الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “جبهة بوليساريو”

الصحراويون بمخيمات تندوف.. هل هم لاجئون أم محتجزون؟

« لا يصبح الخطأ على وجه حق بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ لأن لا أحد يراها » المهاتما غاندي

عبد العزيز كوكاس

يعتبر مشكل الصحراويين المقيمين بمخيمات تندوف صلب قضية الصحراء، فهؤلاء الصحراويون الذين في سياق ظروف ملتبسة تم نقلهم في آناء الليل إلى منطقة تندوف وتجميعهم في مخيمات أقيمت في منطقة خاضعة للسيادة الجزائرية، مفتاح حل قضية الصحراء، بالنسبة للمغرب فهم صحراويون مغاربة محتجزون في مخيمات العار، وبالنسبة للجزائر هم لاجئون بالتراب الجزائري..

منذ دخول القضية إلى أروقة الأمم المتحدة تم التغييب التدريجي للجانب الإنساني لهؤلاء الصحراويين وظل الصراع دبلوماسيا وقانونيا بين أطراف النزاع، في حين أن الأمر يتعلق بمأساة إنسانية، هناك عائلات كبرى تم شطرها بين من ظل أو عاد إلى أرض الوطن وبين من لا زال هناك، نظرا للظروف الحاطة بالكرامة التي يعيشها هؤلاء الصحراويون الذين انتزعوا من أرضهم في ظروف يعرفها العالم، حين كانت الشاحنات الجزائرية  في ذروة مفاوضات مدريد لعام 1975 التي حتمت الجلاء الإسباني تجوب الأقاليم الصحراوية، لتهريب السكان عبر التغرير والقوة، وحين تبين أن أعداد المرحلين قسرا لا تفي بالغرض المطلوب، أي الإيهام بإمكانية إقامة دولة، عمدت الجزائر إلى إيواء نازحين أفارقة من بلدان الساحل جنوب الصحراء لتضخيم أعداد اللاجئين.

وقتها تبادلت الجزائر الأدوار مع أوساط إسبانية متشددة لم ترغب في الرحيل عن المستعمرة السابقة، إذ في الوقت الذي كان صعبا على هؤلاء المتغلغلين داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية وفي الإدارة، القيام بدور مباشر ضد الأوفاق التي وقعت عليها دولتهم علنا، استطاعت الجزائر أن تنوب عنهم في أداء المهمة نفسها، لكن ليس من طرف دولة الاحتلال التي أذعنت إلى حتمية التاريخ، ولكن عبر دولة عربية مجاورة، لم تهضم بدورها في أي مرحلة تداعيات حرب الرمال لعام 1963، وبقيت تتحين الفرصة من أجل الانتقام.. دون نسيان الظروف الداخلية التي عرضت مظاهرة بطانطان لقمع غير مبرر كما شرحت ذلك سابقا.(انظر كتابي: جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال، رؤية مغايرة).

في كل تجارب النزوح، ليست هناك دولة في العالم تقبل باستضافة آلاف الأشخاص من غير مواطنيها على أراض واقعة تحت نفوذها لعقود طويلة مع كل المشاكل المترتبة عن هذه الاستضافة التي تكون مؤقتة، بل إن الدولة التي تستضيف مثل هؤلاء اللاجئين ترفع صوتها عاليا وتضغط على المجتمع الدولي لإيجاد حل من أجل عودة هؤلاء إلى موطنهم الأصلي، وهو ما لم يسبق أن قامت به الجزائر التي لا تريد لهؤلاء الصحراويين أن يغادروا أراضيها أبدا بل تعرض الفارين منهم إلى عقوبات شديدة، وهذا خرق سافر لاتفاقية 1951 المتعلقة بلاجئين والبروتوكول الملحق به لعام 1967.

ففي القضايا المرتبطة باللاجئين والنازحين لاعتبارات مختلفة، تعمل الدول التي تحترم التزاماتها الإنسانية والقانونية والسياسية، بكل الوسائل من أجل إنهاء معاناتهم، خصوصا حين تكون الطريق إلى ذلك واضحة المعالم، أي السماح لهم بالعودة الطوعية إلى بلدهم، أو السماح بإحصائهم لتحديد حاجياتهم وتقديم المعونة الكافية لأعدادهم قبل البحث عن السبل الكفيلة بعودتهم إلى الموطن الأصلي الذي قدموا منه، ليست هناك دولة تتمسك ببقاء لاجئين فوق أراضيها، في ظل انتفاء شروط اللجوء الاضطراري، إلا أن يكون لها أجندة خاصة تستغل فيها وجود أولئك الأشخاص لأهداف غير بريئة.. لأنها تدرك أن عودة أولئك السكان إلى بلدانهم يعني تبديد آخر آثار قضية الصحراء التي ارتدت الأبعاد التي توجد عليها الآن، استنادا إلى وجود لاجئين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر، وهي ترفض ذلك نتيجة خشيتها من انفضاح الخطة التي دبرتها في الخفاء لإقامة تلك المخيمات.. لم يحدث إلى الآن أن سلطت الأضواء الكاشفة عن ظروف نزوح أولئك السكان في اتجاه المخيمات، من جهة لأن العملية تمت بتواطئ بين السلطات الجزائرية والإدارة الإسبانية قبل انسحابها من الأقاليم الصحراوية، ومن جهة ثانية لأن تلك العملية ارتبطت بممارسات وانتهاكات طالت حقوق الإنسان، عبر اقتلاع الأهالي، وخصوصا الأطفال والشيوخ والنساء من أماكن إقامتهم للزج بهم تحت العراء والخيام الفاقدة لأبسط ظروف الحياة.

Capture

لا يمكن للمغرب أن يغير جيرانه، ذلك قدر الجيولوجيا والتاريخ، في الشمال هناك جار اشترك معه حضارة باذخة وظل وسمه الاستعماري قائما.. وفي الشرق، بلد احتد به التنافس حد الاكتئاب السياسي، هل هو مجرد سوء فهم كبير؟

كانت إسبانيا تعول على إقامة دويلة تابعة لها في الصحراء، وحين واجهت رفضا مغربيا قاطعا، بلورته الإرادة التحررية للسكان الوحدويين، حاولت الالتفاف على الموضوع بطرق أخرى، وهذا الموقف ينسجم مع كل التحركات الجزائرية على امتداد أطوار القضية، وكما أن الإدارة الإسبانية قامت بإحصاء ناقص للسكان قبل انسحابها، فإن الجزائر زادت على ذلك برفض القيام بأي إحصاء لسكان المخيمات.. أليس غريبا أن يحدث هذا التلاقي في الأدوار والممارسات والخلفيات، ماذا يجمع إسبانيا والجزائر وماذا يفرقهما في التعامل مع قضية الصحراء؟ أليس وجود المغرب في قلب هذه المعادلة هو مصدر كل المتاعب؟ لم استنكرت الجزائر نزول بضع جنود مغاربة على جزيرة ليلى المغربية، بعيدا عن مفاهيم مناصرة القضايا التحررية وفي مقدمتها استرجاع ثغور المغرب الشمالية المغتصبة من طرف إسبانيا؟

لنُعد ترسيم ملامح الصورة، إسبانيا كانت المستعمر السابق للساقية الحمراء ووادي الذهب، وهي بهذه الصفة التي لا تشرف تاريخها، كما لا يليق بها أن تستمر في احتلال مدينتي سبتة ومليلية وباقي جزر شمال المغرب، حرصت على ألا تغادر الصحراء، إن لم يكن لها وجود عسكري ومدني ملموس، فمن خلال الانشغال بالملف إلى درجة أن النظرة الاستعمارية يتم التغاضي عنها في كثير من الأحيان.. إنها بدورها معنية باستضافة صحراويين على أراضيها، وإن كان سوء التقدير يصدر عن تنظيمات غير حكومية في إطار صراعات داخلية، غير أن الجزائر تزايد أكثر على هذه التنظيمات وتنوب عنها في تصدير سياسة العداء تجاه الجار المغربي.

عندما نعرض إلى إشكاليات رفض إحصاء اللاجئين المقيمين في تندوف، فإن ذلك يحيلنا على جوانب من أزمة الصحراء، ارتبطت بتوزيع السكان بين بلدهم الأصلي.. المغرب، وبين الجزائر وموريتانيا، وبالتالي نتج عن ذلك مضاعفات عدة لا تتعلق فقط بسمات وخصوصيات الحياة في الصحراء التي تفرض الترحال والتنقل في مساحات شاسعة، وإنما انعكست سلبا على جهود حل النزاع.

كل العراقيل التي واجهت مساعي الأمم المتحدة توقفت عند هذه النقطة تحديدا، أي معرفة الأعداد الحقيقية لسكان المخيمات المنحدرين من أصول صحراوية، وغني عن البيان أن إعاقة التسوية السلمية كان هدفها عدم تمكين أولئك السكان من العودة الطوعية التي تصدت لها الجزائر بكل الوسائل، إذ يذكر في هذا الصدد أن خطة التسوية الأممية لعام 1991، قبل انهيارها، كانت تنص حرفيا على أن يقترعوا في مكان ازديادهم وانتسابهم داخل الأقاليم الصحراوية.

ثمة وجه آخر لأزمة اللاجئين أو المحتجزين بمخيمات الحمادة يرتبط بأنهم يوجدون في وضع يتناقض كليا مع القانون الدولي، ويتعلق بالبند رقم 94 للمفوضية السامية للاجئين التي أقرته لجنتها التنفيذية في 8 أكتوبر 2002، والذي ينص على أنه لا يتم الإقرار بصفة لاجئ وتقديم الحماية للاجئين إلا في ظل الطابع المدني السلمي، والحاصل أن مخيمات بوليساريو الموجودة على التراب الجزائري هب مخيمات عسكرية تضم أسلحة لا توجد لدولة قائمة الذات في بعض الدول الإفريقية وجيش منظم ويتلقى مساعدات عسكرية من البلد المضيف، في غياب أي حماية دولية كما تنص على ذلك الأوفاق الدولية وهو ما يعمق من الوضع المأساوي للصحراويين المحتجزين في هذه المخيمات.

Publicités

يوم قال معمر القذافي: « بوليساريو، نحن الذين أسسناها ودربناها وسلحناها.. »

عبد العزيز كوكاس

-

The flags of Algeria (L) and Morocco flutter AFP PHOTO

في خطابه بمناسبة ثورة الفاتح في شتنبر 1987 صرح العقيد الراحل معمر القذافي قائلا: « أستطيع أن أتكلم عن قضية الصحراء أكثر من أي طرف آخر، لأن بوليساريو، نحن الذين أسسناها عام 1972، ونحن الذين دربناها وسلحناها لتطرد الاستعمار الإسباني من الساقية الحمراء ووادي الذهب، ولم نسلحها لإقامة دولة »، إنه نفس الخطاب المعلن عنه غداة القمة العربية بالرباط سنة 1974، حيث دعم الرئيس الليبي موقف المغرب لإنهاء الاستعمار الإسباني للصحراء، وخلال زيارته للمغرب في 16 يونيو 1975 عبر العقيد معمر القذافي عن مساندته اللامشروطة للمغرب حيث صرح بأن « القوات الليبية المسلحة رهن إشارة المغرب لتحرير صحرائه ».

ويذكر الراحل الحسن الثاني في حواراته « ذاكرة ملك »، أن الغاية الأولى التي حركت العقيد معمر القذافي كانت هي هاجس إجلاء الاستعمار الإسباني من الصحراء، بدليل البرقية الرسمية التي بعث بها القذافي إلى الملك الراحل بمناسبة عزمه تنظيم المسيرة الخضراء في 1975، مما جاء فيها « بصفتي ثوريا، فإني أساندكم ألفا في المائة، وإني أريد القدوم إلى المغرب على رأس وفد ليبي للتصدي للاستعمار، عدونا المشترك ».

الموقف عينه، عبِّر عنه الرئيس هواري بومدين في مؤتمر القمة العربية المنعقد بالرباط في أكتوبر 1974، حين اعتبر أن مشكل النزاع حول الصحراء يهم موريتانيا والمغرب، وأنه يدعم تحرير كل أجزاء التراب الوطني بما فيها سبتة ومليلية من يد المستعمر الإسباني، وأنه لا مشكل للجزائر في استرجاع المغرب لصحرائه.

لكن ما الذي حدث بين 1974 و1976 حتى تحول الخطاب الليبي والجزائري عن موقفهما الأصلي من استعادة المغرب لصحرائه؟ وكيف تم تحويل حركة مغربية للتحرر الوطني (بوليساريو) إلى حركة انفصالية تحمل السلاح في وجه الوطن الأم؟

إضاءات الفقيه البصري، كأحد شهود المرحلة، في حوار سيرته الذاتية مع حسن نجمي، تلقي بعض الضوء على مناطق الصمت المعتمة في التبدل من سياقات الدعم والمساندة للمغرب إلى معاكسته في استرجاع أقاليمه الصحراوية، يصف الفقيه البصري تحول الجبهة من خلال تحولات مؤسسها مصطفى السيد، قائلا: « الذي ساعد على انحرافه هم الإخوة في ليبيا آنذاك، ففي الوقت الذي كان نقاشنا مع الوالي قد تبلور في إطار مغربية الصحراء وأسسنا الإذاعة، وشرعنا في توفير الدعم لمشروع تحرير الصحراء، ذهب عبد السلام بوجلود رئيس وزراء الجمهورية الليبية حينذاك إلى إسبانيا وخطب خطبة وَسَاوم الإسبانيين بالمصالح مقابل تحرير الصحراء، طبعاً ظهر للقذافي أنه من الممكن عن طريق الصحراء أن يربط مشكله مع الأرض التي اقتطعها الفرنسيون من ليبيا وألحقوها بالخريطة الجزائرية، وهي أرض ليبية غنية بالنفط، ومن ثم ظهر له أحيانا أن يستعمل قضية الوحدة، وأحيانا حاول الالتفاف على الصحراويين ومساعدتهم على أساس خلق مشكل الصحراء والمساومة به فيما بعد، وعلى أساس تحقيق طموحه في أن ينفذ نحو المحيط الأطلسي، ولذلك ضغط على الجزائر في هذا المنحى في الوقت الذي لم نكن نلمس – للحقيقة – أية ميول جزائرية لتبني ودعم بوليساريو كمشروع انفصالي.

كان لبومدين مشكل تيندوف، هذا صحيح، لكن تفكيره في كيفية الاستفادة من الحديد جعله يُنجز عدة دراسات علمية حول المسافات الناجعة والأقل تكلفة لنقله من تندوف، وكذا حول أهمية الحديد في الصادرات ومستقبله في السوق الدولية… وهكذا ظهر له أنه لابد من التفاهم مع المغرب، إذ يمكن تصدير الحديد عبر المحيط الأطلسي مرورا بالصحراء، وفي هذا الإطار سعى لإنجاح تصالح بين المغرب وموريتانيا.. »

في هذا السياق ستظهر النسخة المعدلة للجبهة التي تحولت من حركة تحرر إلى حركة انفصال، لقد احتضن الزعيم الليبي عناصر بوليساريو وفق المبدأ المعلن وهو تحرير الصحراء من الاحتلال الإسباني وباطنه صراع النظامين الليبي والمغربي الموصوف في طاحونة الحرب الإعلامية، بالنظام « الرجعي والمحافظ والعميل للاستعمار والموالي للإمبريالية »… وعبر خلق مشكل الصحراء للضغط به على الملكية بالمغرب والتفاوض والمقايضة به مع الدول الغربية خاصة إسبانيا.

أشرفت القيادة الليبية على تدريب عناصر بوليساريو ومدها بأسلحة جد متطورة، كان المشكل هو كيف ستصل إمدادات القذافي من الأسلحة إلى تندوف، واقترح على الوالي التحرك من أجل أن يسمح الجزائريون بمرور الأسلحة التي سيبعثها، وهنا جاء جواب هواري بومدين، « إننا على استعداد لمساعدة بوليساريو شريطة أن تصلني الأسلحة الموجهة إليه وأقوم أنا بعد ذلك بتسليمها » كما جاء في رسالة موجهة إلى ملك ملوك إفريقيا.

إنها بداية التلاقي في استراتيجيات جديدة تقوم على أساس توزيع الغنائم في التركة الاستعمارية بجنوب المغرب، فيما يشبه الانفصام بين الشعارات المنادية بالوحدة والتحرير وبين السياسات الهشة التي ولدها اختلاف الأنظمة ونزوعات الهيمنة بالمنطقة، بما يخدم مشاريع المستعمر القديم عبر تدعيم الانفصال الذي أدخل قضية الصحراء بعد تحريرها سنة 1975، في دائرة حرب بين أبناء البلد الواحد بأصابع تأكل مع الشيطان من ذات الصحن، إذ كيف تصبح إسبانيا البلد المحتل مخاطبا ودياً للجزائر وليبيا بشأن منطقة تم تحريرها بطريقة شعبية ذكية، تجند لها كل المغاربة بمختلف شرائحهم ومشاربهم السياسية والإيديولوجية؟ وكيف يغدو المستعمر الإسباني حليفا استراتيجيا وحاضنا لجبهة بوليساريو؟

13775566_654537534710451_1895251844665966956_n

الحسن الثاني

كان ممكنا أن تتحول المسيرة الخضراء عام 1975، إلى عامل بناء للوحدة والتنمية وحسن الجوار في منطقة الشمال الإفريقي، فإذا بها تتحول إلى ورقة حارقة تذكي الصراع والتوتر بالمنطقة، فليبيا التي ساندت حق المغرب في تحرير صحرائه، وصرح زعيمها في أكثر من مناسبة بأنه ضد تمزيق الوحدة الترابية للمغرب، هي نفسها التي ذهب رئيس وزرائها عبد السلام بوجلود للتفاوض مع إسبانيا عبر ورقة الصحراء، وليبيا التي بعث قائدها برسالة رسمية إلى الملك الحسن الثاني ليشارك في المسيرة الخضراء، هي ذاتها ليبيا التي أسست بوليساريو وأشرفت على رعايته بالمال والسلاح والدعاية الإعلامية، وهي التي ساندت إعلان « الجمهورية الصحراوية ».

في 28 فبراير 1976 أرسل العقيد معمر القذافي رسالة إلى الملك الحسن الثاني مما جاء فيها « إنه في 1972/06/11 أعلنت بنفسي في خطاب عام أن الجمهورية العربية الليبية ستتحمل مسؤوليتها القومية وتتبنى حرب تحرير شعبية في الصحراء الغربية ما لم تنسحب إسبانيا من هذه المنطقة، وإلى عام 1975 عندما أصبحتم طرفاً بارزاً في القضية أكدْتُ لك عن طريق مبعوثيك الذين تفضلت بإرسالهم في تلك الفترة، إن إمكانيات الجمهورية العربية الليبية العسكرية، رهن إشارتكم إذا قررتم تحرير الصحراء الغربية من الاستعمار…. والله يعلم كم حاولت إقناع قيادة الجبهة بالانضمام إليكم ».. لكن مع سحب الهواري بومدين البساط من يد الجماهيرية، أخذت القيادة الليبية تعزف على الوحدة التي أصبحت تمر عبر البتر، من خلال دعوة معمر القذافي في 24 دجنبر 1977 إلى تجاوز أطراف الصراع لمطالبهم الجزئية وتشييد كونفدرالية كبرى تضم الدول الخمس، كما سيساهم بريق شعارات المرحلة في إدخال المنطقة كلها في دائرة الالتباس منذ منتصف السبعينيات، والذي لا زالت إسقاطاته قائمة في الراهن اليوم بعد إدخال القضية في دهاليز حسابات لعبة الأمم وموازين القوى.

لقد أشعلت الحرب الباردة الكثير من بؤر التوتر في العالم في إطار التقاطب الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي، الاشتراكية والرأسمالية، التقدمية والرجعية… وكان لبريق حركات التحرر ونماذج حرب التحرير من تجربة غيفارا إلى الأفكار الماوية والنجاحات التي حققتها حركة الفييتكونغ لمعانها القوي، لذلك جرى ترويج مشروع خلق كوبا جديدة في شمال إفريقيا لتكون مثل الشوكة في حلق الإمبريالية، فاستغلت ليبيا والجزائر أحلام فتية مغاربة دائخين بالنماذج الاشتراكية والتحررية وأيضا حرقة عدم تفهم قادة بلدهم لمطالبهم التحررية من الاستعمار الأجنبي، لمحاولة تطويق المغرب في شريط قماط حدود يعيق حركته ويضيق الخناق على طموحاته في لعب أدوار إقليمية تليق بإدارته المتمرسة وتاريخه العريق، لذلك تم خلق التماثل على مستوى الرموز والشعارات بين جبهة بوليساريو وحركات التحرر الوطني التي كانت تعتبر فلسطين عتبتها العليا.. فقد لجأ قادة بوليساريو بتوجيه من بومدين إلى إعلان قيام دولة المنفى، واستعارة رمزية العلم الفلسطيني وقاموس القضية الفلسطينية، الانتفاضة، الاحتلال وقواته، جدار العار، تقرير المصير، الشعب الصحراوي… وخلق نوع من التماهي بين حركة تحرر وطني وحركة ستتحول منذ منتصف السبعينيات، بعد تحرير الصحراء من المستعمر، إلى حركة انفصالية… جرى تنافس قوي بين الجزائر وليبيا بشكل غير متستر في تقديم الدعم المادي واللوجستيكي لجبهة ستتحول إلى حركة مسلحة توجه فوهات بنادقها ودباباتها اتجاه الوطن الأم فيما يشبه حربا بالوكالة متحكم في إسقاطاتها.

 

هكذا أدخل الحسن الثاني الهواري بومدين في قفص، أقفل عليه وأدخله في عزلة قاتلة

 

عبد العزيز كوكاس

يستمر الكاتب الصحفي عبد العزيز كوكاس في رصد متغيرات وضع جبهة بوليساريو بين الداخل والخارج، مستعرضا ضمن رويته المغايرة التي ضمنها كتابه الموسوم ب« جبهة بوليساريو.. من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال »، معطيات تاريخية وسياسية لعبت أدوار جوهرية في جعل قضية الصحراء تصبح على وجه التعقيد التي هي عليه اليوم

في المرجعيات الأولى التي كان يحتمي بها الشبان الصحراويون، المشتعلة رؤوسهم بأحلام الحركة الماركسية اللينينية وتجربة الفيتكونغ والأفكار الماوية، والذين شكلوا اللبنة الأولى لبوليساريو، كان الهدف يكمن في تحرير المناطق الصحراوية من الاستعمار الإسباني، وكان طبيعيا بالنظر إلى سلامة وأهمية مواقف من هذا النوع، أن يكون ذلك الهدف مغريا ومشجعا وموقظا لأحلام ونزوعات كبرى.

بيد أنه بعد تحقيق هذا المطلب عام 1975، لم يبق أمام جبهة بوليساريو أي مبرر في الاستمرار، لكن الأدهى من ذلك أن استمرارها وقد انتفت بواعثه الموضوعية، سيقترن بتنفيذ سياسات معادية لا علاقة لها بحوافز التأسيس، إذ تحولت إلى مجرد أداة طيعة في مختبر التشويش على المسار الطبيعي الذي آلت إليه المواجهة بين المغرب وإسبانيا من جهة، والمغرب والجزائر من جهة ثانية.

وهنا يأتي المخطط المعدل في الدهاليز السرية بين الجزائر وإسبانيا اللذين يختلفان حول الطحين لكنهما  يتفقان غالبا حول العجين المشترك، والمتمثل في إعادة خلط الأوراق بالمنطقة، ووضع الكثير من الأشواك في القدم المغربي، إذ كرد فعل على النزيف الداخلي لبوليساريو الخارج، تم اللعب في مطبخ الأقاليم الصحراوية وإن بملاعق طويلة، بإخراج « بوليساريو الداخل » إلى حيز الوجود.. مستغلة لحظة انتقال السلطة في أعلى هرم الدولة، وانشغال المغرب بتأثيث بيته الداخلي بعد إعلان المصالحة مع ماضيه وعزمه على تحقيق انفتاح أوسع في مجال ممارسة الحريات، تم استغلال كل هوامش الحرية والانفتاح من يافطة حق التعبير إلى حق الاحتجاج والتجمعات، ومن حرية الصحافة إلى تأسيس الجمعيات المدنية ذات الحمولة الانفصالية التي كشفت عن نفسها منذ أحداث العيون في ماي 1999، وما تلاها من تطورات، وصولا إلى أحداث العيون في نونبر 2011 .

Capture

ثمة تلاقي آخر على مستوى نشأة بوليساريو الخارج وبوليساريو الداخل برغم اختلاف السياق الزمني، ويرتبط بسوء تقدير القوى الحاضنة والداعمة على السواء.. غداة تأسيس بوليساريو الخارج كان الاعتقاد السائد هو أن النظام المغربي يعيش في عزلة تامة وأنه على وشك الانهيار، وأن الوضع الداخلي مهيأ للانفجار خاصة بعد المحاولتين الانقلابيتين، تحكي الكاتبة « أنيا فرانكوس »، في مؤلفها « جزائري اسمه بومدين »، واقعة ذات دلالة في هذا السياق: « حينما كنا مطمئنين على أن الحسن الثاني يعيش معزولا في قصره معرضا لانتقادات ضباط جيشه، مشكوكا في حب الشعب له، تغير الوضع في رمشة عين.. وأصبح رجلا قويا في منطقة المغرب العربي، والجزائر مشغولة بدعم الشعب الصحراوي، تجد نفسها معزولة وحدها لتقول التقارير الدولية إنها نهاية هواري بومدين.. أعلن الحسن الثاني المسيرة الخضراء وضحك كل الجزائريين، وقالوا إنها مهزلة، إطلاق 350 ألف مغربي بالقرآن في أيديهم لمواجهة مدافع وصواريخ الإسبان، وقلنا في الجزائر إنها حسابات مكيافيلية وسيناريو هوليودي، وصرح بومدين بلسانه: « إنها السينما « ، لكن بومدين تجرع كأس المرارة عندما جاءه عبد العزيز بوتفليقة رئيس دورة الأمم المتحدة متحدثا عن حصوله على توصيات.. فقاطعه مندوب الجزائر في الأمم المتحدة، عبد الرحمان رحال، أمام الرئيس بقوله: « إنك يا بوتفليقة تمثل علينا مسرحية، فكل الدول العربية وكل دول عدم الانحياز وكل الدول الغربية اتخذوا موقفا مؤيدا للمغرب، واحتفل المغرب بالصفعة التي تلقّاها تعنّتنا ».

وتضيف أنيا فرانكوس: » كان الحسن الثاني قد أقفل على بومدين بعد اتفاقية مدريد قفصا وأدخله في عزلة قاتلة، وعندما أعلن الملك الحسن الثاني في خطاب 15 فبراير 1976: » إني أنتظر فقط أن تعلن الجزائر الحرب على المغرب »، اجتمع مجلس القيادة الجزائري ليصدر بيانا يقول: « لا حرب مع المغرب من أجل بوليساريو ولا سلم مع المغرب بدون بوليساريو »، وقد تم سحب الجيوش الجزائرية التي تتدخل داخل الحدود المغربية (…) وزادت هزيمة الجزائر عندما أعلن الوالي رئيس بوليساريو انضمامه لوحدة مع موريتانيا يكون رئيسها المختار ولد داداه ».

« اتفاق الجزائر بين موريتانيا وبوليساريو، في 5 أغشت 1979، والظروف الغامضة التي اكتنفت توقيعه، حيث كان إذعانا للجبهة التي فرضت انسحاب موريتانيا من تيرس الغربية – دون إخطار شركائها في اتفاق مدريد – في موعد رُتب له أن يكون سريا، لكن المغرب اطلع عليه، فبادر ب »احتلال » تيرس الغربية. ولم يحقق الطرفان الموريتاني والصحراوي أي مكسب »؛

نفس الخطأ في تقدير الأوضاع الداخلية بالمغرب سيتكرر مع نهاية التسعينيات عند رحيل الحسن الثاني، حيث تم ترويج الحديث عن تفكك مراكز القرار وهدم سلطة النظام بسبب ضعف هرم الدولة، وتم تصوير انفتاح المغرب واتساع الهامش الديمقراطي كأنه مجرد بداية لانفراط حبات سبحة السلطة المركزية، وأن استعمال سلاح حقوق الإنسان يمكن أن يُفكك بنية الدولة من الداخل كما جرى في العديد من دولة المنظومة الاشتراكية، وهو ما أبرز سوء تقدير الجزائر لتعقيدات الوضع الداخلي بالمغرب، لأن الافتراضات والتخمينات لا تكفي وحدها لفهم بنية نظام ضارب بجذوره في التاريخ، والدليل أن انتقال المملكة في ظل محمد السادس من سياسة الدفاع إلى سياسة الهجوم، والإنهاء مع سياسة الكرسي الفاخر عبر اللعب في ذات رقعة شطرنج الخصوم، كانت كافية لسحب أكثر من 36 دولة لاعترافها بجبهة بوليساريو.. فالسياسة تُبنى على الوقائع لا على التوقعات والتخمينات!

 

Navigation des articles