الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “سطوة العتمة”

  سطوة العتمة.. غربة داخلية تقاوم جاذبية التيه

محمد خفيفي

سطوة العتمة

شكلت رواية » ذاكرة الغياب » الصادرة عن مطبعة الرسالة في طبعتين سنة91 و 2007 المفتتح الرسمي لولوج عبد العزيز كوكاس عوالم السرد ومجاهله، رواية عانقت تشظي الذات وانشطارها من خلال تجربة عاشها مدرس بإحدى المناطق النائية بالمغرب، تجربة منذورة لاحتمالات كبرى لم يستطع معها « صالح » مقاومة البركان الجارف لانهيار الذات، فتحول الحكي إلى سرد المرارة، لم يستطع أن يبرأه من آثامه ويجلب له الغفران.

هذه المرة يخطو عبد العزيز كوكاس نحو عالم الكتابة وعنفوانها بمنجز لا ُيعين له جنسا محددا، كتابة اختارت الانتباه للتفاصيل الدقيقة القريبة منا، الساكنة في الجوار، المغيبة بصدإ اليومي الرابض فوق الصدور، تُرهف السمع لنبضات الوجع الكامن فينا، تحيي أسئلة مغيبة ومؤجلة عن الذي كان وسيكون.

« سطوة العتمة » يليه كناش الموتى هو عنوان الكتاب، تتوسطه لوحة للفنان والنحات الإسباني رافاييل كانوكار بعنوان « الشخصية من الداخل »، وهي من اللوحات المرتبطة بالمسار التجريدي لهذا الفنان المبدع الذي أخلص لتوظيفه وعشقه للون الأسود.

عتمة كوكاس لا تشبه » العتمة الباهرة » للطاهر بن جلون التي تماهت مع تجربة الاعتقال السياسي بالمغرب ودونت فواجع سجن تازمامارت ومآسيه، ولا تشبه » ستار العتمة « لوليد الهودلي التي أرخت لتسعين يوما من المواجهة والمقاوِمة في زنازن الصهيونية، ولا عتمة الكاتبة والروائية السعودية سلام عبد العزيز التي رصدت في روايتها  » العتمة » تمظهرات القبلية ، الرقابة، الكبت، الانتقام وتحجر العقلية الذكورية.. إنها عتمة خاصة، مفردة، لا تسكن في الأقبية والزنازن والفضاءات الديماسية، لها سطوة التواجد والتساكن مع كل الأشياء، أحوال طقسها متقلبة مع الفصول، تفكر في السلطة وفي الألوان وفي الموت والحب والغياب، في الفراشة والزهرة والسماء والشجر…

العتمة في اللغة هي الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الأخيرة، وظلمة الليل، تؤشر العتمة على الرهبة والخوف والتوجس، ترى تيري تيميت بيار أن عامل العتمة ليس وحده ما يخيف الطفل، بل ما يخيفه أكثر هو ما تطوره العتمة في مخيلته من أشباح ووحوش وغيرها من الأفكار التي تجعله يكشف الجانب المظلم من خياله ».

في « سطوة العتمة » تتحول هذه الأخيرة إلى حاضنة لمساحات الخيال، فسحات التأمل، نسيج حميمي لما تبقى من أنين الروح وهي تصاحب السواد.. العتمة سواد بلون اعتبره الفارابي معادلا سحريا لبقية الألوان، فهل هو البهاء يخرج من حلكة الظلام وينبثق من تضاعيف العتمة؟

أبو تمام بهرته مركزية الأسود وهو يصف معركة عمورية:

غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى           يشله وسطها صبح من اللهب

حتى كأن جلابيب الدجى رغبت عن لونها      أو كأن الشمس لم تغب

للون الأسود جاذبية استهوت عددا من مبدعي الفن التشكيلي، دولاكروا ورامبرانت وغيرهما، فيه تتحقق الهرمونيا البصرية الباحثة عن ترميزات لا متناهية، سيد الألوان الذي يقيم دائما في الأشياء، ظلمة الظمإ الصوفي الذي عشقه النفري، » قال لي قعِ في الظلمة، فوقعت في الظلمة فأبصرت نفسي ».

كوكاس وخفيفي

كوكاس وخفيفي

في « سطوة العتمة » تنهض شعرية التباسات كبرى، لا تتحسس الذات وجودها وموقعها، تترنح بين الشك واليقين، غربة داخلية تقاوم جاذبية التيه وإغراءات الهاوية : » ظللت ممدا على السرير، أرمق الهاوية السحيقة التي يقودني إليها هذا الالتباس: أين تركت نفسي؟ أتساءل بحيرة الغريب.. في عفن الفراغ أم في الضياء المخادع، على قارعة الطريق، فوق شجرة الحديقة، على شفتي الحبيبة أم على مقبض الباب ؟ فقدت ظلي ويقين النسيان… أصبحت طيفا لآخر، منذ هجرني « أنا » استيقظت على شخص لا يشبهني في كل التفاصيل…ص42″ .

في حمى التشظي، تغوص الكتابة في البحث عن وشي للحنين، واصلة بين الذي كان من عمر أثثته أحلام متوهجة بغد جميل ومشرق، أحلام بريئة تنضح بالأمل والحب، ترسم وطنا مشتهى وعالما أرحب.

الحنين سند نفسي يبدد عتمات الانحرافات التي نحتت جروحا وندوبا قوضت سنابل الفرح، وأجهضت بسمة رقيقة راهنت على فجر آت، ذلك نزيف يحاصره القلق والغبار .

كيف ينتظم اللا جدوى في ليل العتمة والفراغ؟ هل حينما يكون الفراغ رفيق البياض المرصوص على الأوراق؟ أم حينما تكون العتمة دليل الغياب الشاهد على من رحلوا وما قالوا شيئا عن عودتهم؟ وهل يعوض الرثاء، خصوصا إذا كان للمقربين الأب والأخ، ما ترسب في أعماق النفس من حزن فائض؟.

يعود كوكاس إلى حضن الغائبين متعبا، مثقلا بهذه الأواصر الشقية الدفينة التي تبعث ما يشبه البكاء وتنضح بهدير موجع لا يقبل بالفاجعة، فيه شيء من مالك بن الريب وهو يرثي نفسه، وفيه ثمالة من طمأنينة تريد إعادة ترتيب الكون على مقاس شاعر، هوسليل الظلمات كبطل رواية « عشب الليل » للمبدع الليبي إبراهيم كوني الذي أراد الخلود عن طريق خرق الناموس، وكبر في عينيه حس العتمة إلى حد ألهمه الشعر.

الفقدان والغياب عالمان يؤطران كناش الموتى، بين الكتاب الفرعوني والكناش صلة قرابة لا يدركها إلا الراسخون في تذوق الفواجع ومرارة الرحيل المباغت، لا بد من استرخاء الذاكرة لتقطع أوصال الزمن، وتتذكر…

Publicités

وشي للحنين

عبد العزيز كوكاس

 » ما أيسر ما نطلبه من هذا العالم » سعدي يوسف

ليتنا لم نكبر..

لم تعد الحياة تهدهدنا على سرير ناعم، ملح البحر أضحى لا ينعش ذكرياتنا، والأغاني القديمة لا تنشط دورتنا الدموية لاجتياز درج في سلم الوجود. الأشجار التي نمر عليها كل صباح سئمت وقوفها، ولم تعد قادرة على رفع يدها للتحية بسبب الكآبات العفنة في الضلوع.. كيف يمكن أن نعيد لأوراق الشجر المتساقط على الرصيف نسغ الروح، أوصاف الزهر وعطر النساء الجميلات وأغاني الحصاد القديمة.

صارت البراعم تذوي في الحديقة قبل أن يبتسم السنونو، جفت الوديان التي كنا نستلقي على حرير سريرها لنختلس النظر إلى السماء في وضع عائم، ولم يعد بمقدور المطر أن يفي بوعوده التي تجعلنا مثل خطاطيف تبشر بالربيع، الكلمات فقدت طرافتها وأخذت تنمو في أفواهنا مع تعب السنين.. وتشيخ، شياطيننا ذاتها أضحت خاملة، لم تعد تمنحنا ذلك النزق الطفولي للمغامرة..فجأة سقطنا في ركام الغبار وحطام بقايا الذاكرة وشظايا الأحلام الملتبسة برؤيا المنجمين في الكتب الصفراء..

13882166_838502586279624_3842865329689278516_n

هذا زمن المهازل والملاحم البليدة، ما بزغ منها وما بطن.. حتى الفراغ يدلي برأيه فيما صرنا إليه، فيما السماء تحاول أن تبدو محايدة ومحافظة على اتزانها في القضايا المتشابهة.. خلت الطرقات من أثر الدهشة وأمراضنا فقدت أسماء جنسها وأضحت تحيل على أصل الحيوان فينا، من جنون البقر إلى أنفلونزا الخنازير.

يساقط العمر على إيقاع رقص الساعة الحائطية مثل الدمعة المنهكة.. كم بحثنا عن حلم لا يلوي عنقه الريح.. حتى قراصنة الوقت وقائدو الحروب الصديقة ، لم يدفعوا جزيرتنا قليلا عن موانئ الألم حيث ترسو سفن الجراح.. أضحت الهاوية سافرة نسير إليها بأقدام متبرجة..والأحزان أضحت مسكوكة، وليس لدموعها دفء ملح البحر.. وما عاد الهواء يتسع لنأمة طفل كان يسكننا، امتلأت قلوبنا بالبثور ووحل الطريق، وأضحت مثل كيس مليء بأصوات الجماجم، لم نعد قادرين على إبعاد شعر الليل عن السماء لنرى بكامل الوضوح شهوات الشمس على صفحة وجهها.. الورود اعتلاها الشحوب، العصافير فقدت شهية النشيد والحقول أضاعت بكارة نضارتها، والخيول باعت صوتها الأصيل في سوق النخاسة..

وزهرة الغنباز أصابها الوسن قبل وصول العقارب إلى الالتصاق في منتصف ساعة الجدار.

الأصدقاء القدامى تناثروا في كل الزوايا، تساقطت نجومهم على اليابسة، والأحبة انفضوا خارج أحلامنا المشتركة، ولم يعد أحد منا يبحث في أصداف المحار عما يجعل رحيلنا له طعم المغامرة.. بالأمس كنا نحضن الأشياء بصدق العاشقين، نهرب أحلامنا الصغيرة إلى الظل، نربيها على حرير أيدينا ونعدها على أصابع من نحب.. اقتنعنا بسذاجة، بكوننا نملك سر الينابيع وفطرة الفراشات التي تفجر الحنين في الأزهار، مثل الشموع المضيئة كنا، وبذرة الحياة تختمر فينا مطرزة بحرير الحلم وعرق السواعد المشمرة لزرع حبة أمل.. كان للشوك ملمس الحرير تحت وجع أقدامنا ونيران الدروب الموجعة بردا وسلاما على أرواحنا، لأننا أسكننا الكون أعراسا ورؤى، وخبأنا في طرف الشمس مدائن وأسرار وكومنا في الأفق مطرا طاهرا يغسل به الجناة والجلادون سيوفهم من أثر دمائنا، كنا نسارع الخطو في بحر الأزمنة دون الوصول إلى عتبة واحدة من الأمكنة المشتهاة، لأننا سرنا إلى الحياة مسندين جباهنا إلى موت أجل.. ظللنا نكابر دفاعا عن وهم خيوط شمس ناعمة تدخل دروبنا العتيقة لتلامس الأجساد المسهدة وتمدنا بالدفء في ظل فراغ مهول للسياق التاريخي..

كنا نكدس سنابل الفرح الذي لا نسرفه كثيرا في مواسم الحصاد، لليالي العجاف وأيام الهلع.. نقيم المودة بكل التقسيط المريح مع ما يشاكس رغباتنا، ولا نترك فرصة للتجاعيد كي تصدح بركام العمر المتعب.. حتى خصوماتنا وشجارنا كان مثل بوح العصافير.. مثل بقايا عصر بطولي نبدو الآن، متضخمين في كل شيء: قاماتنا، شراهتنا وهواجسنا، خيباتنا وأحزاننا، فيما أصبح العالم الذي نقيم فيه ولا يقيم فينا، في قمة سلم التمدن الحضاري، « قرية صغيرة » تضيق عن الحالمين والتائهين.. مثل النسور كنا، نشتهي أعالي الأماني لا المواقع، اللاحد نربيه، نوسع به حدقة أعيننا من أجل الآخرين آه كم كانت أحلامنا بريئة وكانت الحياة أبهى. لماذا لم يعد يجرفنا الحنين إلى بهاء الغامض فينا؟

ذهب عمرنا سريعا في اتجاه مضاد لرياحنا المشتهاة، ولم نستطع اللحاق به، ولا بقينا في الميناء حيث ودعناه، لنستدفء بأمانينا عنه وبالذكريات الخوالي.. اهترأت ساعاتنا وحرقة اللوعة لغيوم بعيدة، وفجأة انطلقت في غفلة عنا جحافل الوحوش التي احتجزها تهذيب الطبيعة البشرية لقرون. صحيح أننا أصبحنا ندرك الفروق الدقيقة أكثر لكن « ما أصعب ما نطلبه من هذا العالم ».. ليتنا لم نكبر.

 

Navigation des articles