الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال » ^رؤية مغايرة:”

ميلاد اتحاد مغاربي دخل غرفة الإنعاش بعد أول حادثة سير عام 94 ولم يخرج منها حتى اليوم

عبد العزيز كوكاس

حين اجتمع قادة الدول المغاربية وأقروا منح شهادة الميلاد لتكتل تاريخي واقتصادي وسياسي اسمه اتحاد المغرب العربي، الذي اعتُبر إنجازا تاريخيا يحسب للقادة المغاربيين في القدرة على استشراف الآتي، برغم أن لكل قطب إكراهاته وحساباته السياسية.. كان ذلك بمثابة مفتاح جديد للمستقبل.

سيرى الاتحاد المغاربي النور في مراكش عاصمة الموحدين في 17 فبراير 1989، في ظل إرهاصات كانت تطرق الأبواب والنوافذ مبشرة بتحولات قادمة كان يجب الاستعداد لها.. الأهم في تكريس هذا التوجه الذي سيصطدم لاحقا بالعديد من العراقيل، أنه لم يكتف باستحضار الروابط التاريخية والدينية واللغوية والجغرافية التي انصهرت فيها المنطقة، وإنما شملت إضافته النوعية، إقرار الجزائر للمرة الأولى بأن مكونات الاتحاد تضم خمس دول لا أقل ولا أكثر، أي استبعاد قيام كيان آخر على الحدود، يفصل بين المغرب والجزائر أو المغرب وموريتانيا، وهو ما كان يعني وعي الأطراف بمردودية التكتل وثقل كلفة دعم كيان منفصل في التراب المغاربي، وهو ما أكَّدهُ بعد مرور نصف جيل على القمة التأسيسية لاتحاد المغرب العربي، اللواء الجزائري المتقاعد ووزير الدفاع الجزائري السابق، خالد نزار في تصريحاته لأسبوعية « لاغازيت » المغربية في عددها ليوم 10 مارس 2003 ، حين قال: « إن الجزائر ليست بحاجة إلى دولة جديدة بمحاذاتها ».

كان هذا الإقرار الذي تحول إلى التزام مبدئي وسياسي وأخلاقي، كافيا لتبديد الغيوم العالقة في سماء البلدين الجارين، وانسحب تفاهمهما بطريقة مباشرة على مسار الأحداث في المنطقة برمتها، فقد قطع مع سياسة المحاور التي كانت بصدد النشوء، مع بيان جربة بين ليبيا وتونس عام 1974 ومعاهدة مستغانم بين ليبيا والجزائر، وتحديدا عندما نزعت الجزائر وموريتانيا وتونس نحو إبرام معاهدة الإخاء والوفاق والتعاون في 19 مارس 1983، في مقابل إبرام المغرب وليبيا معاهدة الاتحاد العربي الإفريقي عام 1984 في لقاء وجدة.

تطلب اختيار السير على هذه الطريق خطوة شجاعة متبادلة، لا مكان فيها لأي حسابات ضيقة أو مصالح شوفينية، وكما أن الجزائر انخرطت على عهد الرئيس الشاذلي بن جديد في مسار خطة التسوية التي كان بإمكانها أن تجنب المنطقة مضاعفات التوتر، قبل أن تعيد النظر في التزاماتها المعبر عنها صراحة في معاهدة مراكش، فإن المغرب لم يمانع في رد التحية بأجمل منها، عندما وافق على استقبال أعضاء قياديين من بوليساريو، ولم يكن يهمه الإطار الذي اندرجت فيه تلك المقابلة، بقدر ما كان يعنيه أن تُسهم في خلق أجواء مشجعة للمضي قدما على طريق التسوية السلمية، وقتذاك أصغى الملك الراحل الحسن الثاني لكلمات تصدر من أفواه جزء من أبنائه ممن كانوا يوجهون المدافع ضد السكان الآمنين في الأقاليم الصحراوية، ولاشك أنهم بدورهم استمعوا بإمعان إلى عرضه الذي لم يكن يخلو من صفح وتسامح ومد اليد لبناء المستقبل في إطار الوحدة المغربية، كسرت مقابلة مراكش التي سيكون فيها للمكان دلالاته القوية والموحية، حواجز نفسية وسياسية، وفُهمت الرسالة في الجزائر بأنها تزيد عن السعي لإيجاد حل مشرف، نحو المساعدة في جمع الشمل عبر إزاحة العوارض التي كانت تحول دون بناء الثقة بين المغرب وجاره الشرقي.

اعتُبر التزام الجزائر بالمضي قدما في مشروع البناء المغاربي كافيا لأن يشجع المغرب على الإقدام على مبادرة جريئة من هذا النوع، بعد أن كان أقصى ما تتوق إليه بوليساريو أن يُصغي إليها المغاربة كطرف معني بالتطورات، وإن كان واضحا أن الإصغاء لا يعني الاعتراف بشرعية تمثيليتها، مادام أن تلك الشرعية هي أساس البحث في أي تسوية.

بيد أن الالتزام بالبناء المغاربي في إطار الدول الخمس، وكذا محاولة إزاحة الحواجز النفسية والسياسية التي نمت بين الإخوة الأعداء، كان هو المحرك الأساسي لانطلاق الحوار، مادام أن الأبعاد الإستراتيجية لهذا الخيار المغاربي تكفل إذابة الخلافات وتصون وحدة وسيادة الدول، سيما وأن المعاهدة التأسيسية ذات المرجعية الواضحة تحظر استخدام أراضي أي دولة مغاربية كقواعد لحركات معارضة ضد أي من الدول المغاربية، فقد نص الفصل 115 من الميثاق المؤسس لاتحاد المغرب العربي على التزام الأطراف الموقعة عليه: « بعدم السماح في ترابها لأي نشاط أو حركة قد تهدد الأمن والوحدة الترابية للدولة العضو أو تهدد نظامها السياسي أو الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو سياسي موجه ضد استقلال تراب الدول الأعضاء الأخرى »، وهذا ينسحب بالدرجة الأولى على بوليساريو كحركة مسلحة، وُظفت أساسا لمناهضة هذا التوجه.

-

بعد ذلك بسنوات، وعندما أصبح الاتحاد المغاربي تكتلا يُنظر إليه بكثير من التقدير والفعالية، إلى درجة أن دولة مثل جمهورية مصر العربية طلبت الانضمام إليه، حين بدا لها أن إشعاعه في طريقه لأن يعيد ترسيم موازين القوى عربيا وإفريقيا وأوربيا، كونه أكبر تجمع بهذه المواصفات، التئم في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط قبالة العيون الأوربية.. سيحدث انعطاف سلبي في مساره.

ولأنه بني أساسا على روح وفاقية بين الجزائر والمغرب، فإن الاستهداف سيركز على الجار الجزائري، في ضوء تداعيات الأزمة الداخلية التي دفعت الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الاستقالة، ثم امتدت الأيادي الآثمة إلى اغتيال خلفه الرئيس الجزائري محمد بوضياف الذي كان يجسد الشرعية التاريخية في صراع السلطة داخل الجزائر، يروي وزير الدفاع الجزائري سابقا، اللواء خالد نزار لأسبوعية « لاغازيت » في 10 مارس 2003، أن الرئيس بوضياف « طلب مني شخصيا التخلص من هذا العبء »، يقصد جبهة بوليساريو واقترح حلا وفق صيغة « لا غالب ولا مغلوب »، لإيجاد مخرج للقضية التي اتضح فيها الصراع بشكل غريزي بين المغرب والجزائر، بالشكل الذي تحول إلى نرجسيات جريحة تبحث لذاتها عن مجالات حيوية لتصريف آلامها الذاتية على حساب مستقبل أمة ومسار شعب.

كانت الأحلام كبيرة في محاولة جعل الاتحاد المغاربي تكتلا إقليميا يصلح كأرضية لفض النزاعات وتحطيم الحواجز النفسية بين البلدان الخمسة، وفضاء لإنضاج الرؤى حول العلاقات المشتركة والقضايا المصيرية بُغية خلق جو من الثقة بين الأطراف المعنية في جو من التعايش والتفاهم والتعاون وحسن الجوار.

في مراكش  يوم 17 فبراير 1989، حين اصطف القادة الخمسة معلنين في القمة التأسيسية ميلاد الاتحاد المغاربي، بدا كما لو أن هناك إرادة مشتركة لوصل العناصر المشرقة في التاريخ بين الحاضر والماضي، حين اجتمعت الأحزاب المغاربية: حزب الاستقلال المغربي، الحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائري في طنجة بين 28 و30 أبريل 1958، ونظرا لانشغالات الدول المكونة بإشكالات التحرير ومحاولة بناء الاستقلال، فقد تأخر إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي لتنشيط الروابط الاقتصادية بين الدول الثلاث إلى سنة 1964..

كانت السنوات الممتدة بين 10 يونيو 1988 حين التقى القادة الخمسة لدول المغرب العربي بزيرالدة على هامش القمة العربية المنعقدة بالجزائر، وشكلوا اللجنة المغاربية العليا لإعداد الظروف المادية والتنظيمية لتأسيس الاتحاد، وهي اللجنة التي عقدت اجتماعها الأول بالجزائر العاصمة في 13 يوليوز 1988، حيث تكاثفت اللقاءات لإعداد القمة التأسيسية.. وبين 2 و 3 أبريل 1994 بمناسبة انعقاد الدورة السادسة لاتحاد المغرب العربي بتونس، كانت تلك السنوات بمثابة العصر الذهبي لعلاقات الدول الخمس التي عادت بالفائدة على المنطقة ككل، وعلى أبرز الفاعلين فيها على الخصوص (المغرب والجزائر).

ظهرت في غضون ذلك محاولات لجر البناء المغاربي إلى الوراء، من خلال إحياء الخلافات الجزائرية – المغربية حول قضية الصحراء مجددا، وتحديدا في غشت 1994، لم تعد تحكمها أوفاق الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، اهتزت أركان الأسس السليمة لذلك الصرح، وانهارت الكثير من الأحلام التي شُيدت على ضفافه، بعد فترة لا تزيد عن خمس سنوات.

كانت النتيجة مشجعة في بداية الأمر، ليس فقط بالنسبة لحَلحلة الأوضاع في منطقة الشمال الإفريقي، ولكن أيضا على صعيد تعاطي المنطقة مع استحقاقات عربية هامة، من ذلك أن المغرب سيضع يده في يد الجزائر والمملكة العربية السعودية في تحركات هامة، تمثلت في الدور الذي اضطلعت به لجنة الحكماء الثلاثية في إنهاء الأزمة اللبنانية التي أدت إلى اتفاق الطائف، فقد عادت المنطقة المغاربية مرة أخرى إلى واجهة الأحداث كدرع قوي لدعم القضايا العربية العادلة.

من المفارقات التي تدعو إلى التأمل أن الأزمة اللبنانية التي بلغت ذروتها في عام 1975 بتزامن مع اندلاع قضية الصحراء في الجناح الغربي للعالم العربي، وجدت طريقها إلى الانفراج عبر مساع حميدة بذلها المغرب والجزائر والسعودية، في حين أن قضية الصحراء التي تعني الدولتين الجارتين: المغرب والجزائر استعصى حلها، وإن توسطت المملكة العربية السعودية نفسها في الملف مرات عديدة!

على صعيد العلاقات المغاربية – الأوروبية ستبدأ معالم حوار أنداد، مبعثه أن الشركاء المغاربيين باتوا يشكلون ثقلا حقيقيا في المفاوضات ذات الارتباط ببناء علاقات جديدة، وكان في الإمكان، لو تم الحفاظ على هذه الدينامية، أن تحقق الأطراف كافة مكاسب أشمل، بدل الحوار الانفرادي الذي كان عنوان ضعف وتشرذم، غير أن إطار الحوار المغاربي- الأوروبي، سيستقر عند هواجس أمنية أكبر من خيار الشراكة الشاملة، ولا يُعزا ذلك فقط إلى تغلغل الهاجس الأمني لدى الأوربيين، على خلفية تنامي الهجرة غير الشرعية والإرهاب والمخدرات ومظاهر الانفلات الأمني فحسب، وإنما أيضا إلى ضعف المُحاور المغاربي الذي كان يذهب إلى المفاوضات بعقلية أحادية أفقدت المنطقة قوتها الاقتراحية المفترضة.

كما تأثرت العلاقات المغربية- الجزائرية بقضية الصحراء، سينسحب الموقف ذاته على وضع الاتحاد المغاربي الذي سيدخل غرفة الإنعاش بعد أن أصيب بغيبوبة لم يفق منها بعد، فقد عُلقت أجندة البناء المغاربي الذي كان يُفترض أن يقوم على أسس سليمة وثابتة وموضوعية، لا مكان فيها لأي نزعة تروم التفرقة وتمزيق وحدة الدول المكونة لهذا الفضاء.

 

Publicités

جبهة بوليساريو: الانفصال هو الهدف، والتحرر خيط دخان

 

عبد العزيز كوكاس

 

يستمر الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس في قراءته المغايرة لجبهة بوليساريو من خلال كتابه الموسوم ب »رؤية مغايرة: جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال » كاشفا عن معطيات مرتبطة بسياق تأسيس الحركة ومساراتها في مدار الصراع الإقليمي الذي تعددت أطرافه ومقاصد كل طرف.

 

إن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب التي أسسها شبان صحراويون وطلبة مغاربة من أبناء جيش التحرير انطلقوا من جامعة محمد الخامس باكدال/الرباط، في سياق تحرير الصحراء وفق مفهوم خلق البؤر الثورية من المناطق البعيدة عن السلطة المركزية، انطلقت نواتها بعد قمع تظاهرات السكان بالعيون في 1970 بالرصاص من طرف الاستعمار الإسباني واعتقال ومطاردة السكان المتظاهرين في ربيع 1971 بطانطان من طرف قوات وزير الداخلية أوفقير، حيث تم تشكيل الخلايا الأولى بين سنتي 1971 و1972 بالرباط وبعض المدن الجنوبية، وحضر لقاءها التأسيسي حوالي 30 إطاراً بمنطقة الزويرات بموريتانيا، حيث تم الإعلان عن جبهة بوليساريو رسميا في 10 ماي 1973 كحركة تتغيى تحرير الصحراء من يد الاستعمار الإسباني، لكن ستجري رياح المنطقة بما لا يشتهي ربابنة سفينة الجبهة ذاتهم، إذ عمدت الجزائر، كرد فعل على وجودها خارج نتائج المفاوضات السرية بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا التي ستتوج باتفاق مدريد في نونبر 1975، إلى التحرك في أكثر من اتجاه وقد كانت موريتانيا هي الحائط القصير لتجسيد ردة الفعل تلك، يروي المختار ولد داداه في مذكراته الحكاية التالية:

« مباشرة بعد قبول موريتانيا نتائج مؤتمر مدريد في 1975 هددني بومدين قائلا: إن لم تقف إلى جانبنا في الصحراء، فقد نتحرك عسكريا ضدك أو نحرك جماعة الصحراء ضدك ».. ويعلق الرئيس الموريتاني المطاح به على هذا الأمر قائلا: « كانت الجزائر تفضل أن تبقى الصحراء تحت السيطرة الإسبانية ولو بصفة مؤقتة لمرحلة معينة ».

قبلها وفي بداية نوفمبر 1975، أوفد الرئيس هواري بومدين المدير العام للأمن الوطني حينها أحمد دراية إلى الرئيس ولد داداه لإبلاغه رسالة شفوية مفادها طلب لقاء مستعجل مع الرئيس الموريتاني الذي قبل إجراء اللقاء واقترح أن تكون مدينة بشار محطته في 10 نوفمبر من نفس السنة، أي قبل 4 أيام على توقيع موريتانيا والمغرب وإسبانيا على اتفاق تقسيم الصحراء بين الرباط ونواكشوط في مدريد يوم 14 نوفمبر 1975، يقول الرئيس ولد داداه : « وصلت إلى مطار بشار في ذلك اليوم على متن طائرة خاصة كان الرئيس بومدين قد بعث بها إلي، وجدته في انتظاري في المطار، وأجريت فترتين من اللقاءات مع الرئيس بومدين (…) بادرني الرئيس بومدين بالعتاب، وقال إن علاقاتنا لم تعد مثالية كما كانت منذ شهور، بسب أعمال الهدم التي يمارسها الملك الحسن الثاني ».. ويؤكد الرئيس ولد داداه أن الرئيس بومدين كان على اطلاع ومتابعة دقيقة لمجريات مفاوضات مدريد ومآلاتها، وربما بالموقف الموريتاني أيضا، حيث فاجأ مضيفه قائلا: « يبدو أن موريتانيا ستوقع اتفاقا في مدريد يتم بمقتضاه تقسيم الصحراء بينكم وبين المغرب، ومعنى ذلك أن موريتانيا غيّرت موقفها كاملا، فبعد أن ناضلت من أجل حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، ترضى اليوم باقتسامه مع المغرب كما يقتسم قطيع الغنم والإبل، إن الجزائر لن ترضى بذلك أبدا ».

وضع الرئيس بومدين الرئيس ولد داداه في موقف محرج، مما دفعه إلى محاولة تبرير الموقف الموريتاني بصعوبة إجراء استفتاء لتقرير المصير الذي لا ينبغي أن يشمل السكان غير الأصليين، وزعم الرئيس الموريتاني الراحل حينها أن سكان جنوب الصحراء الغربية أعلنوا التزامهم بالاندماج مع موريتانيا، وسكان شمال الصحراء مع المغرب..  لكن الرئيس بومدين، بحسب ما جاء في المذكرات، طلب من الرئيس ولد داداه انسحاب موريتانيا من مفاوضات مدريد، حيث قال بلغة تهديدية صريحة: « أطلب منك أن تسحب بلادك من هذه المفاوضات وألا توقع على الاتفاقية التي يجري الإعداد لها، وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة بالنسبة لبلادك وبالنسبة لك شخصيا ».

كانت تلك رسالة تهديد واضحة لولد داداه من الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي أضاف: « لو خيرت بلادك بين المغرب الإقطاعي التوسعي وبين الجزائر الثورية، فإنك لن تستطيع أن تختار الأول؟ ». ويذكر الرئيس ولد داداه أنه رد على بومدين بما يعني أن العبارات التهديدية ليست في محلها ولا تغير الموقف بالنسبة له، أما الاختيار بين البلدين فإن مصالح موريتانيا تلتقي مع المصالح المغربية وليس مع المصالح الجزائرية، كان ذلك بالنسبة لبومدين حسما واضحا للموقف وتغليبا لطرح المغرب على الطرح الجزائري بشأن قضية الصحراء الغربية، مما دفعه إلى إرسال رسالة تحذير ثانية مفادها « احذر يا مختار، موريتانيا بلد هش، ولديه مشاكل داخلية خطيرة وآلاف الكيلومترات لا يمكنها أن تحميها بنفسها في حالة حدوث نزاع مسلح، ومصلحتها في أن تبقى محايدة وتتابع لعب دورها الدبلوماسي ».. وحاول بومدين في الوقت نفسه استدراج ضيفه الموريتاني قائلا : « إذا كانت موريتانيا مازالت تخشى بحق من النزعة التوسعية المغربية، فبإمكانها أن تعول على الجزائر لمساعدتها على الدفاع على نفسها، ولا يمكن أن تسمح موريتانيا للمغرب بجرها إلى مغامرة قد تكون ضحيتها الأولى مادامت هي الحلقة الأضعف في المنطقة ».

لكن لماذا غضب هواري بومدين على اتفاقية مدريد الثلاثية وهو الذي شجع التقارب الموريتاني/ المغربي لحل مسألة الصحراء عبر تحريرها من يد الإسبان، وظل شاهداً على كل مراحل المفاوضات لينقلب فجأة ضد الاتفاقية، هل هو إحساسه أنه الوحيد الذي خرج بدون أي ربح؟

بالنسبة للمغرب، فقد لجأت الجزائر إلى تهريب المؤتمر الثاني للبوليساريو في 25 غشت 1974 إلى منطقة « أم غريض » قرب مدينة تيبازا الجزائرية، وهنا يشير العديد من الأعضاء القياديين من جبهة بوليساريو غير الدائرين في فلك المخابرات العسكرية الجزائرية، بأصابع الاتهام لتدبير حكام الجزائر لعملية محاصرة الوالي مصطفى السيد الذي كان يبدو أكثر تحررا تجاه الجزائر وأشد ارتباطا بليبيا، والذي قتل في ظروف غامضة في معركة قادها ضد حكم المختار ولد داداه في ضواحي مدينة تجكا التي تبعد عن العاصمة نواكشوط بحوالي 200 كلم..

لقد تم تهريب المؤتمر إلى الجزائر من جهة لمنافسة الدور الليبي الذي رعى نشأة بوليساريو، ومن جهة أخرى للتحكم في خريطة قيادة الجبهة وضمان تبعيتها عبر تعيين محمد عبد العزيز أمينا عاما لبوليساريو، هكذا دعمت القيادة الجزائرية إعلان « الجمهورية الصحراوية »، واحتضنت العاصمة الجزائر أول لقاء للوالي مصطفى السيد مع سفير مدغشقر في مارس 1976 باعتبارها أول دولة تعترف بـ »الجمهورية الصحراوية » في ذات السياق استقبلت ليبيا وفداً من بوليساريو بزعامة الوالي بطرابلس غداة مؤتمر الشبيبة الإفريقية سنة 1974، حيث تم قبول عضوية شبيبة بوليساريو في المؤتمر باعتبارها عضوا كامل الصفة.

كان القذافي الذي قاد انقلابا في فاتح شتنبر 1969 ضد ملكية السنوسي، يرى في جبهة بوليساريو اليد الموجعة للنظام الملكي بالمغرب، وإن كان قد صرح بأن الأمر لا يغدو سوى دعم من أجل تحرير الصحراء من الاستعمار، غير أنه كما يقول الهولنديون، فإن الكلمات المذهبة غالباً ما تتلوها أفعال رصاصية، هي ما كان يكتوي بها أبناء المغرب المرابطون على الحدود للدفاع عن حوزة الوطن.

لم يكتف بومدين بذلك فقد احتضن المعارضين المتطرفين لنظام الحسن الثاني، وجعل من الأراضي الجزائرية منطقة استقبال وإرسال الجماعات المسلحة نحو التراب المغربي بأسلحة ومركبات وعربات جزائرية لزعزعة استقرار الملكية ووضع الكثير من الحصى في حذاء الملك الحسن الثاني، والتفاوض بعد ذلك حول مصالح الجزائر بتلك الأوراق المتعددة من الداخل والخارج مع الملكية، وفي ظل اشتداد التوتر وتشابك خيوط المصالح كانت الحقيقة تتضاءل في كل لحظة مثل قطعة صابون وسط غسيل متسخ، لكن حسابات الأنظمة المنافسة للمغرب لم تكن لتترك أي شيء للصدفة خاصة في قضية الصحراء.

كانت المرحلة الذهبية في مسار مواجهة المستعمر الإسباني، هي الفترة التي شهدت تقاربا بين نواكشوط والرباط والجزائر بدءا من سنة 1969 حيث سعى الحسن الثاني وهواري بومدين لبناء جسور من الثقة من أجل إخراج الاستعمار الإسباني من الصحراء الغربية، فشكلوا « مجموعة » ثلاثية في مؤتمر نواذيبو سنة 1970، هدفها الضغط على إسبانيا لدفعها نحو الجلاء عن الصحراء الغربية عبر تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومَهَّدَ هذا التفاهمُ الثلاثي – كما كان متوقعا – لتوقيع اتفاقية حدود بين الرباط والجزائر، وطيِّ صفحة الخلاف المزمن بين موريتانيا والمغرب، لتثبّت الحدود نهائيا بين الأقطار المغاربية الثلاثة..

وجاءت فكرة تقسيم الصحراء من خلال التفاهم السري بين الرئيس المختار ولد داداه والحسن الثاني، الذي تُوج باتفاق فاس سنة 1974، ثم تلته المرافعات أمام محكمة العدل الدولية سنة 1975، والتي كان يراد منها تثبيتُ الاعتراف بحق كل طرف أمام هيئة دولية؛ فقد قُبلت « المجموعة الموريتانية » ندًّا للدولة المغربية ذات الإدارة العريقة، وهي سابقة قانونية كرستها المحكمة الدولية، وبذلك حُسمت المطالبة بموريتانيا – وهو مكسب عظيم – حيث اعترف المغرب « بالمجموعة الموريتانية » وأن لها « صلات خاصة مع بعض قبائل وادي الذهب، (تيرس الغربية) مقابل اعتراف موريتانيا للمغرب بـ »علاقات مماثلة مع بعض قبائل الساقية الحمراء ».. وقد أكد الرئيس الموريتاني أن المحكمة حرصت على أن تقرير المصير المنصوص عليه في قرار الجمعية العامة هو الاستفتاء المباشر، بينما اعتبرت موريتانيا والمغرب أن تصويت المجلس الوطني الصحراوي (برلمان المستعمَرة) بالأغلبية لصالح اتفاقية مدريد، تقريرُ مصير، مثل الجمعيات الوطنية في المستعمرات السابقة التي أُعلن استقلالُها دون تنظيم استفتاء شعبي، ومنها موريتانيا. (« موريتانيا وقضية الصحراء.. من الحرب إلى الحياد »: قراءة في الحصيلة والآفاق » للوزير السابق والسفير الموريتاني محمد محمود ودادي، نشر بالموقع الرسمي للمركز الموريتاني للدراسات والبحوث الإستراتيجية).

في 26 فبراير 1976 حين كان يتم رفع العلم المغربي بمدينة العيون، وإعلان إسبانيا عن وضع حد نهائي لوجودها بالصحراء تنفيذاً لاتفاقية مدريد ولآثار المسيرة الخضراء التي أبرزت إجماعاً وطنيا قويا وإبداعا متفرداً في التئام وحدة المغاربة التي أبهرت العالم أجمع، ومع مغادرة آخر جندي إسباني للأقاليم الجنوبية دون إطلاق رصاصة واحدة، كان هناك شعور عارم بالإخصاء سيصبح عقدة مستديمة في لاشعور المؤسسة العسكرية الإسبانية حتى يومنا هذا.. في مساء ذلك اليوم كانت الآليات العسكرية الإسبانية تنقل الآلاف من المواطنين الصحراويين بتنسيق مع الجزائر على الجهة الأخرى وبشكل قسري إلى مخيمات جاهزة بتندوف، وعلى قاعدتهم ستعلن بوليساريو في 27 فبراير 1976 إقامة « الجمهورية الصحراوية » التي سيصبح لها في رمشة عين كيان تنظيمي وشعار وعلم وكل رموز دولة قائمة، وستتوفر للكيان الجنيني أسلحة جد متطورة وعتاد حربي ثقيل لا يملكه جيش نظامي، فبالأحرى حركة تحررية لم تبلغ الفطام بعد.. لقد كانت حركة انفصالية صاعدة تمول من شرايين دماء المليون شهيد جزائري.

تلك حكاية حركة كانت تنوي توجيه بنادقها نحو صدر المحتل الاستعماري، وأضحت توجهها نحو الصدور العارية للإخوة في الصحراء ولأبناء الخؤولة والعمومة، إذ في ضغائن السياسة وحدها يتحول الدم إلى مجرد ماء، سيلانه ضروري لخصب المصالح الحيوية الضيقة.

 

Navigation des articles