الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “رواية ذاكرة الغياب”

رواية « ذاكرة الغياب ».. مسار جيل

أحمدالكبيريغلاف الطبعة الثانية لذاكرة الغياب
« ذاكرة الغياب » رواية تحكي سيرة معلم اسمه صالح البشير، وهي سيرة لحياة مليئة بالارتجاجات والإخفاقات والتشظيات والهزائم والاحباطات واليأس، هي سفر شاسع في الذات والكينونة وهوامش الروح، وهي كذلك متاهة من الواقع والخيال لشخصية ضعيفة مهزوزة ومتناقضة، شخصية لم يعد بمقدورها فعل أي شيء سوى السكون والتقوقع والانطواء والبعد عن الواقع وعن الناس، غير قادرة تماما على الاندماج أو الاستقرار، بل لا تعرف حتى ما تريد ولا لأية غاية هي تحيى.
فماذا يريد الكاتب أن يقول لنا من خلال هذه السيرة المتشظية؟ ولماذا يريد أن نستكشف معه أدق التفاصيل في حياة صالح البشير منذ نعومة أظافره إلى أن غاص في حمولة النهر الذي جرفه إلى متاهات الغياب؟ هل صالح هذا شخصية استثنائية؟ غرائبية؟ تاريخية؟ أم هي فقط أنا وأنت وكل هذا الجيل الذي قُدر له أن يولد في زمن ما بعد الاستقلال، زمن استعملت في معاركه كل الوسائل الممكنة، لجعله إما خانعا متملقا أو مهمشا لا صدى له يعيد صورته إلى الوجود؟
هذه مجرد أسئلة سأحاول على ضوئها مقاربة هذا النص الروائي والعمل على مناقشته وإبداء وجهة نظري وانطباعاتي حوله، محاولا بذلك الإسهام،إلى جانب قراءات أخرى محتملة،والتفاعل مع النص والعمل على تقريبه من القارئ وجعله أكثر انفتاحا على محيطه.
أول ما يلفت الانتباه في « ذاكرة الغياب » هو التقسيم الذي اعتمده الكاتب كشكل أو قالب أفرغ فيه سيرة صالح البشير وجعلها تنضح بكل ما فيها من حكايات واستهامات وعلائق وشخوص وأمكنة واسترجاعات عبر أزمنة مختلفة، فصالح جدع الحكاية والباقي فروع له.. لقد خلق الكاتب صالح، وسهر على تربيته وتتبع خطاه ورسم علاقاته ودَون خلجات نفسه وتنصت على أحاسيسه وانفعالاته، وعَد عليه حركاته وسكناته حتى إذا ما اكتملت صورة صالح وبدت ناصعة لديه، مزقها قطعا غير متساوية ولا متناسقة ولا مرقمة ولا محددة بتاريخ أو ساعة ثم نثرها على وجه القارئ في يوم عاصف، وقال له: لملم هذه الشظايا واصنع وجها لصالح البشير كما تحب، وضع له الإطار الذي تراه مناسبا له..فصالح قد غاب ولن يعود ليحاسب أحدا منا عن التشوه الذي قد يلحق ذاكرته.. فالتذكر عملية ليست دائما دقيقة، فهي مثل العنعنة لا يوثق فيها إلا بحديث التقاة.
لقد جعل الكاتب للرواية مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة، وهو تقسيم على ما يبدو أقرب إلى التأليف الفقهي التراثي منه إلى العمل الفني الإبداعي، وما يوحى بذلك بشكل خاص هو الأسلوب الذي صيغت به عناوين هذه الأبواب:
-« باب في صفة الرائد والقائد وما ضارع ذلك أو شاكله.
– باب في ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء وكيف كان قبل الخصاء.
– باب في ذكر بعض أثار الرحلة وقرب المآل.
– وباب في من أحبت رجلا لم تستحسن بعده غيره ممن يخالفه ».
أعتقد أن الكاتب لجأ إلى تقسيم روايته على هذا النحو لأسباب ومبررات قد يكون البعض منها مرتبطا به هو نفسه، ذلك أنه ليس كاتبا محترفا متفرغا للكتابة الإبداعية، فهو كصحفي له من العمل اليومي ما يتطلب كثيرا من صداع الرأس، وبالتالي فلا مناص له لكتابة الرواية، مع ما تتطلبه هذه الأخيرة من تركيز وتفكير مستمرين، إلا التحايل عليها بتقسيم مشروع عمله إلى حلقات، ونجد الكاتب واضحا مع نفسه في هذه المسألة، إذ يعبر في تصريح قدم به لروايته عن تهيبه من خوض غمار تجربة الكتابة، إذ يقول: « … كنت أرى في الكتابة ممارسة جادة لا تخلو من مجازفة، وهذا وحده يبعث على التهيب في خوض غمار تجربتها.. » ويضيف: « .. إن مجرد الرغبة في الكتابة لا تكفي على ما يبدو لأن يكتب المرء على نحو جيد ».
إلا أن مجمل الأسباب والمبررات لتقسيم الرواية على النحو السالف الذكر، نجد لها تفسيرا داخل النص نفسه وجلها يتعلق بتجريب تقنية، لا أقول جديدة، وإنما تقنية تجعل الحكاية وإن كانت مأخوذة في معظمها من الواقع، حكاية متخيلة بالنظر إلى الجهد المبذول من حيث بناؤها وإعادة صياغتها، حيث يختلط الواقع بالخيال ويتقاطع الماضي بالحاضر، وتتناسل الحكايات وتتداخل الأزمنة وتتعدد الفضاءات.. إذ نجد ذات الكاتب واعية تمام الوعي بهذا الجهد « أجهدت نفسي في البحث عن لغة قادرة على التقاط ملامح السيرة الفجائعية.. »، « لقد تبين لي أن البحث في سيرة المعلم صالح البشير أشبه بمطاردة خيط المتاه.. »
غلاف الطبعة الثانية لذاكرة الغياب

وكل ذلك بطبيعة الحال، لتمرير خطاب يود الكاتب إيصاله إلى قرائه المفترضين، مع الحرص طبعا على تبليغه في قالب فني وإبداعي ممتع.
ويظهر واضحا لكل قارئ متأن أن الرواية لم يتم تبويبها هكذا جزافا، أو فقط للتحكم في تتبع مجرى أحداثها وملاحقة شخوصها والقبض بتلابيب حكاياتها، وإنما تم ذلك أساسا لسرد سيرة صالح في القالب الأنسب والأقدر على استيعاب هذه الشخصية المحورية بكل أبعادها الإنسانية وحمولتها الثقافية ودلالاتها اللغوية ونظرتها الشمولية للتعبير عن قلق وأسئلة ومشاعر تؤرق بال جيل بكامله.
تبدأ الحكاية بوصف دقيق لالتحاق صالح البشير بمنطقة أزيلال، حيث تم تعيينه معلما هناك بإحدى القرى النائية، وهو الأمر الذي سيعتبره صالح نفيا قسريا وتهميشا حقيقيا له واستمرارا لاعتقاله وتعذيبه « كمن يساق مرغما إلى حتفه، شعر صالح بأنه يتيم لا ناصر له في هذا القفر الذي تطأه قدمه لأول مرة.. » ص12، ويضيف « لا شيء هنا غير الغبار والقسوة، كل شيء يبدو جارحا كنصل سكين » ص15.
وداخل حكاية الالتحاق هذه نجد مجموعة من الاسترجاعات يتناوب فيها صالح مع السارد على حكي سيرته، وهي استرجاعات تم توظيفها بشكل ذكي وفي جل الأبواب التي قسمت إليها الرواية، وليس ذلك فقط ليربط الكاتب بين زمن الحكاية التي أصبح فيها صالح معلما وبين الأزمنة المرتبطة بالطفولة والمرحلة الطلابية وكذا فترة الاعتقال، أو فقط رغبة منه في اطلاعنا على الحميمية التي تربط صالح البشير بماضيه وتقريب ذلك الماضي البعيد عن طريق الاسترجاع، ولكن توظيف هذه الاسترجاعات إنما تم بقصد اطلاعنا على مجموعة من التقابلات المستمرة في حياة صالح على الرغم منه ومن توجهاته ومن تغير أوضاعه..
فحياة البؤس والفقر التي عاشها صالح وهو طفل بمدينة وجدة التي اضطرته إلى الاشتغال بالبناء، سنجدها مستمرة وهو في مقام معلم من المفروض أن يقام ويقعد له « .. بقي متكورا في ثيابه يلتوي من شدة البرد والجوع، فيما أخذت جيوش البق والبراغيث تعبث بجلده » ص42.
وفترة الاعتقال السياسي التي عاشها يوم كان طالبا، ستستمر بعد تعيينه بقرية نائية لا وجه للحياة فيها « كانت القرية معزولة خارج خرائط الزمن حتى خيل إليَّ أن الله كَور ما بين يديه من طين وصنع العالم، وما تبقى من فُتات صنع به هذه القرية المنكوبة: أرضها وأهلها.. لا شيء غير الفراغ يقتات من خلايا قلبي » ص58.
التجربة العاطفية التي عاشها في فترة شبابه مع نزهة التي تخلت عنه في أول منعطف، نجد علاقة شبيهة بها ستستمر مع مليكة الممرضة…وحتى ذلك الطيش الصبياني المتجلي في اكتشاف الذات المكتنزة برغبة جنسية جامحة عن طريق تفريغها بأية وسيلة ولو كانت دجاجة، سيعمل الكاتب على إيجاد تقابل لها في حياة صالح العاقل المربي، يقول صالح مخاطبا آتان جاره: « ما هذا الاشتباك الجنسي الذي يجعل جسدي يرتعش بلذة سرية؟ هل لديك بكارة أيتها الآتان؟ ».
نستخلص من الإشارات السالفة الذكر، والتي سقناها كأمثلة فقط، أن صالح الشخصية المحورية في النص تعيش بين ضغط الماضي، وهو ثقل لا يستطيع صالح التخلص منه،وفجائعية الحاضر الذي يجثم بكل ظلاله وعتماته على صدره، إذ سيتداخل ذلك الماضي بواقعه، وهو كما يظهر من خلال الرواية، واقع أعنف وأثقل من ذلك الماضي، فيصبح إحساس صالح بوطأة الزمن ووحشة المكان مضاعفا.
وهو ما ينعكس بوعي تام في هلوساته واستهاماته، حيث يتجلى التمزق والضعف والترهل ويغدو القول مفصولا عن الفعل، ويسود السكون وينتصر الشلل ولا يعود هناك إلا اغتراب قاتل وساحق لذات صالح الواعية، لا يجد له منها مخرجا إلا ذلك الغوص المقصود في نهر يجرفه إلى غياب ملتبس.
وأعتقد أن القيمة الكبرى ل »ذاكرة الغياب »، تتجلى في اللغة التي كُتبت بها وكذا في بنائها وفي قدرة الكاتب على رصد وتسجيل تفاصيل دقيقة لشخصية صالح البشير وتتبعها في كل مراحل حياتها وتكوينها، وتوظيف كل ذلك لتمرير خطاب على لسان شخوصها يدين بشكل صريح أحيانا، وبطريقة غير مباشرة في كثير من الأحيان السياسة التي حكمت المغرب منذ فجر الاستقلال إلى الآن.
الرواية بهذا المعنى، تصبح سؤالا عميقا منتصبا في ذهن القارئ بمجرد نفض يديه منها، وهو سؤال يمكن صياغته على الشكل التالي:
إذا كان هذا هو مصير صالح البشير (المكافح، المناضل، المتعلم) الذي يرمز إلى جيل، فما هو يا ترى مصير الجيل الذي سيأتي من بعده، الجيل الذي حملت به مليكة حبيبة صالح؟
سؤال سيبقى مطروحا ليس على قارئ « ذاكرة الغياب » وحده ولكن على كل أفراد جيل اكتوى بوشم لحظات تاريخية موجعة.

Publicités

رواية ذاكرة الغياب en pdf

ذاكرة الغياب

ذاكرة الغياب

1
2
3
4
5

غلاف الطبعة الثانية لذاكرة الغياب
ظهر غلاف الطبعة الثانية لرواية ذاكرة الغياب

غلاف الطبعة الثانية لذاكرة الغياب

بعض ذكريات رواية « ذاكرة الغياب التي أعتز بكونها باكورة أعمالي

مكناس في 22 أكتوبر2002
الأخ المبدع عبد العزيز
حين سلمني الصديق محمد أمنصور روايتك « ذاكرة الغياب » وكانت لم توزع بعد، قلت في نفسي، هذا الرجل أعرفه رجل صحافة فكيف جاء إلى الرواية؟ لعله سيكون من هؤلاء الذين تأتيهم الشهرة يسيرة هينة، يجد نفسه في هرم جريدة أسبوعية محترمة وجد مقروءة، فيستغل هذه الشهرة ليغتصب الرواية من طبلة الأذن، هكذا كان حكمي عليك، قاسيا بتجارب قاسية مع آخرين، ممن كتبوا بالعربية أو غيرها.
لكن حين قرأت روايتك، بدأت أعترف بك مع توالي السطور، أحسست أنني أقرأ لمبدع قبل أن يكون صحفيا، مبدع لم يبدأ الكتابة بالأمس، والكتابة الأصيلة لا تُخفى على أحد حتى ولو أُنكرت بالقوة.. لأطرح سؤالا آخر في النهاية، ألا تكون الصحافة قد وأدت روائيا كبيرا في شخصك؟ والحقيقة أنني أشفق عليك من هذا الهم الذي يقتل الإبداع كليا أو جزئيا، إلا من رحم ربك ومن رحم ربك نوع نادر، يستطيع استغلال الجلوس الاضطراري في المكتب على الكرسي، ليهرب شذرات إبداعية في همه الصحفي، وأتمنى أن تكون أحد هؤلاء.
تحياتي إليك
علي الوكيلي

ذاكرة الغياب

ذاكرة الغياب

إصدارات
بدون سابق جعجعة يضيف المبدع المغربي عبد العزيز كوكاس رواية جديدة إلى المكتبة المغربية تحت عنوان « ذاكرة الغياب »، تتوزع الرواية إلى عدة فصول تميل عناوينها إلى السرد القديم.. في حين أن النصوص كتبت بلغة حديثة ورؤية معاصرة، مع العلم أنها تتخذ من القرية فضاء لها لتقديم شهادة حية عن مغرب اليوم.
ولعل في التصريح الذي جاء على لسان المدعو « طوبة الوجدي » والذي ارتأى الكاتب كوكاس أن يستهل به عمله الروائي الأول، ما يشي بتقديم مقاربة لظروف النبش في ذاكرة الغياب.
« بالنسبة لي مثلت الكتابة دائما حلما بعيدا المنال، قدرة تنتمي إلى تلك الألمعية البعيدة عني بألغازها وأسرارها. لا، ليست كلمات « حلم » و « ألمعية » و « ألغاز » هي المناسبة لوصف ما أردت قوله بالضبط، ولكن.. أقولإني كنت أرى في الكتابة ممارسة جادة لا تخلو من مجازفة، وهذا وحده يبعث على التهيب من خوض غمار تجربتها.. فخارج الفروض المدرسية ورسائل الهيام، وخارج صياغة البيانات الثقيلة ذات العبارات المسكوكة والرسائل الاعتيادية الباهتة، ظلت الكتابة بالنسبة لي تجربة مرتبطة بعبقرية خارقة، وبمؤهلات لا أملكها.. نعم لقد جربت الكتابة قبل اليوم، لكني كنت أحس بأن الكراسات التي دونتها شبيهة بمحاضر الشرطة وأقرب إلى كتابة إنشائية رديئة.
(إن مجرد الرغبة في الكتابة لا تكفي على ما يبدو، لكي يكتب المرء على نحو جيد) ليس هذا وعي زائد عن الحاجة، فمنذ الالتزام الأول مع صالح، انقدت بحماس لتتبع المسالك التي عبرها، بل أجهدت نفسي في البحث عن لغة قادرة على التقاط ملامح هذه السيرة الفجائعية، لغة تكون بمثابة الجسد الذي أستطيع أن أصون فيه دفء روح صالح.. لكن الشعور باحتباس اللغة ظل يلازمني على مدار النص، إذ خيل إلي أن كل العبارات التي تعلمتها كسيحة لا تقوى على حمل هذا القلق، عبارات جوفاء وألفاظ منخورة.. وكثيرا ما نشأ عن كتاباتي خصام مرير بين مبناها والمعاني العنيفة التي تحملها انفعالاتي، وظل هاجسي- كما صرحت لكم قبل قليل- البحث عن كلمات سوداء بحجم ورطة صالح، كلمات كالبوصلة تحدد بدقة زوايا الجغرافيا المبهمة لفضاء القرية التي كانت تؤجج عواصف الفتنة في دمه وتدفعه إلى حافة العبث والجنون، كلمات حمراء كالجمر تستطيع أن تترك في وجه كل من يقرأها جراحا وبثورا كالجدري، كلمات تلطخ الأعين وتحمل ذلك الإيقاع الجهنمي للموت البطيء.
لقد تبين لي أن البحث في سيرة المعلم صالح البشير أشبه بمطاردة خيط المتاه، ذاكرة مستحيلة تلتفع بأسرارها وسط حالة النفي القصوى داخل فضاء مسيج بالسواد والفقر والتشوه، حيث تتناسل الحكاية في رحم الضياع.. إذ أحسست وأنا أتابع آثار خطاه، كالقابض على الريح الذي ينمو مع العاصفة، ففي رحم السديم المتوحش لقرية جائعة ظل صالح يراوغ شتاته ويخادع هشاشات مسننة تخدش جراحه.. وهذه حصيلة النبش في سيرة متشظية.
وأنا أتابع خيوط هذه السيرة، انتابني ذلك الوجع الذي لا زالت تحمله مليكة في بطنها، والذي أسماه صالح « النبوءة المصادرة »، لذلك فإن ما سجلته هنا تعبير عن الحد الأدنى من العجز الذي شعرت به تتبع المشاهد والأحداث، إذ اضطررت إلى حذف الكثير من التفاصيل التي تثير الاستغراب وعدم التصديق…
صالح ليس هنا بطلا، إذ يوجد في الواقع أبطال عمالقة يفوقون خيال أكثر الكتاب إبداعا ومهارة، صالح هنا مجرد حالة ترسم خريطة ذاكرة مستباحة، إنه مرآة لجيل بكامله يحمل ندوبا كالوشم، جيل ظل يهرب أسئلته إلى مناطق الظل فيما كانت أحلامه تنمو على ضفاف الآمال المحبطة ».
صدرت « ذاكرة الغياب » عن منشورات الغد. الطبعة الأولى 2001، لوحة الغلاف للفنان شفيق الزكاري، وهي تقع في 187 صفحة من القطع المتوسط.
بيان اليوم

ذاكرة الغياب

بعد حديثه عن الجسد والغياب، الكاتب الصحفي عبد العزيز كوكاس يصرح ل »المستقل »:
الكتاب مثل المرأة كلما كان متمنعا كان أجمل
استجوبته: ليلى بارع
يقول الناقد إبراهيم عمري وهو يقدم رواية عبد العزيز كوكاس « ذاكرة الغياب »: « إن هاته الرواية تجسد نمط الكتابة المغايرة، كتابة جيل جديد آخذة في النمو تحتفي بذاتها كما احتفى صالح ـ بطل الرواية ـ بظله، وتتمرد عليها كما تمرد هذا على ذلك، واستعصت المعاني العنيفة لانفعالات « طوبة » على مبنى كلماته.. كتابة تبوح بالسر وتفشيه مثلما باح صالح بأحلامه وأفشى السارد تفاسيرها على نصيحة بن سيرين ».. كيف أتيت إلى الإبداع الروائي ثمرتك الأولى وما هو السياق الذي ولدت فيه « ذاكرة الغياب »؟
ـ أعتقد أن الإبداع مثل الولادة، الأم لا تختار من يأتي الأول هل ولد أم بنت، أعتقد أن الولادة / الرواية هي من أنجبتني وليس العكس.. كانت البداية مجرد مشروع عمل على مذكرات معلم مفترض، وكنت حينها أتهيأ لإصدار جريدة تهتم بشؤون التلميذ سنة 1992. وفي إطار التهييء لموادها، أنجزت المذكرات.. لكن الظروف حالت دون صدور هذه الجريدة، فبقيت المذكرات قابعة بدرج مكتبي إلى حدود سنة 94..وفي لحظة اختلاء بالنفس انتبهت إلى ما ورد بهذه اليوميات ووجدت نفسي في رمضان 95 منساقا وراء متاهة السرد.. وكان المشروع عبارة عن سرد يحاول أن يلامس ذاكرة جيل ومسارها..
هاته الذاكرة المتشعبة بجراحاتها وأحلامها الكبرى وبانفلاتاتها أيضا.. لم أحاول رسم مسار بطل فردي غارق في شرنقة أناه، بل مسار جيل عايشت من خلاله كل انكساراته وأحلامه الموجعة، وحاولت في هذه الرواية أن أنقل بعضا مما أسعفتني به القريحة في مجال التأليف الفني لهذه الذاكرة.
ـ هل الرواية نوعمن التاريخ لمرحلة من تاريخ المغرب؟
ـ أعتقد ذلك وإن كنت أضع « التأريخ » دوما بين قوسين، لأنني في عملي لا أستحضر الوثائق والوقائع والأحداث بكل ما يستجوبه البحث العلمي والتدقيق التاريخي، إنها محاولة لرصد وشم في جسد جيل يحس بالتيه والغربة.. وهذه الفجيعة بين عنف الأسئلة التي يعيشها والأحلام التي كان يتوسمها في وطن يأويه وينميه بيديه ويحبه حتى النخاع، وما لقيه هذا الجيل من هزائم في الوجود.. نوع من الصدمة الكبرى التي عايشها هذا الجيل في مرحلة تاريخية …. اعتبار أن روايتي تلامس جوانب هذا السجن الذي عبره « صالح البشير » وظل يعبره بشكل أو بآخر. لم يكن الهدف منه أساسا أن أؤرخ لسنوات الجمر بالمغرب ولا السجن بالضبط، الذي هو الفضاء الذي اخترت أن يكون مكانا للشخوص من خلال حواراتهم ويومياتهم وأحلامهم. أنا كنت أتكلم عن طوبة الوجدي السارد لهاته الرواية والذي يجد نفسه في مسار عصي عن التملك، مسار صالح البشير، الطالب الجامعي والمعلم الذي وجد نفسه تائها في قرية نائية …. حاول عبرها أن يقاوم عنف مكان لم يتآلف معه ولم يشيد معه أي علاقة حميمة، بل ظلت بينه وبين القرية علاقة عدائية تذكره بسجن آخر.
– – يوجد في روايتك ماشبه الرؤيا التبشيرية، هل تعتقد أن الكاتب قادر على تحويل سواد العالم إلى بياض؟

أومن بما قاله بطل « ذاكرة الغياب »، سيأتي من يبني هذا الوطن، جيل متخلص من أوهامه ولا يحمل تلك الهشاشات التي تحول بينه وبين رؤية الوجود بشكل طبيعي ومنسجم خارج زيف الإيديولوجيات الكبرى أو زيف الهشاشات التي تسكننا..إنه شخص أقوى مني وأنا لست سوى ابن ضال له.
ـ هل ينبغي أن نعتمد قراءة المؤلف أم قراءة النقاد؟
أومن بما كان يقوله « بارت »: « إن النص الإبداعي يقتل الأب الذي يلده » ويصبح العمل بهذا المعنى يتيما دون أب.. وما أقدمه الآن هو مجرد قراءة محتملة ضمن قراءات….
ـ فجأة يتحول الأستاذ والصحفيإلى كاتب، هل هي سنة حميدة بالمغرب؟
ـ قبل أن أكون في أي ميدان آخر، فأنا ابن الأدب، وأثناء دراساتي العليا كان طموحي أن أصبح شاعرا، لكن لا يكفي الطموح وحده..ولا التمكن من اللغة لتكون كذلك، أما الصحافة فأقول دوما إنها حادثة سير جميلة في حياتي. وظل طموح الكتابة يراودني، حاولت منعه وفشلت وأعتقد أن « ذاكرة الغياب » جزء من فشلي في الشعر الذي هربته بلغة شاعرية في نثر الرواية.. إذا كان لا بد لنا الاستمرار في وهم إقامة الحدود بين الأجناس الأدبية.
ـ هل بإمكان الكتابة أن تغير من الواقع شيئا؟
ـ حين انتحر الكاتب اللبناني خليل الحاوي، كتب بجسده أكبر احتجاج على عجز الكلمة على أن تغير من الواقع شيئا وأن تحرر حصار 82 عن بيروت. وكان صوتا صامتا يخترق الآذان الصماء. كان هيمنجواي حين لا يكتب شيئا جميلا يجد نفسه ميالا أكثر للانتحار. جورج بطاي قال إنني أكتب لكي لا أجن، وموريس بلانشو يقول: « إنني أكتب لكي لا أموت »، وبالفعل كان ما كتبه جورج باطاي هو الجنون ذاته وما كتبه بلانشو هو الموت عينه.. الكتابة والجنون يلتقيان لكنه جنون نبيل.
إن الكتابة تختلف عن الصورة النمطية التي تخلق لنا عقلية القطيع، والتي تجعلنا نتآلف بشكل جماعي وتدجن أحاسيسنا مهما كانت فظاعتها، أما الكتابة فبخلافها، إنها فعل فردي إبداع أثناء الكتابة، وإبداع ثان أثناء القراءة.

ذاكرة الغياب

إلى العزيز كوكاس
بعد تحية الإبداع والسلام
أعجبني أسلوبك في الكتابة، أُعجبت بطريقتك الساحرة في استغلال اللغة العربية التي قالوا عنها عميقة فولدت منها صورا رائعة.. أُعجبت بطريقتك في استنطاق النفس البشرية كما في مليكة وسعاد وربيعة… والخيال الواسع الذي أطلقت له العنان دون قيد أو شرط.
لكني غاضبة على قتلكلصالح البشير.. لماذا قتلت صالحا وتركت الطالحين يعيثون في الأرض؟ لماذا تركت مليكة وحيدة بدون نشيدها؟ لماذا ضيعت عليها فرصتها الوحيدة في أن تعيش وجودها الحقيقي مع هذا الصالح المبشر؟ ألم تخش يوما أن تُسأل إذا الحلم الموءود سئل بأي ذنب قتل؟
لماذا غيبته على الضفة الأخرى للنهر بشكل ملتبس، وأغرقت أحلام شعب يتوق إلى بر الأمان..آملتُ أن تجعله نوحا يبسط سفينته ليعبر بنا بعيدا عن الاستغلال والاستعباد وليأت الطوفان على الفاسدين والكافرين بحقنا في الحياة والعيش الكريم.
أدمعت عيني عندما تركت مليكة النشيد وحيدة، مليكة هي أمة بأكملها في أمس الحاجة إلى صالح، ما جدوى أن تترك بأحشائها بذرة صالح يا عزيز لم يعد فينا صبر للانتظار حتى يكبر صالح جديد قد لا يكون مبشرا؟ أمكتوب علينا في هذا البلدالسعيد في المبنى فقط الانتظار ثم خيبة الآمال؟ ومن يدري قد يكبر صالح الجديد ثم يغيبوه هو الآخر، كما غُيب صالحنا السابق على يد طالحين.. وتاريخنا حافل واللائحة متخمة.
رشيدة عنبي

gougas

« ذاكرة الغياب ».. الجسد كأرشيف تاريخ مفتوح، فاعلا ومنفعلا
بوشعيب الساوري

يفترض الغياب بالضرورة حضورا قبله، ويستدعي كذلك الاستفسار لماذا الغيابوكيف؟ هذا ما يحاول الإجابة عنه السارد طوبة الوجدي من خلال ذكرياته المشتركة مع صالح البشير، إذ يتم الخروج من الغياب، لأن السارد متفهم بشكل كبير لشخصية صالح (عبر الماضي المشترك:الدراسة والاعتقال).. ومستعينا كذلك بمذكرات هذا الأخير ويومياته في منفاه بقرية القنادلة وبرسائله إلى السارد، والعنصر الأخير الذي يضيء هذا الغياب هو مليكة النشيد صديقة صالح البشير من خلال اللحظات التي اقتسمتها معه حتى غيابه النهائي. ومدى الصدى الذي خلفه صالح في نفسها كما خلفه في باقي النسوة، وساعد السارد في تشكيل سيرة صالح وإضاءة غيابه.. تحاول هذه العناصر مجتمعة أن تكون ذاكرة للغياب، غياب صالح البشير: أولا غياب جسده وإقباره بالزنازن، وثانيا غياب روحه في منفاه بقرية القنادلة وثالثا وأخيرا غيابه في النهر الذي أخفى معلما قبله.
ذاكرة الجسد
هنا الجسد أرشيف تاريخ، كل شيء منقوش عليه، كما أنه جسد للبوح ونافذة على الغياب، وبذلك يمكن الحديث عن الجسد في هذه الرواية من خلال مدخلين:
الجسد منفعلا: في فترتين: فترة السجن، وما مورس على جسد صالح من تعذيب كلي: « ثم صرت ألتوي تحت سياط الكرابيج والشحنات الكهربائية فأعوي مثل ذئب جريح، فيما ظل السرير الإسمنتي يصعد البرودة الصاعقة إلى عمودي الفقري (…) كان الضرب يزداد مصاحبا بالإهانات التي أحس معها بقوة خارقة للمقاومة، لكن جسدي كان أضعف من أن يحتمل » ص: 31 ـ 32) كان ذلك نهاية للجسد وإقبارا له « منذ أن ووري جسد صالح في غياهب السجن انقلبت أحوال العائلة (ص 47) ينقل إلينا هذا عبر مذكرات صالح التي شخصت لنا مشاهد من طقوس التعذيب.
ما يميز هذه الفترة هو الانفعال الكلي للجسد بتعذيبه وإقباره: « ككل كنا نحس ونحن في شهورنا الأولى للمعتقل بأننا مفصولون عن العالم الخارجي كليا، وتحولت شراسة الجلادين إلى نوع من التعذيب المجنون إذ سنوا وليمة إضافية للاحتفال بفجيعة الأجساد الدامية تحت لسعات السياط والكرابيج والضحكات الهازئة التي تملأ الجو فرحا بمأدبة الطعام الآدمي » (ص 74).
خلال فترة التدريس بقرية القنادلة، يكون جسد صالح خزانا للحوادث الفاجعة، للخدوشات والضربات والاصطدامات مع واقع القرية الصعب والقاسي على صالح. رغم أنه أقبر جسده بالسجن يبقى ما تبقى منه معرضا للحوادث، أصيب بجرح في يده (ص: 37)وهنا التعذيب جزئي يقع على الجسد كأطراف (يد، رجل، صدر، رأس…) وغير مقصود بل يأتي بالصدفة على عكس التعذيب بالزنازن، بما في ذلك تعرضه لهجوم قطاع الطرق « تقدم نحوه ثلاثة أشخاص لم يدر كيف طلعوا من الأرض ولم يستطع تبين ملامحهم بدقة (..) ركل صالح الشاب الماسك بالسكين في بطنه وعالجه بلكمة قوية على الوجه حتى آلمته أصابعه (ص: 30 ـ 31) ينكتب هذا عبر يوميات صالح بمنفاه بقرية القنادلة.
الجسد فاعلا
بالمواخير رفقة النساء حيث كان الجسد الأنثوي ملاذا لعذابات الجسد الذكوري. وهي اللحظات التي قضاها صالح هروبا من صعوبة الحياة بالقرية وتعويضا عن الوحدة والنفي. ماذا كان سيساوي العالم بدون امرأة؟ فحتى لو صح أنها أخرجت آدم من الجنة، فهي الآن جنة الأرض » (ص: 34).
وخصوصا الممرضة مليكة النشيد التي ضمدت جراحه وكانت نقطة ضوء في ظلامه الطويل بقرية القنادلة: « ساقته إليها ظروف غامضة فوجد نفسه يفتح الباب الموصدة. ويطل من جراحه على بريق أضواء تشع كاليراعة » (ص: 25).
لماذا كان الجسد فاعلا؟ لأنه كان أرضا للبوح عند تماسه مع أجساد النسوة، فكان وراء تناسل مجموعة من الحكايا فتبوح كل النسوة بحكاياهن (مليكة، ربيعة، سعاد، حليمة)… فكان وراء كل تماس حكاية.
بذلك كان جسد صالح فسحة للبوح ونافذة على الغياب والممتنع عن التفكير، إذ تبوح كل النسوة اللواتي قابلن جسد صالح بما علق بأجسادهن، بإعادة الاعتبار للأشياء التي تفعل فعلها دون أن تظهر في الأفق، للمهمش وخصوصا المومسات.. هاته الفئة المهمشة ومالها من دور في المجتمع.
بذلك تكون الرواية بوحا بالمهمش وإزالة للستائر بإعطاء فسحة للذاكرة فيحضر الغياب: « بالحكي نبرأ من آثامنا، بالحكي نشفى من هزائمنا نقتل الناس ونحييهم، فللحكي سلطة لا متناهية في مسالك حياتنا (ص: 112 ـ 113)، يحضر واقع صالح أو منفاه ويزال الستار عن واقع البغاء: « لم أستغرب هذا المشهد لكثرة ما سمعت من قصص البغايا » (ص: 112) عبر مصالحة الجسد.
ذاكرة الروح
نتحسس المكان عبر الجسد، عبر الاتصال المباشر للجسد بالأشياء، عبر الحواس، إذ عين صالح معلما بإحدى القرى الجبلية بضواحي أزيلال، والتي لا يعرف عنها أي شيء، فلا يجد أي شروط للتعايش.. يحاول خلق ألفة مع المكان وظروفه أقوى من استعداداته، فكيف لمعلم لم يعرف عن المنطقة أي شيء ويذهب ليدرس بها في غياب أي شروط للتواصل يدرس بمنطقة أمازيغية « وجدت نفسي أمام مغرب لا يعرف مغربه » (ص: 35).
كما أن المكان مقصي مهمش فقير: « فبدت له القرية الذابلة جغرافيا هاربة من خرائط العالم، كان كل شيء من حوله يعطيه الإحساس بالحرمان فعادت إليه كل الملامح والنظرات التي تحمل لعنة الفجيعة » (ص: 36) يتم التعبير عن ذلك بلغة انتقادية حادة تفسر غياب التآلف مع المكان.
بذلك كانت قرية القنادلة منفى صالح البشير بعد سنوات السجن والتعذيب التي قضاها، فكانت سجنه الثاني « كيف يمكن أن أدفع عن نفسي هذا البلاء بعد أن غار المقام بي في هذا الفقر فصرت لا أقدر لا على جلب نفع ولا دفع ضرر، وأصبحت مشغولا ببدع تنفلت عن السنن » (ص: 75).
هكذا يقبر روحه بالقرية بعدما أقبر جسده بزنازن التعذيب.. كما بالنهر المجاور للقرية إلى الأبد، فكانت ذاكرة لإخفاقات، كوابيس ومخاوف صالح البشير، ذاكرة للروح وكيف كانت نهايتها وإقبارها رغم مقاومتها لعذابات الزنزانات وطقوسها.
تنكتب هذه الرواية إذن، عبر مخزون الذاكرة وعبر اليوميات والاعترافات والبوح، تشكل هذه العناصر مجتمعة ذاكرة صالح وتخرجها من الغياب إلى الحضور، بتماس جسده مع أجساد النسوة فيشرع الباب ويحضر الحكي. هذه بعض خصوصيات المولود البكر لعبد العزيز كوكاس »ذاكرة الغياب ».

82 (2)

حول روايات: زبيدة هرماس، سعيد بن سعيد العلوي، عبد الإله بلقزيز، عبد العزيز كوكاس:
الحلم والذاكرة والغياب في الرواية المغربية

• أسماء نافع

في إطار أنشطته الثقافية المتواصلة نظم « مختبر السرديات » بتنسيق مع ماستر الدراساتالأدبية والثقافية بالمغرب لقاءً ثقافيا ،دارت فصوله حول موضوع: « تخييل التاريخ فيالخطاب السردي الروائي المغربي »، يوم الجمعة 13 ماي 2011، في الساعة الثالثة زوالابقاعة المحاضرات بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء؛ و قدأدارت الباحثة مستحية القاسمي أشغال الندوة التي عرفت مشاركة أربع باحثات حاولنإلقاء الضوء على أدب يرتبط بالتاريخ، يغوص بنا بعيدا في الذاكرة والغياب.
الورقة الأولى في هذا اللقاء قدمتها الباحثة نادية شفيق، حول رواية « حب علىرصيف القرويين » للكاتبة زبيدة هرماس، عنونتها ب(تاريخية البطل وإشكالية البطلالتاريخي )، إذ ترى الباحثة أننا إزاء مغامرة فنية جديدة هاجسها الانتقال منالرواية بوصفها سردا لما حدث، إلى الرواية بوصفها بحثا في ما حدث وتأويلا له، عبرتقنيات تستثمر إمكانات الرواية التقليدية وتتحرر منها في آن واحد.. فقد أفصحت الروائية زبيدة هرماس عن رؤيتها التي تتشابك فيها التجارب وتتجاذب فيها الأحداث، متخذة من التاريخ مادتها الأساسية لصوغ خيوط عملها الفني، فهي لم تنقل التاريخبقدر ما ساوقته مع شخوصها مُعرجة عبر الذاكرة والتداعيات مستحضرة مناخات تلك المرحلة المشكلة لبنية روايتها وشبكة علاقاتها بقصد رصد وفهم التبدل المتسارع، محاولة اقتحام عوالم مغايرة على مستوى الفكرة والحدث وآليات السرد، فتوسلت عبر كلذلك تصوير الأمكنة كمسجد القرويين، وبناء المشاهد و تركيب الحوارات، ساعية خلفالرغبة في الإمساك بزمام دلالة الألفاظ، في قالب محبوك وهو ما طال الرواية،حيث تعمقت في الأمزجة وصاغت ردود أفعال شخصياتها و نزلت إلى تمفصلات المجتمع المغربي لتخلق نصا إبداعيا ثمرته وحدة التجربة الإنسانية.

و قد اختارت الباحثة كريمة رضواني، « شمس الذكرى لا تغيب  » عنوانا لمداخلتها التي تمحورت حول رواية « مسك الليل » لسعيد بن سعيد العلوي، معتبرة رواية مسك الليل مخزونا لذاكرة الكاتب الذي عاش على أمل توليدها في قالب روائي، مخزون مفعم بحمولات سياسية تاريخية، يحملها الكاتب ف يمخيلته ليصور انطلاقا منها واقعه التاريخي، واقع عاشه مجتمعه في فترة معينة، كما رسم فيها جغرافية وعلائق بلده الذي شكل قيمة و أصبح ذا وزن عند غيره من الفرنسيينالذين استفادوا من خيراته و طبيعته ورجالاته، كل ذلك انطلاقا من تطرقه لمجموعة نقط أبرز من خلالها الوضع السائد آنذاك.
وترى الباحثة أن الكاتب لم يعين بطلا لروايته، فكل شخوص الرواية أبطال.. رجالا ونساء و أطفالا؛ وما هذا في نظرها إلا دليل على الدور البطولي الذي لعبه معظم المغاربة في مرحلة الاستعمار.
تلت، بعد ذلك، الباحثة حسنى كرون مداخلتها تحت عنوان: »نفحات الذاكرة في رائحة المكان »لعبد الإله بلقزيز، وهي ترى أن الرواية سيرة أدبية تعريفية لأهم الأجناس الكلامية ولأهمالمفاهيم البلاغية مثل البيان النظم والسجع والنثر والشعر والكتابة والقراءة وأيضا للمفاهيم الفلسفية مثل الوجود الحياة و الحرية …. فرائحة المكان هي فعل للتذكر، واسترجاع لزمن ولى من ومضات حياة مليئة بالأحداث وصلتنا عبر الكلام الجميل الذي يرصعاللغة ويهتم بجماليتها وأسلوبها مما يتعذر معه التمييز في الرواية بين النثر والنظم.
الورقة النقدية الأخيرة حول رواية: « ذاكرة الغياب » لعبد العزيز كوكاس، قدمتها الباحثة سميرة مترجي، بعنوان: « ذاكرة الغياب: سمفونية الذات والعشق الرحيل « ، معتبرة الرواية تجربة إبداعية تثير الجدل والتساؤل حول البوح والعشق والرحيل.
وقد خرجت ذاكرة الغياب، حسب الباحثة، من أسرار السائد والكائن واتجهتإلى آفاق مغايرة لتعلن العصيان والتمرد على القيم؛ فالرواية تمتلك قدرا هائلا من الوهج والمشاغبة، والحركة والحزن والجمال، والعذاب والغياب.
و في ختام هذا اللقاء افتتح باب نقاش عميق حول التخييل، كآلية من آليات التعبير والتحويل فيالرواية المغربية ؛ كما تم التذكير أن مختبر السرديات هذه السنة قد قارب أزيد من عشرين رواية مغربية متنوعة الأساليب، ويكون هذا اللقاء خاتمة الأنشطة لهذا الموسم حول السرد المغربي .
نادي القلم المغربي – الدارالبيضاء

83 (2)

استراتيجية المحكي بالذاكرة في « ذاكرة الغياب »
إبراهيم عمري
بإمكاننا أن نجاري صالحا عندما انتهى به منطقه إلى أن نفي النفي لا يفضي سوى إلى نفي مضاعف.. لنقول بدورنا، على المنطق نفسه، أن إثبات الإثبات يفضي حتما إلى إثبات مضاعف، غير أن ما أمدنا به المكلف بالسرد من وقائع وأقوال لم تنته، في آخر المطاف، سوى إلى عكس المنطق المذكور، فرغم معرفة طوبة الوجدي الدقيقة بحياة صالح ـ عكس ادعائه في التصريح المضلل ـ واطلاعه على خبايا مشاعره ونواياه، ورغم ما ينبعث من فجوات النص وشقوقه من آهات اليأس والقنوط، وإشارات اللاجدوى والانتفاء، احتفظ صالح البطل ببذرة أمل في رحم مليكة هوى بها صرح منطقه ذلك الذي روج له العنوان علانية، وهو منطق النفي والغياب والموت، لصالح المنطق الثاوي سرا خلف حجب النص، وهو منطق الحضور والاستمرار والحياة.
إننا نسعى من خلال قلب منطق صالح أولا، ثم الانتصار لما انتهت به الحكاية على حساب ما ابتدأت به ثانيا، إلى الإقرار بأن الأمر يتعلق في الحقيقة بحضور جارف وكاسح للذاكرة التي قاومت السديم والنسيان بكل ما أوتيت من ضعف وهوان.. أي الذاكرة بوصفها موضوعا للسرد وأداة له في الآن نفسه، فبخلاف ما قد يوحي به العنوان من كون الرواية رحلة تؤرخ للغياب وملاحقة خيوط التلاشي في شعاب الذاكرة، تثبت استراتيجية السرد أن الذاكرة في الرواية المحتفى بها هي دال المحكي ومدلوله.. فالذاكرة لا تفقد أبدا ما عاينته وما عايشته، غير أنها لا تستحضر الوقائع والمشاعر والهواجس السابقة وفق تسلسل سببي أجوف أو تبعا لانتقاء منطقي مسبق، بل تستعيدها وفق حضورها في الذهن، ولذلك ليس غريبا أن نعاين كثرة الارتجاعات والفجوات والحذف، وليس غريبا كذلك أن نعاين كما لافتا للانتباه من عبارات التذكر: « فيم ظل صالح غارقا في تأملاته..، أخرجته من وعثاء شروده أصوات شحاذين..، غرق صالح وسط أحاسيس وتداعيات…لم يفق صالح من انزلاقه الوهمي… أذكر الآن كل التفاصيل بمدينة وجدة… يعود صالح من شروده..، كان صالح يحاول أن يتخلص من ثقل الذاكرة وجراحها… أحس صالح بجراح الماضي تقفز كلها وبدفعة واحدة إلى ذاكرته.. » إلخ، حيث كانت هذه العبارات وغيرها مسوغا للانتقال في الزمن الشاسع للذاكرة دون قيد أو شرط، ومبررا للترحال جيئة وذهابا بين الفضاءات والأمكنة، وكسر الحدود بين الحلم والواقع، ومحو الفواصل بين الخطاب المنطوق والخطاب الداخلي المعتمل في ذات البطل.. إذ لا توجد أحداث مهمة تسترعي اهتمام المكلف بالسرد وأخرى ثانوية يؤثر تجاهلها بالحذف، بل إن الحذف هنا عابر إذ سرعان ما تستدرك الذاكرة الفراغات والثقوب لتملأها.. وقد نتج عن ذلك مجموعة من الانكسارات في هيكل القصة توازي انكسارات ذاكرة صالح البشير وتعكس مكابدته المضنية لاستعادة الحكاية.
إنها اختلالات تلغي انتظام السرد وتحدث في مقابل ذلك اصطداما بين أزمنة متباعدة أحيانا، وكأن السارد لايهتم بنقل الوقائع في حد ذاتها بقدر ما انصب همه الأساس على اقتفاء الأثر الذي خلفته هذه الوقائع في الذاكرة والجسد على السواء، فالجمع في ثنايا خطاب الشخصية بين الكلام والحلم والتذكر والأسئلة والاستيهامات، قد جرد المحكي من بنائه المنطقي المحكم، ومال به إلى الحذف وترك الفجوات كناية على أن الحدث الداخلي يجري في الشعور، كما قال عبد الحميد عقار، وأن الحدث الخارجي يُنتزع من الذاكرة انتزاعا.
ولعل من أبرز مظاهر هذه الاستراتيجية كذلك، تنويع الأصوات والضمائر من خلال المراوحة بين محكي طوبة الوجدي الإطار، ومحكي صالح المتمثل أساسا في المذكرات اليومية، ومحكي مليكة في الأخير، ثم المزاوجة بين ضمير المتكلم الداخلي المقترن بالبوح الذاتي، وضمير الغائب الخارجي الموهم بالحياد. وتفضي هذه التقنية إلى رواية الحدث بوجهات نظر متباينة.. وفي هذه الحالة ينصب الاهتمام ليس على مآل الأحداث مادام قد أصبح معلوما، وإنما على كيفية تبليغها.
إن السارد يوجه بهذا الإجراء، انتباه القارئ إلى دال القصة وليس إلى مدلولها، وإلى كيفية تشكلها وليس إلى محتواها.. وبذلك انتقل التناوب على السرد في « ذاكرة الغياب » إلى الواجهة بدل أن يكون مجرد إطار شكلي لنقل الأحداث، بل إن وجود الأحداث ذاته يصبح مبررا لإبراز هذا التناوب والإعلاء من شأنه في سعي حثيث إلى تدمير سلطة المرجع الواحد والرؤية الواحدة، والصوت المفرد.
لقد جسدت رواية « ذاكرة الغياب »، وهي التجربة الأولى لعبد العزيز كوكاس، نمط الكتابة المغايرة.. وهي كتابة جيل جديد آخذة في النمو، تحتفي بذاتها كما احتفى صالح بظله، وتتمرد عليها كما تمرد هذا على ذاك، واستعصت المعاني العنيفة لانفعالات طوبة على مبنى كلماته، كتابة تبوح بالسر وتفشيه مثلما باح صالح بأحلامه وأفشى السارد سر تفاسيرها ضدا على نصيحة ابن سيرين، إنها الكتابة المضللة والمفارقة في آن: مضللة حيث تصرح بغير ما تبطن، ومفارقة حيث تذوب الذات الكاتبة وتمحي لتمنح المتعة باحتراقها في حياة الآخرين، تماما كما كان صالح دائما بشيرا على القرية بالغيث ورسالة العلم، ونذير شؤم على نفسه.. وإذا كان بطلنا قد اختار موته الرمزي إمعانا في امتلاك الاختيار وضدا على قسرية الحياة، فإن الكتابة عند عبد العزيز كوكاس، شأن تجارب أخرى لهذا الجيل، قد جسدت بانفتاحها وتعدديتها مقتضى تنسيب الحقيقة بشكل جمالي من خلال تنسيب الخبر السردي وتخليصه من وثوقيتهوإطلاقيته تمهيدا لإشراك المتلقي في قراءة حرة غير موجهة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ عبد العزيز كوكاس: « ذاكرة الغياب »، منشورات الغد، الطبعة الأولى 2001.

*هذا العرض ألقي بمكناس بمناسبة اللقاء الذي نظمته جمعية « الوفاء للديمقراطية » احتفاء بصدور « ذاكرة الغياب » بحضور المؤلف.

84 (2)

« ذاكرة الغياب »
شذرات من ذاكرة طفل ظل يركض نحو سماء بعيدة
محمد مفيد

يقول « طوبة الوجدي » أحد الساردين في « ذاكرة الغياب » ـ رواية عبد العزيز كوكاس الأولى ـ عن المعلم صالح: « سيرة المعلم صالح البشير أشبه بمطاردة خيط المتاه، ذاكرة مستحيلة تلتفع بأسرارها وسط حالة النفي القصوى، داخل فضاء مسيج بالسواد والفقر والتشوه، حيث تتناسل الحكاية في رحم الضياع.. ففي رحم السديم المتوحشلقرية جائعة، ظل صالح يراوغ شتاته ويخادع هشاشات مسننة تخدش جراحه… »
ويضيف « إنه مرآة لجيل بكامله يحمل ندوبا كالوشم، جيل ظل يهرب أسئلته إلى مناطق الظل فيما كانت أحلامه تنمو على ضفاف الآمال المحبطة ».
ويقول صالح عن نفسه « تهت في لجة الانكسارات المرصوفة وحيدا غريبا وطريدا، وبكلمة فقد أضعت نفسي في متاهة مشتبكة… والذين حتموا علي هذا الرحيل لم يمنحوني خرائط للسفر أضبط بها إيقاع الرحلة، كل تفاصيل هذه الجغرافيا النائية، ظلت تتآزر من أجل إبادتي، فأحس أني عشت نفي النفي الذي ليس تأكيدا أو إيجابا، بل نفيا مضاعفا ».
صالح مناضل شيوعي غادر السجن ليعين معلما في أزيلال، وهنا سيحس أنه « جسد ملطخ بالرذيلة، وروح مستسلمة للعنة شيطانية، قصبة مملوءة بالفتن، وحصن للفجيعة ولمساءات العويل على مآتم آثمة، سطل قمامة، ثقبة مرحاض، خدعة سخيفة في جذوة المنعطف التاريخي للأزمنة… »
سيعاني المعلم صالح أقصى حالات انكساراته، وسيحمل وطنا متنقلا بين أضلعه، وسيعيش « حصاره » و « غيابه » والفراغ « الذي يمزق الذات حتى ليبدو العبث مجرد سلوك لإدانة العالم المقلوب »، ويصل إلى عتبة الإفلاس ورحيل نساء علمنه الحنين ومداعبة سراب الحلم اللذيذ والطازج « الذي نبت في غفلة عنه مثل واحة في صحراء القلب ثم تلاشى ».
كان صالح مهزوما، وانهارت يوتوبياه وهو يواجه البؤس الذي ينتشر من حوله كالأخطبوط، وسكن غربته وتشرده، وهو يعيد تذكر الأحلام الهاربة والارتجاجات المتتالية في الروح والجسد، وينخطف نحو ومضات الزمن المتسربل بهالة من الحزن… في أزيلال « البلدة الملقحة بالنسيان وكل شيء فيها محاصر بالمحل والموت »، و »عنف المكان » والغبار والقسوة… القرية المتاخمة لحدود الحزن، العارية المتروكة للنسيان ولجميع التشوهات التي « ألف سكانها مشهد الموت والخراب » وذكرته بالتعذيب الذي تعرض له في السجن.
أزيلال « قرية الرداءة والتشوه »، يصفها صالح قائلا: « لا شيء هنا غير الغبار والقسوة، كل شيء يبدو جارحا كنصل السكين..هي « الحداد الوجودي » التي يصفها عباس القنادلي وهو أحد الخاسرين في زمنها البطيء كالموت قائلا: « إن الناس يعيشون حياة رهيبة في هذه القرية، فسنوات الوباء الذي هب مع الريح الشرقية كانت قاسية، حملت معها الموت والفجيعة، كانت أياما سوداء حيث ابتلع القحط خضرة الأرض، فجفت موارد الماء وأصبح العطش يهدد القرية.. التهم الوباء كل شيء وظلت الريح الناحبة تخطف كل مرة صبيا أو دابة أو طيرا.. إن الإحساس بالموت كان ثقيلا… »
في أزيلال الأسيرة سيهرب صالح من الفضاء « المسور بلعنة الكبت والفقر والجهل » إلى حضن مليكة وحنانها، قائلا في بوحه الأقسى: « لقد وجدت عند مليكة صبوتي »، ولأنها تذكره بأزمنة الولادة والحلم وجموح الرغبات وعشق الأمداء البهية فقد سماها « مليكة النشيد ».
« مليكة هي أنيسي التي لملمت تصدع ذاكرتي، وسترت نفسي من لفحة الرمضاء وهبة النكباء » هكذا تغدو مليكة الممرضة تلك الفتاة الوديعة والمجروحة والحلم اللذيذ ليستجير بحنانها من « أعاصير الانسحاق الكلي »، رجل من زمن الخيبات، وتشظي معنى الوطن، حيث ينمو الموت المفتون بتدمير العلائق والأشياء ».
من زمن المنع والحواجز و « الأسرار الخفية والمقدسة » والدم والجراح ورحلة الغواية وحصار الحلم والحب، أتت تلك التي كتب عنها صالح بسهاده وهذيانه قطعة من لحمه الحار، كانت حروف صدقها كما يلي: « هي التي حولت صقيع هذه البلدة إلى فردوس إنساني، بجمال منفرد عبرت متاهتي.. ترى ماذا كان سيساوي العالم بدون امرأة؟ فحتى لو صح أنها أخرجت آدم من الجنة، فهي الآن جنة الأرض، وحسب ذلك تكفيرا رائعا ».
في « ذاكرة الغياب » النص الروائي الأول (لرئيس تحرير « أسبوعية الصحيفة »)، تكتب ذاكرة للغياب المضاعف وقسوة وخراب المكان والناس، عزلة كائنات قتلها الهامش وقسوة الطبيعة وتقليدية سلطة تبجل قيم الموت وعقاب الراغبين في حياة على مقاس جنونهم ودم أعاليهم..
أية لغة تطاوع هذا النزيف النبيل؟؟
أية لغة لقول الحزن واليباب وانقراض السماء هناك؟؟
أي حروف تسند « ربيعة » و « نزهة » و « سعاد »، صالح شاهد هنا على ذلك القتل الوحشي « وهو الطفل الذي ظل يركض نحو سماء بعيدة يعلق على أفقها كل الأحلام » وترك « بذرته » تنمو شيئا فشيئا داخل رحم « مليكة النشيدة » ـ النجمة التي تنهض من بين الخرائب لتضيء عتمات دروبه ـ تلك البذرة التي تنمو بطيئا لسد شراسة الفراغ وشساعته الموحشة، وترك الأسئلة الحارقة: هل ندفن موتانا جيدا؟ هل نواريهم التراب دون أن يستقروا في أذهاننا؟ ولماذا يصرون على ترك تسجيل ما قالوه وتحليل ما فعلوه لنا نحن الأحياء؟
قال صالح الحزين المنتمي لسلالة « سنوات الحديد والنار » والذاكرات المشحونة ببلاغة الهزيمة و « صهيل الخيول الجريحة »: « آه لو انقاد العالم لحظة واحدة لنواياي ».. وكانت نواياه حضور البحر وليمة الرفاق، والاستمتاع بسجائر الهزيع الأخير من القصائد، واقتسام مساءات المطر مع نساء لذيذات كرمان العيد البعيد.
قال صالح في فجر ذلك اليوم: « يجب أن أقطع هذا النهر إلى آخره دون أن ألتفت إلى الخلف ».. « فهل مات فعلا في مدارات غامضة؟ »
هذا سؤال رفيقه الذي تحمل عبء حكايته، وقد يكون سؤال عبد العزيز كوكاس المنتمي لجيل الحداد الكبير.

58E881~1

قراءة في رواية « ذاكرة الغياب » لعبد العزيز كوكاس
مرثية الجيل الثالث: يوميات الهامش والشبق واللعنة
محمد أمنصور
تتقدم « ذاكرة الغياب » لقائها باعتبارها رواية الحياة اليومية لمعتقل سياسي سابق صار معلما، بحيث تتعقب مظاهر عجزه عن الاندماج في النسيج المجتمعي ومختلف أشكال التدبير اليومي لعوائق معيشته الصعبة في عالم قروي (دوار القنادلة) مهمش وخال من كل حوافز الحياة إلا ما كان من أسباب التعويض والهروب، وأول ما يُلفت النظر في مستهل النص، التصريح الذي يقدمه السارد قبل الشروع في الحكي، حيث يقول: « ظلت الكتابة بالنسبة لي تجربة مرتبطةبعبقرية خارقة، وبمؤهلات لا أملكها » (ص5) وهو ما يكشف حضور وعي نظري بمفهوم الكتابة لدى « المؤلف »، يعلن عن ذاته عبر الفاعل السردي الأساس (طوبة الوجدي)، طبعا، المنحى الذي سيأخذه المنجز النصي سوف لن يكرس مفهوم الإلهام العبقري في الكتابة بقدر ما سيميل إلى ترسيم معالم صنعة روائية مبنية على مقتضيات فنية وأوفاق ذات طبيعة مادية، يتمثل أولها في اختيار ما يسمى عادة بمفهوم الواقع، إنما أي واقع، وبأي معنى؟ أو واقع من؟ ولن نقول إنه واقع المؤلف عبد العزيز كوكاس لأن الميثاق السردي (رواية) المعلن على ظهر الغلاف يبعدنا عن مقصد السيرة الذاتية، ولو أن الإلهام الكبير للنص، والقراءة الخطية لمادته السردية يغربان بالوقوع في فخ المطابقة بين سيرة الشخصية المحورية وسيرة المؤلف!

ذاكرة الغياب » سيرة، نعم، لكنها سيرة غيرية، فالسارد الذي يعلن منذ البداية أنه يتهيب الكتابة ويعي خطورتها يبرر إقدامه على تجميع وقائع وعناصر سيرة صالح البشير بما يسميه « الالتزام الأولط، وهذه العلاقة القائمة بين طوبة الوجدي وصالح البشير هي ما يشكل المفتاح الأساس لفك شفرات هذا النص او بعضها على الأقل، من قبيل السؤال الأجناسي الذي يبعث على الاستفهام: – أين تبدأ السيرة في هذا النص وأين تنتهي؟ أو كيف يتفاعل ضمن بوثقة (ذاكرة الغياب) جنس السيرة مع جنس الرواية؟
تنقسم رواية عبد العزيز كوكاس إلى أربعة أبواب وخاتمة:
– باب في « صفة الرائد والقائد وما ضارع ذلك أو شاكله.
– باب في ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء
– باب في ذكر بعضأثار الرحلة وقرب المال.
– باب في من أحبت رجلا لم تستحسن بعده غيره ممن يخالفه.
– فصل الختام.
وهي تعكس التقطيع المعماري الظاهر للمادة السردية في الرواية، على أنه منذ البداية (أي من مناصات الأبواب) يتضح أن إطار السرد ينبني على اشتغال مركب، يتمثل في اضطلاع السارد بإعادة بناء سيرة وشخصية صالح البشير بناء روائيا انطلاقا من ذخيرة الدفاتر والرسائل والمذكرات واليوميات التي تركها، فالاشتغال بهذا المعنى، يعتمد مبدأ الاستعادة (استعادة الأزمة والأمكنة التي تشكلت فيها سيرة شخصية صالح البشير)، ولو أنها استعادة من نوع خاص يتحرز فيها الفاعل السردي من أي وقوع في شرك الأسطورة أو البناء البطولي، يقول: « صالح هنا ليس بطلا، إذ يوجد في الواقع أبطال عمالقة يفوقون خيال أكثر الكتاب إبداعا ومهارة، صالح هنا مجرد حالة ترسم خريطة ذاكرة مستبلحة (ص7)، ويضيف: « إنه مرآة لجيل بكامله يحمل ندوبا كالوشم »، فما معنى نفي البطولة عن الشخصية المحورية في هذا النص؟ وكيف نفهم هذا التوجيه القبلي من لدن السارد لكي نقرأ في شخصية صالح ضمن مفهوم الجيل؟ قبل ذلك، لابد من فك بعض اشتباكات خيوط اللعبة السردية. فالسارد (طوبة الوجدي) الذي يبدو منذ الوهلة الأولى عالما بكل شيء، وصاحب رؤية فوقية، شمولية، لا يلبث في الفصل (أو الباب) الرابع أن يتحول بشكل أوضح من السابق إلىشخصية مشاركة، حيث يلتقي بإحدى شخصيات الرواية الأساسية (مليكة) الممرضة التي كانت تربطها بصالح علاقة غرامية مثيرة، وهو اللقاء (الحوار وتسجيل شهادة) الذي سيتم بعداختفاء صالح في النهر. إنه تحول ملموس في مسار التأطير السردي يجعل من بناء شخصية صالح يتأسس على عدة منظورات متقابلة ومتكاملة في آن: (منظور السارد طوبة/ منظومة صالح من خلال حكيه المباشر في بعض وثائقه (اليوميات – الرسائل – المذكرات/ منظور مليكة باعتبارها واحدة من بين أهم الشخصيات النسائية في الرواية).
وبهذا التعدد في مستويات الخطاب، تكون الرواية قد أفلحت في الانفلات من قبضة السارد –الإله، العارف بكل شيء!.. أي أنها جعلت من وحدة القصة – وتحديدا، وحدة بناء الشخصية المحورية تخضع لتعددية الخطاب. هي إذن لعبة مرايا يُضيء بها التأطير السردي المركب شخصية صالح البشير من الخارج والداخل، من منظور الصديق ومنظور العشيقة، وقبل هذا وذاك، من المنظور الذاتي الذي تعكسه دفاتره وأوراقه التي تحدد بدقة كيف ينظر صالح لنفسه.
إن (طوبة الوجدي) يظل مع ذلك فاعلا سرديا حاسما في مختلف أطوار الرواية، فهو يتدخل باستمرار ليرسخ المسافة القائمة أو المفترضة بين خطابه وخطاب صالح البشير، يقول: « الآن وبعدالذي حدث، لست قادرا على استيعاب تلك الأحاسيس التي ولدتها الرحلة الأولى صالح إلى أزيلال، والتي ظلت تراوده باستمرار كلما عبر سد بين الويدان، ما كان يسميه هو نفسه: بـ « عنف المكان » (ص3)، فالتدخل هنا لا يقتصر على ترتيب أو إعادة تنظيم وتبويب المادة الحكائية المرتبطة بسيرة صالح بقدر ما هو تدخل تقويمي – توجيهي، لا يتردد في صياغة أسئلة تُضمر أجوبة ضمنية، من قبيل: « هل عذاب صالح يعود إلى شعوره بنوع من الإخصاء المزدوج، ذلك الانخطاف الغريب نحو ومضات الزمن التسربل بهالة من الحزن؟ أغلب الظن أن مرد ذلك يعود إلى كون صالح كانت له عينان مجهريتان تنظران إلى الوقائع البسيطة وربما التافهة، كأنها أمر جلل! » (ص:4).
إن تدخلات وتعليقات السارد (أو صوته) تتوازى وتكاد تتناوب مع صوت الشخصية المحورية صالح البشير، مما يجعل التداخل إحدى خاصيات التنظيم والتأطير السرديين، وهو مظهر لا شكل استثناء في عملية البناء النصي، إذ يكاد يشمل مجمل مسارات النسيج السردي، حتى ليُمكن الحديث عن دينامية سردية في مجموع تكوينات النص مبنية على الانشطار والتوازي والتداخل بين الأزمة والأمكنة والأوضاع والحالات، من هذا المنظور، فإن شخصية صالح البشير قد لا تكون سوى الشخصية الروائية المقابلة لشخصية معلم سابق مات في النهر قبل مجيئه. وتتعدد مظاهر التوازي والتقابل مما يجعل المنحى العام للسرد ينبني على مبدأ المراوحة بين الماضي والحاضر في اشتغال متواصل للذاكرة (ذاكرة السارد، وذاكرة صالح، وذاكرة مليكة).
إن آليتي التوازي والتقابل تجعلان كل ما التقطته حواس صالح ومداركه في أزيلال من معاينات ووقائع تجد صدى في تجربة الاعتقال السياسي سابقا، لدرجة التماهي وانتفاء الحدود، فالدخول إلى مدرسة القرية البئيسة يعادل ويوازي الدخول أيام الجامعة إلى السجن. وعذاب الحياة اليومية في دوار القنادلة يوازي ويضاهي عذاب الحياة السجنية في المعتقل… إلخ، وهي توازيات سردية أنشطارية مبنية على جدلية التماهي والتمفصل بين زمنين: زمن الذاكرة وزمن الواقع الحي، يصل بينها خيط دقيق متصل تعكسه الفضاءات على اختلافها وهو (خيط) الهامش (الهامش الجغرافي، والهامش الاجتماعي، والسياسي… إلخ).
من جهة أخرى، يحضر الطابع المونولوجي لبعض مسارات الحكي مع التعدد في استنطاق ذاكرة عدة شخوص، وهي مونولجية تتأخى مع ديناميتي الشعرنة والتهجين.
***
إن لهذه الرواية لغة لافتة بالنظر إلى طابعها الشاعري وقدرتها التصويرية الباهرة، فهي في توغلاتها الوصفية وتدفق مستويات تشخيصها الأدبي لفاضاءات مختلفة تتوزع بين طبوغرافية القرية، وطقوس المقهى، أو السوق، أو المبغى، أو الحانة، أو الحمام، أو العرس، أو السجن… إلخ، كثيرا ما تدرك مدارج لغوية باذخة التصوير الحسي (المجازي – الاستعاري9، من قبيل القول: « لقد وجد نفسه مثل حية تسلخ جلدها عند خروجها من جحرها في أول الخريف! » (ص:12)، أو « كان جسده يتدحرج ككرة ثلج تضيء كوة في ذاكرة العتمة » (ص:12).. إلخ… وهي لغة قد تمتد شعرنتها إلى مستويات أخرى مثل الحوار، كان نقرأ من الباب الأخير حوارا لصالح مع مليكة النشيد يتبادلان فيه الحديث (أو النجوى) على الشكل التالي:
– هل يجب أن نسلِّم عشقنا للرياح الموجعة القادمة من ضمور الذاكرة؟
+ عشقنا ليس وليمة يا صالح ولا طعما لنيران الأحلام الضائعة!
– ولكن كيف يمكن للشخس أن تنهض دون سماء؟
+ كما الثريا يا حبيبي، ينهض حبنا من شرفة شهية! » (ص:173).
ومع امتلاك هذه القدرة الشاعرية السارية في دماء اللغة، تنفتح (ذاكرة الغياب) على سجلات متنوعة تُهجِّن الأفق المونولوجي، وتكسر السلالة الشعرية بشكل شبه منتظم، كان يتم توظيف النص القرآني على المنوال التالي: « علي أن أصنع قاربا جديدا أحمل عليه من كل زوجين اثنين من متاعي الزهيد حتى (إذا قيل يا أرض إبلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء) » (ص:64)، أو محاكاة الرسائل الديوانية سجعا وتركيبا لغويا، أو استقدام نصوص لان سيرين من كتابه (تفسير الأحلام) وجُلها تتخلل سياقات متعددة ومتنوعة من النسيج النصي، أو توظيف الزجل الغنائي، من قبيل:
أح على قلبي شاخ وراح
وما صاب على من يتلاح
برد الصباح هواني
وبرد العشية سطاني
كون صبت أضويلحتي
كون درتك في القلب الوسطاني (ص:88)
أو توظيف الدارجة، أو استقدام الشعر التراثي الفصيح.. إلى غير ذلك من التوظيفات التي تكسر المنحى المونولوجي العام الذي توهم به خطابات وتأملات صالح المباشرة مع نفسه.
إن هذا التعدد والغنى في أساليب السرد وقوالب الكتابة (اليوميات/ الرسائل/ المذكرات…) في نص تبدو مادته الخام في الظاهر بسيطة بساطة مضللة، هو ما يجعل النسق اللغوي لهذه الرواية خصبا ومتناميا في إطار دينامية تتراوح بين الشعرنة والتهجين، بين المونولوجية وأفق امتلاك انفتاحية اللغة.
***
على مستوى آخر، تشتغل رواية « ذاكرة الغياب » بشكل ملفت على المكون الإيروتيكي من خلال التنويع على موضوعة الجسد، وهو جسد متعدد، باذخ وبئيس، ذكوري وأنثوي، فاسق ومقدس، حيواني وإنساني، جسد – أجساد موزعة بين فضاءات السوق والمبغى والحانة والمستوصف والحمام والمدرسة والسجن.. غلخ، وما أكثر ما يشكل هذا الجسد أو ذلك مادة أو مدخلا للتأمل الروائي بما يضفي على السرد طابعا تفكيريا، نقرأ: « فكرت: كيف يجمع الحمام كل هذه الأجساد التي يقيم كل واحد منها في زمن خاص؟ أحساد مختلفة في أمانيها وأحزانها، في المسارات التي تفتحها في درب الحياة تتوحد كلها في نكهة العري الأولى! » (ص:70).
وقد بلغ هذا التأمل الروائي في الجسد مرتبة الحديث عن مفهوم مبتكر هو « الحمام الخثنثى »، نقرأ: « لمست أناملي خصلات شعر أنثوي، فأيقنت أن الحمام عمومي يُستخدم مناوية بين الرجال والنساء! استغرت لهذا الحمام الخنثى، وفكرت: كم من جسد أنثوي أنطرح هنا، في نفس المكان الذي أتمدد الآن فيه؟ ترى هل جلست هنا ربيعة أو حليمة أي اختلاط يُتيحه الحمام المزوج بأنفاس الأنوثة والذكورة؟ » (ص:96)
أما ذروة التجلي الجسداني المؤسس على منظور سُخري مُبطن وحاد، فيتمثل في المنحى الشبقي الماجن والعجائبي الذي تأخذه عملية مضاجعة المعلم (رسول المعرفة صالح البشير) لأثتان المعلم المعطي جاره. وهي واقعة يتداخل فيها التشخيص الأدبي بالمنزع التأملي، بالنيرة الساخرة، يقول: « ترى أي تفاعل بيولوجي يحدثه دخول جسد ناطق في جسد أبكم! هل ستلد هذه الآتان من نطفة غريبة عن جسدها؟ هل يمكن أن تلد كائنات تحمل جزءا من نباهة الإنسان وقليلا من بلادة الحمار؟(…) إلى أن يدخل ابن سيرين على الخط ليعلن أنه يُفضل المار على سائر الدواب

59E883~1

تعالق الجسدي والإيديولوجي في الإبداع الروائي من خلال « ذاكرة الغياب »
أحمد لطف الله
تأتي رواية « ذاكرة الغياب » مساهمة في تأثيث ذاكرة المتن الروائي المغربي، وملمحا على عدم غياب هذا الجنس الأدبي الرفيع عن ساحة الإبداع المغربي، تأتي نصاً إضافيا محمّلا بقضايا فكرية وفنية متعددة، وتأتي أيضا حكيا منتشَلا من قبضة ذاكرة أغارت عليها الجراح فاسودّت جدرانها من الأحزاب والآلام.. إنها رواية سواد سديمي، وأسى بائس، وسقم يائس، ومع ذلك تصرّ – ما دامت قد طلعت علينا في حلّة مطبعية أنيقة – أن تبت في ذواتنا متعة فكرية وانتشاء نفسيا.
****
تعتبر « ذاكرة الغياب » رواية مسافات ألْهبت ذاكرة السارد بسياط التذكر حين استحضر تفاصيل رحلة العذاب لبطلها « صالح البشير ».. أما صاحبها، عبد العزيز كوكاس، فهو أستاذ وصحفي كما ورد في تعريفه على ظهر غلاف الرواية، وروائي وصحافي سياسي، ما دام يترأس تحرير « الصحيفة »، وهي أسبوعية مغربية، ويحرّر عمودها الموسوم بـ « البوح الممكن »، فإنه بذلك قد دخل عالم السياسة من أقرب أبوابه وضوحا وعَلَنا، وهو باب الصحافة.
وللصحافة كما أعتقد، تأثير قوي على الأدب، خاصة الرواية، التي تشارك المقال الصحفي سمته النثرية، كما أن الروائي/ الصحفي متمكن من المادة الحكائية الواقعية بحكم مهنته ومعانقته الدائمة لهموم الواقع والناس.
غير أن للكتابة الصحفية في الحقل السياسي عدة خصوصيات منها: استعمال المعجم اللغوي السياسي، وعدم مراعاة البناء الفني، لطبيعة المادة السياسية التي لا تخاطب الذوق ولا يرجى منها تحقيق المتعة، ولخضوع هذه الكتابة لنهم المطبعة حتى لا تخلف موعدها مع القارئ.
ومن شأن هذه اللغة الصحفية أن تتسرب إلى العمل الروائي، غير أن مما حصّن هذه الرواية في نظري، وأكسبها روائيتها ورواءها، لجوء الكاتب إلى لغة شعرية فتتت صلابة النثر، ثم اشتغاله الفني على تيمة الجسد.
****
ذاكرة الغياب والبحث عن إيديولوجيا جديدة
ما يلفت الانتباه في هذه الرواية، تزاحم الثيمات وتكّدسُها بكثافة عبر تواتر السرد، ومن هذه الثيمات نذكر: غواية الجسد الأنثوي وبوحه، ذبول الجسد وانطفاؤه، صورة المناضل والمعتقل السياسي، الحب بين الخيبة والأمل، سؤال الموت، محن رجل التعليم، إشكالية الوجود… وهلم جراَ.
فهل أرادت هذه الرواية أن تقول كل شيء؟ أم أنها شظايا ذاكرة أثخنت بالطعن والهزيمة، فامتلأت عن آخرها أحزانا ومآسي، ثم انفجرت جراحا تسيل على ذاكرة البياض؟
هل أراد أن يتذكر – هنا والآن – كل ما كان غائبا ثانويا في الذاكرة؟ أم أنه أراد تغييب هذه الذاكرة المؤلمة بنسفها على الورق، ما دام التذكر سبيل النسيان؟
ليس مطلوبا من الروائي أن يجيب عن هكذا أسئلة، ما دام قد فتح أمام القارئ ذاكرة إبداعية تجعله يغيب بين تلافيف هذا العمل الروائي.
لقد اختارت هذه الرواية، مثل العديد من النصوص الروائية التي سبقتها، وأذكر بالخصوص مجمل روايات الراحل محمد زفزاف ورواية: « ذاكرة الجسد » لأحلام مستغانمي، الرغبة في مَوضعة الذات بين الحلم والذاكرة، الأمر الذي جعلها تسير – بوعي منها أو بدونه – بخطى حثيثة وفق ما خطّه أحد أكبر منظري الرواية، وهو جورج لوكاتش في كتابه « نظرية الرواية »، والذي يؤكد على اتصاف البطل بخاصيتين متناقضتين: الانصهار التام في العالم، والقطيعة الجذرية معه، حيث ينغمس في ضحالة هذا العالم، وينقطع عنه ويغيب، لأنه يبتغي عالما آخر أرقى وأجمل، وبذلك تكون الرواية رحلة بحث عما يسميه لوكاتش بـ « القيم الأصيلة »، قيم ذات دلالة مغايرة لما يوحي به لفظها، لأنها من صنع البطل نفسه، كما أنها تختلف من نص روائي لآخر، ونأخذ مثالا لذلك بمفهوم الوطن والمواطن اللذين يحددهما البطل صالح البشير انطلاقا من تجربته الخاصة، فالانتشاءات العرضية التي جعلته يتوحد بعدة أمكنة، ما هي إلا ملاجئ احتمى بها من قسوة الذاكرة وجبروتها، ورسم فيها نسخا مشوهة لأحلامه، فلم تقدم له هذه الأمكنة التي احتوته في مدينتي « وجدة » و »أزيلال » أمان الوطن الذي أصبح له مأوى جديدا تضيق عنه حتى حقيبة السفر، لتسعه الأضلع، كما أن المواطن هو ذلك الشخص الذي يستعير من الريح قوتها التي تنبع من تنقلها الدائم، حتى يضع من يقف في طريقه أمام خيارين لا ثلاث لهما: الفناء أو الانحناء.
وفي مقام آخر نجد « صالح البشير » يغدق على مومس عجوز لقب « الحاجة » ويخاطبها قائلا: « أيتها الإنسانة الطيبة، لو كنت أملك لأعدت لك عمرك لتعيشين حياة أبهى.. إنك خير من ألف من الأدعياء الفاجرين الذين يأكلون أموال الناس ويسرقونهم بغير حق، كيف ينعتك هؤلاء المعتوهون بالفاسدة؟ كيف يتجرأون على وصمك بالعار وأنت سبب صلاحهم؟ أنت التي تطهرينهم من تلك الدودة التي تحرق خصياتهم، لولاك لانقض الأخ على أخته والرجل على زوجة صديقه، وعندما تُنَظف خصياتهم وتلفظ دودها الفاسد، تشتغل عقولهم صفاء ويعودون إلى أداء واجباتهم على أتم نشاط؟! »
نجد أنفسنا هنا في صميم بؤس العالم، وأمام مقاييس جديدة لمساءلة القيم، أو أمام محاكمة القيم الماضية ونقدها، بتجريدها من الإطار التاريخي، وصبّها في قالب الواقع الحاضر، ليتسنّى إدراك موطن العطب، فـ « صالح البشير » لا يرفض ماضيه فقط لغوره في الزمن، بل لأنه ماض مناقض حتى لماضويته، يقول محاكما سيرة جده: « كان جدي يُجلسُني فوق ركبته ويكرر على مسامعي، بعد رزمة من الحكايا، حكمته البالية: « وسخ الدنيا يبقى فيها ».. أينك يا جدي، (…) انظر إلى وجوههم الرخوة البيضاء وانظر إلى ابنك الذي أرضعته حكمتك البلهاء.. ها هي الدراهم المعدودة كوت جبهته ووجهه، هو لم يكنزها ولا حتى ترك للمرأة الكسيحة ما تسد به الرمق من هذا الوسخ! وانظر إلى حفيدك الذي لا يستطيع أن يشيّد معك طقوسا خاصة للوهم الذي نشأ مع ابنك.. ».
إذن فقد كان لابد من هذا الاستعراض المشحون بالعتاب والخيبة، حتى يتم وصل الماضي بالحاضر، ثم الإيمان بقيم جديدة، يقول صالح البشير في هذه النتيجة التي آلت إليه علاقته بجده: « نحن قطبان متنافران نتباعد مع كل خطوة في رحلة الأنبياء التي نعبرها! ».
وبنفس الطريقة تقريبا يصفّي « صالح البشير » الحساب مع سيرة والده، فيطلق العنان لذاكرته كي تتحدث بلسان الأب: « أيام عصرتنا المحنة ودخل النصارى حقولنا ليحولونا إلى أمة من العبيد في عقر دارنا، حينذاك أتى بعض المتأنقين وخطبوا فينا باسم الدين والوطنية، وقالوا لنا كلاما سرعان ما كانوا يتركونه خلف ظهورهم، إذ ما كانت تحين ساعة الجد حتى يتسللوا إلى جحورهم كالفئران.. وها أنت ترى أنهم اليوم هم الوطنيون الحقيقيون، تشاهد صورهم في التلفاز وفي الانتخابات حتى أصبحنا نترحم على أيام فرنسيس! ».
وكإدانة لهذا الماضي يعلق « صالح البشير » على كلام أبيه هكذا: « هذه الحكاية ظل أبي يرددها على مسامعي عشرات المرّات، وفي كل مرّة ينسى أنه سبق أن حدّثني بنفس الحكاية، لدرجة أني أشك في أن تكون قد وقعت لأبي بالذات، وأنه كان يقول ذلك ليثنيني عما كنت أخوض فيه! ».
ويأتي الدور على هذا الحفيد، هذا الابن، « صالح البشير » الذي سيرفض المساومة والجاه المزيف، يقول: « تلألأت أمام عيني النقود السخية التي يمكن أن تمنحني امتيازا وتزيدني حظوة بين الناس، هذا أمر لا يمكن أن أنكره أو أُماري فيه! ولكن، ماذا سيقول الآخرون، وتذكر أن المشكلة هي دائما مشكلة الآخرين! إنه زواج متعة بين السلطة والمثقف! وضحكت في سري ساخرا من هذا النعت! ».
إن انتقاد الماضي لا يستدعي مخالفته كلية، ولا يوصل إلى مطابقته كلية، إنه رفض لكل أشكال الانهزام، واستعارة لجوانبه المضيئة، للخصال الإنسانية، ولاستحالة تحقق ذلك فقد أصبح « صالح البشير » منذورا لحاضر هجين، ضبابي الرؤية، حاضر يضعه وجها لوجه أمام الفشل الذريع الذي جعل السرد قاتما، إنه « سرد المرارة » كما يقول البطل نفسه.
ولقد اختار « صالح البشير » ضمير المتكلم لبت سرده المحمّل بالحكايا التي كانت تسيل من « صنبور الذاكرة »، فتعدد أنماط السرد واختلاف الساردين لم يمنع من هيمنة هذا البطل على فضاء الحكي، وهذا الضمير المستعمل « ليس سوى ظل للروائي نفسه، قد اغتصب دور البطل الرئيسي واحتل مرتبة الشرف، والشخصيات التي تحيط به – محرومة من الوجود الخالص – ليست سوى رؤى، أحلام، كوابيس، أوهام، ظلال، صيغ أو توابع لهذا الـ « أنا » العلي القدير ».
ويبدو ضمير المتكلم منسجما مع تحويل هذا البطل سرد الأحداث في الفصل الثاني من الرواية إلى يوميات، وهو ما يجعلنا أمام رواية اليوميات، وكتاب اليوميات « هم أكثر الكتاب أدبية، وربما سبب ذلك بالضبط، لأنهم يتفادون الغاية الأدبية، إذا اعتبرنا أن هذه الغاية هي العالم المثير لغياب الزمن ».
إن احتواء إكراهات اليومي وتداعيات عزلة الكاتب، وتجاوزها هو الذي جعل هذا النص يدخل اللعبة الروائية، ويبعدنا عن الرغبة في توصيفه بالملمح السيرذاتي، فقد تم الاشتغال الروائي على القضايا والأحداث بتسخير الطاقات الفنية التي يشترطها الجنس الروائي.
ذاكرة الغياب وحضور الجسد
هل يمكن للغياب، باعتباره رديفا للعدم ونقيضا للحضور، أن يصبح جسدا؟
إذا كان جوابنا بالإيجاب، فإننا نكون قد نفينا صفة الغياب عن الغياب، ولا يتأتى ذلك إلا بالبحث عن قناع للظهور والتجلي، يلبسه الغياب، ويبدو أن الروائي قد عثر عليه في الذاكرة، فوحدها القادرة على جعل الغياب متجليا، وبالتالي فهو يمتلك جسدا و »جسما يدل على الغياب » كما ورد في القول الشعري لمحمود درويش والذي اختاره الكاتب تصديرا لروايته. إذن، فلنتفق من الآن على أن جسد الغياب هو ذاكرة « صالح البشير » لنلمس تجليات هذا الجسد وحلوله في أجساد أخرى، أجساد الشخصيات التي – كما رأينا سالفا – ليست سوى رؤى « صالح البشير ».
ونحن ننظر هنا إلى الجسد باعتباره معطى ثقافيا، تقوم حركاته وسكناته وعلاقاته بخلق أشكال ثقافية داخل المجتمع، وللمزيد من التدقيق نتحدث هنا عن الجسد الجمالي كما حدده رولان بارت وميزه عن الأنواع الأخرى، كالجسد الأنثروبولوجي، والديني..، هذا الجسد الذي يقول عنه بارت إنه « أصبح موضوعا لتمثيليات فنية »، وفي هذا النص نقسم الجسد الجمالي إلى نمطين: الأول هو الجسد السياسي، ويمثله روائيا جسد « صالح البشير »، والثاني هو الجسد باعتباره موضوعا جماليا ويمثله جسد المرأة.
الجسد السياسي
إذا بحثنا عن الطريقة التي تم عبرها استثمار الجسد سرديا وروائيا في هذا العمل، فإننا نجد الوصف ورسم الأجزاء، وأحيانا نجد تأطير نوع العلاقة التي تربط بين ذات السارد والجسد، وهي إما علاقة توحد وانصهار، أو علاقة انفصال وعصيان.
سواء بسبب التعذيب الوحشي الذي لقيه « صالح البشير » خلال فترة الاعتقال السياسي، أو بسبب العلة التي جعلته طريح الفراش لمدة معينة، فإن جسدا متدهورا ومحطما ومكسرا يتمثل أمامنا، وتصوره الأوضاع الجسدية التالية: « أقدام أخطبوطية تفترس جسدي، جزمة على وجهي وجزمة على خصيتي وأخرى فوق الرأس والبطن.. أقنعة سوداء تخفي التشوهات الغامرة للجسد الآلي »، ثم « هذا جسدي الغارق في صخب الألم يركض نحو الردهات الغامضة لسر الينابيع الأولى، يتأرجح بمكابرة جنونية بين عتبة المتاهات وصقيع الرحيل اليائس، يقود روحي نحو مهاوي مثقلة بالفراغ والصمت! ».
تكشف هاتان الفقرتان عن مدى خضوع الجسد للسلطة السياسية، فهذه السلطة كما بين ميشيل فوكو في كتابه « المراقبة والعقاب » تمارس تأثيرا مباشرا على الجسد، باستثماره وترويضه وتعذيبه، فيصبح هذا الجسد كتلة من التشوهات، كما أن جسديته تصبح قيمة متوخاة، مثل الحرية والجمال وغيرهما من القيم.
كما نقرأ هنا تبعية الروح للجسد، أو ما يمكن تسميته بالجسد الداخلي، حيث تنتفي صفة تعالي الروح على الجسد، والتي أقرتها عدة تيارات فلسفية، فالروح إما مشوهة بالتعذيب كالجسد، أو عليلة تبعا للأسقام التي اعترت الجسد.
ولعل هذه الأوصاف وعلاقة السارد بهذا الجسد، والتي هي علاقة تفكك وتمرد على هذا الجسد، ورفضه والنفور منه، هي ما يشكل المستوى الرمزي للجسد، وإحالته على الجسد السياسي، الذي كان مشوها بآليته وعنفه، ثم تحول إلى جسد تدب الخيانة بين أعضائه، وتزحف الأمراض نحو أوصاله وتجعله قريبا من الفناء.
إن الجسد السياسي هنا يجعل من الخطاب الروائي خطاب إدانة للسياسة، باعتبارها سلوكا سلطويا يدفع مشروع العدالة الاجتماعية نحو مرارة الخيبة والإخفاق.
الجسد باعتباره موضوعا جماليا
تقوم الصلة الجمالية للسارد بالجسد الأنثوي في صورة فردية تؤهله لإنتاج معرفة خاصة، فيما أن هذا الجسد قد أصبح الملاذ الوحيد، فإن مقومات الجمال فيه ستطفو لتغطي بشاعة الواقع وفقاعاته، إنه عالم مواز يتسع لأحلام السارد ويجعل ذاته الهائجة هاجعة مستكينة.
إن شغف السارد بجسد المرأة كان وراء شاعرية وصفه في صور متعددة، حيث نجد الوصف العذري، على طريقة الشعراء العذريين في قوله: « على ضوء شعاع النافذة بدت هناك ببهائها الأنثوي قمرا نائما، تأمل قدها الذي ينفث السحر، ولون بشرتها الذي يشبه الرؤيا، كانت تنام ملء جفونها فوق فراشها، تسللت حزمة ضوء فغسلت غدائر شعرها المتموج فوق الوسادة، كأنها في هيئة نومها حورية أسطورية، نصف جسدها الأعلى يهبط ويعلو في تناغم مع إيقاع تنفسها الذي ظل يعزف سمفونية هادئة.. ».
كما نجد وصف سحر التنافس الذي تتميز به أعضاء الجسد، ولذة الانحناءات والاستدارات في أكثر من مقام، منها قوله: « قوام رشيق نحت بدقة بالغة وثديان كحصان جموح يقود عربة الشهوة المشتعلة في صدرها ».
كما يحول السادر هذا الجسد إلى جسد صوفي يشع منه نور الحقيقة، يقول: « يبقى ذلك الشعاع الأرجواني الصادر من جسمها هو الحقيقة الوحيدة في الوجود! ».
هذا الجسد إذن، وكما لاحظنا، منبع للنار والنور على حد سواء، وملاذ للاشتعال ولإخماد الحرائق أيضا، جسد ذو حدين، جسد يُجبر على التوحد فيه، يقول السارد: « مال ببصره إلى جسدها اللدن يتأمله بشره، ينزع عنها الغطاء والثوب، ثم يسبح بين تخوم الجسد المخملي، بابتهال ينشد.. ». وهذا التوحد يجعل الجسد رمزا لموطن الغياب.
وتزداد درجة التمثيل الفني للجسد قوة حينما يصفه الروائي مستعملا عنصري الإضاءة والموسيقى، وكأنه يصف الجسد داخل مشهد مسرحي، فينتقل الجسد إلى الرواية عبر المسرح.
إن اللغة الجسدية في هذا النمط من التفكير في الجسد، تم عبر وصف دقيق لتفاصيل الجسد، قصد إبراز عناصر الجمال فيه، وانتقاء المصطلحات التي تثير اللذة الفكرية، وهي بذلك تقوم دليلا على وعي الرواية المغربية بمدى الفجاجة اللغوية التي اعترت بعض النصوص الروائية المغربية خلال الوصف « البورنوغرافي » لمشاهد اللذة الجنسية.
وخلاصة القول، فلقد أسعفت علاقة السارد بالجسد الأنثوي، الروائي على استخلاص نوع من المعرفة الخاصة بالمرأة تجملها الشذرات التالية:
أولا: « وفجأة لاحت مليكة، ها هي تأتي كمطر الرحمة من جهة الشمال ».
ثانيا: « ترى ماذا كان سيساوي العالم بدون امرأة؟ فحتى لو صح أنها خرجت آدم من الجنة، فهي الآن جنة الأرض، وحسب ذلك تفكيرا رائعا! ».
ثالثا: ولإتمام هذه المعرفة، يقول: « المرأة كالوشم تدخل الكيان من باب الجرح ولا تغادره إلا من باب الجرح أيضا ».

58E881~1

« ذاكرة الغياب » مغامرة‮ ‬جديدة‮ ‬للنورس‮ ‬في‮ ‬بحر‮ ‬الكتب
« ذاكرة الغياب » هو المنشور الأول الذي يُسعد نورس ميديا أن تقدمه لجمهور قرائها… مؤلفه هو الزميل عبد العزيز گوگاس… القلم العاشق الذي يغمس حروفه من مداد القلب… هو وزمرة من الصحافيين ممن يعتبرون‮ ‬وشما‮ ‬على‮ ‬جسد‮ ‬الصحافة‮ ‬الجديدة‮… ‬لكنه‮ ‬ها هنا‮ ‬يطل‮ ‬من‮ ‬زاوية‮ ‬مغايرة‮.. ‬نافذة‮ الرواية‮.. وكل‮ ‬نافذة‮ ‬هي‮ ‬خيانة‮ ‬وإثم‮ ‬ضروري‮ ‬لكل‮ ‬من‮ ‬يتنسم‮ ‬الهواء‮ ‬والحرية‮…‬
بكل بوحه الممكن يدخل الزميل كوكاس عالم الرواية بقلب العاشق… لا بسلاح القراءة العالمة… في ذاكرة الغياب نلمس إحباطات جيل وأحلاما مهربة إلى الظل… وشما لجيل أراد أن يشم زمنه بالحضور فارتمى قصراً في ذاكرة الغياب… ليس في « ذاكرة الغياب » شيء يذكر غير الحب والمرأة‮ ‬والخمرة‮ ‬والحلم ‬والطفولة‮ ‬القادمة‮ ‬خارج‮ ‬عُقد‮ ‬التاريخ‮…‬
« ذاكرة الغياب » هي محاولة مشاكسة لتجريب طرح الأسئلة الجديدة بشكل هزلي أحيانا.. لا يخلو من مرح اللعب، لكن شتان بين لعب الكبار ولعب الصغار.. في هذه الرواية يلجأ الزميل گوگاس إلى تأثيث فضاءات نائية عن مركز المدينة وهامش التفكير، حيث ليس بوسع الشخوص غير البحث عن تأثيث شكل وجودهم الخاص‮ ‬بالحلم‮ ‬أو‮ ‬الكذب،‮ ‬بالحب‮ ‬أو‮ ‬بالشعر..‮ ‬ذلك‮ ‬بعض‮ ‬من‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬يزخر‮ ‬به‮ ‬محكي‮ « ‬ذاكرة‮ ‬الغياب‮ »‬.
عن « الأسبوعية الجديدة » نونبر 2007

019

« ذاكرة الغياب » مغامرة‮ ‬جديدة‮ ‬للنورس‮ ‬في‮ ‬بحر‮ ‬الكتب

ذاكرة الغياب

ذاكرة الغياب


« ذاكرة الغياب » هو المنشور الأول الذي يُسعد نورس ميديا أن تقدمه لجمهور قرائها… مؤلفه هو الزميل عبد العزيز گوگاس… القلم العاشق الذي يغمس حروفه من مداد القلب… هو وزمرة من الصحافيين ممن يعتبرون‮ ‬وشما‮ ‬على‮ ‬جسد‮ ‬الصحافة‮ ‬الجديدة‮… ‬لكنه‮ ‬ها هنا‮ ‬يطل‮ ‬من‮ ‬زاوية‮ ‬مغايرة‮.. ‬نافذة‮ الرواية‮.. وكل‮ ‬نافذة‮ ‬هي‮ ‬خيانة‮ ‬وإثم‮ ‬ضروري‮ ‬لكل‮ ‬من‮ ‬يتنسم‮ ‬الهواء‮ ‬والحرية‮…‬
بكل بوحه الممكن يدخل الزميل كوكاس عالم الرواية بقلب العاشق… لا بسلاح القراءة العالمة… في ذاكرة الغياب نلمس إحباطات جيل وأحلاما مهربة إلى الظل… وشما لجيل أراد أن يشم زمنه بالحضور فارتمى قصراً في ذاكرة الغياب… ليس في « ذاكرة الغياب » شيء يذكر غير الحب والمرأة‮ ‬والخمرة‮ ‬والحلم ‬والطفولة‮ ‬القادمة‮ ‬خارج‮ ‬عُقد‮ ‬التاريخ‮…‬
« ذاكرة الغياب » هي محاولة مشاكسة لتجريب طرح الأسئلة الجديدة بشكل هزلي أحيانا.. لا يخلو من مرح اللعب، لكن شتان بين لعب الكبار ولعب الصغار.. في هذه الرواية يلجأ الزميل گوگاس إلى تأثيث فضاءات نائية عن مركز المدينة وهامش التفكير، حيث ليس بوسع الشخوص غير البحث عن تأثيث شكل وجودهم الخاص‮ ‬بالحلم‮ ‬أو‮ ‬الكذب،‮ ‬بالحب‮ ‬أو‮ ‬بالشعر..‮ ‬ذلك‮ ‬بعض‮ ‬من‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬يزخر‮ ‬به‮ ‬محكي‮ « ‬ذاكرة‮ ‬الغياب‮ »‬.
عن « الأسبوعية الجديدة » نونبر 2007

Navigation des articles