الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “بروفايل”

في ذكرى ياسر عرفات.. حين يتوقف تاريخ أمة على نبض قلب رجل

عبد العزيز كوكاس

لم يختلف الفلسطينيون على قائد مثل ما اختلفوا حول ياسر عرفات ولم يتفق الفلسطينيون على رجل مثلما اتفقوا حول « أبو عمار »، رجل يبدو كما لو أنه قد من حديد، بين الرصاصة والأخرى ينحني قيلا، ثم يصعد مثل شجر السنديان.

ياسر عرفات

ياسر عرفات

ظل ياسر عرفات منذ نشأته في القاهرة إلى امتطائه الطائرة في اتجاه سرير بارد بباريس شاهدا على قرن بكامله، بمعجزاته وخياناته لشعب يطالب بأرض يرى عليها ظله.

 

برغم « تخلفه » الدراسي في مجال الهندسة، تخصصه الذي قاده إلى أن يكون رئيسا لاتحاد الطلبة الفلسطينيين سنة 1952، كان محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسني، مهندسا استراتيجيا لمسار الجرح الفلسطيني، ورغم أقمطة الحرير التي احتضنت الطفل ياسر عرفات في حي أرستوقراطي بشارع أمبان بالقاهرة، فإنه اختار الانتماء إلى منطقة الجرح، هكذا في 1952، وهو في منتصف عقده الثالث، جذبه بريق الإخوان المسلمين، وفيما يشبه حادثة سير في منعطف التاريخ، وجد عرفات نفسه إلى جانب خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) يضعون اليد على الجمر، ويطلقون الشرارة الأولى لحركة فتح.. ولأن الفلسطيني ظل وليمة للعديد من الأنظمة العربية، فقد كان عرفات في وضع الرجل الصبور الذي لا يستعجل التاريخ، لذلك سماه المقربون ب « ياسر » لأنه لم يجد صعوبة في امتطاء كل صعب.. من رام الله إلى غزة، ومن جرح فلسطين إلى قلبه.. من فلسطين إلى الأردن، ومن عمان إلى بيروت، تمتد الطريق إلى المنافي.. حيث ظل عرفات يحمل الحقيقة التي تحمله من ميناء إلى ميناء، من مطار إلى مطار بحثا عن وطن ظل يسرق من شعبه بالتقسيط المريح، وتحت حماية الأنظمة العربية، أتذكر بعد الرحيل عن بيروت نحو تونس سأله صحفي: « والآن إلى أين؟ » فأجاب بحكمة رزينة: « الآن إلى القدس » معشوقته المسلوبة.

لم يكن يحتاج طوال مساره إلى بوصلة حتى حينما وضعوا أمامه خريطة الطريق، لأنه كان يحمل القضية في قلبه، رافعا بيد بندقية وبالأخرى غصن زيتون وحمامة.. من مذبحة أيلول الأسود سنة 1970، حيث تم اغتيال الحركة الفدائية بأرض عربية إلى حصار إسرائيل لبيروت في 1982، كان يربي تربة فلسطين بيديه، قاد العاصفة على رصيف الحلم نحو الشهادة، ووجد نفسه في كماشة ما بعد حرب الخليج الأولى مضطرا لمصافحة إسحاق رابين بواشنطن في شتنبر 1993… لينقلب عليه الإخوان قبل الأعداء، ويحس إلى أي درجة أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة من وقع الحسام المهند.

ظل القائد أبو عمار يمشي على أسلاك كهربائية عالية الضغط من أجل فسحة في الأرض فوجد نفسه يقضي بقية من العمر في غرفة محاصرا بدبابات إسرائيلية تزرع الموت من حوله، وما استكان، بل صرخ بوجع أيوبي: « يريدونني أسيرا أو شريدا أو قتيلا وأنا أقول لهم: سأكون شهيدا، شهيدا، شهيدا »… إذ ليس للمستلبة حريته سوى قيوده.

ظل يمد يده من أجل السلام، قبل أن تصاب بالارتعاش، وفي لغز تاريخي شائك، تساوت الضحية  والجلاد، وسارا وحيدين نحو مائدة التفاوض، واقتسم الشهيد والقاتل جائزة نوبل للسلام، في دجنبر 1994 بين ياسر عرفات وإسحاق رابين وشمعون بيريز.

ليرقد  في الأخير فيما يشبه لغز الحياة بمستشفى بفرنسا، التي ساعدته على إنقاذه من أنياب الموت سنة 1982 صحبة بيروت، في الكثير من الانعراجات كان يتوقف على نبضات قلبه مسار تاريخ شعب برمته.. حين وجد ياسر عرفات نفسه وجها لوجه مع قرار أممي بحجم قرار 181، أعلن في الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية، ومهد الطريق نحو أوسلو وهو يرى رفاق الدرب يسقطون تباعا بخطط الموساد ويرى بحسرة خروج 400 ألف فلسطيني غضبا من الكويت بسبب دعم صدام حسين الذي أصبح مدعم للانتفاضة، حينها بدأ يؤمن بمبدأ الأرض مقابل السلام وبالاعتراف المتبادل باجتراحات اللحظة القاسية في ظل السواد العربي المنكفئ على هشاشاته الصغرى، لقد كان حقيقة يؤمن بالسلام، وحدها إسرائيل كانت تعرف أن الرجل الذي خبر دهاليز السياسة الإسرائيلية في مفترق الأزمنة، لن يضع أوزار الحرب حتى وهو مكبل داخل « قصره ». ولم تستطع المغامرة باقتحام  هوليودي لمقر إقامته، لأنها كانت تؤمن بامتلاك الرجل قدرة سحرية على النجاة من الموت وتتذكر جيدا كيف تسلل إلى بيروت إلى جانب مقاتليه، وكيف سقطت طائرته في صحراء ليبيا وظل وحده حيا على قيد الجمر. مثل طائر الفينق كان ياسر عرفات يستيقظ بين الأنقاض أكثر تجددا وصمودا.

وحتى حين كان ممددا على سرير الموت الذي لم يختره بعناية فائقة،  ظل يحلم بشرف التتويج حين قال للشرق الأوسط: « أنا مستعد لأن أكون نلسون مانديلا، أنا موافق، لكن بعد قيام دولة فلسطينية أتولى رئاستها في البداية ثم أتركها بعد ذلك للآخرين ». ومات وفي نفسه شيء من رائحة القدس التي لا زال صوت فيروز طريا يتردد في الآذان مبشرا بوعد الصلاة في القدس.

Publicités

إعادة تركيب سيناريوهات اختطاف واختفاء الزعيم السياسي اليساري:جثة المهدي بن بركة وتفاصيل موت ملغز

عبد العزيز كوكاس

المهدي بن بركة

في قضية المهدي بن بركة، نحس أن الموتى يظلون متشبثين بتلابيب الأحياء، إنه هنا الحاضر الغائب، ذاكرة وجثة، فكراً وموتاً ملغزاً.. في أي محاولة لبناء معرفة دقيقة بالشهيد المهدي بن بركة يحتاج المرء إلى الكثير من الموضوعية والصدق، وإلى ما تسميه الكاتبة زكية داوود بـ « البراءة » في محاولة كتابة حياة هذا الزعيم السياسي الذي وشم مرحلة بكاملها، لكن كيف يمكن للمرء أن يكون موضوعيا وبريئا أمام لغة ليست محايدة، فكلمات: شهيد، مناضل تقدمي، عريس الشهداء، اغتيال.. تجعل المرء متورطاً في السياق التاريخي الذي ما زال يجذب إليه، أحياء عديدين، إذ مثلما رأى دانييل غيران: « هذا الميت ستكون حياته صعبة، هذا الميت ستكون له الكلمة الأخيرة الحاسمة »!

تختلط في صورة المهدي بن بركة تناقضات المرحلة، فهو لدى البعض مجرد ثوري انقلابي، وهو عند آخرين وقود لأحلام مرحلة وجيل بكامله.. أستاذ لملك رمز، ورمز لمغرب مستقل قيد التشكل، وبين الهاذين، هناك من يرى في بن بركة دكتاتوراً، شيوعيا مندفعا أخفى ميولاته الانقلابية، سياسيا متهوراً وطائشاً، جمهوريا في مدرسة ملك… في كل هذا يظل المهدي حلما عصياً عن التملك.. بل إنه أكبر من حلم وأوسع من جرح.

هل مات المهدي بن بركة؟

للموت طقوس، جثمان وقبر.. والأسرة لم تتسلم جثة ولا أقامت مأتماً حول الجثمان، لذلك فموت بن بركة يظل موتا افتراضيا معادلا لطبيعة جريمة الاختطاف وسياقها، ولهذا الغياب الطويل.. لعل هذا ما جعل زوجة بن بركة السيدة « غيثة » تصرخ: « هذا الانتظار تقريبا منهك »! ودفع أحد رفاق دربه، عبد الرحمان اليوسفي، في استجواب مع القناة الفرنسية TV5 يوم 13/9/1999، إلى القول: « لا أعتقد أن ما نعرفه الآن حول قضية المهدي بن بركة من الحقيقة المؤكدة في شيء، رأيي الشخصي أن المعطى الثابت والموضوعي هو أن بن بركة قد ركب السيارة مع لوبيز، كل ما تبقى، يظل في رأيي مجرد سيناريو تم رسمه من طرف السيد لوبيز ».

ما طبيعة السيناريو الذي رسمه لوبيز؟ وما هي مختلف الروايات التي حاولت إعادة سرد وقائع الاختطاف بناء على تصريحات الشهود وعلى تأويل ملفات القضية؟

في السياق التالي نحاول تركيب سيناريو عملية الاختطاف بناء على ما تداولته العديد من الكتب التي اهتمت بالقضية في تفاصيلها والأطراف المخططة والمنفذة، ونحاول تسليط الضوء على جوانب من موت ملغز.

المهدي بن بركة

الشتوكي يلقي بالطعم

مثل بطل تراجيدي كان المهدي يسير نحو الموت كقدر شخصي لإثبات وجود آلهة ما، ظل يتحرك بديناميته المعهود ومرحه المشوب برائحة الطفولة، في الوقت ذاته كانت خيوط عملية الاختطاف تُنسج بدهاء في الأروقة السرية لأجهزة الاستخبارات المغربية، الفرنسية، الأمريكية والإسرائيلية، كانت لكل طرف دوافعه المختلفة.. ومنذ عام 1965 ستبدأ عملية تعبيد طريق اختطاف الزعيم الدولي بن بركة.. من خلال اتصالات العميل الغامض « العربي الشتوكي » الذي يرمز له تارة بـ « هـ. ت » مدير أمن سابق بوجدة وتازة، وتارة بـ (الميلود. ت) ويسميه لوبيز « عباس ».. أجرى الشتوكي اتصالات مع الصحفي العامل بمجلة « مينوت » فيليب بيرتيي الذي كانت له علاقات مع زعماء حركة التحرر المغربي.. في مقهى السلام سيتم إغراء الصحفي الفرنسي بإنشاء وكالة الصحافة التي كان يحلم بها مقابل استدراج بن بركة للقاء الجنرال أوفقير، وسيَقترح الشتوكي منانسبة المؤتمر الأفرو – أسيَوي بالجزائر لتمرير بن بركة عبر الحدود المغربية، بدعوى أن السلطات الجزائرية ستغمض العين مقابل تسليمها المعارض الكولونيل صادوق الذي يأتي عادة إلى المغرب.

كان العرض مغريا، لكن بيرنيي لم يساير الخطة، لذلك سيفكر في اقتراح بديل، إنجاز فيلم حول التحرير، وسيتعرف فيما بعد على جورج فيغون الذي سيصبح الرجل المفتاح في القضية، وفي اللقاء الثاني مع الشتوكي الذي كان برفقة فرنسي بعد أسبوع، سيطمئن العميل المغربي الصحافي بيرنيي إلى أن كل شيء سيكون تحت رعاية السلطات العليا الفرنسية والمغربية، وحسب الكاتب « جان بول مارك »، فإن برنيي قرر ألا ينغمس في الخطة دون احتياطات، لذلك سينذرُ شقيق المهدي بما يحيط بالزعيم المغربي من مخاطر لضمان قربه من بن بركة حتى إذا فشلت الخطة بقي محافظا على حسن نيته!

من جهته قام الشتوكي بفتح قنوات أخرى، حيث تعرف على بوتشيش الذي بدوره قدمه إلى أصدقائه ووضعهم تحت إمرته.

في ماي 65 سيستضيف أوفقير بالرباط العميل أنطوان لوبيز، الذي كانت له شبكة من العلاقات الواسعة مع الفرنسيين والمغاربة الإسرائيليين والأمريكيين.. لقد كان يلقب بـ « صديق المغاربة » وسبق لزوجته « أوديت لوبيز » أن انتخبت كملكة جمال للمغرب، كان لوبيز يعمل كمخبر لشرطة الآداب، وكمفتش رئيسي في الخطوط الجوية الفرنسية بأورلي، وقد استغل وظيفته لربط علاقات مع شخصيات وازنة في المغرب، وأخرى إجرامية بباريس، وسيعتبر لوبيز الوسيط الأساسي في تنفيذ خطة اختطاف بن بركة.

في يونيو 65، سيبعث مارسيل لوروي مذكرة إلى جهاز الاستخبارات الفرنسية (SDECE) يفصل فيها المعلومات التي استجمعها عميل الأمن الخارجي لوبيز حول استرجاع بن بركة بمبادرة من أوفقير وسيتم استعمال طعم الصحفي برنيي الذي فاتح بن بركة في شأن مشروع فيلم عن زعماء التحرير بعنوان « Basta! كفى » حيث تم ذكر إسم فرانجو كمخرج وجورج نيغون (مخبر للشرطة كممول.. لكن مارسيل لوروي لم يتلق أي جَواب، وَهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، فالسلطات الفرنسية كانت على علم بجميع التفاصيل، فلماذا لم تقم الحماية للزعيم المغربي؟

الفيلم وسيناريو الاستدراج

في الضفة الأخرى كان بن بركة يتنقل بين عدة عواصم في أفق انعقاد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر القارات الثلاث حيث حلَّ بالقاهرة يوم 2 شتنبر 65، وهناك ستبدأ الخيوط الملتبسة للعملية… أحست المخابرات المصرية بتعقب الشتوكي لخطوات بن بركة وأفشلت محاولة فرقة خاصة تعمل تحت إمرة أوفقير لاختطاف بن بركة، الذي نصحت عائلته بتغيير مقر سكناها، في 15 شتنبر بمطار أورلي بفرنسا، نزل بن بركة وصديق يهودي يدعى « جو أوحنا » قد يكون استخدم من ماتير عاميت رئيس الموساد الذي كان يوجه رسائل مشفرة إلى أوفقير، لم يكن المهدي يتخذ الحذر الكافي، لقد ظل متابعاً في كافة تفاصيل حياته من استخبارات عواصم عدة.. في ذلك الحين كان الشتوكي على موعد مع الصحافي برنيي في حانة مونطانا بسان جيرمان دي بري برفقة شخص هيأته هيأة مجرم ضليع، وفي الوقت الذي كان الراحل الحسن الثاني يبحث عن حل لمعادلة رياضية، كانت تجري محاولة إلباس كل أحداث 23 مارس 1965 للمهدي بن بركة.

في 20 شتنبر سافر الشتوكي إلى جنيب، حيث سيلتحق به فيغون وبرنيي على نفس الطائرة التي كان بها المحامي والنائب الديغولي بيير لومارشان الذي ادعى في التحقيق أنه سافر من أجل موكل له يدعى « إيتنبول »، ومع توالي البحث، تبين أن أحد الركاب يدعى إيتنبول سافر إلى المغرب بعد اختطاف بن بركة يوم 30 أكتوبر 65.

ولربط حلقة الوصل بين المغرب وفرنسا، يوم 5 أكتوبر 1965 سيعود الماحي الغالي عميد شرطة ممتاز كان يعمل بديوان مدير الأمن المغربي، وقريب أوفقير من جهة زوجته، سجل نفسه في المدرسة العليا للدراسات التجارية في غشت 65 كموظف تابع لوزارة الداخلية، حَل الماحي بباريس والتقى الشتوكي أحد مساعدي الدليمي، الذي طلب منه أن يدله على منزل أنطوان لوبيز ملك الخدمات المتبادلة، الذي سيصبح دليل أوفقير الأساسي، هو وصديقه بوتشيش المجرم الخطير في عصابة « جوعطية »، وهو ما يدل على أن المخابرات المغربية بدأت تستقطب الأيادي القذرة لتنفيذ اختطاف بن بركة.. الذي بدأ يطلع على بعض تفاصيل فيلم « Basta » وقد رفض أن يكون بتمويل إسرائيلي وحين مده فيفون بنصف مليون فرنك فرنسي رفض تسلمها ونصح باستثمارها لصالح أعمال اجتماعية.

المهدي بن بركة

إتقان الفخ

مع توالي أيام تحضير عناصر الدراما الحزينة بدأت تبرز إلى الوجود خيوط جديدة.. ظلت الاجتماعات والتحضيرات جارية على قدم وساق بين رجال الأمن المغاربة والعملاء والمجرمين الفرنسيين، وهكذا تم وضع اللمسات الأخيرة على الخطة يوم 25 أكتوبر بمنزل أحد أصدقاء بوتشيش، حيث حضر لوبيز والشتوكي والكولنيل الصفريوي والعربي الشلواطي والماحي، ويتعلق الأمر ببييردو باي أحد الحراس الخاصين للمجرم « جوعطية، وجان باليس وجوليان لوتي ».

يوم 27 أكتوبر على الساعة التاسعة ونصف سيتصل المهدي بن بركة من جنيف بمنزل برنيي ويقترح عليه تخصيص الأيام الثلاثة الأخيرة من أكتوبر لمناقشة الفيلم بعد قدومه إلى باريس محدداً معه موعداً للغذاء بأحد مطاعم سان جيرمان، مبلغا إياه أنه سيكون صحبة مؤرخ شاب قد يفيد في التعاون معه وهو ما وصل إلى علم الموساد، من جهته سيقوم الصحافي برنيي بإخبار فرانجو كمخرج للفيلم ويكلفه بإبلاغ فيفون، وسيجري الشتوكي محادثات مع لوبيز وسوشون يوم 28 أكتوبر لوضع آخر اللمسات على خطة اختطاف المهدي بن بركة.

نحو الجحيم السري

لم يكن يوم 29 أكتوبر 65 عاديا بكل المقاييس، بالنسبة للمهدي بن بركة، الحي/ الميت الذي كان محافظا على مواعيده دون اتخاذ أي احتياطات، وهو المناضل الأممي الثوري المطلوب رأسه من أكثر من جهة.. وبالنسبة لمهندسي ومنفذي خطة الاختطاف التي أخذت تقتربُ نحو الصفر.

في التاسعة صباحاً، اتصل أنطون لوبيز برئيسه في المخابرات لوروي لإشعاره بمقابلة بن بركة لبعض المغاربة ظهر اليوم، وأنه لن يحضر إلى أورلي لاستقبال الجنرال جاكيي المدير العام للمخابرات الفرنسية العائد من ليشبونه، في نفس الوقت كان بن بركة ليتوجه إلى مطار أورلي.

بزقاق جان ميرموز يستودع المهدي أمتعته عند صديقه « جو أحنا » ويجري بعض المكالمات الهاتفية، في نفس الآن كان المخبر لوبيز والمفتش الممتاز سوشن يتواجدان في فناء نوتردام، ينتظران إشارة الضوء الأخضر، من مراكز السلطة العليا التي هي أوبير مدير ديوان وزير الداخلية الفرنسي حسب سوشون، ولو مارشان حسب نقابة الشرطة.

ينتقل سوشون إلى مكتبه للبحث عن مساعده فواتو الذي صرح بأن المفتش الممتاز سبق أن قال له بأنه سيحتاجه في خدمة تتعلق باعتقال مهرب مشهور يحمل وثائق مزورة!

المنعطف الأخير

على الساعة 11 صباحا يلتقي بن بركة الطالب الزموري في ساحة الشان زليزيه، ثم يتوجهان إلى سان جرمان دوبري على متن سيارة أجرة وذلك قبل الموعد المقرر في مقهى ليب، حيث طلب المهدي من الطالب إنجاز دراسة وتحليل تاريخي حول حركات التحرر في القارة الثلاث بالإضافة على المساهمة في فيلم « Basta »، وقدم له السيناريو الذي أنجزه فرانجو، بالموازاة مع ذلك سيطلب العميل الشتوكي من لوبيز الاتصال بالرباط ما بين الرابعة والخامسة مساء بمدير ديوان الدليمي ومدير ديوان الجنرال أوفقير، محتوى المكالمة لا يتجاوز الشفرات الملغزة: « ألو، طردك جاهز »، « لقد وصل ضيفك ».

كانت عناصر العصابة المكلفة بتنفيذ العملية هناك، قرب مقهى ليب، لوبيز متنكراً، ولوني يجوب الشارع جيئة وذهاباً، وفي الجانب الآخر هناك سوشون وفواتو وآخرين، البعض يطالع جرائد فرانس سوار للتمويه، والبعض الآخر يراقب حركات الفريسة، والكل ينتظر التعليمات، وفيما كان المهدي يتجول مع الطالب التهامي الزموري في انتظار الموعد، تقدم الشرطي سوشون نحو المهدي مبرزاً لوحته المعدنية مع الساعة الثانية عشر وربع زوالا، وخاطب المهدي بلطف: « اتبعني من فضلط » والتمس من الطالب الزموري الابتعاد.

محتفظا بهدوئه، استسلم المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفوات، كانت تلك آخر نظرة ألقاها الزموري على المهدي، وآخر حلقة مجمع عليها من طرف كل الحكايات.. أين حمل المهدي بن بركة؟ متى حضر الدليمي وأوفقير إلى منزل العصابة المجرمة؟ ما مصير جثته، هنا يوجد الخيال أكثر من الحقيقة، وتتضارب الروايات..

في الجزء التالي تركيب لسناريوهات ما حدث تلك الليلة بين باريس والرباط

أبراهام السرفاتي: اليساري الذي آمن بأن الحياة حرب وحب، والاستسلام رواية تبعث على الملل

 

عبد العزيز كوكاس

« لا شيء خارجك لديه سلطة عليك » رالف إيميرسون

تبدو سيرة أبراهام ألبير السرفاتي كدفاع مستميت من أجل أن يكتب المنهزم في صراع السلطة تاريخه الخاص ويروي حقيقته النوعية دون خنوع أو خضوع.. في معركة الكفاح الوطني أو في مواجهة نظام سياسي مبني على القوة، اختصر جسد السرفاتي وشم تاريخ المغرب المعاصر.

أبراهام السرفاتي

أبراهام السرفاتي

كان مثل نخلة شامخة تمنح ظلها بعيدا عن أنانية جدعها، لذلك ظل رمزا لجيل حلم بوشم مغرب عادل ونامٍ متقدم ومتحرر بتوهج الحضور، فرمته قوى العسف إلى سراديب الغياب… برغم قضائه 17 سنة في جحيم سجون الحسن الثاني، وثماني سنوات في المنفى، لم يحمل ذرة حقد تجاه جلاديه وظل يحذر رفاقه من مزالق شهوة الانتقام والتباساتها… في ذاته تُختزَل جراح عقدين من الزمن الرصاصي لمغرب، بدل أن يخرج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، خرج من سجن أصغر ليتحول كل الوطن إلى سجن كبير، قاعة الضيافة فيه تبتدئ من درب مولاي الشريف إلى هوامش مدن الصفيح وقسوة الحياة في المناجم وسغب جوع صغار الفلاحين والمهمشين المغتصبين في حياتهم.. ولأن الأحلام هي بوابة الحقائق، فقد اتبع درب الحلم الذي قاده إلى درب مولاي الشريف، الذي لم يستطع أن يغلق قلوب جيل عن حب الأب الروحي لليسار الجديد، الذي سيظل مثل الوشم على جسد اليسار الجذري بالمغرب.

لم تسعفه هشاشة القلب، في أن يمضي نحو الأقاصي لمؤاخاة ظلال حلمه بمغرب ينمو ببطء، لكن بخطى الواثق من وقع أقدامه على إسفلت الطريق.. إنه الموت:

وإذا المنية أنشبت أظفارها   ألفيت كل تميمة لا تنفع.

كل اللغات ستظل دون شموخ قامة رجل خرج من نعيم دواوين الوزارات دون أن تغريه حواء بالفاكهة المحرمة، وحده الحلم قاده نحو عتمات السجون ويُتم النفي بتهمة جنسية اقترحها على الدولة زعيم حكيم من اليسار.. وما بدَّل تبديلا!

كل مفردات اللغة ستظل كسيحة عن أن تساير قامة رجل دق أجراس الخلود، جمرا وألما وعنادا لا ينتهي، خارجا من زهو البطولات المنكسرة ألقا وضياء.. وحده يُجسد تلك المساحة العميقة التي طبعت مرحلة بكاملها من المغرب المعاصر، بين جراح الحلم وأعراض الهزيمة، كأنه النشيد المدوي لانكسار أنغام البطولات والثورة الحمراء التي لم تخرج من كراريس « إلى الأمام » لتترجل قليلا في جنوب المتوسط وتسير بشموخ الأطلس بين الكولخوزات والسوفخوزات ومشاريع الطبقة الطليعية كما نظَّر لها هربرت ماركوز..

وحده يحمل في ذاته تلك الشعارات الصادحة المبشرة بغد أفضل وضجيج الرفاق الذين تعبوا أو تفرقت بهم السبل.

 أبراهام السرفاتي ليس فردا كما تتبدى سيرته المثبتة على لوح سجلات الحالة المدنية أو تقارير المخبرين وسدنة الزنازن.. أبراهام هو المغربي اليهودي، اليساري الديمقراطي، الشيوعي الوطني، القومي التحرري… هو الجمع الذي قال لا في زمن كان شعلة من نار، حيث تحترق أصابع السياسيين ممن لا يلوون عنق الحقائق لتتكيف مع ربطات عنقهم، قال لا رافضا ومحتجا بصدق الأنبياء، وقليل هم من صادقوا الدرب وصدقوا…

20161024_222839.jpg

 

في 12 يناير 1926 رأى أبراهام السرفاتي النور بمدينة الدار البيضاء بملامح يهودية أندلسية., كانت بنادق المقاومة في جبال الأطلس تصدح بقوة ضد المستعمر فيما رائحة انتصارات البارود تنتشر في جبال الريف تتحول تدريجيا إلى أسطورة ستصبح ملهمة لكل الثورات الموؤودة التي عرفها المغرب الحديث.

وفي 18 نونبر 2010 بمراكش كان رموز اليسار، صحبة من آخته في ظلال الحلم ومحنة السجن، كريستين دور، يقودون الرجل نحو مثواه الأخير.

بين الزمنين عاش السرفاتي، الذي خبر كل أنواع المعادن، بين طغيان نظام الاستبداد بلونيه الغربي متمثلا في الاستعمار الفرنسي الذي ألقى عليه القبض في أبريل 1950 وحكم عليه بشهرين سجنا، ثم أعاد اعتقاله في شتنبر 1952 ليتم إبعاده في دجنبر من العام نفسه عن المغرب.. والاستبداد الشرقي متمثلا في نظام الحكم الفردي المطلق الذي قاده إلى دهاليز الاعتقال مرتين، في دجنبر 1962 ومارس 1965، وفي يناير 1972 وفي نونبر 1974، حيث ذاق كل أصناف التعذيب النفسي والجسدي في درب مولاي الشريف قبل أن يحاكم بالسجن المؤبد ضمن مجموعة 77 الشهيرة في 15 نونبر 1977، ويتم نفيه إلى باريس في 13 شتنبر 1991 تحت ذريعة أنه برازيلي الجنسية… حيث تخلص منه النظام مثل « جمرة خبيثة » بعد 17 سنة من السجن قضاها بين اغبيلة بالبيضاء والسجن المركزي بالقنيطرة.

من سجن إلى سجن، ظل أبراهام السرفاتي، طاقة مشتعلة من الأمل والحب والحنين… طاقة إنسانية ممتلئة برحيق الحلم، طاقة متجددة منفتحة على الكوني والمتغيرات الدولية، ولولا خوفي من أمريكا لقلت – على شاكلة ما وصف به الماغوط الشاعر أنسي الحاج – إنه طاقة نووية، وستبقى المشاعر التي أبلغه بها الملك محمد السادس محفورة في ذاكرة الرجل إلى الأبد، إنها نوع من التكفير عن خطيئة نظام سياسي عاقب جيلا بكامله على مجرد حقه في الحلم، يوم أعاده معززا مكرما إلى وطنه، يقول الراحل السرفاتي: « لقد أبلغني الملك أولا بأن رجوعي أمر بديهي وبدون قيد أو شرط، ثم رد إلي الاعتبار بصفتي مواطنا مغربيا كامل الحقوق خلال الأسابيع الأولى التي تلت عودتي، ويوم أعاد إليَّ جواز سفري وبطاقة هويتي، بعث إلي ثلاثة من أقرب المقربين منه، بينهم مدير الديوان الملكي، كي يسلموني هذه الوثائق بأنفسهم ويبلغوني بأني أصبحت أتمتع بكامل حقوقي، بما في ذلك لقبي كمهندس مناجم، وبأن الملك قد أهداني هذا المنزل.. هذه السلسلة من الأعمال الخيرة تتجاوز بكثير الحسابات السياسية، وفضلا عن كونها تشريفا لي، فإنها تبعث في نفسي كثيرا من الآمال في مستقبل المغرب بقيادة الملك محمد السادس ».

كان السرفاتي بالنسبة لنا، نحن الذين لم نصل عتبة الجامعة إلا في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، سليل دهشة وخيط دخان، منارة لإرشاد السفن التائهة وهو القابع في السجن المركزي بالقنيطرة، فيما سيسميه – فيما بعد – بـ « المنطقة المحررة » من المغرب، لأن موت سعيدة المنبهي وآخرين في حرب الأمعاء الفارغة، سمح للرفاق بالانتقال من بروليتارية الاعتقال إلى بورجوازية السجن، حيث الخلوة الجنسية والكتب والتطبيب، بل حتى ضمان الخروج من السجن والعودة إليه قبل غروب الشمس، إلى أن حدثت واقعة غرق أحد المعتقلين السياسيين في وادي أبي رقراق… ففي السجن وبالضبط في عام 1986 سيعقد قرانه على كريستين دور المرأة الفرنسية التي كانت إلى جانب كل النبلاء في العالم، كان يوما استثنائيا في تاريخ السجن المركزي بالقنيطرة.

وحين التقيته وجها لوجه بصحبة عبد اللطيف اللعبي وجمال براوي في طنجة بمناسبة الجامعة الخريفية التي نظمتها جمعية بدائل بفندق سولازور ذات عشاء، رقصنا فيها فرحا بقطب يساري لم يشب عن الطوق.. كان لا يزال مؤمنا بالتغيير وإن في سياق متبدل، صوته أكثر رزانة زالت منه الكثير من الوثوقيات والطوباويات.. أو حين زرته صحبة الزميل نور الدين مفتاح عام 1999 بإقامته على شاطئ مانسمان بالمحمدية الذي هيأه نور الدين عيوش.. كنت أود أن أقف على ما خلفته فيه سنوات السجن من انكسارات وأحقاد.. لكن ظنوني خابت، كوَّمتها في أكفان ضعف بشري، لم ألمسه في أبراهام السرفاتي، على خلاف كل من نعتوه بالخيانة و »بيع الماتش ».. يومها حضرتني حكاية الشاعر أحمد فؤاد نجم مع الصحافي الذي جاء ليستوجبه في منزله الفقير في الحي الشعبي بالغورية، حين سأل الصحافي: يقولون إنك خنت القضية؟ فأجاب الشاعر الساخر، وهو يشير إلى ما سقط من متاع الدنيا في بيته الموحش: تشتري بكم يا وله؟!

في عز الاستجواب كنا كمن يحرك المواجع الراقدة في تاريخ السرفاتي، كان يتكلم بثبات ويروي أحداث محاكمة مجموعة 77  لحظة وصفه للمحاكمة بالمفبركة وتوجهه إلى القاضي بنفس الحماس، لدرجة أنه نسي لحظة أنه يجلس على كرسي متحرك، فرفع يده وهو يردد النشيد الجماعي الذي غنته المجموعة في قاعة المحكمة وأراد أن يقوم من كرسيه…

لم يكن بوسع سدنة الزنازن أن يئدوا في السرفاتي حق الحلم، ذلك الإصرار النبيل ليكون الإنسان حرا معنى ومبنى، وأن يكون في وضع برجوازي طيب مع العالم ولو من أجل الدفاع عن فكرة بروليتارية!

للتعليم فضائل قصوى على السرفاتي، كمتلقي وكمرسل.. لقد درس بثانوية ليوطي بالبيضاء، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبتين هما الفلسفة والرياضيات عام 1973، ليلتحق سنة 1945 بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس، إذ حصل منها على دبلوم عال في الهندسة المدنية للمعادن، وفي قلب عاصمة الأنوار سيصبح الفتى أبراهام عضوا في الشبيبة الشيوعية عام 1944 ثم إطارا في الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1945.

مارس مهامه كمهندس للمعادن ومديرا لورش الأبحاث المعدنية بالأطلس المتوسط سنتي 1949 و1950، ومباشرة بعد الاستقلال تقلد منصب مدير ديوان كتابة الدولة في الإنتاج الصناعي والمعادن سنة 1958، ثم مدير المعادن والجيولوجيا من يناير 59 إلى يونيو 1960، وفي ذات الوقت كان مكلفا بمهمة في ديوان الراحل عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد الوطني في حكومة عبد الله إبراهيم.. لكن مهنة التدريس وحدها، كانت تمتلك جاذبية وتمارس سحرا على أبراهام السرفاتي، حيث سيعمل كأستاذ باحث بالمدرسة المحمدية للمهندسين، بالإضافة إلى إدارة « مشروع المعادن بالقسم النهائي، وتدريسه لمادة التكنولوجيا بكلية العلوم الاقتصادية بين 1964 و1965، قبل أن يصبح مديرا للدراسات بين 1971 و1972 بالمدرسة المحمدية للمهندسين التي حولها إلى مشتل لنخب اليسار الجذري.

وحتى بعد استعادته لحريته يوم 13 شتنبر 1991، تحت ضغط داخلي ودولي، ونفيه إلى فرنسا حيث عاش كلاجئ سياسي، اشتغل الراحل السرفاتي بالتدريس ما بين 1992 و1994 بجامعة سان دوني بباريس في مادة « الهويات الديمقراطية بالعالم العربي ».

لقد خدم التعليم السرفاتي بأن خلص ذاكرته من ضجر الزمن وضوضاء العابر والطارئ، فكان مثل صوفي صادق الدرب وسار عليه وجعله سرا لم يفصح عنه إلا للخلصاء من الرفاق الخمسة الذين أسس معهم سرا نواة الحركة الثورية » إلى الأمام »، ولأنه نجا من تعب البكاء على أعطاب الماضي وخيانات ناسه، فقد ظل مؤمنا بأنه لا يخشى الموت سوى الموتى، وحتى في اللحظات التي كان يحس فيها بطعم الهزيمة.. كان يبحث على أعلى ربوة لينصب عليها، مرحليا، راية الاستسلام.. ويعاود مراجعة الفكرة المرة تلو الأخرى، بحدس من يشعر أن الذين لا يغيرون أفكارهم، كلما برز عطبها، يحبون أنفسهم بشكل أناني أكثر من عشقهم للحقيقة.. تجديد فكر السرفاتي في كل لحظة تاريخية يعود أيضا إلى التربية التي نشأ عليها الرجل، فأسرته المنحدرة من الأندلس تحمل رسم ثقافة باذخة قادرة على التكيف مع تبدلات الزمان، ونصائح أبيه الذي كان ينتمي إلى الحركة الماسونية، إلى ما كان يسمى « الشرفاء البناؤون »، كانت دوما حاضرة في تفكيره.

لعب الراحل السرفاتي دورا كبيرا في وضع قانون العامل المنجمي، ورغم إغراءات منصبه، كمدير قسم الأبحاث والتنمية في المكتب الشريف للفوسفاط الذي كان يحول التراب إلى تبر يراكم عائداته النافذون في البنوك السرية، فيما يشبه تبييض الأموال.. من 1960 إلى 1968، لحظة إضراب العمال المنجميين، الذي جعل البرجوازي الناعم يخرج عن صمته ويعلن تضامنه مع العمال المضربين في الفوسفاط، ويخاطبهم: « إن المكتب بدونكم، لا شيء »، وهو ما عرضه للطرد، ليلتحق في نفس السنة بالمدرسة المحمدية للمهندسين وبهيئة تحرير مجلة « أنفاس » التي كان يديرها رفيقه غير المهادن شعرا ونضالا، عبد اللطيف اللعبي، الذي أسس برفقته « جمعية البحث الثقافي ».. في المدرسة المحمدية للمهندسين سيحدث أول لقاء غريب بين السرفاتي وأوفقير، هكذا رواه المناضل اليساري : »حدث الأمر في اليوم الأول للانتخابات التشريعية الأولى في المغرب عندما دعا اليسار إلى مقاطعة الانتخابات كان ذلك صباح يوم أحد وجاء أحدهم ليقول لي أن الشرطة قد احتلت المدرسة المحمدية للهندسة وكان الطلاب قد صعدوا إلى السطح وكانوا يلقون قصاصات معارضة للانتخابات.. وكانت الشرطة قد جاءت لذبحهم بكل ما للكلمة من معنى، توجهت إلى المدير كنت أعرفه وكان صديقا لي فقال: « هذه كارثة »، لكنه لم يضف شيئا.. توجهت إلى السلالم، فقد كان الطلاب على السطح، صعدت كي أراهم بينما كانت الشرطة تحاول إنزالهم بالقوة، بدأت أحتج وأصرخ فأنزلوني بالقوة أيضا، في الأسفل كان يقف الجنرال أوفقير لا أعرف إن كان قد رقي لرتبة جنرال حينها، توجهت مباشرة نحوه وقلت له: » لا يحق لك فعل هذا ».. أوفقير لم يكن يعرفني، لم يعرف ما إذا كنت مغربيا أم فرنسيا، لو عرف أنني مغربي لأرسلني مباشرة إلى قسم الشرطة أو السجن قال لي: » أخرج من هنا يا سيدي » أو شيئا من هذا القبيل لم يكن بوسعي سوى تنفيذ ما قاله والخروج، لكن بعد ذلك بساعتين جاءت شاحنة شرطة وأوقفوني وقادوني مباشرة إلى مكتب أوفقير، يجب أن أروي هذا، سألني: » كم تجني من العمل في مكتب الفوسفاط؟ » وفي ذلك الوقت كنت أجني ما يقارب ثلاثمائة ألف فرنك، فقال لي: » عليك أن تتلقى كل صباح ثلاثمائة ألف ضربة بالعصا »ََ !

حين أسس السرفاتي صحبة ستة أشخاص، سينسحب واحد منهم، منظمة « إلى الأمام » جمرة الحياة والموت، كان الأمر أشبه ب »الانتحار » الطبقي، كانت الخطابات النارية مثل بنادق كلاشنكوف تبشر بحرب التحرير الشعبية، لذلك سيصبح السرفاتي مبحوثا عنه لدى البوليس السري وهو ما اضطره للتخفي في بيت لصديق فرنسي هاجر المغرب وترك له الشقة وبطاقة الهوية، وعاش متنكرا لمدة سنتين، أطال شعره وغير من شكل هندامه وأسعفته فرنسيته على العيش حرا حتى عام 1974، ومع ذلك استمرت وزارة المالية في ضخ راتبه الشهري، وهو ما سيكلف أخته إيفلين السرفاتي حياتها، حيث كانت تملك حق التصرف في سحب المال من حسابه البنكي، وهو ما اكتشفه رجال الأمن الذين اعتبروا أنها تعرف مقر إقامة أبراهام وهي من توصل له المال.. ولأنه لم تكشف عن مكانه قدمت حياتها في محرقة « سقطت الأقنعة فلنفتح الطريق الثوري »…

لم ينل السرفاتي من هذه الدنيا غير ما تملكه العصافير من حق الطيران فوق الأرض وشرعية الحلم، لذلك ومنذ انخراطه في العمل السياسي في صفوف الشباب الشيوعي سنة 1944، من الحزب الشيوعي الفرنسي إلى الحزب الشيوعي المغربي، حتى تأسيسه منظمة « إلى الأمام » في 30 غشت 1970 عبر انفصاله عن رفيق الكفاح علي يعتة.. كان السرفاتي يناضل من الطرف الأقصى لليسار عن الحق في مغرب اشتراكي بدون طبقات، استهوته، كما سائر جيله، أوهام ودوغمائيات لم تسقطها كل تجارب ومحن السجون، وحين انصبت المعاول على تحطيم الجدار الفاصل بين الألمانيتين، كان الرجل قد تسلح بالكثير من الوعي، ليبعده عن صنمية الفكرة لأنه ابن واقع متجدد، كانت الأفكار الشيوعية حينها مختلطة بحلم مجتمع بدون طبقات، إذ « سيكون الاستعمال الأمثل للذهب هو أن نصنع منه مراحيض عمومية في الساحات العامة »، كما بشر بذلك لينين، وبين ثقل جبروت الدولة الحمراء التي ابتلعت كل المجتمع، الذي تحول بمجموعه إلى أفراد أشرار، من أجل إنقاذ إلاه الفكرة الطيبة: « الشيوعية ».

سيقول البعض إن جدران السجن المركزي وحدها من حمى فكر أبراهام السرفاتي من الانهيار، ونقول لا، إنه من مكر التاريخ أن يكون أكبر مستفيد من انهيار الشيوعية هو أكبر مدافع عنها، لأن انهيار جدار برلين 1989، كان أحد المقدمات الأساسية لانهيار جدران السجن المركزي بالقنيطرة، حيث أفرج عن أقدم معتقل سياسي يوم 13 شتنبر 1991.

ومع ذلك ما بدل تبديلا، إذ ظل من باريس، يعاند من أجل إصدار نشرة « إلى الأمام » الصادرة في أبريل 1992 في حلتها الجديدة..

ثمة ملمح آخر طبع مسار أبراهام السرفاتي، وهو خصيصة مغربية تنأى عن المقارنة مع أي بلد من بقاع الدنيا، وهو هذا التآخي بين اليهودية والإسلام، فما خِيضت حروب لإقصاء الرجل من زعامة مرحلة بسبب انتمائه، ولا استعمل انتسابه الديني، لا من طرف الدولة ولا من طرف خصومه في أي منازلة سياسية، كان الرجل إلى جانب رفاقه من المغاربة اليهود ممن نددوا بالاحتلال الإسرائيلي في نكبة 1967، وظل يعبر بدقة الخبير الحدود الفاصلة بين تعاليم التوراة وما تمخض عن مؤتمر بال.. لذلك وفي الوقت الذي كان فيه العديد من اليهود المغاربة يحلمون بالعودة إلى أرض الميعاد المقدسة، ظل السرفاتي يحلم فقط بالعودة إلى أرض الوطن، ويصيح بأعلى ما تبقى في حنجرته من هواء التحدي: »أنا عربي يهودي مناهض للصهيونية وأدافع عن فلسطين ».

ليعذرني أنسي الحاج الذي كان يقول: « باعة الرثاء حملة صلبان مزورة »، فأنا ما كنت أرثي سوى ما تبقى من حلم في جيلي، و »تشتري بكم يا وله ».

 

Navigation des articles