيني، في البدء كان الحرف، الكلمة، وكان الشعر، لذلك تتخذ التشكيلات الكاليغرافية للغلاف، شكل « طير » عبر تطويع الحرف.. كما لو أن التشكيلي حمامي، ظل وفيا لأصول اسمه، ووضع عمق روحه في هذه التشكيلات التي تحتفي بالطير من خلال إعادة صهر الحروف، إلى جانب روح قصائد « نديم الطير »، حيث يعيد المبدع التشكيلي الحرف إلى أصوله الأولى ذات الطبيعة المادية.. جسدا وصورة، قبل أن يتعرض لعملية التجريد، لكنه بملمس خاص يتغيى الاشتغال على العلاقة الحميمة بين الحرف والجسد، ولعل هذا هو السر في اختيار حمامي مادتين أصيلتين، هما النيلة والصمغ، في تشكيلاته الكاليغرافية في صورة وخط ديوان « نديم الطير »..

النيلة ذات اللون الأزرق الذي يتجسد في الغلاف بشكل أقرب إلى الرمادي لون الغمام، الذي يمنح تلك الصلة الطبيعية بين السماء والأرض من خلال رمزية الماء، ولذلك تحدث القدامى عن ماء النص ورونقه وبهائه، فمادة النيلة تحيل إلى الأعلى، السماوي، الروحاني فيما الصمغ الذي يميل لونه إلى التراب، اللون البني يحيل على الأرض، العالم السفلي، إن الأمر أشبه بمحاكاة الحالة التي يعيشها المتصوف في الصراع المستمر بين الإنساني والإلاهي، الأرضي والسماوي، المادي والروحاني، العلوي والسفلي، لذلك يقيم التشكيلي ابراهيم حمامي، ومن خلال لوحة غلاف ديوان « نديم الطير »، حوارا مستمرا بين النيلة والصمغ، الأزرق والبني، الترابي والسماوي، وحوار بين شكلين: الدائري والهندسي، الدائرة تحيل على كل المخلوقات الإلاهية / الطبيعية، والهندسي (خاصة المربع والمستطيل، الذي يمثل إبداعا إنسانيا، كما تمثله لوحة الغلاف، وعموم الإبداعات التشكيلية للفنان إبراهيم حمامي.

ثم يأتي الطير، كمكون أساسي في عنوان الديوان بإيحاءاته الدينية والميثولوجية الباذخة، من الغراب الشاهد على أول جريمة قتل في تاريخية البشرية، الذي علم الإنسان (قابيل) دفن الجثة لإكرامها أو إخفاء لأسرار الجريمة في جوف الأرض إلى هدهد سليمان الذي أتاه بالنبأ العظيم عن بلقيس ملكة سبأ، إلى طير أبابيل التي رمت جيوش أبرهة الحبشي بحجارة من سجيل، والطيور الخرافية التي يزخر بها الأدب العالمي من العنقاء إلى الرخ والفنيق..

يحدد مصطفى ادزيري منذ صفحة الغلاف، جنس وهوية منتوجه الإبداعي كشعر، ويحدد أفق تلقيه، اختار له عنوان « نديم الطير »، الذي يحيل على ديوان فريد الدين العطار « منطق الطير »، وهناك دواوين شعرية عديدة تمتح من نفس العنوان الأصلي، أذكر منها ديوان « خبط الطير » لمحمد بشكار، « طير الله » لمراد القادري و »خلوة الطير » لعائشة البصري… وجل هذه العناوين تستوحي تمتح بشكل أو بآخر من هذه البنيات المرجعية العميقة مثل ديوان « منطق الطير » لفريد الدين العطار (ترجمه إلى العربية بديع محمد جمعة)، »رسالة الطير » لابن سينا و »رسالة الطير » للغزالي، وتستحضر أيضا مسرحية « العصافير » لأرستوفاتس.

« نديم الطير » هذه الثريا المضيئة في سماء صفحة الغلاف مثل زمرة متعددة تسبح في ملكوت البياض المشع مثل زمرة متعددة الأضلاع، نديم مفرد معرف بالإضافة، وهو مشتق من الندم، حيث أن تقديم الديوان بمقولة « كشاجم » التي تقول « أخبرني جماعة من الموثوق بهم في اللغة، أن العرب إنما سمت النديم نديما لأنه يُندم على فراقه »، يعتبر بمثابة تكثير وتعديد للمعنى الذي يستعمل به الشاعر هذا المفهوم، النديم هو الخل، الصاحب، الرفيق الحلو المعاشرة الذي تحس بمرارة فراقه، وقوة الفقد عند رحيله.

هيمنة الحوارية على ديوان الشاعر ادزيري 

يأتي ديوان « نديم الطير »، ليزكي خيارات الشاعر مصطفى ادزيري منذ ديوانه الأول « كتاب الخرَق »، محملا بلغة شعرية شفيفة وحس جمالي يعكس ذائقة فنية متميزة، تطارد هذا الذي لا يقال، البعيد رؤية ورؤيا، كما في قصيدة عشق (ص 30):

« يسبل

الغزال العينين

يرى ما لا ينقال »

وفي قصيدة « الحضرة » حيث يمثل أمام ذي الجلال (ص 84):

« قال لي: انظر وتمعن

فيك وحولك ما تراه وما لا تراه

ما يحيط به الحرف وما

لا يحيط به الحرف

جرار وكؤوس وفنان

فيها سكبت عتيق نبيذي

فاشرب »

ليس في نديم الطير غير السمو، حوار الأعالي، حيث يسبح الطير، القمر، الجبال السامقة، الشواهق، البرزخ، طلاسم الغيب، السموق، السحاب والغيم.. والشاعر يبدو مأخوذا بلغز هذه العوالم الساحرة يطوف بين جنائن سرية ومروج محجوبة:

 »كيف يحدث

أن تلبسني الغيوم

عاليا عاليا بي تطير

وأصير سيمرغا

تظلله الزرقة

كل حين ومن ريشه

تنتقي النجمة للغيمة

عذب الكلام

كيف يحدث

أن يلبسني السنا

من بعيد بطيوفه الساحرة

وأصير فراشا » (ص 73/74).

حيث يبدو نفَس المعري في « رسالة الغفران » وعوالم « الكوميديا الالاهية » لدانتي حاضرة في لاوعي النص، ويحضر الخيام، السهروردي، فريد الدين العطار، ابن الفارض… كبنية مرجعية، لكن في أفق مغاير تحكمه أسئلة الحاضر وقلق الذات الكاتبة في زمن مغاير ورؤيا شعرية تمتح من زخم النصوص وتفاعلها ومن السياقات الذاتية والجمعية لزمن المبدع:

« يراع جميل

المحيا

إلى غابة الليل

يزحف بي

يعلمني

كيف أوقد

النار

في جسدي

أجعل

عتمة

هذا

الكون

ضياء » (ص 35)

وفي قصيدة لهفة نقرأ:

« لهفة لافحة

تقود المواجع نحو الحطام

والتجلي يظل بعيد المنال

اقترب يا نديمي

وقدني إليه

فبعض البصيرة صار

عماء ». (ص 55)

إن السمو والصعود لا يكون فقط نحو الأعالي، بل في مدارج الهبوط أيضا، الوصول إلى نسغ الأصل الأول الذي فاضت عنه الأشياء والكائنات والكلمات..

« بذرة بي تسافر

في غور

الأرض

تعلمني

كيف أرى

ما لا تراه العين

كيف تقاس المسافات

بين البذرة في حضن

التراب

ووجه الهواء » (ص 39).

من العنوان يبدو الطابع الحواري للنص جليا، فالنديم هو الصديق الملازم الذي يوقظ السؤال والبسمة والكلام والألفة في الأشياء والكلمات.

لا يستقيم وجود النديم خارج الحوار الذي يبلغ ذروته في قصيدة « اعتراف »:

« للقصيدة قال المدام

أما ماؤك لولاي

ما مالت حروفك

ما أشرقت إشاراتك

ما سالت معانيك

للمدام تقول القصيدة

سناك أنا، لولاي كنت العتمة

ما سرى دبيبك

ما صرت ترياقا

للروح والخيال

لولاي ما تحررت

من خوابي العبارة

في مملكة الأشربة » (ص 26/27).

في قصيدة « عشق »، نعثر على ذلك التناغم الذي يتقطر شاعرية في حوار بين مصيدة وغزال، مناجاة آسرة مكثفة العبارة واسعة الدلالة تجعلنا مثل غزلان/ قراء نقع في غواية المصيدة/ القصيدة:

« هي

تفتح صدرا

في غنج

تشرع اليدين

تبسط اللسان

بين العشب

وبين الماء

هو يقفز

ثم يخطو

يتشمم عطرا مألوفا لا يتردد

ينجذب كعاشق

يغلبه الشوق

يرتمي في حضن المعشوق

بين ذراعيها تعصره

المصيدة

تلحفه وتغطيه

بحرير الكلام

وبحر الأشواق

تهمس وتناجيه:

حبيبي

تمدد واسترخ

مسافة هذا

التهجد

سكرة أو شهقة

أو منام » (ص 28/29)

وفي تلك الحوارية بين العاشق والمعشوق، العبد والرب:

حبيبي يقول:

تفضل كؤوس المدام

حياة

يليق بسعيك نحوي الشراب

أقول حبيبي مجاهل كأسك

تغري يباب رؤاي » (ص 62).

من الغزال إلى المصيدة، من الأيل إلى النورس الذي يأتي من سماء الخيال، يصحب الشاعر إلى جنة المعنى، واليراع الجميل المحيا الذي يعلم الذات كيف تحلم بتحويل عتمة هذا الكون إلى سنا وضياء، إلى الغيمة الأنثى التي تذيب مصطفى ادزيري، هذا المائي القادم من سلالة الطين، تزرع فيه غيمة المجاز والاستعارات ثورة، تحوله إلى سيل يجرف المجتر والمعاد، والطير هذا النديم يقوده نحو مدارج السماء، في الأعالي، للهروب من الدنو، الذبول، والحلول في ذات الجلال، الحق، الجمال، الخير، يسير نحو تلك الهزة المشتهاة، ذلك التيه الأبدي، يقول في قصيدة « رشفة »:

رشفة ثم تخطفنا

الدهشة العابرة

من أقاصي اليقين

إلى عرصات التوهم

رشفة ثم نغيب

كأننا لم نكن ها هنا ذات صحو

(…)

منذ صارت أجنحة الحلم تسمو بي

عاليا صوب مملكة الحب ».

DSC_0010 (2)

الزمن في ديوان « نديم الطير »

الختم هو ما يحكم نصوص « ديوان نديم الطير »، ذروة النهايات حيث الموت عشق، والفناء حياة، وكل موت هو بعث جديد في البرزخ العلوي حيث لا تُبصَر سوى القمم الشاهقة، وبراري يغسلها العطر وأرواح تهيم في ينابيع الضوء، والطيور المحلقة في سماوات بعيدة، حيث صفاء الرؤيا، غنيمة التيه، توحد الحال والمحلول، هناك يطارد الشاعر معنى المعنى بدون سياط، في جبهة البرزخ، ليس الطير سوى الشاعر، ليس سوى القصيدة والباقي مؤثثات السكرة: العشق، الفناء، المدام، الكتابة، البوح…

يبدو الزمن في قصائد « نديم الطير » دائريا، نقطة البدء هي نقطة الختم، الفناء والحلول، العودة إلى الأصل النقي:

« كما

الماء يعود إلى النبع

كما البذرة تعود إلى التراب

كما الطين يعود إلى الطين

تعالي » (ص 30).

ويحاكي الخط هذا الزمن الدائري الذي يحكم قصيدة « عشق »، ليست رحلة الصوفي سوى العودة إلى ما كان يبحث عنه، فيجده في داخله، في عمق ذاته، يعبر الشاعر أيضا كل هذه البراري أسوة بطيور فريد الدين العطار التي يقودها الهدهد في سفر طويل وشاق، مثل طائر »سيمُرغ » يرحل الشاعر نحو معشوقه، الذي سيكشف أنه وهو في حضنه، ليس غير ذاته وعلى عكس فريد الدين العطار، الذي كان أميل إلى صاحب « تهافت الفلسفة »، فإن مصطفى ادزيري، أقرب إلى « مواقف النفري »، حيث « صفاء الرؤيا غنيمة التيه » و »مطاردة معنى المعنى تتم بدون شباك »، و »قمر بجلال سموقه » يحمل الشاعر إلى أعلى ويعلمه كيف يفك طلاسم الغيب وكيف يقرأ كتاب السماء »، والسؤال زاد القلق.

« ويسأل:

خوابي الغيوب

وما من مجيب » (ص 24).

هذا البعد المتمثل في دلالات الزمن الدائري الذي يحاكي دورة القمر في بعده الجمالي والفزيائي يعكس بعدا فلسفيا يجعلنا في قلب الأسئلة العميقة لمفهوم الحداثة التي قطعت مع النظرة التقليدية للماضي والحاضر والمستقبل، ولمفهوم التقدم… فمنذ « فينومينولوجيا الروح » لهيغل أعدنا ترتيب حسابنا مع الزمن الهندسي بنية ورؤيا، الزمن الدائري في نص « نديم الطير » يتراوح بين الفناء والحلول، في الحياة والموت والبعث من جديد، في زمن قلق من جاذبية الترابي فينا ومحاولة السمو ثم العودة بعد جذبة الأعالي إلى عمق الذات بنقاء وعمق أكبر.. وهو ما يشي برفض الثبات والديمومة والتقليد… والانتصار للحركة، للتطور وللتجديد والإيمان العميق بفاعلية الذات الإنسانية في وشم مسارها الخاص وتغيير العالم، الزمن والنصوص… وهو شيء قريب مما أسماه فوكو ب »أنطولوجيا نحن ذاتنا ».

Publicités

بنية المحكي الشعري وتجلياته في نص « الأجنحة المتكسرة »

عبد العزيز كوكاس

اصطدمت معظم الدراسات النقدية التي تناولت نص « الأجنحة المتكسرة » لجبران خليل جبران، بصعوبة التأطير الأجناسي لهذا النص، فبعضها ينطلق من مُسلمَّة كونه رواية، ويذهب البعض إلى أنه قصة طويلة، فيما اعتبره آخرون سيرة ذاتية أو قصائد نثر طويلة، ويزداد هذا الالتباس في التصنيف الأجناسي مع ترك جبران نصه غُفلا دون أي تحديد نبني عليه ميثاق القراءة.

وإذا كانت أي قراءة لعمل سردي تعلن عن منهجها الخاص، ويتحدّد هذا المنهج انطلاقا من البعد المعرفي لثقافة القارئ من جهة ولفضاء الثقافة النقدية من جهة أخرى، فإن المشترك بين العديد من هذه الدراسات هو اضطراب أدواتها المنهجية أمام منطق النص ذاته، على اعتبار أن المقولات التي اعتمدتها كأساس للتصنيف الأجناسي لنص « الأجنحة المتكسرة » تنبني على محدودية العناصر البنائية للنص، وتغفل حدود التّماس والتقاطع بين الأجناس الأدبية.

فصلاح لَبْكي مثلا يُورد عبارة « القصص الجبرانية » وفي الصفحة 99 من كتابه « لبنان الشاعر » يشدِّد على اعتبار القصص الجبرانية، قصائد طويلة أو قصيرة ليس غير »)نقلا عن خليل حاوي في كتابه « جبران خليل جبران:إطاره الحضاري وشخصيته وآثاره » نقله إلى العربية بإشراف المؤلف سعيد فارس باز، دار العلم للملايين ط1 شتنبر 1982-ص277)، هذا الاضطراب نُحِسُّه أكثر عند خليل حاوي في أطروحته حول جبران، يقول: « وانتقل جبران إلى نيويورك في 1912، حيث استأجر مرسما.. وقد نشر رواية « الأجنحة المتكسرة » في السنة نفسها، وهي سيرته الذاتية التي يَزْعم أنها قصة حبه الأول في لبنان » . (خليل حاوي « جبران خليل جبران: إطاره الحضاري وشخصيته وآثاره نقله إلى العربية بإشراف المؤلف سعيد فارس باز دار العلم للملايين ط I شتنبر 1982 ص107)

يصنف خليل حاوي نص « الأجنحة المتكسرة » على أنه رواية، ومرة على أنه سيرة ذاتية، ومرة أخرى على أنه قصة تقترب من الشعر، حيث جاء في نفس الكتاب « أما ثالث كتبه القصصية وهو « الأجنحة المتكسرة »، فهو شعري ». نفس المرجع ص276))

هذا الخلط مرده المنطق المتحول للنص ذاته الذي يستعصي على الانضباط للمقولات الأجناسية الثابتة التي ينطلق منها الناقد، ويفسر قولنا هذا استدراك حاوي قائلا: « غير أن التعليمية في رأينا لا تكفي لجعلها – أي قصص جبران – حكايات رمزية، إلا إذا أمكننا أن ندعوها حكايات رمزية بالغة الطول، ومع ذلك فليس طولها فقط هو الذي يُحرمها حق التصنيف في هذا النوع، بل أيضا إطارها المتميز باللون المحلي والوضع التاريخي، وإن كنا بصدد ردِّها إلى نوع أدبي مخصوص، فمن الأنسب، على ما يقترحه الدكتور إدريس سهيل، أن تُنسب إلى القصة أو الرواية الرومانطيقية، أما هذا النوع من القصص، فليس من الضروري أن يكون خرافة، بل يعني قصة، تتقبَّل التعليمية الصريحة، وقَلَّما تِعْتني بالأحداث أو الحبْكة أو تصوير الشخصيات فضلا عن أنها تكون شعرية الأسلوب ». نفس المرجع ص278))

)ولعل فرضيات جان إيف تادييه من خلال كتابه « المحكي الشعري »، تُسْعفنا في تصنيف نص « الأجنحة المتكسرة »، ضمن هذا الجنس الذي ينبني على أشكال مستجلبة من الشعر والسرد معاً.

من يحكي في نص « الأجنحة المتكسرة »؟

يُمثِّل محكي « الأجنحة المتكسرة » الحضور الكاسح للروائي الذي يتخفَّى تحت قناع السارد، هذا الحضور يتمثل في الراوي الذي يَتَجَسَّدُ من خلال ضمير المتكلم المفرد من مُفْتتح النص: « كنْتُ في الثامنة عشرة عندما فتح الحب عيني بأشعته السحرية »، (نفس المصدر « المجموعة الكاملة لأعمال جبران »ص169)  ) إلى نهايته: « فارتميْتُ على قبر سلمى أبكيها وأرثيها . »ص289))

فالسارد هو الذي يعطي قيمة للأحداث وللسرد، من هنا كونه بطلا، يُدير عصا الحكي بين باقي الشخصيات التي تصعد من حلم السارد كتذكارات، يقول: « واليوم، وقد مرت الأعوام المظلمة طامسة بأقدامها رسوم تلك الأيام، لم يبق لي من ذلك الحلم الجميل سوى تذكارات ترفرف كالأجنحة غر المنظورة حول رأسي. » (نفس المصدر « المجموعة الكاملة لأعمال جبران »ص164)

إن حضور ضمير المتكلم المفرد « أنا » كصيغة للحكي يعتبر ميزة أساسية للمحكي الشعري، ويمثل لدى أراغون « P.Aragon » كل حقيقة الإنسان الواقعية، كل الميتافيزيقا هي بضمير المتكلم، وكل الشعر كذلك، وضمير المخاطب هو الآخر ضمير المتكلم »المحكي الشعري: ص25) )

هوية البطل السارد

تبدو شخصية البطل السارد في « الأجنحة المتكسرة » غامضة، وهُويتها مُلتبسة، يظهر غُفْلا من أي اسم، لا نعرف عن حاضره غير أن « صروف الدهر نَفَتْه إلى ما وراء البحار »، وليس له من محتوى نفسي محدد ولا تمظهر عضوي مفصل، فعلى خلاف ما نجده في معظم الروايات الواقعية، من احتفاء بوصف المظاهر الفيزيقية والنفسية وحتى الوضع الاجتماعي للبطل، لا يرسم لنا نص « الأجنحة المتكسرة » ملامح البطل – السارد، الذي لا نعرف عن حياته شيئا سوى هذه المعالم العامة، إنه يذكرنا بإنسان الطفولة الأولى الذي يمثل البراءة والمحبة أمام تعقد العالم، ومحتواه يتمثل في رغبته في العودة إلى الأصل والوحدة، الرجوع إلى حنان الطفولة.. « هذه المحاسن التي أذكرها الآن وأتشوَّق إليها تَشَوُّق الرضيع إلى ذراعي أمه »  (المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران »م س.ص172 ) ، من هنا نظرته النُّكوصية إلى العالم، حيث كل شيء في الطبيعة يرمز ويتحدث عن الأمومة: « وأم كل شيء في الكيان هي الروح الكلية الأزلية الأبدية المملوءة بالجمال والمحبة، » ص216) ( إنه الطموح إلى اعتناق الأصل والتوحد بالمطلق.

وعلى عكس الرواية الكلاسيكية التي تحتفظ بمعالم الشخصية، وتحت مقولة الموضوعية والإيهام بالواقع تسعى إلى وضوح الشخصية وخاصة البطل الممتلئ من خلال الاحتفال الوصفي، فإن البطل السارد في نص « الأجنحة المتكسرة » يبدو قلقا وبدون ملامح واضحة، من هنا الاحتفال « بالأنا » التي تبحث عن زمن ضائع، عن معنى للعالم، وتشبه أسطورة نرجس في البحث عن صورته.. هذه « الأنا » خيالية، كائن ورقي لا يعيش إلا في بحر الكلمات منفصلا عن المجتمع، لا يعيش إلا العزلة والوحدة: « أما تلك الكآبة التي اتَّبعتُ أيام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاهي(…) بل هي من أعراض علَّة طبيعية في النفس كانت تحبِّب إلي الوحدة والانفراد وتميت في روحي الميول إلى الملاهي والألعاب ». ص173)  (

هذا القلق الوجودي والاغتراب عن العالم يجعل السارد يبحث عن موضوع للتماهي، فيبدو مجردا من كل شيء وليس له غير الصور والأَخْيلة التي لم يحققها، هذه الرغبة غير المشبعة هي التي تحرك السرد.. »فالحب قد أعتق لساني فتكلمْتُ، ومرق أجفاني فبكيْتُ، وفتح حنجرتي فتنهَّدتُ وشكوت »ص172) (، لذا يستحضر باقي شخصيات المحكي ليمارس عليها سلطته، فتخرج من العدم كأشباح، كدمى متحركة تحقق للبطل السارد إشباعا لرغبته الظمأى في الصداقة والحب والطفولة، « أما غصَّات هذا القلب وأوجاعه فهي التي تتكلم وهي التي تنسكب الآن مع قطرات الحبر السوداء معلنة للنور أشباح تلك المأساة التي مَثَّلها الحب والجمال والموت ».ص170) (

فالسرد هنا ليس له من هدف، « غير تمكين القارئ والروائي معا من القيام باكتشاف الشخصية ومنح سلوكاتها حالة من اللاوعي . »المحكي الشعري: ص(49)

علاقة البطل السارد بباقي شخصيات « الأجنحة المتكسرة »

يستدعي البطل السارد في « الأجنحة المتكسرة » باقي الشخصيات ليمارس عليها سلطته بشتى الطرق، يستحضرها فتخرج كظلال وكأشباح لتحقق امتلاءه الدلالي عن طريق تشييد عالم من الكلمات، يقول تادييه: « فاللغة الأدبية مثل الفرقة الأجنبية والأوامر الرَّهْبانية، وسجون الأشغال الشاقة تُعطي هوية جديدة للمنتسب الجديد، للصورة المركزية التي حوْلها ينتظم السرد »المحكي الشعري ص19) (، ومن ثم تغيب الخاصية المرجعية وتندمج الشخصيات المستحْضَرة في البنية اللفظية، إذ الكلام هو الذي يسكن الشخصيات. »م س: ص20) (

الأجنحة المتكسرة (2)

هذا العالم اللفظي الذي يشيده السارد من المجازات والصور يُمكِّنه من أن يرى – من خلال الآخرين – ذاته التي تَحنُّ إلى الحب والصداقة والطفولة، وهذا ما دفع خليل حاوي إلى القول: « إن تلك القصص لا تعدو أن تكون ذرائع تُتيح للمؤلف أن ينصرف إلى همه الأول، ألا وهو عرض أفكاره، وإذا كان الأشخاص لا يظهرون متجمدين أو كالدمى الخشبية، فإن الفضل في هذا لا يعود إلى حيواتهم الذاتية بل إلى ما ينفخ فيهم الكاتب من نَبْضه النشيط، إخلاصا منه لشعوره الرومانطيقي، وما دام لا يُقِرُّ إلا بعاطفتين هما المحبة والبَغْضاء، فهو كذلك لا يصور أشخاصه إلا بلوني السواد والبياض ».خليل حاوي « جبران خليل جبران »م س. ص(275-276)

يَبْرُز سند هذا الطرح، انطلاقاً من سلطة الراوي التي تكتسح النص عبر شكلين:

الشكل الأول: يستحضر البطل السارد شخصيتي المطران بولس غالب وابن أخيه منصور بك غالب باستمرار، ليحقق رغبته في التَّنكيل بهما وبقيم الشر من خلالهما وإبراز تفرده عنهما ومفارقته لهما، إنه لا يكف عن إهانتهما، خاصة المطران، الذي ألصق به السارد كل الرموز التي يحملها الشر: « رأيت أبالسة الجحيم يضجُّون ويركضون في صدر رجل مجرم »، »هذا المطران، رجل يأْلفه في شخصه الطمع بالرياء، والخُبث بالدهاء.. هو رئيس دين.. تخرُّ لديه الناس ساجدة مثلما تَنْحني رقاب الأنعام أمام الجزار »، أما ابن أخيه « فشخص تتصارع في نفسه عناصر المفاسد والمكاره »، هذه الإهانة تتواصل عبر السخرية المُرَّة.. « ومنصور بك غالب كان ماديا كالتراب وقاسيا كالفولاذ وطامعا كالمقبرة. » المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران »م س .ص215))

إن البطل السارد وهو يستحضر شخصيتي المطران وإبن أخيه باعتبارهما معيقان لتحقيق رغبته الظمأى في الحب والصداقة، يصنفهما في خانة البغضاء/ السواد.

الشكل الثاني: في المقابل تخرج الشخصيات الأخرى كالحلم، سلمى كرامة وفارس كرامة كصديق سابق لأب السارد، « أما سلمى كرامة، فهي حواء هذا القلب المملوء بالأسرار والعجائب، وهي التي أَفْهمته كُنْه هذا الوجود » المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران »م س ص169))، إنها شخصيات مساعدة لتحقيق رغبة البطل السارد، يدخل معها في علاقة حميمية ويجعل مصيره ضمن خط مصيرها.

هذا التقابل بين شخصيات الشكل الأول وشخصيات الشكل الثاني، ومن خلال نظام من التعارضات بين الشيخ فارس والمطران، وإبن أخ المطران وسلمى كرامة، يخلق صورا متقابلة ومجموعة من المتوازيات توازي إيقاع الشعر وأصداءه، حتى أن الشخصيات ليست هنا من أجل مضمونها الدلالي أو محتواها النفسي، بل كعناصر شعرية تخدمك المحكي الشعري.

للبطل السارد حضور مُمْتد عبر جسد النص، يحكي بضمير المتكلم المفرد في شكل هذيان شعري قصة حب قديمة، له حضور مستبد وطاغي، يحمل سراً، يبدو ملغزا وغير واضح المعالم.. تحركه رغبة ظمأى « فودَّعتها وقلبي يخفق في داخلي مثلما ترتعش شفتا العطشان بملامسة حافة الكأس »ص172)  )، ومن أجل ذلك يُعيد خلق العالم، ويبني وجوداً ساحراً، فالسرد كله يعود إلى زمن الصبا، الحلم بالعودة إلى الطفولة.. « هكذا كانت حياتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة، فتلك السنة هي من ماضي بمقام القمة من الجبل لأنها أَوْقفتني متأملا تجاه هذا العالم، في تلك السنة ولدت ثانية . »ص174) )

يكشف المقطع عن سرد يكثف مسار حياة البطل، مميطا اللثام عن تجربة حب وجودية لا زالت تُطوِّق السارد من هنا استدعاؤه للشخصيات السالبة والموجبة، تلك التي تساعده على تحقيق رغبته الظمأى في الحب وتلك المعيقة لها، هذا الاستدعاء يمر عبر الذاكرة، « تلك أيام مضت كالأشباح واضْمَحلَّت كالضباب ولم يبق لي منها سوى الذكرى الأليمة » ص(175).

يكثر فعل التذكر ويُهيمن على المتن في صيغه المتعددة، إسم، فعل أو مصدر.. يقول السارد: « وأنا قد وقفت دموعي على ذكرى أيام امرأة ضعيفة لم تعانق الحياة حتى احتضنها الموت » ص176))، تخرج سلمى كرامة من الذاكرة كالحلم، يستحضرها السارد البطل لتحقيق رغبته في الافتتان المفقود، يمنحها صوتا وكلاما محاولة منه للبحث عن توازن مشتهى.. إنها تمثل بالنسبة إليه العودة إلى عالم الطفولة والبراءة المصادرة، فالبطل السارد يسعى من خلال موضوعة الحب إلى التوحد بالطبيعة حيث يرى « في يقظة الطبيعة رمز الخلود »المحكي الشعري: ص41)  (، ويحاول الارتماء في عالم سحري يتجاوز الواقع ويرفض المجتمع والتاريخ.

تحويل الآخرين إلى ظلال كما يقول تادييه، يعني أن السارد « لا يرى إلا نفسه »، من هنا لا يتكلم البطل السارد في « الأجنحة المتكسرة » إلا عن ذاته، فيُعيد خلق العالم، وما دامت هويته غير واضحة ومُبْهمة، فإننا لا نصادف من خلال حديثه عن الحب كثيمة مركزية في النص، أي « قطيعة حقيقية بين الراوي وباقي الشخصيات، إذ لهم نفس الوظيفة »المحكي الشعري: ص42)  (

إن كلا من السارد وشخصيتي سلمى كرامة والشيخ فارس كرامة تبدو شخصيات خنوعة لمصير يتجاوزها، خاضعة ومستسلمة.. « ثلاثة جمعتهم يد القضاء ثم قبضت عليهم بشدة حتى سَحَقَتْهم » شيخ يمثل بيتا قديما هدَّمه الطوفان، وصبية تحاكي زنبقة قطع عنقها حد المنجل، وفتى يشبه غرسة ضعيفة لوت قامتها الثلوج، وجميعنا مثل ألعوبة بين أصابع الدهر »المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران »م س .ص176) ( فارس كرامة يتسم بالخنوع أمام سلطة المطران وهو ضعيف الإرادة أمامه، وسلمى تخضع لقرار قدري ليس لأبيها يد فيه، وتتزوج منصور غالب بك رغم أنها لا تحبه وتكتفي بالتنهد « لتكن مشيئتك يا رب »!

ورغم أن السارد في هذا النص ذو وجود عائم، مطاطي، لا نستطيع القبض عليه بوضوح، فإن سلطته تبدو حاضرة من توطئة النص إلى خاتمته، وهو المتحكم في باقي الشخصيات، بطل مدمر يعيد خلق العالم، اللغة، الصور والأحلام.

فاستدعاء شخصيات يمنحها السارد صوتا، وتبني له كونا من الألفاظ تُشْعره بالدفء وتساعده على تحقيق رغبته، فيجد لها بعض الصلات والروابط في تاريخه.. « أنتَ ابن صديق حبيب قديم صرفت ربيع العمر برفقته، فما أعظم فرحي بمرآك، وكم أنا مشتاق إلى لقاء أبيك بشخصك ».ص(175) تتوطد العلاقة الحميمة بين البطل السارد والشخصيات، من خلال إيجاد أواصر لها في الماضي البعيد، بحثاً عن جذور عميقة تحسسه بالدفء والألفة، هذه الشخصيات الإيجابية تتماثل مع السارد في تأدية نفس الوظيفة: الحب والجمال.

البطل السارد وثيمة العشق

إذا كانت الثيمة المركزية لنص « الأجنحة المتكسرة » هي الحب، إلا أن ما يميز نص جبران هو شكل العشق الذي يربط السارد بسلمى، عشق يقترن بالمطلق والأصل، ويقترب من السحر والأسطورة، حيث تحاول المجازات والتشبيهات والاستعارات أن تقبض على صورة المعشوقة حين تعجز اللغة العادية عن التعبير عن حقيقة هذا الشعور الإنساني، « بأية ألفاظ نقدر أن نصور وجها حزينا؟ بأية لغة نقدر أن نتكلم عن ملامح تُعلن في كل دقيقة سرا من أسرار النفس، وتُذكر الناظرين إليها بعالم روحي بعيد عن هاذ العالم »ص(184).. إنها امرأة غير عادية، مخلوقة كلام تمارس سلطة الجذب على السارد « جمال سلمى كان نوعاً من ذلك النبوغ الشعري الذي نشاهد أشباحه في القصائد السامية والرسوم والأنغام » ص(186) فهو « خبز علوي » و »خبز روحي »، « عجنته الآلهة بحلاوة القُبل ومرارة الدموع وأعدَّته مأكلا للنفوس الحساسة المستيقظة لتُفرحها بطعمه وتعذبها بتأثيره » ص(183).

سلمى كرامة ليست امرأة عادية، ولا تشارك باقي النساء في الصفات المتحققة في الواقع، إن الجمال في وجه سلمى لم يكن منطبقا على المقاييس التي وضعها البشر للجمال، بل كان غريبا كالحلم، كالرؤيا أو كفكر علوي، إنها ليست امرأة محددة ذات وجود واقعي ومعالم واضحة، بل هي امرأة أسطورية، كائن لغوي خُلقت من كلمات ولا تحيى إلا في محيط النص، هذا المخلوق الهلامي شبح جميل يملأ كل تمظهرات العالم بحيث تختلط بالجبال، السماء والبحر..

من هنا كل هذا الاحتفال السحري للسارد بوصف سلمى، وهو ما أثار انتباه خليل حاوي « والحال أن جبران لم يُبْد انصرافا إلى تصوير الشخصية في قصصه السابقة، كما أبدى ذلك في وصف سلمى ».خليل حاوي « جبران خليل جبران »م س. ص(183)

وهذا ما يفسر هذه التشبيهات الباذخة التي تنتشر عبر جسد النص، فسلمى « كأشعة القمر »، وحركاتها بطيئة متوازية أشبه « بمقاطع الألحان الأصفهانية وصوتها منخفض حلو تقطعه التَّنهدات، فينسكب من بين شفتيها القرمزيتين مثلما تتساقط  قطرات الندى عن تيجان الزهور »المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س .ص(169).

سلمى كرامة إذن مجرد كائن كتابة، تظهر كواحدة من عرائس الخيال تقترب من الأصل « بطل جنات عدن »، يقول تادييه: « إن البطل التخييلي له وظيفة إدماج اللانهائي تحت المظاهر النهائية للعالم، بخلق الأساطير »المحكي الشعري: ص(10) ، وهذا ما يتمثل في « الأجنحة المتكسرة » لحظة انفراد السارد بسلمى في المعبد، حيث تتحول لحظة العشق إلى طقس سماوي يعيد أسطورة الخلق الأولى بكل رموزها: « آدم، حواء، عشتروت، المسيح، الآلهة… » لمعانقة اللانهائي، مجال اكتشاف إنسانية الإنسان، إذ أن جو المعبد الشعري يمثل فضاء للبحث عن التكامل والارتواء الإنساني، إنه الفردوس الجميل المفتوح على مظاهر الافتتان والسحر ضدا على النهائي.

تندمج الشخصيتان في وحدة وجودية وتَتَحَوّلان إلا مخلوقات أسطورة تملأ كل تمظهرات العالم كما في الفصل المعنون بـ « بين عشتروت والمسيح ».

« الأجنحة المتكسرة » ونَحْوُ الفضاء

إن الفضاء في نص « الأجنحة المتكسرة » هو فضاء لفظي « Espace verbale »، فضاء متخيل يخدم الخطاب، واللغة هي التي تُحوِّل فضاء بيروت إلى قصة شعرية، وقد حاول تادييه أن يوضح العلاقة بين لغة الكاتب والحقيقة التخييلية للشيء، ونص على ذلك فيما يسميه بنَحْو الفضاء، حيث إن الوصف يتحول إلى مكان للبلاغة، تتكاثف فيه الصور وتعمل على تشخيص عالم متخيل.. نسميه فضاء، « إن لغة الكاتب تُبَدل في وصف المحكي الشعري، بما يُتكلم عنه بالواقع المتخيل الذي يستهدفه وداخل هذه اللغة يوجد نحوُ الفضاء ».المحكي الشعري ص 49) (

فالوصف هو الذي يُعطي لفضاء النص حضوره التخييلي، واللغة الشعرية هي التي تميز فضاء « الأجنحة المتكسرة » بامتياز، « جلسنا في تلك الغرفة نتلذذ بألوان الطعام الشهية وأنواع الخمور المعتقة، وأرواحنا تسبح على غير معرفة منا في عالم بعيد عن هذا العالم وتحلم بمآسي المستقبل، وتتأهَّب للوقوف أمام مخاوفه وأهواله »م. س ص179))، هو ذا فضاء يصعد من الحلم مرورا بالصور التي تُشكله، وتحتضن رغبة البطل السارد في تحقيق الحرية والحب.

في وصف فضاء المحكي الشعري يكثر الفعل الماضي والمركبات الاسمية، وبإحصاء عدد الأفعال في نص « الأجنحة المتكسرة » نلاحظ الهيمنة الكبرى للفعل الماضي، إن التأكيد على العلامات اللسانية مثلا وإبراز هَيْمَنَتها داخل نص المحكي الشعري، هو أحد مميزات دراسة تادييه، حيث ينطلق من استعمال الأزمنة الفعلية إلى وصف المحكي باعتباره يستهدف واقعا متخيلا، فالأفعال الماضية في نص « الأجنحة المتكسرة »، إما أن تحمل بُعدا إدراكيا. (فهمت، رأيت، سمعت..) من خلال الحواس الإنسانية للسارد الواصف، أو تحمل بعداً حركيا: (عدت، خرجت، لم أذهب..)، ويتدخل السارد كفاعل « Actant » في شكل ضمير واصل مقرون بفعل إدراك.

يتحدد فضاء « الأجنحة المتكسرة » إذن في « تلك البُقْعة الجميلة من شمال لبنان »، هذا الفضاء مَوْقع للحكي يأتي عبر الذاكرة « وأنا أذكر لبنان »، « أذكرها الآن »، مما يُقَلِّص الوظيفة المرجعية للفضاء، كما أن اللغة التي يصفه بها السارد تجعله واقعا متخيلا تغلب فيه الوظيفة المجازية على الوظيفة المرجعية، فيبدو المكان فضاء تخييليا منتقى بعناية، تؤطره الصورة الشعرية وإيقاعات المحكي الناتجة عن شكل توظيف اللغة في الإرسالية: « كذا شاءت السماء فخلوت بسلمى ليلا في منزل منفرد تخفره الأشجار، وتغمره السكينة، وتسير في جوانبه أخْيلة الحب والطهر والجمال ». ص172)

)الوصف هنا موقع للعلامات اللغوية، بحضوره من خلال الذاكرة يجعل من بيروت/ لبنان فضاء مفتوحا مؤطرا بفانتازيا الخيال، فيبدو شبيهاً بفضاء الجنة حيث الملائكة والحور العين، أو بفضاء أسطوري مؤثث بديكور خارق!

يهيمن التشبيه والاستعارة في وصف فضاء « الأجنحة المتكسرة » بشكل ملفت للانتباه، نقرأ: « بيروت في الربيع (…) كصبية حسناء اغتسلت بمياه الغدير ثم جلست على ضفته تُجفِّف جسدها بأشعة الشمس »(ص174)، هذه الصور تحكي أفقيا، تُمَوْقع السرد وتؤثث فضاء سحريا للمحكي، وترمز عموديا لما ستشهده مصائر الشخصيات، وذلك من خلال الوصف الشعري الذي لا يسعى إلى تفسير السرد، مما يقطع مع المقولات الكلاسيكية، حيث لا يصبح الفضاء مجرد عنصر تزيين أو ديكورا ثأثيثيا زائدا عن الحاجة أو للإيهام بالواقعية، ولكنه فضاء فاعل واستراتجي في التخييل، أو كما سجل رايمو M.Raimond: « العالم ليس إطاراً أو رهانا لكفاح ما، ولكنه موضوع حلم أو اكتشاف أو سؤال »(المحكي الشعري: ص25).

يقول البطل السارد: « وأنا قد رأيت لبنان في تلك الليلة مثل فكر شعري خيالي منتصب كالحلم بين النوم واليقظة »، هذا الفضاء هو المجال الذي يخبئ الرؤيا « فقد عرفت الآن أنه يوجد شيء أعلى من السماء وأعمق من البحر وأقوى من الحياة والموت والزمن »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س ص179).

فضاء بيروت ليس كمكان محدد طوبوغرافيا ولكن كمكان متلاشي ومنشطر، يهيء الشخوص لفضاءات مهجورة، فضاءات غير مسماة للمحكي الشعري، داخله يستحضر البطل السارد كل رموز الحلم والرؤيا، هذا الفضاء يبدو دائما غُفلا، غير مؤثث، لأنه يُماثل شعراً موجها ورمزيا، إنه أكثر حميمية حين يكون فضاء بيت فارس كرامة وابنته سلمى، وأكثر عدائية حين يكون بيت مطران وابن أخيه.

التعارض بين الفضاء الإيجابي والفضاء السلبي

توقفنا القراءة الأفقية لنص « الأجنحة المتكسرة » عند فضاء عام، بيروت/ لبنان، يتوزع بين كونه فضاء فاتنا إيجابيا، وكونه فضاء مؤذيا سلبيا، فالتقابلات المعجمية والتركيبية والصور الشعرية هي التي تبني هذا النسق الفضائي:

بيروت/ لبنان كفضاء حميمي

« لبنان لفظة شعرية لا اسم جبل ».

برز لبنان « جميعه كأنه فتى متكئ على ساعده ».

بيروت في الربيع تصبح « كصبية حسناء ».

بيروت/ لبنان كفضاء شقي

« وظهر لبنان كشيخ لَوَت ظهره الأعوام وأَنَاخت هيكله الأحزان ».

لبنان « كملك مخلوع جالس على رماد عرشه بين خرائب قصره ».

وبان كوجه « ميت شاحب غارق في المساند السوداء ».

الأجنحة المتكسرة

يعكس هذا التقابل/ التضاد بين لبنان كفضاء حميمي وسعيد، فضاء الحرية والمحبة والدفء، ولبنان كفضاء مؤذ وتعيس يجسد قيم الاستعباد والظلم ويعكس مشاعر الحزن والكآبة، يجسد مشاعر ومواقف الشخصيات في علاقتها بالفضاء، إذ رغم أن الفضاء العام يبقى واحدا هو بيروت/ لبنان، فإنه يتبدل مع تغير الشخصيات التي تحتضنه وباختلاف الشعور النفسي للبطل السارد، هذا الفضاء يصبح ذا قطبين متعارضين.. فضاء متعال موضوع بحث ومعرفة ومكان للبوح والكشف والحب، وفضاء محبط ومؤذ يعكسه قول السارد، »لبنان الذي ظهر منذ أسبوع بكل مظاهر الجلال والرَّونق، بان في تلك الليلة كئيبا منهوكا مُسْتوحشا أمام قمر ضئيل ناقص هائم في عرض السماء وقلب خافق معتل في داخل الصدر »(ص206).

تحت هذا الفضاء العام تندرج فضاءات صغرى « الحديقة، المدينة، المنزل والمعبد… » وتبعا لانقسام الشخصيات في علاقتها بالبطل السارد أثناء سعيه إلى تحقيق رغبته الظمأى في الحب والصداقة، من معيق: « المطران وابن أخيه » إلى مساعد: « فارس وابنته »، تنقسم هذه الفضاءات بدورها إلى فضاءات حميمية وأخرى عدائية.

ففي فضاء بيت فارس كرامة وابنته سلمى يقع الحدث الرئيس في السرد، يظهر الفضاء أثيريا لا شيء فيه يعادي البطل، هنا يمتزج الوصف بالحكي حيث الصور الشعرية المتدفقة تبني الفضاء، وهي تحكي وترمز، يتحول البيت إلى مكان للكشف والبوح واستقبال الرؤيا، حيث يمتزج الواقعي بالاستعاري ليحقق اللعب الخالص للفنتازيا الكلامية، وتُحدُّ الوظيفة المرجعية بالوظيفة الشعرية، لا شيء من ديكورات المحكي التي توهم بالواقعية يوجد في قلب هذا الفضاء، كل ما يؤثث البيت بحديقته، هو العناصر الطبيعية التي تمنعنا من رؤية أي ديكور خارجي أو مجرد الاعتقاد بوجوده.

يبدو فضاء البيت في « الأجنحة المتكسرة » فضاء دافئا وسعيدا، وهو موضوع بحث ومعرفة، ومجال لتحقيق رغبة البطل، هذه الرغبة الظمأى في الحب والصداقة والطفولة تحتضن الحديقة كفضاء طبيعي إيجابي، حيث يكشف السارد عن مشاعره بحرية ويبوح برغبته داخله، باعتباره مخبئا للرؤيا، يقول السارد: « خرجنا إلى الحديقة وسرنا بين الأشجار شاعرين بأصابع النسيم الخفية تلامس وَجْهينا، قامات الأزهار والأعشاب اللَّدنة بين أقدامنا، حتى إذا ما بلغنا شجرة الياسمين، جلسنا صامتين على ذلك المقعد الخشبي نسمع تنفُّس الطبيعة النائمة ونكشف بحلاوة التنهد خفايا صدرينا أمام عيون السماء الناظرة إلينا من وراء ازرقاق السماء »(ص186).

كما أن فضاء الحديقة كامتداد للبيت يشكل موقعا فردوسيا، ومجالا لتحقيق الرغبة، وتحول اللغة الشعرية الحديقة إلى فضاء خيالي، في هذا الافتتان المتأمل يُولَد الشعر، وإذا كان النثر يتوافق مع المدينة، فإن الشعر يتوافق مع الطبيعة، إذ أن سمو الفضاء مرتبط باللغة، والسارد هو الذي يمنح صوتا وسحرا وجمالا لهذا الفضاء الأَخْرس، ويهب صوتا للعالم متجسدا في الحديقة والمعبد مقابل المدينة »(المحكي الشعري: ص49).

يظل فضاء « الأجنحة المتكسرة »، فضاء مفتوحا يحتضن الحدث، دخول البطل السارد مع سلمى كرامة في علاقة عشق حميمة، وهو يؤطر سيرورة السرد، فيما تمثل المدينة وبيت المطران الذي ستأوي إليه سلمى بعد زواجها من ابن أخيه، فضاء مؤذيا ومعاديا، تقول سلمى كرامة مصورة هذا الفضاء: »القوة التي أوجدت الشياطين وأقامتهم أولياء على أرواح الناس قد حتَّمت علي أن لا أخرج من ذلك المنزل المبني من العظام والجماجم »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س. ص215)، هذا الفضاء لا يرد على لسان البطل السارد أو سلمى كرامة إلا في الفصل الأخير المعنون بـ « المنقذ »، حيث يحوي اللحظات الأخيرة للسرد، وهو كجزء من المدينة فضاء سلبي لا يصلح للبوح والكشف، ولا يمارس أي افتتان على الشخصيات، على العكس من ذلك فهو مدمر ومحبط لرغبة البطل السارد في تحقيق المحبة والحلم، هو فضاء أشباح الظلام المرعبة يتصل بلحظات الليل والبؤس والموت، « ففي ليلة وقد طافت أشباح الظلام بين تلك المنازل في رأس بيروت، انطرحت سلمى على مضجع المخاض والأوجاع، فانتصب الموت والحياة يتصارعان بجانب فراشها » (ص213).

ويجد فضاء لبنان الإيجابي امتداده في المعبد، حيث يخلو السارد مع عشيقته، يتحول اللقاء إلى طقس أسطوري، في فضاء ينعدم فيه الديكور الواقعي ليُحوله إلى مكان لاستقبال الرؤيا، مكان فردوسي ينتقيه جبران بحس رومانسي، دون محاكاة تجربة واقعية أو مرجعية تاريخية.. داخله يمتزج الوصف بالسرد، وصف شعري بامتياز، ما يميزه هو كثافة الصور البلاغية التي تجعل النص يحيل على ذاته، لنلتفت إلى هذا الإصرار على الوصف الدقيق في عرض التفاصيل والضبط اللغوي المهووس بشعرية الصورة: « والداخل إلى هذا المعبد العجيب يرى إلى الجدار الشرقي منه صورة فينيقية الشواهد والبَيِّنات محفورة في الصخر قد محت أصابع الدهر بعض خطوطها ولوَّنت الفصول معالمها، وهي تمثل عشتروت ربة الحب والجمال جالسة على عرش فخم ومن حولها سبع عذارى عاريات واقفات بهيئات مختلفة، فالواحدة منهن تحمل مشعلا والثانية قيثارة والثالثة مِبْخرة والرابعة جرَّة من الخمر، والخامسة غصنا من الورد والسادسة إكليلا من الغار ». (ص223)

علاقة الشخصيات بالفضاء

تتخذ العلاقة بين الفضاء والشخصيات بعدين، يتمثل البعد الأول في أن الفضاء الإيجابي يضم الشخصيات التي يستدعيها السارد كمساعد على تحقيق رغباته وأحلامه، فارس كرامة، سلمى كرامة، واستحضار أبيه وأم سلمى، على عكس الفضاء السلبي الذي يضم الشخصيات المحبطة لرغبته والتي يستدعيها البطل السارد للتنكيل بها والسخرية منها، وتتمثل هذه العلاقة في بعد ثان حين يبتلع فضاء « الأجنحة المتكسرة » الشخصيات التي تخضع لإرادته، لأنه يمارس عليها روعة وسحراً، نلاحظ هذا في علاقة البطل السارد بمنزل فارس حيث ذلك الانجذاب القوي بمشاعر غامضة، يقول: « سرت مساء إلى منزل سلمى كرامة ذلك الهيكل الذي أقامه الجمال وقدَّسه الحب، أحسست بوجود قوة تستهويني وتستميلني وتُبعدني عن هذا العالم وتُدْنيني ببطء إلى عالم سحري » (ص176).

إن ذوبان الشخصيات واندثارها يترك للفضاء مكانا ذا امتياز، يتدخل في السرد ويصبح عاملا في التخييل، وسط هذا الفضاء يعيش البطل السارد تجربة عشق جنوني كحدث مؤسس لنص « الأجنحة المتكسرة »، ويصبح للمنزل-كفضاء يحمل شحنة دلالية- أبعاداً لا تنفصل عن سلوكات الشخصية وردود أفعالها، من هنا اعتبار الفضاء شخصية مشاركة إذ تؤثر في فعل وحركية الشخصيات، « إن مَغْنطة الفضاء وازدواجيته لا تُدرَكان بدون الشخصيات الحاملة له والتي تحيل عليه في بعض المحكيات، وبهذا تسقط مقولة التناوب بين السرد والوصف، ويصبح الفضاء بطلا وعاملا في المتخيل »(المحكي الشعري: ص59).

مع تطور أحداث الحكاية في نص « الأجنحة المتكسرة »، يتقدم المطران لطلب بنت فارس كرامة ليزوجها لابن أخيه منصور بك غالب، تتغير مشاعر البطل السارد، يُحس بضيق المكان الذي يلفظه، فيُعيد أسطورة البدء، « خرجت من ذلك المكان خروج آدم من الفردوس، ولكن حواء هذا القلب لم تكن بجانبي لتجعل العالم كله فردوسا »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س. ص186).

التعارض بين زمن السلب وزمن الإيجاب

في مقابل التعارض داخل فضاء لبنان بين أمكنة إيجابية: بيروت المتجسدة خاصة في بيت فارس كرامة والمعبد والحديقة، وأمكنة سلبية: بيروت المتمثلة في بيت سلمى بعد زواجها من منصور بك غالب، نرى تعارضا في زمن « الأجنحة المتكسرة » بين اللحظات السعيدة واللحظات المأساوية، فزمن اللحظات السعيدة يرتبط بالفضاء الأول.. حيث تعيد هذه اللحظات إنتاج الفضاء الإيجابي وتجعل منه مادتها.. « وبيروت في الربيع أجمل منها في ما بقي من الفصول لأنها تخلو فيه من أوحال الشتاء وغبار الصيد » (ص176).

وإذا كان زمن اللحظات السعيدة مفعما بـ « أنفاس نيسان المسكرة وابتسامته المحيية »، فإن زمن اللحظات الجارحة يرتبط بالخريف، « تعرِّي الرياح الأشجار متلاعبة بأوراقها الصفراء مثلما تداعب الأنواء زبد البحر »، وبالشتاء « الذي جاء باكيا منتحبا » (ص204).

هذا التقابل بين الزمن الطبيعي والزمن النفسي، لا يحيل على زمن تاريخي ولا يربط نص « الأجنحة المتكسرة » بأية مرجعية واقعية، « ذلك أن زمن المحكي الشعري هو زمن تخييل يُلغي كل مرجعية تاريخية، ليس لأنه لا ينتمي لأحداث تاريخية بل لأنه لا يقترح أي زمن محدد ». (المحكي الشعري م س .ص85)

بين الزمن الكرونولوجي والزمن التخييلي

يختلف الزمن في « الأجنحة المتكسرة » عن الزمن الكرونولوجي، إذ أن جبران لا يقترح علينا زمنا محدداً لأحداث السرد، وجل المؤشرات الزمنية التي ترد في النص لا ترتبط بالسنة أو اليوم المعينين، لا نعثر هنا على محددات يمكن إحالتها إلى زمن واقعي واضح، فيبدو الزمن، كما الشخصيات والفضاء، غُفْلا من كل إشارة تاريخية، من هنا مفارقة النص للطبيعة واقترابه من الأسطورة، حيث يعمل على تشذير الزمن التاريخي وتذويبه.. « قد عرفت الآن أنه يوجد شيء أعلى من السماء وأعمق من البحر وأقوى من الحياة والموت والزمن »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س. ص178).
فيما يكسر زمنُ التخييل في محكي « الأجنحة المتكسرة » الزمنَ الكرونولوجي والتتابع الخطي، يبني عالما متخيلا، عالماً له إيقاعه الزمني الخاص، يصعد نحو أصول الحياة، التاريخ والعالم، « فقلت بسرعة وقد نسيت ماضي حياتي ونسيت كياني ونسيت كل شيء »(ص179)، وهو ما يربط المحكي الشعري بإيقاع فلكي، حيث يتحرك النص خارج التتابع التاريخي للزمن، ويقترح زمنا أسطوريا يتذكر الأصل وزمن النبوءة بحثا عن المطلق والكلي الذي يسعى إلى الكشف عن الخفي والمجهول.

زمن النص وإيقاع الذاكرة

يروي البطل السارد في « الأجنحة المتكسرة » أحداث النص اعتمادا على تبئير الذاكرة، فكل اللحظات والأحداث مسترجعة من خلال ذاكرة السارد، (مستأنسة بالذكرى/ وأنا أذكر/ اذكروني..)، للذاكرة حضور قوي وانتشار واسع عبر جسد النص من خلال هيمنة الفعل الماضي، ولا يرد ذكر المضارع إلا في لحظات تحيين السرد أو تبئير الرؤيا، حيث يتداخل الزمنان في لحظة واحدة، معلنين تماهي الأزمنة وتكسير خطيتها في فضاء المعبد كمكان سحري/أسطوري.

إن الزمن في نص « الأجنحة المتكسرة » لا يسعى إلى محاكاة الحياة أو الطبيعة، ولا إلى إعادة بنائهما، بل إنه يسعى إلى تحريرهما معا، فيدخل عالم الخلود بواسطة الحلم والذكرى.. يسعى إلى معانقة اللامتناهي، « أما المحبة التي تولد في أحضان اللانهاية وتهبط مع أسرار الليل فلا تقنع بغير الأبدية، ولا تستكفي بغير الخلود ولا تقف مُتهيِّبة أمام شيء سوى الألوهية »(ص224).

يمتد زمن السرد على أكثر من خمس سنوات في شكل دائري، حيث تشكل نقطة الانطلاق، نقطة النهاية، يبدأ السرد مع نسيان: « عن نسيان الذي جمعنا لأول مرة »، وينتهي مع حلول نسيان أيضا، « وكان نيسان قد جاء متنقلا بين الروابي والمنحدرات عندما تمت أيام سلمى لتلد بكرها »، مع ما تحمله الولادة من رموز أسطورية ودينية وسحرية عميقة، وهذا التوافق بين الولادة وخصب الربيع: « وكأن الطبيعة قد وافقتها وعاهدتها فأخذت تضع حمل أزاهرها وتلف بأقمطة الحرارة أطفال الأعشاب والرياحين »(ص228).

يرتبط زمن النص بإيقاع فلكي هو إيقاع فوق طبيعي مُؤسَّس على الذكرى التي ليس لها تاريخ محدد: « تلك أيام مضت كالأشباح »(ص229)، إنه إيقاع العودة إلى الطفولة الذي يدمر زمن الرواية الكلاسيكية، « فالطفل يعيش في زمن بلا تاريخ، يُقصي المستقبل بعودته إلى الجذور »(المحكي الشعري، ص 88).

يعود البطل السارد إلى طفولته، حيث الذكرى الخالصة ليس لها تاريخ، بل لها فصل، إن الفصل هو الذي يهيْمن هنا، « كنت في بيروت في ربيع تلك السنة، ففي يوم من تلك الأيام المفعمة بأنفاس نيسان المسكرة »..(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س ص174) والذي يساعد السارد على العودة إلى الزمن المطلق، هو أن النص يستمد قوته الشعرية من الأسطورة، من هنا دأبه على تشْذير النص التاريخي وتذويبه.. مما يساهم في تكسير الحبكة الروائية بتدخل السارد الذي يُحدث نوعاً من التقطيع الزمني، كمحاولة منه لتحيين السرد، لربط زمن الكتابة بزمن القصة وإبراز سلطته على تفاصيل المحكي.. ثم هذا التقطع الذي يأتي أحيانا على شكل نقد ميتا روائي ينبه الراوي القابض بعصا الحكي.. « وما ذا يا ترى يجعلني الآن أشغل هذه الصفحات بالكلام عن أمم بائسة وأنا خصصتها لتدوين حكاية امرأة تعيسة »(ص195).

إيقاع اللحظة في زمن النص

يُختزل زمن « الأجنحة المتكسرة » في اللحظة، وسر اللحظة هو بساطتها، يندفع البطل السارد لمعرفتها في الوقت الذي تظل هاربة منه، وهذه سمة مميزة للمحكي الشعري، يقول تادييه: « إن الزمن الحقيقي للمحكي الشعري يقتصر على اللحظة، نواته القاعدية ونقطة انطلاقه » (المحكي الشعري، ص110)، وهو ما يميز إيقاع الزمن في نص جبران، الذي يركز على وصف اللحظة واستغراقها، يقول البطل السارد: »الجمال هو تفاهم روحي/ كلي بين الرجل والمرأة يتم بلحظة، وبلحظة يولد ذلك الميل المترفع عن جميع الميول »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س .ص178).

بالإضافة إلى اقتصار المحكي كله على رسم اللحظة وتتبع مجراها من خلال وشم الفضاء والشخوص والأحداث القصيرة التي تبدو كما لو أنها مقتطعة من شريط الزمن، بتكثيف قوي ودال.

وهذا سر الاقتراب من الضوابط التي تؤسس قوانين الزمن الشعري، الذي يستدعي تقبُله، قراءة متقطعة كقصيدة شعر، « لأن أصداء اللحظات تستدعي فينا وفي المحكي استمرارا وزمنا يُكونها في الوقت الذي يُعيد فيه خلقها، نتأمل الصفحة نفسها في المحكي الشعري كأنها لوحة تشكيلية » (المحكي الشعري: ص110).

كما أن الإيقاع هو الذي يؤسس مجرى الزمن في المحكي الشعري « للأجنحة المتكسرة »، الذي يُسخر طاقته لاستعمال التكرار، تكرار جمل متشابهة تعادل لحظات متماثلة: « إن نسيان الذي جمعنا لأول مرة هو الشهر الذي أوقفنا في قُدَّس أقداس الحياة. وهل هي هذه الساعة التي أوقفتنا في قُدَّس أقداس الحياة »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س. ص179).

يوظف جبران طاقة التكرار كإيقاع لتأسيس زمن المحكي الشعري، ما يحكم هذا التكرار هو اللحظة، لحظة التقاء السارد بسلمى: « في مثل هذه الليلة من الأسبوع الغابر، وفي ظلال هذه الياسمينة قد عانق الحب روحي لأول مرة » (م س. ص180)، وسيظل السارد يتذكر هذه اللحظة التي وشمت ذاكرته، وهو ما حكم النص وإيقاعه الزمني حتى نهاية السرد كلازمة متكررة، يقول: « وبعد سكون عميق أَرْجعنا بتأثيراته السحرية إلى تلك الساعات التي سكرنا فيها من خمرة الآلهة »(ص 182)، وما يعطي اللحظة توهج الاشتعال هو اقترانها بفضاء إيجابي، الحديقة والمعبد.. وبشخصيات تساعد البطل السارد على تحقيق رغبته الظمأى في الحب والصداقة والجمال.

بنية الأسلوب في « الأجنحة المتكسرة »

تحتل الصورة مكانة متميزة في النص، إذ ترفع كل مكوناته إلى مستوى التخييل، باعتبارها الأسلوب الأكثر إيحاء الذي يحاكي الأشياء وفق منطق داخلي، منطق الذات الكاتبة وعبور الأشياء عبر لا شعورها، تصبح الصورة بهذا المعنى « انسراب الصوت النفسي الباطني معبرا عن ذاتها »، كما يرى باشلار، لأنها لا تستشير رغبة المبدع، بل تهاجم وعيه وتأملاته فتبدو مكثفة بإيقاعات موسيقية، مثل ظلال من الأفكار توحي وتهمس، توقظ الشعر في قلب « النثر الشهواني »، ولأنها تُحَوِّل رؤيتنا للعالم، فهي تفرض تقبلا متميزا، تتوجه إلى أولئك الذين، « يمكنهم أن يروا ما يسيل بين سطورها من الأشباح والأخيلة التي لا تلبس الحبر ثوباً ولا تتخذ الورق مسكنا »(ص192).

هذه الصورة التي تتناسل داخل المحكي الشعري تصبح لها قوة الشعر وإيقاعه الموسيقي، فالكثافة الموسيقية والصور لا تفارقنا أبدا فيه، بل يمكنها أن تعطينا الانطباع عند قراءة هذه المحكيات، بأننا نقرأ قصائد نثر طويلة ».(المحكي الشعري ص179)

يصبح الحكي حميميا يستثمر بأسلوبه المتميز سحر اللغة وإيقاعها الفاتن الذي ميز الشعر لزمن طويل، والصور الشعرية هي التي تجعل من نص « الأجنحة المتكسرة » نصا يقترب من الأسطورة، حيث الأمكنة واللحظات تبدو منتقاة بشكل فائق: « ولم يكن في هذا المعبد الصغير شيء آخر سوى سكينة عميقة تعانق النفس وهيبة سحرية تُبيح بتموُّجاتها أسرار الآلهة وتتكلم بلا نطق عن مآتي الأجيال الغابرة »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س.ص208).

يصل هذا الأسلوب حد الهذيان الشعري، مما ينعكس على كل مكونات الشكل السردي حيث يذوب المعنى داخل نتوءات الكلمة المحملة بدلالات ورموز مكثفة، تمتلئ اللغة بشحنة جمالية، تفرض قراءة جمالية متميزة لأنها لغة الحلم والأسطورة.. تعوض عجز الكلام عن استيعاب نَفَس الروائي: « كم يصعب عليَّ الآن أن أُدوّن بالكلام ذكرى تلك الساعات(…) بأية ألفاظ نقدر أن نصور وجها حزينا هادئا محجوبا.. بأية لغة نقدر أن نتكلم عن ملامح تعلن في كل دقيقة سرا من أسرار النفس »(ص172).

يرى تادييه أنه: « إذا كان التشكيل يحول العالم إلى لوحات والنص الشعري يحوله إلى قصيدة، فإن المحكي الشعري يكتفي باقتراح عالم شعري »(المحكي الشعري: ص91)، وهو ما يوجه لغة « الأجنحة المتكسرة » التي تؤثث عالما شعريا من خلال الصور والرموز، يقول السارد: « وهل يمنعني التهيب عن إظهار خيال من أَخْيلة سلمى بالألفاظ الواهية؟ »(المجموعة الكاملة لأعمال جبران خليل جبران » م س. ص176)

هذا التعبير الذي يحول العجز أمام العالم إلى لغة الحلم والهذيان الشعري، يغذي النص بالكثافة الموسيقية والقوة الإيحائية للدليل اللغوي مثل: « أزاهر نيسان المبتسمة بثغور حمراء كالياقوت وزرقاء كالزمرد وصفراء كالذهب » (ص173)، إنها اللحظات اللازمنية حيث يتوقف زمن القصة، ويعمد الروائي تحت قناع السارد لتحقيق فتنة اللغة، حيث لا تُحيل الألفاظ إلا على ذاتها، وتقطع مع كل مرجعية عدا العالم التخييلي الذي تؤثثه، العالم الذي يخبئ الرؤيا، ويظهر للبطل السارد كمجال للبوح والافتتان، كموضوع معرفة وبحث لإرضاء رغبته.

بالإضافة إلى الصورة ووظيفتها التي تحرر المحكي الشعري من الوصف المباشر، نجد التوازي الذي يعتمد الجناسات الصوتية والتركيبية، التي تطبع الشعر وتميزه.. يجعلنا التوازي على المستوى التركيبي والصرفي نحس ببنية المحكي الشعري الإيقاعية من خلال التجانس الصوتي والاستثمار الاستعاري الذي يخدم الوظيفة الشعرية ويضعنا أمام كون شعري له أسلوبه المتميز ولغته الخاصة: « أريدك أن تحبني، أريدك أن تحبني إلى نهاية أيامي، أريدك أن تحبني مثلما يحب الشاعر أفكاره المحزنة، أريدك أن تذكرني مثلما يذكر المسافر حوض ماء هادئ، وأريدك أن تذكرني مثلما تذكر الأم جنينا مات في أحشائها قبل أن يرى النور » (ص196).

يُولّد التكرار إيقاعا أسلوبيا ينتج عن تكرار مفردات أو مركبات بعينها في المقطع نفسه، وهي سمة مميزة لكتابات جبران وخاصة في نص « الأجنحة المتكسرة »، إذ يعتمد هذا النمط من الكتابة على تكرير عبارات متشابهة داخل متوالية من الجمل: « أنت تسقيها الحياة »، « أنت تطهرها »، « أنت تملأ »، « أنت قبَّلتني »، « أنت زرعت في قلبي وردة بيضاء »، « أنت أوثقت حاضري »، هذا الإيقاع ينتج عن تكرار الكلمة الواحدة أو استخدام كلمات متشابهة بعضها في جوار بعض، كما في « ص28 و29″التي نقتبس منها هذا المقطع: « فكر واحد أقام الأهرام، وعاطفة واحدة خربت طروادة، وخاطر واحد أوجد مجد الإسلام، وكلمة واحدة أحرقت مكتبة الإسكندرية، فكر واحد يجيئك في سكينة الليل يسير بك إلى المجد أو إلى الجنون، نظرة واحدة، كلمة واحدة، فكر واحد »(ص179).

هذا التكرار الصرفي والتركيبي يخلق المدلولات المتوازية وينتج الدلالة، ويؤدي اللعب بالكلمات والجمل إلى متعة الإيقاعات اللفظية، حيث التكرار والتقابل الذي يمكننا من إعادة إنتاج الشعور بالانفعالات القديمة التي لها دور على توازننا النرجسي حسب تادييه، وهو ما يسطره السارد في بداية النص: « لكل فتى تظهر سلمى على حين غفلة في ربيع حياته وتجعل لانفراده معنى شعريا، وتبدل وحشة أيامه بالأنس، وسكينة لياليه بالأنغام »(ص170).

الأجنحة المتكسرة

يستفز نص « الأجنحة المتكسرة »، ذواتنا، يوقظ فينا كل انفعالات الطفولة والصبا، يعيدنا إلى الذاكرة أو يُعيدها إلينا، لنرى صوراً ماضية عبر مرآة اللغة.. « أي فتى لا يذكر الصبية الأولى التي أبدلت غُفل شبيبته بيقظة هائلة بلطفها، جارحة بعذوبتها، فتَّاكة بحلاوتها؟ من منا لا يذوب حنينا إلى تلك الساعة الغريبة؟ »(ص182)

يعتمد أسلوب « الأجنحة المتكسرة » أيضا على شكل آخر من التوازي، يعتبره خليل حاوي شكلا من أشكال السجع ويتمثل في: »رد نهاية الجملة على بدايتها » ويسميه « الصوت ورجع صداه »، نقرأ: « أنت توجتها بالمحبة فكيف بالمحبة تفنيها؟ بيمينك ترفعها إليك وبشمالك تدفعها إلى الهاوية.. أنت تسقيها الحياة بكأس الموت والموت بكأس الحياة، أنت تطهرها بدموعها وبدموعها تذيبها »(ص199).

ما يميز أسلوب المحكي الشعري الذي يعتمده جبران في « الأجنحة المتكسرة »، هو هذا النوع من التوازي الذي يتمظهر في شكل تقابلات أو تعارضات أو ترادفات تتكرر عبر جسد النص، تُحدث بذخاً أسلوبيا وإيقاعا مزدوجا، تتجلى المقابلات أساسا إما في شكل تعارضات أو ترادفات، فالتقابل الذي يعتمد المترادفات يحمل معه بقايا السجع في الأسلوب العربي، نقرأ: »رأى كليته قد انقلبت وتحولت وأعماقه قد اتسعت وانبسطت وتبطَّنت بانفعالات لذيذة(…) كانت جميلة بجهلها فاضلة ببساطتها قوية بضعفها » (ص189).

أما المقابلات المتعارضة فهي خاصية أسلوبية تتعلق بالجمل والعبارات: « أنت قوي يارب وهي ضعيفة.. أنت عاصفة شديدة وهي كالغبار أمام وجهك.. أنت جبار وهي بائسة فلماذا تحاربها؟ أنت بصير عليم وهي تائهة عمياء » (ص169)، إنها طريقة توليدية تعتمد على توليد الألفاظ والتراكيب، ويصل ذلك إلى بنية المقطع الأسلوبية، حيث لا يخلو مقطع من نص « الأجنحة المتكسرة » دون أن يُلفت انتباهنا وجود أحد خاصيات المحكي الشعري.

نخلص، إذن، إلى أن « الأجنحة المتكسرة » نص نثري سردي لكنه لا يخلو من سمات الشعر، وكل مكوناته البنائية (شخصية/ فضاء/ زمن..) تختلف وظيفتها عن الرواية الكلاسيكية، لأنها هنا من أجل خلق عالم شعري خيالي متميز، ويمكن أن نؤطر بروز هذا النوع من الكتابة لدى جبران بالاستناد إلى المرجعية الثقافية والوعي الجمالي الرومانسي الذي تحكم في إنتاج نص « الأجنحة المتكسرة ».

جبران، هذا الكائن المفتون بعشق اللغة، المحمّل برؤيا مدمّرة للتقليد والعجز المتخلف عن استيعاب روح العصر، سيستطيع تحويل مسار الإبداع العربي من واقع التشرنق حول الذات إلى كونية الإبداع، لقد جسد لوحده ملتقى ثقافات متنوعة ومذاهب متباينة، وسمحت له ثقافته وتمرّسه بفنون إبداعية شتى (شعر/ سرد/ نقد/ تشكيل..) أن يحطّم الحدود والحواجز المرسومة بين الأجناس الأدبية.. لقد اختبر جبران الكتابة الرومانسية، وهاجرت إلى ممارسته النصية مجموعة من النصوص المشرقية التراثية والغربية الإنجليزية بالخصوص، مكّنته أن يُنتج نمطا من الكتابة تستعصي على التجنيس والتنميط الخطابي، فجل نصوصه تقع على الحدود بين الشعر والنثر، يقول محمد بنيس: « سيبْغت جبران الممارسة النصية من موقع الحدود، من داخل الشعر وخارجه، من داخل النثر وخارجه، ومن داخل الممارسات النصية العربية القديمة وخارجها ».(محمد بنيس « الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها »دار توبقال ط1. سنة 1990- ص59)

تزاوج الكتابة الجبرانية بين نمطي الكتابة، وهذا ما يعكسه تصوره المتميز للإبداع: « أقول لكم إن النظم والنثر عاطفة وفكر، وما زاد على ذلك فخيوط واهية وأسلاك متقطعة »، فما يؤسس الخطاب الجبراني ليس القواعد القبلية المرسومة باعتبارها « خيوطاً وأسلاكاً »، وإنما جوهر الإبداع « عاطفة وفكر »(انظر نص جبران خليل جبران المعنون ب »لكم لغتكم ولي لغتي » والذي نشر لأول مرة في كتاب « الخميلة » بيروت 1959).
Lire la suite…

Navigation des articles