الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “علاش لا ؟؟”

المغاربة والجسد

عبد العزيز كوكاس

يحق لنا اليوم، بعد مرور أكثر من نصف قرن على صدور ظهير الحريات العامة في 15 نونبر 1958، أن نطرح أسئلة مغايرة لمغرب ما بعد الاستقلال، يحق لنا كأفراد، أو كمشروع مواطنين في مشروع وطن حر، أن نطرح أسئلة في مجال الحرية بشكل مغاير لما طُرح في مجال الحريات العامة، ليس لأننا أصبحنا نعيش تخمة الحريات العامة، ولكن فقط لأننا جيل لم يعش إكراهات قمعية تحت نير الاستعمار، وتحررنا نسبيا من ثقل زمن رصاصي، ولو أنه لا ضمانة لدينا بألا يتكرر ما حدث في الماضي.. ولأن الجيل الجديد من الحقوق الذي أصبح يكتسح العالم.. بات يفرض، بقوة الأشياء، نظرة مغايرة للأفراد في علاقتهم بمحيطهم وبذاتهم أيضا.

10411067_781969615232574_3235298745256141969_n

احتاج المغرب إلى ما يقارب نصف قرن من الزمن لاعتراف القانون بالمرأة المغربية ككائن مدني له حقوق وواجبات، فهل يلزمنا نصف قرن آخر لتكريس هذه الحقوق على مستوى الواقع؟! وبالأحرى أن نتحدث عن الحقوق الفردية؟! لنجرب فقط الحديث عن ذلك، لأن الواقع متقدم على القانون في هذا المجال بالذات، والظواهر التي كانت تبدو شاذة قبل عقد من الزمن، تآلف معها المجتمع وإن جعلها في الهامش من وعيه، لأنه يقبل التعايش معها دون التفكير أو التأطير القانوني لها.

ما علاقة المغاربة بجسدهم؟

قبل التسعينيات من القرن الماضي ما كان ممكنا الحديث عن الحريات الخاصة، إن ضغط الصراع السياسي حول السلطة لم يكن يسمح بغير سيادة مفهوم الحريات العامة (حرية الصحافة، حرية التظاهر والتجمع، وحرية تأسيس الجمعيات)، كان الصراع السياسي يعلي من صالح الهوية الجماعية (الجمعية،الحزب والنقابة) على حساب الهويات الفردية، وكان التمييز الشخصي ضربا من الخيانة للقضية الكبرى..

كان الجسد الجماعي مقدما ومحتفى به على حساب الجسد الشخصي، للأسف، كان ذلك في مغرب ثقافة الوشم كميسم شخصي وكإعلاء تعبيري من قيمة الجسد، هل يحق في مغرب اليوم أن نتكلم عن حرية الجسد، ونحن نرى كيف أن علاقة المغاربة بجسدهم يشوبها الكثير من النفاق والالتباس والغموض والكبت؟! إذ لا زال الجسد المغربي مغلفا بخطاب أخلاقي وإيديولوجي، حيث لا مجال للخصوصية، ولحق الجسد الفردي في نصوص الدساتير والقوانين في هويته المميزة، ودلالاته ورموزه الخاصة.. إذ لم نَصل بعد عقود من الاستقلال إلى ترسيخ قوانين تحمي الحريات الفردية في كافة تفاصيلها، وفي مقدمتها حق الجسد الشخصي في التعبير عن ذاته، وحماية كل التعبيرات الصادرة عن الجسد كهوية خاصة.. رغم الحديث عن الحرية، خاصة لدى أحزاب الحركة الوطنية وفي أدبيات الأحزاب الديمقراطية فإنها ترد بالمعنى المرادف « للتحرر » لا إلى البعد الشخصي في الحرية الفردية…

إن عدم حماية الجماعة للحرية الشخصية، خاصة منها ما يربط المواطن بجسده الفردي – إذ أن الوجود العضوي هو مدخل أساسي للوجود الإنساني-  يضيع على المجتمع المغربي الكثير من فرص التطور الديمقراطي الحقيقي، فالمدينة هي أساس الديمقراطية والمواطنة هي أساس المدينة، وأساس المواطنة استقلال الفرد كجوهر وحقه في حريته الشخصية.. فتقم المجتمعات اليوم أضحى يقاس بمدى قدرة الجسد على الإبداع والابتكار والحرية في الكشف عن هويته الخاصة ،عن رموزه وتعبيراته الذاتية خارج ثنائية المقدس والمدنس.. وعلى حد تعبير دافيد بروتون : ف »بدون هذا الجسد الذي يمنح حضورا ماديا ، فالإنسان لا يوجد ، وبهذا فإن الوجود الإنساني هو جسدي »،أو كما قال ميشيل فوكو : « الجسد كان دائما، ولا يزال واجهة تسمها مختلف التحولات الاجتماعية ، وصحيفة ينعكس عليها نمط علاقة الأفراد فيما بينهم ، ورؤيتهم للعالم والأشياء… »

بالأمس كان الجسد المغربي مسورا بوصايا القضايا الوطنية ،محجوبا تحت شعارات التحرير والتحرر والتقدم ،اليوم صرت أخشى أن يصبح هذا الجسد ملفوفا في قماط  الزي الخارجي والاطمئنان إلى الرؤى الجاهزة حول الجسد داخل نسق اجتماعي مطمئن لقناعاته الكسولة حول العالم والمجتمع والتاريخ ..حذار من اختزال تعبيرات الجسد في العري أو العبث الساذج بالمقدس لخلق تميز طفلي أو في انتهاك الممنوع بغايات زائفة كالشهرة والتميز.. دون عمق فكري يمنح الجسد الحق في البوح والتعبير عن تمثلاته للكون والزمن وللنسق الاجتماعي البديل الذي يجب أن يحتضن رموزه وقيمه …

Publicités

أعترف أمامكم

عبد العزيز كوكاس

« لدينا ما يكفي من الدين الذي يجعلنا نكره، ولكن ليس لدينا من الدين ما يكفي ليجعلنا نحب بعضنا البعض » جوناثان سويفت

الوقت

أعترف أمامكم..أنا علماني، إذا كانت العلمانية، تعني حفظ حق الناس في الحياة، وحماية الدولة المدنية لكرامة مواطنيها مهما كان لونهم، جنسهم أو موقعهم الاجتماعي أو معتقداتهم.. أنا علماني، أعترف أمامكم بدون أقنعة، لأني أومن بأن مشاكل الفقراء ليست في مشيئة السماء، ويأس المحرومين ليس قدراً ربانيا أبديا، والفساد ليس تفاوتاً في الأرزاق.. وأن مشاكل الإنسانية في تدبير الرزق والمعاش، والتدافع في الأرض تعود إلى الماسكين بزمام السلطة وليس إلى إرادة ربانية، أو أي سلطة لا متناهية لا راد لقدرها..

أضع بين أيديكم رقم بطاقتي الوطنية كشبه مواطن في شبه وطن، وما يشبه هاتفي المحمول لما يشبه شخصي، وشبه عنوان لما يشبه منزلي.. أقصد مكاني الأكثر حميمية، وأعترف أمامكم أني علماني حد النخاع، إذا كانت العلمانية تعني الشفافية والنزاهة، والاحتكام للقانون دون حاجة لاستخدام تفاضلية العرق أو اللون، الانتماء الاجتماعي أو التمايز النوعي…

أعباد الله أنا علماني، إذا كانت العلمانية تقصد تخليق السياسات العمومية ومشاركة المواطنين في تدبير شؤونهم بأنفسهم، وإن لم يستطيعوا فلهم الحق في الاختيار الحر والنزيه لمن ينوب عنهم، ويظلون يمتلكون سلطة مراقبة من اختاروهم، لأنهم سادة قرارهم لا عبيد أنظمتهم التي تقرر كل شيء باسمهم بدعوى عدم نضجهم أو جهالتهم العظمى…

نعم أنا علماني، إذا كانت العلمانية تعني اعتماد المردودية والكفاءة والاستحقاق في إسناد المناصب والمسؤوليات بدل الزبونية والمحسوبية والانتماء العائلي أو الحزبي أو العقدي.. وما دامت العلمانية تعني أن الأخوة في الله لا تعني الاتكال وترسيخ الجهل ومحاسبة الناس على اختياراتهم الفكرية والإيديولوجية والجمالية والعقدية…

لكن في نفس الوقت احذروا.. فأنا إسلامي أيضا، إذا كان الانتماء للإسلام يعني ألا معبود على وجه هذا الكون يستحق السجود والركوع، والحمد والشكر باسمه، سوى هذا الامتداد الكوني الذي لا علم ولا قدرة بشرية تحده…

أنا إسلامي حد جراح القلب، إذا كان الإسلام يعني المجادلة بالتي هي أحسن، وأننا اخترنا كخير أمة أخرجت للناس، لا لنرمي بالآخرين إلى الجحيم، لأن لنا وحدنا ما اتسع من الأرض وأفق السماء، باعتبارنا أمة محمد (ص) خير الآنام الذي أُنزل عليه القرآن الذي لن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل لنعي أن في الاختلاف رحمة، وأنه منذ بُلبل اللسان وتمايزت الأجناس خُلقنا للتعارف والتوادد وأن أكرمنا عند الله أتقانا..

أيها الناس، أعلن أمامكم، أني إسلامي قلبا وقالباً، إذا كان الإسلام يعني عدم استعباد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وأن الفقر يكاد يكون كفراً، وهو محرك مآسي وأوجاع البشرية خاصة وأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن التفاوت في الأرزاق ترسيخ وتشجيع لمبدأ التنافس والتزاحم في الأرض، وأن رب السماوات رحيم بالعباد، ولا يُرسخ الطواغيت والاستبداد والجهل، ولا يزكي اقتصاد الريع، والظلم هو أول من نصح بتجاوزه، ولأن الإسلام، وإن كان يجُبُّ ما قبله، أوصى نبي الأمة الكريم (ص) أن يكون رؤوفاً بالعباد، لأنه بُعث كخير الآنام لا ليكون على الناس بمسيطر، إذ لو شاء لآمن كل من خلق دون وجع الرأس.. وحفظ حق الناس في الاعتقاد الحر، وما خلقه من عذاب في حده الأقصى، من رجم وإعدام وقصاص موكول لجهة ذات الاختصاص بالاحتكام في كل عصر إلى ما تحقق من تقدم في مختلف مجالات العلوم.. لأن الإنسان بعد أن هداه الله النجدين، قادر على سن ما يصلح لعصره من قوانين ونظم وأحكام ما دامت غير مناقضة للفطرة التي خلقه عليها رب الأكوان..

 أنا إسلامي، ليس لأني شخت وأخاف جهنم، أو لأني وقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً أبتغي نفاقاً الحصول على مقعد في الجنة.. بلى، أنا إسلامي، لأني خُلقت على الفطرة وما هوّدني أب ولا نصرتني أم ولا مجسني إخوة.. ارتديت الإسلام دينا حنيفا، لأني أحس دوماً بالنقصان وفي الحاجة إلى كمال إلاهي، هو من رسخ الاختلاف فينا طبعا، وهدانا النجدين، وعلمنا أن الحق لا يقايض وأن الظلم من الكبائر التي يجب أن تقاوم هنا والآن.

أنا إسلامي، إذا كان الإسلام لا يعادي الديمقراطية، وينصح الناس بالاجتهاد لما يصلح به عصرهم، ويؤمن بأن الكلام عامة هو حمال أوجه فبالأحرى كلام الله، بشرط عدم التركيز على المتشابه من الآيات لمن في قلبه زيغ، وأن باب التأويل مفتوح على عواهنه، وأن ليس كل من هب ودب ينزع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحد السيف.

أيها العلماني في، أيها الإسلامي في.. تعالا إلى مائدة التفاوض بلا أسلحة نفي، ولا أحكام مسبقة أورثها الجهل والمصالح وعماء الأنانيات، تعالا إلى كلمة سواء، لما فيه صلاح البلاد ونماء العباد.. سنمشي سوية نحو المؤتلف فينا لنصون المختلف، لنكون ما نحن عليه: متعددين، مختلفين.. متباينين، لكن نحن ما عليه، لا ما يريده أولوا الأمر فينا، أن نكونه بعيداً عن هويتنا.

زعامات الإسفنج

عبد العزيز كوكاس

« التاريخ الحقيقي يخلف عقداً » بول فاليري

13707692_1060207977392973_5915054781146794979_n

نفتقد في هذه اللحظة المصيرية لرجالات دولة نبهاء.. نفتقد الحس الاستراتيجي لعبد الرحيم بوعبيد، الحس الصوفي لعلال الفاسي، الاندفاع النبيل للمهدي بن بركة، الحس الوطني لبوستة واليوسفي.. مع هؤلاء كنا نشعر بأن السياسة هي هوية جماعية لذات الأمة.. إذ كان هؤلاء، وأمثالهم كثيرون في الزمن الغابر، يستحضرون مستقبل المغْرب ومصالحه بشكل أقوى مما يفكرون بأنانية في جماعاتهم السياسية.. كانوا كزعماء أحزاب يتصرفون كرجالات دولة، مستقلين في أفكارهم، مالكين لرؤيا استشرافية عميقة، عارفين بخميرة البلد وخروب أهله..

الراحل علال الفاسي الذي كان قادراً على ضرب الطاولة ضد الاستبداد الفردي للحسن الثاني هو نفسه الذي مات ببوخاريست وهو يدافع عن الدولة المغربية وكانت وصيته: « لا تتركوا الملك وحيداً وسط المفدسين »!

الزعيم عبد الرحيم بوعبيد رفض الاستفتاء الذي قبله الحسن الثاني في نيروبي، وعمل على خلق ما يشبه العصيان المدني بالدعوة إلى إضراب وطني في 20 يونيو 1981 ووجد نفسه في السجن، لكن حين اقتضت المصلحة الوطنية تحمل المسؤولية الحكومية للدفاع عن « الوحدة الترابية » كرجل دولة لا كزعيم حزبي أدى ضريبة السجن على موقفه، ولم يكن يدر بخلده أي حس انتقامي ،وكان الرجل في مستوى اللحظة التارخية.. المهدي بن بركة الاشتراكي الثائر، المتقد حماساً، قام بكل شيء لمواجهة الاستبداد وقدم جثمانه الملفوف بالكتمان والغموض، من أجل ديمقراطية حقة في المغرب، لكن حين مدَّ له تلميذه يده عن طريق إبن عمه، ليحل له أستاذه المهدي معادلة صعبة في الرياضيات، أرسل أخاه عبد القادر بن بركة للتفاوض، وأخذ يُعد العدة للعودة إلى أرض الوطن لتحقيق تناوب ظل موءودا حتى نهاية الألفية الثانية.. وقد يكون ضحية لحسه الوطني الذي تغلب على حسه الثوري ليعود إلى الأرض لولا « المفسدين » الذين كانوا بالمرصاد لأي التقاء بين الملك والحركة الوطنية..

قس على نفس النمط ما قام به مناضلون كبار أمثال بوستة، اليوسفي وبن سعيد آيت يدر.. ولو في زمن غير الزمن!

لن أتكلم عن الأدعياء من داخل دواليب الحكم الذين قاموا بنشر كتاباتهم بيننا بعد رحيل الحسن الثاني، فيما يشبه عملية تبييض الأَسْود من ماضيهم، ليبرزوا أمامنا كرجالات دولة كانوا يأنفون الظلم، ويواجهون السلطان ليقولوا له :لا ،حيث يجب أن تقال، مهما كان سيعرضهم ذلك للعقاب أو على الأقل للإبعاد والتهميش، فبن سعيد آيت يدر تحدث عن سجن تازمامارت وسط البرلمان رغم تحذير الحسن الثاني له، وبوستة اشترط في تولي مسؤولية الوزارة الأولى ضرورة إبعاد المرحوم إدريس البصري، وعبد الرحمان اليوسفي انتفض بعد 17 شتنبر 1993 وغضب غضبته الشهيرة على إخلاف الحسن الثاني لوعوده بنزاهة الانتخابات، ولما عَيَّن محمد السادس إدريس جطو، قال له بكل الاحترام الممكن، « لقد تم خرق المنهجية الديمقراطية »!

نرثي لحالنا مع زعماء أحزاب أضحوا ثقيلين على قلوبنا، لا يريد البعض منهم أن يفارق البرلمان وهو الذي يخطب في شبيبته، « ندعو إلى ضرورة التشبيب » وهو يقصد « الشيب »

لن أتكلم عن أثاث الدولة الحزبي من الأحرار إلى (G8)، لأنه مجرد ديكور لتأثيث الواجهة السياسية، ومفتاح باب قراراته لا يوجد بين قياداته الموضوعة لتزيين الفترينة الديمقراطية، وتُحال على الرف مع إبدائها لأي إيماءة بالرفض أو معاكسة توجهات المالك الحقيقي للأصل التجاري لما يشبه الحزب السياسي الذي أصبح عليه شبه زعيم فيما يشبه المؤتمر الوطني من طرف ما يشبه المناضلين..  وإنما حرقتي على الأحزاب الحقيقية التي كانت مستقلة في قراراتها ويؤسفني حقا هذا الحضيض الذي وصلت إليه.

لا نريد نموراً من ورق، نريد فقط زعامات سياسية تشتغل بوزن رجل دولة، ممن يمتلك حاسة استشرافية للمدى البعيد للمستقبل، ويستطيع أن ينتصر لهوية أمة على مصالح حزبه، ويزن بميزان من ذهب حسابات الربح والخسارة في كل ما يتخذه من قرارات ونتائجه على الأجيال الصاعدة لمجموع المغاربة.. لا نريد ثواراً ولا نطمح لزعامات انقلابية لا تعرف إلا الرفض، ولكن حلمنا أن يكون لنا في مثل هذه اللحظة التاريخية زعماء استراتيجيون يضعون مصلحة البلد فوق المصالح الأنانية لحزبهم.

إعلام البلاهة

« لا خبر في البلد » محمود درويش

11207332_642739912522560_3341392556930974956_n

الوظيفة الأساسية التي وُجدت من أجلها وسائل الإعلام هو الحق في اقتسام المعارف والمعلومات والسلط، هو نقد البداهة ومواجهة الاستبداد والفكر المتوحش.. منذ أن علَّم عز وجل آدم الأسماء كلها، ثبت تميز الإنسان ليس بخلقته فقط، ولكن بالمعلومات التي جعلته مخلوقاً استثنائيا في الوجود، لأن الإنباء يعتمد الحق في اقتسام الحقيقة ومنح الناس نصيبهم من المعرفة، نصيبهم من أدوات مقاومة الوجود عبر فهمه.. كان ميلاد المطبعة ثورة كوبرنيكية مع جوتنبرغ، فتدفقت وسائل الإعلام كامتداد لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكل ما يُرسخ تمثلات الحداثة.

تلك هي البدايات التي أسست لأخلاقيات مهنة النبل: الصحافة..

اليوم تبدو وسائل الإعلام عندنا بكافة تفريعاتها: السمعي – البصري، المكتوب، الإلكتروني – باستثناء بعض الانفلاتات – كما لو أنها ضد وظائفها الطبيعية في التنوير والتحديث، إذ أضحت تقتات، عبر نشر البلاهة وترسيخ اللامعقول، الميل إلى الفضائحي، وإعادة إنتاج سلوكات الاتكالية والميولات الغريزية وعدم احترام الحياة الخاصة للناس ومراعاة حميمياتهم الإنسانية جداً.

أكبر ضحية لوسائل الإعلام الوطني – والتعميم قاتل – هو الصدق والحقيقة.. فن الكذب أضحى سلطة في الإعلام الذي يخترق حياتنا.. ينشر القيم الجاهزة، يدعم التقليد والمحافظة، يقتل الحس النقدي، ويلتفتُ إلى الهامشي (ليس بمعْناه الفلسفي منذ نيتشه إلى هيدغر)، أقصد باستغلال الهامشي في وسائل الإعلام المغربي تضخيم الجزئي، التافه والعابر، والذي ليس له كفاية علمية أو منهجية لجعلنا نفهم الأحداث والوقائع في سياقها السليم، وهي بذلك لا تحافظ على قيمة الخبر وجدوى المعنى، و »حين يهجر المعنى العالم، يصير كل شيء مستباحاً » كما يعلمنا الحكيم دوستويفسكي.

ثمة ملمح آخر للتوجهات الجديدة لأغلب وسائل الإعلام بالمغرب، باستثناء منارات قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ويتمثل في كونها أضحت غير مزعجة، ملساء، يهمها المغايرة لا الحداثة، السطحي من الزبد الذي يذهب جفاء، لا العميق مما ينفع الناس ويمكث في أذهانهم وقلوبهم، سلاحها هو البداهة لا الشك والسؤال في صحة المعلومات، والاستسلام للمعطى الجاهز والمعلومات المغلفة والموجهة وترسيخ الوهم.

الملمح الآخر المرتبط بهشاشة المقاولات الإعلامية السريعة العطب هو التحول عن الوظيفة الإخبارية أي مد الناس بالمعلومات وتركهم أحراراً ليتخذوا المواقف المستقلة لهم باعتبارهم أفراداً يمتلكون حرية الاختيار.. القبول أو الرفض، التشكيك أو التصديق، حيث أضحت العديد من وسائل الإعلام تلجأ إلى التوجيه، التعليق أسبق من الخبر…

جزء كبير من هذه الأثافي مرتبط بتحكم الإعلاني في الإعلامي، التجاري في الإخباري، لذلك لا تُمس شركات الإشهار السخية بأي نقد حتى ولو كان أثر ضررها على الناس واضحاً، فقد نبا إلى علمنا أن صحافيا حمل قالب سكر وسطه قطعة قصديرية صدئة، فما كان من مدير النشر إلى أن سلَّم القطعة إلى المكلفة بالإعلانات التجارية لابتزاز الشركة المعنية وتحويل القيمة الإخبارية التي تنقذ مجتمعا من المستهلكين إلى قيمة تجارية كربح صافي للمؤسسة الإعلامية، نفس الشيء حدث مع بضائع من مختلف الأشكال تُضر بمصلحة المستهلكين ويتم حجبها عن الناس وتحويلها إلى أداة لابتزاز الشركات المعنية مقابل الصمت على الفضائح في كل المجالات، أبمثل هذا الإعلام يمكن بناء مجتمع ديمقراطي أفراده معلومون بشكل جيد؟!

 

بشار الطبيب، بشار الأعمى

عبد العزيز كوكاس

« الكلب يُطاع وهو يحتل منصبا » « الملك لير » لشكسبير

سوريا

للسلطة شهوة لا تُضاهى في القتل، باعتبارها مقدسة ومحرمة، فإن مالكي زمام أمورها وحدهم لهم تميز امتلاك معنى الأشياء والأسماء، التاريخ والجغرافيا، مماليك البر والبحر، وحق التحكم في الماء والهواء والنار والتراب أصل الوجود كما لدى فلاسفة الإغريق القدامى.. لأن السلطة نظام كلي لا يقبل التنازع في جزئيات الوجود المشكلة لبنائه.. باعتبارها روحاً مطلقة وفكراً كليا..

لقد عشنا ورأينا كيف ابتلعت غوايات السلطة الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي، الواحد الأحد الذي لا ترفع صلاة إلا بأمره، ولا تغرب أو تشرق شمس خارج علم أجهزة مخابراته التي دخلت الجامعات وبيوت الله وبيوت العباد أيضا.. لقد انتصرت إرادة الشعب التونسي حين أراد الحياة، وصدق شاعر إسمه أبو القاسم الشابي وكذب رئيس أصبح إسمه شين الهاربين بن علي، وكذب الزعماء حتى ولو صدقوا وهم يخاطبون شعوبهم: « فهامتكوم، فهامتكوم »!

وجاء الدور على الزعيم الأبدي حسني مبارك فيما يشبه أكل القطة الجائعة لأبنائها، لأن السلطة لا تترك للذاهبين إليها فرصة إعداد نزواتهم وفستان أحلامهم، تسكرهم بخمرة الهبة والجاه، وتسلب زهرة عمرهم.. فالداخل إلى السلطة مفقود والخارج منها مقدود، لذلك أشفقنا على رجل هرم يحاكم وهو ممدد على سرير وسط سجن المحكمة، رجل قادم من أبهة الجيش من مصر أم الدنيا التي لا تُضاهى في شموخ أهرامات أبي الهول، إلى مكائد السلطة، وجثم على صدر شعب، كما لو أن الفراعنة ما ذبلت شهبهم في الأعالي، كأن أساطير مومياتهم عادت إلى الحياة منذ عهد الفرعون رَعْ.. لكن زال وما زال شعب حتى وهو يحيى في نتوءات المقابر، أبدع النكتة ليحيى في كنف سلطة باغية مجحفة سادرة في غيها، لا يكبح جماحها قيد، ولا يحد من سيطرتها عرف ولا قانون.. لأن السلطة مثل عسل على شفرة حادة، هوس لتفريغ العقد حتى على أعواد مقصلة، وتفريغ للمكبوت في قالب مرصوص بالذهب.

حتى بعد انهيار نظام زين العابدين ومبارك، ظلت السلطة قائمة، حية ترزق فيما قضى عشاقها نحبهم ومنهم من لا زال ينتظر، لأنها هي روح الأفعى، سارقة عشب الخلود من يد جلجامش، هي الأنثى التي روضت أنكيدو وأفقدته قوة الطبيعة الزافرة.. وحده معمر القذافي زعيم رؤساء إفريقيا، ملك الملوك، ظل لحكمة ما ماتت معه للأسف يؤمن بأن « السلطة مصيبة والجالس على كرسيها دوما مصيب »، لقد نسي أن ليبيا دخلت العقد الثاني من القرن العشرين، وأن الشعب الذي حكمهُ منذ نهاية الستينيات قد تبدلت أحواله على مستوى البنيات والمواقف والأفكار.. لذلك حين خرج الناس عن سيطرته وصمهم بالجرذان والحشاشين والمقملين.. لأنه في ظل السلطة تختنق الحقيقة وينطفئ الصدق، حيث تتدلى ضفائر السلطة مثل مشانق وسط السراديب، لم يكن القذافي يعي أن موسم الصيد قد بدأ، والسلطة لا تعود إلى كرسيها مثل صياد خائب لأن لها دوماً نفس إحساس التذمر والانتقام الذي تحمله شباك الصياد الفارغة! وحده معمر القذافي لم يقرأ المثال الكلاسيكي المعكوس في اللغة العربية كما تمثله العرب « ساكب كاس »، لحسن الحظ أن « ليبيا » تقرأ بشكل سليم سواء من ذات اليمين أو ذات اليسار.. لذلك احتاج القذافي إلى القلب.. فوجد نفسه مثل الجرذ بين يدي الثوار يلتمس العفو والرحمة، كأب يحن إلى جميع أولاده.. كانت السلطة قد أشاحت بوجهها عنه وولتها شطر شلقم وعبد الجليل.. فكلما اهتز عرش عشاق السلطة.. غادرتهم نحو الغزاة الجدد بنفس ابتسامة مضيفة الطائرة.. لأن السلطة عاهرة تمنح ذاتها للآخرين للأعداء كلما أصاب الجالس عليها سهو أو وسن، أو بعض عبث الصبية!

وجاء الدور على صالح اليمن، الذي أصبح طالحاً بالنسبة لغالبية شعبه الذي طالبه بالرحيل، ورغم جراح السلطة ظل الرجل يداوي ثورات شعبه بالتي هي أسوء إلى أن رحل إلى الأبد، أما طبيب العيون بشار الأسد فيوجد في قلب الزوبعة، لم يحفظ الولد المدلع أي حكمة عربية، وإلا كان استفاد من قول الشاعر:

لا تحتقرن صغيراً في مخاصمة # فإن البعوضة قد تدمي مقلة الأسد

وكم في الشرارة من ضعف # لكنها قد تأتي على بلد

لم يستوعب الرئيس السوري، أحد دول الممانعة يا حسرة، سياق الثورة العربية وأفقها، فحول رشاشات بنادقه وفوهات مدافعه نحو شعب أعزل أعمل فيه تقتيلا… كأن طبيب العيون لم ير ما حوله؟!

أيهما أعمى، أبو العلاء المعري الشاعر الحكيم الذي كان يرى أن الأعمى عورة يجب ستره في كل أحواله، لذلك لم يكن يخرج من سردابه الذي كان يمد له منه الغذاء والشراب، حدث ذلك في القرن الرابع الهجري، أما بشار الأسد إبن القرن الواحد والعشرين الميلادي، طبيب العيون الذي تزوج زهرة الصحراء ونهل من علوم أم الدنيا، الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس ذات قرن، وأصبح طبيب العيون، من سيداوي من العور، أبو العلاء المعري الأعمى أم بشار الأسد طبيب العيون ؟ المعري الحكيم أم بشار القتَّال لشعب من الأبرياء؟

تُرى لو كان القاضي أبو جعفر، الذي كان يكره الشاعر أبو العلاء المعري، لا زال على قيد الحياة، لمن كان سيوجه هجوه إلى الشاعر المعري أم إلى الحاكم بشار الأسد؟ حين قال:

كلب عوى بمعرة النعمان # لما خلا من ربقة الإيمان

أمعرة النعمان ما أنجبْتِ # إذ خرجت منك معرة النعمان.

للتاريخ أن يحكم خارج متاهات القول كما رسمها الرائع عبد الفتاح كيليطو.

المعلومة الأنيقة والضجيج المنظم

عبد العزيز كوكاس

« أكثر الناس قلقا في السجن هو السجان » برناردشو

تعليم

تعليم

تعليم

ثمة شح كبير في المعلومات في حقل التداول العام، والمقياس الأساسي لندرة الأخبار نلمسه في صحفنا السيارة، فالإعلام هو معيار نبض حركية الفاعلين وجس مبادراتهم، وهو مرآة لكل الوقائع والأحداث التي يزخر بها المجتمع..

إن محنة أي صحافي مغربي اليوم هي نضوب مصادر الخبر، فالمعلومة لا تدور، وهو ما يفسر ارتكان الكثير من الأقلام إلى التحليل والتفسير والتعليق والتوجيه.. بدل الدور الجوهري للصحافة، الذي هو مد الناس بنصيبهم من المعلومات!

في مقابل شحوب مصادر المعلومات، هناك وعي متزايد لدى عموم القراء بالحاجة إلى الخبر، وهو ما يبرر بعض أحكامهم، من مثل تشابه الصحف، جريدة واحدة تغنيك عما تناثر على الأرصفة من عناوين، بالإضافة إلى بروز نوع من التشكيك في صحة ما تقدمه الصحف من أخبار بدون سند، اللهم « المصدر المطلع » و »العليم » الذي لا يعرف من العلم إلا الزيادة فيه، حيث أصبحنا أمام أخبار تخلق الوقائع والأحداث خلقا.

لا يمكن أن نطالب الصحافي بالإتيان بحليب العصفور، في حقل سياسي جامد تشوبه الكثير من مساحات البياض، وفي ظل مجتمع يتحصن فاعلوه بثقافة « المطمورة » و »سرّك في بير ».. فما أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن رشدت أرشد على قول الشاعر القديم.

تروي كتب التاريخ أن زعيم قبيلة عربية جمع الشعراء والخطباء ولامهم على خمولهم وعدم نظمهم للشعر وإلقاء الخطب الحماسية مثل ما يحدث بالقبيلة المجاورة، فأجابه حكيم منهم، بأن القبيلة الأخرى لها أيام ووقائع وأحداث، في كل يوم لهم غارة، يصنعون بها أمجاد يتداولها الشعراء والخطباء، أما قبيلتنا فلا شهدت غارة ولا صنعت مجدا، فعمَّ سيتحدث الشعراء والخطباء؟!

هو ذا ما ينطبق على علاقة صحافيينا بالمعلومة، ويفسر خلو صحفنا من الأخبار المتنوعة.. لكن ما مصدر هذه المعلومات التي تروج في جل صحفنا؟ أقول جازما، إن جل الأخبار التي تروج في صحفنا الوطنية اليوم، والتعميم فيه ظلم كبير لإبداع بعض الصحافيين وإنكار لجهد بعض الصحف، مصدرها واحد وإن تعدد الفاعلون داخل هذا المصدر، وهم الدائرة المقربة من مركز القرار السياسي في المملكة، من هنا ذلك التشابه الكبير في المعطيات والعناوين بين مختلف الصحف.

إننا أمام المعلومة الموجهة، تلك المعلومة الأنيقة المقدمة إلى الصحافي بكافة ملامح الإغراء، بقوام ممشوق وقامة هيفاء وشعر مصفف.. حتى أنه يخاف أن يضيف إليها عبارة واحدة قد تنقص من جماليتها.. بهذه المعلومة الأنيقة يخلق الفاعلون المعنيون بتسريبها ضجيجا منظما، المشكل في الأمر أن الخبر لا يخدم بالضرورة مصلحة الوطن، بل يعزز إصطفافات مصادر الخبر الدائرة حول مركز القرار، عبر تصفية الحسابات، وإعطاء هالة لواقعة هامشية، وتحطيم المتنافسين، وتزكية المواقع.. وهي كلها حروب صغيرة أمام القضايا الكبرى للمغرب.

فرجاء أعطوا الناس حقهم في المعلومة غير الموجهة.. واتركوهم يحكمون بأنفسهم على الوقائع والأحداث.

كم نحن غرائزيون، ذباحون، قتالون، آكلو لحم البشر

عبد العزيز كوكاس

ستقولون إن الأمر غريب جدا، هل هناك من لا يزال يطالب بتطبيق عقوبة الإعدام بالمغرب؟

1475068984_image-263

 سأجيبكم ببساطة، إن الدولة بعقلها العميق جدا، قد توقفت عن تنفيذ الإعدام، حتى ولو أنه لازال كبند قانوني، مسطر في شتى قوانين المملكة، لكنه على مستوى التنفيذ، لم يجر تطبيقه منذ المحاكمة الشهيرة التي أدت إلى « إعدام الكومسير تابت »، لكن مع ذلك لازال الحكم بالإعدام ثابتا في القانون المغربي، لكن هل هناك من لا يزال يطالب بسن عقوبة الإعدام والحفاظ عليها في قوانيننا؟

 سأفاجئكم إذا قلت لكم إن أكبر من دافع على بقاء حكومة الإعدام في بعض ما اعتبره مسائل ضرورية هو وزير العدل والحريات، سيبدو لكم ذلك صادما، لكنه الحقيقة.. فقد سبق للرجل أن عبر في أكثر من مناسبة أنه لا يجب إلغاء عقوبة الإعدام وهو الحقوقي المدافع عن حقوق الإنسان.

لا وجه للغرابة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في هذا البلد، تمة الكثيرون يورون وجههم غير الحقيقي حينما تمس بعض روح القوانين المنصوص عليها في المملكة..

إن إلغاء عقوبة الإعدام، هي واجب للضمير البشري فينا، للإنساني فينا، يجب أن نكف عن العبث، المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام ليست ترفا فكريا، مهما كان المجتمع يعتقد بأنه يجب أن نقتص ممن أخلوا بشروط الإقامة فيه وأجرموا في حقه، وأضروا بسمعته وبقيمه وغير ذلك..

إن الأمر مجرد أوالية نفسية كما يقول علماء النفس لستر عوراتنا، أخطاء مجتمعنا هي جزء مما نصنعه نحن، سواء كنا في القمة أو في القاعدة، المجتمع الذي لا يزال يطبق حكومة الإعدام حتى ولو كان في وسط الولايات المتحدة الأمريكية، هو جزء من غريزتنا الحيوانية البدائية..

يجب أن نكف عن العبث، ويجب أن نقول بملء فمنا: لا لعقوبة الإعدام، ليس لتنفيذه أو عدم تنفيذه، بل لا لعدم سنه كليا.. يجب أن نطالب بكامل قوانا لكي تلغى عقوبة الإعدام..

 ستقولون أشياء كثيرة، ستحدثونني عن هذا المجرم الذي قتل وسفك دم أمه وأبيه، أو ذاك الذي شوه جثة زوجته ومثل بأطفاله، وهذا الوحش الآدمي الذي اقترف من الجرائم ما لا تعد ولا تحصى..

 هل أعيدكم إلى إنسانيتكم المجردة؟

عقوبة الإعدام يجب أن تلغى، ليس فقط للخطأ البشري المرتبط بآليات القضاء والمحاكمة، ليس لأن هناك قصصا تروى وتحكى هنا في المغرب وليس فقط خارجه، الناس حكموا بالإعدام، وثبت وجود خطأ في حقهم أنهم ليسوا المعنيين بالجريمة، هل أذكركم بمن اعتبر سفاح الجديدة؟

 إن الحكم بالإعدام هو جريمة في حد ذاتها، لا يمكن للمجتمع أن يقتص من أحد أفراده بدعوى تكافؤ العقوبة، لا عقوبة تكمن أمام سلب حياة تجاه شخص يعرف أنه سيموت حتما، وأن هناك الكثيرين ممن سيتفرجون عليه، أو يسمعون باسمه، ويقرؤون عنه في الجرائد، ما ثبت يوما أن تنفيذ حكم الإعدام في ساحة عامة، قد ردع آخرين عن القيام بنفس الشيء، بدليل أن جرائم القتل لازالت مستمرة، ثم إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا نظهر أمام العالم،وأمام الناس والمجتمع الذي نمثله، مشاهد الإعدام، لكي يتعظ الناس كما يقول الأخلاقيون جدا؟ لماذا لا نكف عن الكثير من الهراء حول استفادة المجتمع من تطبيق حكومة الإعدام في الناس؟ لا أحد وهب الحياة للآخر لكي يسلبها منه، حتى المجتمع، وحده الخالق من يملك ذلك، والقصاص المجتمعي بدعوى العدالة وإثبات القوانين، هو نوع من الغريزية البدائية فينا، يجب أن نحاربها، ويجب أن نقول اليوم، لا لتطبيق الإعدام.

 ليس هذا نوعا من الرومانسية الحالمة، لا…، يجب أن نبحث عن المجرم الحقيقي في كل هذا المسلسل، وغريزة الانتقام يجب أن تكون آخر شيء يفكر فيه المجتمع تجاه أبنائه، فلنكف عن الإعدام من فضلكم، ليس فقط تطبيقا، بل أيضا يجب أن نحذفه من نصوصنا القانونية، ذلك هو الوجه المتحضر الإنساني لبلوغنا قمة كبرى في المدنية، وإلا فنحن غرائزيون، ذباحون، قتالون، آكلو لحم البشر، حينما نؤمن أنه لا بد للإعدام أن يبقى مستمرا، وأن يبقى المغرب متحفظا على أجزاء من هذا القانون، فبئس المصير… 

دمقرطة الحلم

عبد العزيز كوكاس

« عندما يصل المرء أخيرا إلى المراعي الخضراء، يجد نفسه قد أصبح عاجزاً عن تسلق السور الذي يحيط بها » فرانك دي سكسون

1975007_10153075122232638_8417389860269011533_n

تمتد هذه الصفحة أمامي مثل تنين شاره فاه، وددت لو قسمت مساحة هذا البياض إلى جزئيات صغيرة، أكتب في كل جزء منها بعضا من سواد القلب.. عزيزي القارئ دون أن نستبلد بعضنا، لنكون واضحين كما الحقيقة وأصرح لك: « ليس لدي ما أكتبه الآن وهنا.. هل تثق بي وأنت تدفع جزء من قوت العيال وإكراهات المعيشة، أو بضعا من وقتك الثمين.. تريد المقابل ».. هل حين أهديك البياض، بياض هذه الصفحة، أهديك الهباء؟

أنت تعتقد أن كل كتابة هي نسيج الموت، لذلك نحن نكتب على بياض، نسيج الموت.. لست أدري كيف أُحس كلما استعصت علي الكتابة، صورة كاتب يحار أمام بياض الصفحة بلقطة رجل يسير وسط صحراء من ثلج يمتد إلى مالا نهاية دون أن يعثر على بغيته..

ليس لدي ما أكتبه اليوم، أرى السائقين يحترمون الضوء الأحمر، والراجلون يعبرون الخطوط البيضاء المرسومة، والشرطي ودود لدرجة أنه يتحول إلى « بابا نويل » طيب، يقدم الهدايا كما التحايا للسيارات العابرة دون انتباه للونها أو ماركاتها المسجلة… أرى المواطنين يحترمون طابور الإدارة، والإداريون يأتون إلى مكاتبهم في كامل يقظتهم ولياقتهم، ويقدمون ابتسامات هادئة لزبنائهم ويجيبون على أسئلتهم بكل لطف وبدون رشوة.

أرى الشوارع نظيفة، وقمامات الأزبال محكمة الإغلاق في كل مكان، التلاميذ في بذلهم الأنيقة يصطفون لتحية العلم الوطني ويتوجهون إلى قاعات الدرس أمام أساتذة راضين مرضيين، أرى فيما أرى مواكب سياسيينا النافذين تمر بدون ضجيج أمامنا نحن الماضون إلى عملنا كما لو نذهب إلى أماكن العبادة، لا تُقطع علينا طريق ولا يزعجنا انتظار.

أطفالنا لم يعودوا يسندون رؤوسهم على شوارع تغتصب براءة طفولتهم، لقد امتلأت بهم المدارس ورياض الطفولة، وشبابنا لم يعد يعتنق أعمدة الكهرباء وجدران الحي، ولم يعد يجد الوقت ليعد خيباته على أصابعه، فلديه الوقت الكافي للعمل، ولممارسة الحب والاستماع إلى الموسيقى، والذهاب إلى المسارح التي امتلأت بها المراكز والهوامش.

ليس لدي ما أكتبه اليوم، إن مزاجي رائق، والكتابة متشحة بالسواد ولون الكآبة، وأنا لا أرى أمامي حفرا في الشوارع ولا مجاري للصرف الصحي مكشوفة تزكم الأنوف، الورود تتفتح والأشجار تُزهر في حدائق أحيائنا، وفي الجانب الآخر من الحديقة هناك ملعب للأطفال وللكبار أوقات للتسلية.. أجلس في مقهى، يبتسم لي النادل بمودة.. لا يمر بجانبي كلب سائب ولا متسول أضاع أحلامه في منتصف الطريق إلى الحياة!

أنا اليوم بمزاج رائق، أخاف على حريتي وأفضلها على سجن بخمس نجوم.. أمارس الحب كما أشتهي، أستمع إلى الموسيقى دون تجريم من أحد، أحلق ذقني أمام المرآة، دون أن أنزعج من صورتي، أقرأ جرائد اليوم دون أن ينتقل سواد حبرها إلى شغاف قلبي.. لم أعد شبه مواطن في شبه وطن مع أشباه مواطنين، فلماذا تريدونني أن أكتب دوماً عن السواد، فأنا اليوم مع حكمة إيليا أبي ماضي:

قال: السماء كئيبة، وتجهماقلت ابتسم، يكفيك التجهم في السماء

إنها ديمقراطية الحلم، هل يمكن للحلم أن يكن ديمقراطيا… ما أقرب الأرض ما أبعد السماء.

الحلم ليس كالحكم، أبعد مسافة من وقائع الأشياء، ومن الواقعية العمياء التي تبلد الحواس، لم يعد أمامنا إلا أن نُربِّي حجل آمالنا في زاوية قصية لا تصلها فظاعات اليومي المحيط بنا.. لكن القلب عليل.

 

هذه الحرب.. بيننا

عبد العزيز كوكاس

« حرب الطرق »، « الطريق تقتل »، « نعم للحياة، لا للسرعة »، « لا لحوادث السير »،  « لنغير سلوكنا »…. ، وتتوالى الشعارات المنمقة للحملات الوقائية، وترتفع اللافتات بألوان مزركشة وتعقد الندوات التي تصرف عليها الملايين، ومعها تنمو الفواجع والمصائب، حيث تصطاد طرق السير بسمة الحياة بيننا!

1907470_655594724545861_7478232488151432817_n

وأنا أتابع باهتمام بالغ ما تعرضه الحملات المتوالية للتخفيف من وطأة حوادث السير ببلادنا، في المقابل تظل وسائل الإعلام تنقل يوميا صور حوادث سير مفجعة تحصد أرواح الأبرياء كما لو أن المغاربة في دائرة حرب أهلية متسترة في جلباب حوادث الطرق.. وأتساءل لماذا لم تأت كل الحملات الدعائية ولا القوانين الزجرية أُكْلها؟ وأطالع الجرائد والتقارير التي تنجزها اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، وأتابع تغطيات تلفزتنا، وأتأمل هذه اللوحات المعدنية الصماء وإشارات المرور المنتصبة كتماثيل باردة، لماذا لم تعد تعني للسائقين شيئا، وأكرر التساؤل الملغز: لماذا لم تُجْد كل هذه الحملات نفعا؟ فلا حوادث السير خفت، ولا مآسيها أخذت في التقلص!

ويجتهد المجتهدون في جلاء الأسباب وبيان الحلول لحرب الحديد الذي فيه منافع وبأس شديد للناس، حيث درج البعض على إعادة أسباب هذه الحوادث إلى الحالة الصحية للسيارات والأعطاب التقنية للشاحنات المهترئة والخلل الميكانيكي للحافلات الكئيبة، وأيضا للطرق وهشاشة البنية التحتية، حيث توجد بين حفرة وحفرة، حفرة!

في حين يربط البعض ارتفاع معدلات حرب الطرق بتفشي المحسوبية والرشوة وقيم الوساطة والزبونية التي تعطل تطبيق القوانين، والطرق الملتوية للحصول على رخص السياقة أو للنجاة من كمائن رجال الدرك الذين يبيع بعضهم وردة الحياة والروح العزيزة عند الله بدراهم بخسة… وهناك من يعيد هذه الأسباب إلى العنصر الإنساني… إلى السائق نفسه لعدم احترامه قوانين السير والجهل بقيم حياة الأفراد وغياب التسامح… لقد تعددت الأسباب لكن الموت واحد!

لذا يبقى السؤال قائما لِم َ لم تجد كل الحملات الوقائية نفعا في التخفيف من مآسي حرب الطرق؟ لماذا لا نعيد النظر في طرق معالجتنا لهذه الآفة الخطيرة؟ ألا يدخل المشكل في صلب التكوين الفردي وأسس التنشئة الاجتماعية؟ لماذا لم نجرب تغيير زاوية المعالجة عبر دراسة حالات أصحاب « السوابق » في حوادث السير..  نصنفهم ونستخلص نتائج يمكن أن تفيد في التخفيف من حدة هذه الحرب الأهلية المستترة بيننا؟

وبرغم محاولة مسؤولينا الاستعانة بالتجربة السويدية للحد من حوادث السير، فإني أحس بلا جدوى الأمر، لأن المشكل موجود بقوة الأشياء في العنصر البشري، ألا يمكن أن نخلص إلى أن الأسباب الحقيقية التي ساهمت بقوة في الرفع من حرب الطرق كما وكيفا، تكمن في أن السيارة أو الشاحنة مثلا أصبحت وسيلة أساسية لتفجير السخط، وللتنفيس عن لحظات الغضب والتوتر والكبت والقهر الاجتماعي والاختيارات المفروضة، إحساس نفسي بالفراغ واللاجدوى وثقل الواقع اليومي، تحدي أصم يريد أن يدوس بالسيارة أو الحافلة كل مشاعر العجز المفروض، نوع من الأنانية، محاولة إذابة الغبن أو التوتر الناتج عن إرغامات اجتماعية وضغوط نفسية قاهرة. إنه عنف أخطأ الطريق نحو وجهته الرئيسية.

فكرة مجنونة، أليس كذلك! لكنها ليست أكثر جنونا من حرب الطرق هذه التي تحصد كل يوم أرواح الكثيرين منا وتخلف وراءها مآسي وكوارث أكثر جنونا .

 

 

الفيدورات الجدد

عبد العزيز كوكاس

« إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكانا » مثل صيني

حين سألت زميلا لي ومناضلا في أحد الأحزاب اليسارية الكبرى عن عدم حضوره لنشاط سياسي لحزبه قال لي بالحرف: « الله ينعل أمها سكرة فبار ولا فيه الفيدورهو مول البار » وحين قصر فهمي عن استيعاب قول صاحبنا، ولما لمس مني قصورا في الفهم، أضاف: « بالأمس كانت أحزابنا تشبه الحانة.. مكانا للحلم وتفجير المكبوت وللالتقاء برفاق الدرب، فضاء للأمل وشحن الذات بالأماني الجميلة… وكان للحانة مالك أنيق لا يُرى إلا لماما، يبدو أنيقا ملما بأسرار نعجز عن فهمها، كان ياسرنا بطلعته البهية وبكلامه الساحر الذي يخرج من فمه مثل الدرر، ويتحول لدينا في الأماسي الباردة والنقاشات الحامية إلى حكم نستدل بها في حديثنا ونحاجج بها من يختلف عن وجهة نظرنا.

22779 _n

حملة الأقلام عبيد السلطان

 وكان لهذه الحانة مدير للعمل اليومي يشرف على تنظيم شؤونها ويشرفعلى تسييرها بشكل مباشر، ولاتغرب عنه أي شاذة أو فادة، وحين كنا نهيم – نحن مرتادي الحانة– في أحلامنا الحمراء مؤمنين بالتغيير بحماس قل نظيره، كان مدير البار يتتبع كل التفاصيل عن مرتادي الحانة وأشيائها، وفي الباب الرئيسي للحانة هناك فيدورات كل قوتهم تبدو في الآلة الضخمة لجسدهم، لا يعرفون إلا تطبيق الأوامر والحفاظ على هدوء الحانة وطرد المشاغبين وغير المرغوب فيهم، والوقوف حاجزا أمام كل شخص يمكن أن يشوش على النظام الداخلي للحانة.

 وبعد موت المالك الأصلي للحانة الذينلا يتذكر الرواد إلا صوره المشرقة والأنيقة التي لا تشوبها شائبة، أصبح المسير هو المالك الأصلي لهذه الحانة والذي أصبح يفوض بعض اختصاصاته في إدارة « البار » لأوفى فيدور لديه، وهنا بعد أن كانت الحانة تتسع لفئات مختلفة من المجتمع وتسمح بحق النقد نسبيا وممارسة الاختلاف في الحدود الدنيا التي تسمح بسير الأمور داخل البار بشكل عادي وطبيعي، زادت نسبة التحكم في رواد الحانة ومراقبة ما يخوض فيه الزبناء، وارتفعت قائمة الممنوعات داخلها ولم يعد يسمح بالقدر الكبير من الاختلاف وبدأ الفيدورات يغلقون النوافذ التي تسمح بدوران تيار الهواء، وكلما اشتكى زبون من سوء الخدمة وتدني جودة ما يقدم داخلها من شراب ومأكولات أخذ يواجه بالتشويش، لكن بحكم حجم وثقل صورة المالك الأصلي للحانة رغم رحيله وبحكم السمعة السابقة البار، فإن المالك الجديد لم يكن يذهب إلى أبعد مدى حتى ولو كان أشبه بشفرة حلاقة وسط قطن ناعم، وبعد أن رحل كما تقتضي الطبيعة المسير العام الذي أصبح مالكا للحانة بعد رحيل مالكها الأصلي آلت أمور الحانة كلها إلى الفيدور الوفي الذي أصبح هو المالك الأصلي الذي لا تحدث جزئية صغيرة في قلب البار دون أن تكون بعلمه، وبحكم أنه كان في الأصل مجرد فيدور فقد ظل يعتمد على قوته الجسمانية في حل كل المشاكل الطارئة، لذلك لا يسمح بأن تتعالى أصوات الزبناء فوق ما يراه مناسبا ولا الاحتجاج على تدني جودة الخدمات داخل البار، وأصبح كل من يبدي حدا أدنى من النقد لكيفية تسيير الحانة يجد نفسه مطرودا، وختم المناضل السياسي كلامه بنفس ما ابتدأ به قائلا: « الله ينعل أمها سكر في بار تحول الفيدور فيه إلى مالك أصلي ».

وأدرك سكارى الحانة الصباح فسكتوا عن الكلام المباح.

Navigation des articles