الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “نقد”

مذكرات « أيام زمان » للصديق معنينو: من ذاكرة السلطة إلى سلطة الذاكرة

« في دفتر مذكراتك، تجد تلك المواقف التي مررت بها وتعتقد اليوم أنك قد لا تنجو منها لو حدثت، لكنك فعلت! بل وكتبتَ عنها.. إننا نزداد حكمة بتذكر أنفسنا في الماضي، وتذكر كل ما مررنا به وواجهناه بكل شجاعة ». فرانز كافكا 

عبد العزيز كوكاس

في مجموعته القصصية « الأم الكبيرة »، يقول غابرييل غارسيا مركيز: « الآن، حلت الساعة التي يستطيع المرء فيها أن يضع كرسيا لصق باب الشارع ويبدأ من البداية سرد تفاصيل هذا الحدث القومي الجليل قبل أن يتسع وقت المؤرخين للحضور »، لعل هذا ما فعله الصحافي الصديق معنينو في مذكراته « أيام زمان » التي صدر منها حتى اليوم خمسة أجزاء منذ عام 2014، بمعدل إصدار في السنة.

يؤكد الكاتب منذ البدء أنه صحافي وليس مؤرخا.. يكتب ذاته من خلال ما عاشه من أحداث ووقائع في مشواره المهني في انتظار أن يصل المؤرخون، الذين عادة ما يصلون متأخرين، إذا جاؤوا كما تقول المغنية « تريسي تشابمن » عن الشرطة.. إنه وفيّ إذن لميثاق تعاقدي يشيده منذ البدء مع قرائه، فجنس المذكرات برغم أنه يقدم نفسه كنوع من أنواع الكتابة التاريخية ترتبط بوقائع وأحداث أمة مرصودة من ذات فاعل في قلب أحداثها فإنه وثيق الصلة بالسيرة الذاتية، من حيث استعمال ضمير المتكلم المفرد، وزاوية السارد/ المؤلف في وصف الأحداث وتعليلها، وبخاصة تلك التي لعب فيها كاتب المذكرات دورا أو تلك التي عايشها وكان في قلب طاحونتها أو شهدها أو سمعها من قريب، لذا تقع مذكرات « أيام زمان » في المنزلة بين المنزلتين تنهج موضوعية التاريخ بحيث أن الأحداث المروية عنها ترتبط بمسار أمة ووقائع عاشها جيل بكامله ولا زال بعض صناعها أو شهودها أحياء حتى اليوم، وتتكئ على ذاتية جنس السيرة الذاتية، لأن المؤلف غير محايد فيما يحكي.. ألم يُقل إن الصحافي هو الذي يكتب المسودة الأولى للتاريخ؟ وعلينا أن نكتشف مع مرور الزمن تلك الحدود الدقيقة بين المؤرخ والصحافي والكاتب السير ذاتي في مذكرات الصديق معنينو، الذي يعي هذه الفخاخ، فقد صرح قائلا: « لابد من التوضيح أنني كنت صحافيا في الإذاعة والتلفزة الوطنية، ومن خلال عملي هذا كنت قريبا من الملك الحسن الثاني، كي لا يفهم قراؤكم الأعزاء أني كنت أعلم أسرار الملك الراحل وأتكلم معه في كل حين، إن عملي المهني فرض أن أكون قريبا مرات عديدة من حيث المسافة من الملك الراحل.. لكن يفرض علينا التاريخ أحيانا ونحن بعيدين عن الحدث أن نتأمل اليوم الوقائع بعين أكثر حيادية ». (انظر حوار مع المؤلف عدد 782 من أسبوعية « الأيام » 23 نونبر 2017)

Maaninnou1

المغاربة يستعيدون تاريخهم المسروق عبر مذكرات الشهود

في بلد لم يتمرن على تطويع ذاكرته، وحيث لا زالت تتفشى الأمية القرائية والذاكرة الشفوية، في بلد يرحل زعماؤه وقياديوه ونخبه الفاعلة بصمت مع جزء من ذاكرة أمة، تعتبر كتابة الذاكرة مختبرا تجريبيا مفتوحا وجرأة أدبية استثنائية.. أمامنا مادة طرية، دمها على خدها لا تبعد كثيرا عن السياق الزمني الذي أطّر حدوث وقائعها.. لقد أنقذ الصديق معنينو إلى جانب السياسيين والإعلاميين الذين كتبوا مذكراتهم- على قلتهم- في هذه الفترة بالذات التي تميزت بزخم الذاكرة المغربية، (أخص بالذكر منها مصطفى العلوي « مذكرات صحافي وثلاثة ملوك »، الإذاعي محمد بن ددوش « حياتي وراء الميكروفون »، طلحة جبريل « صحافة تأكل أبناءها »، وعبد الله الستوكي في سلسلة حوارات حول مذكراته، وأستثني مذكرات أخرى كتبها صحافيون حول مسارهم المهني الشخصي أساسا دون أن يكونوا في قلب صناعة القرار…)، لقد أنقذوا الكثير من الأحداث التي بدونهم لبقيت غفلا منسيا.. ولذلك يُعزى لهم الفضل- في سياق سعي المغاربة إلى استعادة ذاكرتهم الذين أحسوا كما لو أنها سرقت منهم- في تقييد الذاكرة التي تعتبر قنصا فيما الكتابة قيدا وتسجيلا.. عقلا واعتقالا لما يطير قبل أن نتوكل على المؤرخين.

محمد الصديق معنينو أكثر من صحافي أو مجرد كاتب عام لوزارة الاتصال، لقد ظل لعقود طويلة في قلب الحدث الإعلامي والسياسي بالمغرب، مقربا من مراكز القرار، مقترحا ومنفذا وقريبا من الحدث الذي تجري تفاصيله أمام مرأى عينيه .. ومذكراته استثناء جميل، وفريد في بابه، لأنه قارب وقائع وأحداث ملتهبة كانت تدور في كواليس صناعة السياسة الكبرى بالمغرب، وكان يصعب الاقتراب منها أو الكتابة حولها، وتحدث عن شخوص وازنين ظلوا مسوّرين بهالة من القداسة وهيلمان السلطة، من هنا فقوة مذكرات « مغرب زمان » قادمة من حجم المعلومات التي أوردها الكاتب والوقائع التي تمتد حتى الآن على مساحة أربعة عقود، والبعد التوثيقي للعديد من المؤثثات الخلفية الكامنة وراء صناعة حدث أو في مسار شخص فاعل في الأحداث.. لذلك فإن شهادة معنينو تكتسي أهمية قصوى في لملمة الوقائع والأحداث من زوايا متعددة للاقتراب من حقيقة ما حدث ولفهم وقائع الماضي لتفسير العديد مما يحدث بيننا اليوم.. فالفائدة الأساسية للتاريخ ليست الغوص في الماضي فقط بل فهم الحاضر أيضا.

معنينو وريث سلالة باذخة في كتابة المذكرات

وقد ورث الصديق معنينو كتابة المذكرات وتشرّب بها، من خلال المخزون الكتابي الذي يجري في دمه، فوالدّه الحاج أحمد معنينو وثق ما عاينه كمناضل في حزب الشورى والاستقلال منذ الاستعمار حتى مرحلة بناء الاستقلال في كتابه « ذكريات ومذكرات »، والبيت الذي تربى ونشأ فيه كانت تتداول فيه مذكرات الزعيم الشوري محمد بلحسن الوزاني « حياة وجهاد »، حتى ليمكن اعتبار « مغرب زمان » تتمة لما كان قد خطه والده وبلحسن الوزاني في مسار التاريخ المغربي المعاصر من زاوية أخرى وبجرأة أكبر.. على اعتبار أنه مس مواضيع لم يعتد المغاربة الخوض فيها.

اختار الصديق معنينو التأليف العشري وتصنيف الوقائع حسب العقد أو نصفه حسب كثافة الأحداث، كما وقع في الجزأين الرابع والخامس من سلسلة « أيام زمان »، وما علينا إلا أن نحترم هذا التعاقد القرائي مع مؤلفاته.. يقول في ص13 من « السنوات العجاف »: « بين يديك الآن الجزء الرابع، من ذكريات « أيام زمان » يحكي عن عشرية واصلت فيها بلادنا مواجهة الكثير من المشاكل والمشاق، أبانت عن صعوبات اقتصادية واجتماعية وسياسية وحقوقية.. خلال هذه الفترة، تأثرت الباخرة المغربية من عواصف متتابعة وأمواج عاتية، ومصير غير واضح الأفق ».

من ذاكرة السلطة إلى سلطة الذاكرة

قدرت له كفاءته المهنية، أن يكون الصديق معنينو في حضرة السلطان الأعظم، يتعلق الأمر بالحسن الثاني تحديدا، حيث أدنى خطأ يمكن أن يكلفك الكثير، تلك « الغضبة المضرية » كما يسميها الكاتب التي لا تبقي ولا تذر.. الرهبة التي كان يعيشها الإعلامي معنينو في حضرة السلطان أثناء تصوير الأنشطة الملكية التي كان مكلفا بالإشراف عليها، استمرت رغم موت الحسن الثاني، إنه الآن متحرر من أي مسؤولية رسمية إلا رهبة السلطان، أقصد سلطان الحقيقة.. لكن هل قال معنينو حقا كل شيء؟

يجب أن نتسم بالكثير من السذاجة لنعتقد ذلك، بل إن المؤلف نفسه يخلصنا من عقدة ذنب هذا السؤال من خلال حواراته، خاصة فيما يرتبط بالأحداث التي لا زال تأثيرها مستمرا حتى زمن الكتابة، والأسرار الكبرى التي هي جزء من وجود الدولة واستمرارها، لكن لمعنينو مكر خاص في التسلل من ضغط الرقابة، حيث نلمس في بعض صفحات « أيام زمان » ما يمكن أن أسميه « إكراهات البوح » أو « سلطة الحجب »، إذ في الكثير من الأحيان يعرف معنينو كيف يقفز فوق الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، أو الوقائع التي تكثر فيها التأويلات وتعدد وجهات النظر، يستعين بتقنية السؤال- الذي يعرف إجابته- لينجو من فخاخ ذاكرة السلطة لمنح حرية أكبر لسلطة الذاكرة، أو عبر عدم الجزم بشيء يعرف جوابه حق المعرفة ويورد روايات متعددة لذات الحدث، وهو ما يعطي الواقعة أو الحدث المحكي عنه، زوايا متعددة للنظر كما لو أن لديه كاميرات متعددة.. كل واحدة ترصد الشخص أو الواقعة أو المكان من زوايا متعددة.

المذكرات بين جاذبية « نرجسية » الذات وموضوعية سرد الوقائع

في المذكرات دوما لدينا مشكل جاذبية تضخم الأنا، تلك النرجسية الغارقة في تمجيد الذات وإبراز البطولة مقابل طمس وقائع لا تخدم السارد في المذكرات أو حجب بعظها مما يستحيل البوح به، لأننا لسنا في بلد « اعترافات » روسو أو ديمقراطية التوزيع العادل للمعلومات، خاصة حين يكون منبع الأخبار والوقائع مرتبطا برأس الدولة، وأيضا لأننا مجتمع غير شفاف تسوده عقلية المطمورة و »سرك فبير »، كيف استطاع الكاتب تجاوز كل هذه الألغام؟

هذا سؤال.. المؤرخ وحده المؤهل لتقديم أجوبة شافية عنه، كما أن تعدد المذكرات وكثرتها من أشخاص كانوا قريبين من الأحداث التي تناولتها « أيام زمان »، ستظهر الخيط الأبيض من الأسود، ولكن في تقديري ليس للصديق معنينو عقدة مع ماضيه المهني ولا تاريخه الشخصي، فلا تمجيد ولا انتقام في المذكرات، لا تصفية حسابات مع الوقائع ولا مع الأشخاص، ويمكن اختبار ذلك في فصل حساس من « خديم الملك »، في لحظة معاناة شخصية للكاتب في تماس الإعلامي مع السياسي/ السلطوي بشكل أدق.. وإذا كانت الصحافية الأمريكية « جون ديديون » ترى أن « أولئك الذين يحرصون على تدوين مذكّراتهم هم من سلالة مختلفة؛ مقاومون وعاكفون على إعادة ترتيب الأمور، متذمرون، قلقون من الخسارة منذ الولادة »، فإن ما ظل يؤرق الصديق معنينو هو ضمان كيف يحيى الحدث مرتين: مرة كما وقع في زمن حدوثه في سياق ثقافي وسياسي مختلف، ومرة في المذكرات متأثرة بزمن الكتابة وأفقها وقصدية الكاتب وشروط الكتابة والممنوع والمباح في الكتابة وزمن التلقي، أو كما قالت تيري ويليامز: « هذه الكلمات التي دوّنتها بخط يدي في دفتر مذكّراتي أثبتت لي مراراً أنني عشتُ كل تجربة في حياتي مرتين: واحدة في العالم الحقيقي، وأخرى بين صفحات مذكّراتي »..

تبدو ذاكرة معنينو قوية، المعطيات مضبوطة بالتاريخ، الرسائل، قصاصات الجرائد، اليوم والساعة والشهر والسنة، الأحداث تحضر في كتبه الخمسة من سلسلة « أيام زمان »، بدمها ولحمها، ولكن الذاكرة ماكرة ولها ثقوب، وفي اعتقادي أن الصديق معنينو منذ وجد نفسه بالقرب من صناع القرار بالمغرب، إلى جانب الحسن الثاني وحاشيته، كان يعي أهمية ما يعايشه، ولذلك أخال أنه كان يدون منذ الستينيات ما يمر به من وقائع ويسجل رؤوس أقلام العديد من الأحداث ذات شأن، لذلك ظلت وقائع مذكراته حية ولم تغرق تفاصيلها في ضباب النسيان.. من هنا الحس الزمني للمؤرخ في مذكرات معنينو.
نؤاخي في مذكرات « أيام زمان » كتابة ذات أخلاق عالية تهمها الوقائع والأحداث أكثر من النبش في تاريخ الأشخاص والتقاط هنّاتهم وزلاّتهم المحض إنسانية، فلذلك لا يورد في سرده أسماء الأشخاص ممن كانوا في موقف ضعف، ويتحدث عن صفات تقريبية لا تعيينية مثل زعيم حزبي من المعارضة أو أحد الوزراء الذين مروا بالإعلام..

أسلوب « مغرب زمان » بين المفيد والممتع

يكتب الصديق معنينو بأسلوب ممتع، سرد سلس، إنه صحافي متمكن من لغة باذخة، تجربته المهنية حاضرة بقوة، في مذكرات « أيام زمان » بأجزائها الخمس هناك قصة تروى، زمن ومكان ينظم الحكي وفق مسار محدد، وشخوص يصنعون الحدث وهو قريب من فرنه الداخلي، ما يميز مذكرات الصديق معنينو « أيام زمان » بالإضافة إلى ما ترويه من أحداث مهمة جدا، هو لغتها، فالرجل متمكن من لغة أدبية رصينة، برغم كونه إعلاميا يتقصد الإفهام والإقناع، فإنه يتكئ على المجازات والاستعارات لتوصيف ما رأى وما سمع، يمكن الوقوف على ذلك من خلال عناوين مذكراته ذاتها: « السنوات العجاف »، « معركة الوجود »، « خديم الملك »، « الفتح المبين ».. لغة ذات منشأ إعلامي رصين، مسنودة بمقروء أدبي رفيع، تفيد وتمتع، ترصد الوقائع وتصورها بأسلوب لغوي، يحول خطية اللغة إلى صورة مرئية ومسموعة.. لقد أفادته خبرته في التصوير التلفزي ورصد المشاهد بدقة حتى وهو يكتب نحس كما لو أنه يحرك كاميرات عديدة، يبدو الحدث أو الفاعل في الواقعة منظورا إليه من زوايا مختلفة..

 

Publicités

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

مركز أجيال 21 ينظم بالمحمدية لقاء تقديم و توقيع لرواية “بستان السيدة” للكاتب عبد القادر الشاوي

« بستان السيدة ».. رواية زئبقية مسكونة بالحلم والرؤيا

عبد العزيز كوكاس

Capture-3

يمنح نص « بستان السيدة » للمبدع عبد القادر الشاوي معنى حيويا لمفهوم أن الرواية جنس حر حد الاعتباطية، أي جنس مفتوح على كل الإمكانات الجمالية، تستدعي الحلم والتأمل والوهم وأشباهه، عبر كتابة تسلط الأضواء وتضع نقط الاستفهام، ليس فقط حول القيم والعواطف والعلاقات والأنساق والبنيات والتمثلات… ولكن أيضا حول معنى وقيمة مكانتها التاريخية والاجتماعية كما يؤكد ميشيل زيرافا.

إن النص السردي الأخير للشاوي، غير قابل للاحتجاز النصي، برغم تنصيص المؤلف على جنس الرواية على صدر الغلاف، لكنه ذاته سرعان ما يخرق هذا العقد القرائي في مفتتح النص بالحديث عن الحلم، وهي العبارة التي أضحت مثل عنوان فرعي في الصفحة الموالية للغلاف، بل إن سارده يمنح القارئ حرية التجنيس، « في هذا العمل(سمه رواية إن أحببت) ». (ص5)

يرسم النص مساره الحر في ذاكرة المتلقي المفترض ليرسو على شكله الأجناسي، إذ المؤلف لا يفرض صيغة « رواية » إلا بما تفرضه مواضعات المؤسسة الأدبية، لكنه في فجوات النص ومضمراته، يقوم نص « بستان السيدة » على الالتباس، الاشتغال على النص أثناء كتابته ومساءلة أدوات الكتابة، موضوعا وأسلوبا وبرنامجا سرديا، يقول السارد في ص24: « الرواية التي كانت تُكتب بمداد الذكريات وعواطف التوله والبعد النفسي كما القرب الموهوم والاشتباه والانفعال بكل ذلك وغيره انتهت.

كالإحساس النازع قصدا إلى الفراغ من مخاض متدافع التوترات توقف الألم الممض.

لا ولادة، لا صراخ، لا تركيب، أريد القول إنني لم أعد أجد في ذاتي ما يكفي من المبررات السردية للاستمرار في الكتابة، لقد أصبحت الرواية بين يدي على النحو الذي يفيد أنني انتهيت منها وكأنني لم أبدأ في كتابتها بعد ».

القلق بدل اليقين، الشك بدل الجزم والقطع بالرأي، النفي بعد الإثبات، الحلم بدل الواقع.. هو ذا ما يؤسس اللعب السردي في رواية « بستان السيدة »: « هنا تغير المسار، مسار الرواية أعني.. لاعبتها بالفعل في أوائل عام 2007 عندما كنت موظفا في شركة » ص17.. اللعب هنا بالمعنى الذي حدده « هزينكا Hezinga » باعتباره حركة حرة يُشعر بالحيوية، يستقر خارج الحياة اليومية قادر على الاحتواء التام للاعب ». يقول سعد: « فكان هدفي، صراحة، أن أتملك عالما اختلقته في وحدتي ». ص19

الموت نهاية أم بداية.. انقطاع أم اتصال؟

إذا كان « الموت تشويشا على نظام الأشياء » على حد تعبير جورج باطاي، فإن الكتابة عنه تفرض تشويشا على اللغة وأدوات الكتابة وبنية الحكاية ذاتها.. تولد رواية « بستان السيدة » من تأملات فلسفية حول الانتحار، انتحار حنان الداودي المعشوقة الافتراضية لمؤلف الرواية الافتراضي، نهاية بعد بداية حب مفترض، حالم، واهم.. موت حنان جاء في سياق تجربة ترجمة كتاب من العربية إلى الفرنسية، أي منح النص المراد ترجمته حياة جديدة في حضن لغة أخرى، مشروع الترجمة لا نعرف عنه سوى أنه بداية علاقة إلكترونية، أو تواصل افتراضي بين جسدين لم يلتقيا إلا في الحلم.. رجل وامرأة.. يؤشر الكاتب على ملاحظة في نهاية الرواية قائلا:  » لم تُعن هذه الرواية بالكتاب الذي ترجمته حنان الداودي، فوجب التنبيه. »

نهاية حياة حنان المنتحرة هي بداية ميلاد الرواية، نهاية دراماتيكية حزينة بعد انبثاق علاقة حب موله ملتبس، يشرع الباب واسعا أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، يستعيد الذكريات العذبة في أماسي حزينة، يختبر العواطف والانفعالات اللاواعية والهشاشات المصاحبة للوجود الإنساني القلق..

انتحرت حنان وتركت أشعارها ورسائلها وما قالته وما لم تقله، لسعد الحي الذي يحتاج إلى الإحسان أكثر من الميت كما يقول انتيفان.. ف »من يموتون يضعون حيلة خبيثة نحو الأحياء، يتوارون تاركين لهؤلاء مهمة تفسير فكرهم أي أن يتجادلوا حول ما قالوه وما كان ممكنا أن يقولوه، وما كان عليهم أن يقولوه، بل وحول ما لم يقولوه أبدا » (« لسان آدم » عبد الفتاح كيليطو). أو كما يقول كارل ماركس:  » ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضا « فالميت يمسك بالحي » (رأس المال المجلد 1 ص 7).

رحلت حنان الداودي وتركت لسعد ما ينقده من الموت : » إلى جانب رغبة متأججة، كلية ومطلقة، كنت أداريها طول الوقت، أقصد أن أكتب رواية وانتهى الأمر.. بعد أن جافيت عالم الكتابة والنشر سنوات كدت أموت فيها من الانحباس ». (ص21)

تبدأ أحداث الرواية- إن قدّر لنا حقا أن نمسك بخيوطها على النحو التقليدي، أقصد رأس الحكاية- من مشروع ترجمة كتاب من العربية إلى الفرنسية، بعد أن طلب صاحب دار نشر من سعد مساعدته على إيجاد مترجم، ستتدخل صديقته وحبيبته السابقة مريم البدري لتقترح عليه اسم صديقتها الحميمة، الشاعرة حنان الداودي التي اشتغلت على العديدة من الترجمات واستطاعت أن تمنح نصوصا عديدة حيوات أخرى في لغة أجنبية، وعجزت عن أن تبقي على حياتها.

سعد وسيط الترجمة، سيصبح ترجمانا للأشواق الدفينة، مُشعلها وموقد حرائقها التي سيصطلي بها أيضا، وستمنحه حنان المنتحرة، مذكرات ويوميات ورسائل… ما ينقذه من الموت.. أقصد ذلك الجفاف والانحباس في الكتابة الأدبية الذي أنهكه، إذ نشأت علاقة عشق سرية حالمة أو واهمة أو مقترضة، بين سعد الموظف في شركة إسبانية للاتصالات وحنان المتزوج من كريم السعداني الذي يوجد على حافة الموت بسبب مرض عضال، وإذا صح أن وراء كل رواية عملية قتل ما، فإن الكاتب يمنح موتاه جنازة تليق بهم، أو يعيد بعثهم في نص حكائي باذخ مبنى ومعنى.. هو « بستان السيدة ».

تنمو الحكاية انطلاقا من الذاكرة، وعبر الأثر الذي تركته حنان الداودي مكتوبا أو موشوما في رسائل إلكترونية حارقة وقلقة بين سعد وحنان، وحين تكتمل الحكاية في ثنايا الألم وتواشجاته، يمنح سعد مشروعه الإبداعي بدمه على خذه إلى قارئه الأول لنصوصه الإبداعية صديقه أحمد الناصري، الذي يوسع متاهة الحكاية عبر فتح كوة نحو نص روائي إسباني « الوداع الأخير » للكاتبة الإسبانية سليبيا جويس، الذي يتحدث عن علاقة مستحيلة بين ساندرا وعشيقتها/ معشوقتها مونيكا..

المكر هو ما يؤسس لعبة الحكاية في « بستان السيدة »

في تتبعه لهذه الهشاشة التي تتلبس بشرط الوجود الإنساني، وفي محاولة سبره لأغوار العواطف وتموجات المشاعر والإحباطات الغامضة المحيطة بانتحار حنان الداودي وهي على وشك إخراج حب مزلزل من حالة الكمون إلى حالة الوجود.. يلجأ الكاتب إلى نصب الفخاخ لنسج خيوط الحكاية، تبدو للوهلة الأولى مفككة وصادمة للقراءة المسطحة والاستعجالية، لكنها ذات معمار ملتبس وملغز يرسمه سرد بلغة أنيقة، وما يبدو غير متناسق أو غير مركب وفق النسق التقليدي للحكاية، يمنح القراءة العاشقة حرية اللعب، وقراءة النص من أي فصل شاء ليقبض على خيوط الحكاية، رأسها وذيلها ويمكن أن ينجز التكملة بنفسه.. ن أنأ

ليس هناك غير المكر- خارج أي بعد أخلاقي- في رواية « بستان السيدة »، فالناشر وبدافع ترجمة كتاب لا نعرف عنه شيئا، من العربية إلى الفرنسية، يورّط سعد في كتابة رواية شخصيته التي ليست هو، في علاقة دراماتيكية مفترضة مع حنان الداودي، ومريم البدري بمكر تورط صديقها القديم بأن تقوده نحو بستان السيدة، الشخصية المأساوية المتزوجة من كريم السعداني، تمده ببريدها الإلكتروني مرفوقا بصورتها التي ستقوده نحو مهاوي سحيقة.

وأحمد الناصري/ القارئ الماكر يوجه، برسالة ملغزة وماكرة، الكاتب سعد نحو النص الإسباني « الوداع الأخير »، الذي سيكون هو الرواية المفتتح بعد فصل « كيف أن الانتحار نهاية »، كنص حواري يهاجر من لغة أخرى، وسعد نفسه أو شخصيته الأخرى المفترضة، سينشئ حكايته في تداخل نصي مع رائعة سليبيا جويس، حيث « سينتهي التراسل في رواية سليبيا جويس بالانقطاع الذي هو الانتحار أيضا، وينتهي في روايتي بالانتحار الذي هو الانقطاع أيضا، أعني بذلك الفعل الذي أصبح بقوة الفجع انتحارا أقدمت عليه حنان الداودي » (ص41).

ذات المكر يقيمه المؤلف سعد مع شخوصه وفي مقدمتهم حنان الداودي التي لم تكن رسائله الإلكترونية نحوها بلغة الوسيط بين الناشر والمترجم، وإنما كانت رسائل ملغزة مليئة بالشجون والتدفق العاطفي والتوقعات والاستمالات والفخاخ والإشارات والألغاز… يقول: « غير أن رسالتي ، فيما أذكر وحتى حين لا أذكر شيئا، كانت تخفي، كعادتي كلما خاطبي النساء أساسا، شيئا من الطمع، الطمع الدفين الذي لا أعرف كيف استولى على عواطفي واستقر في نفسي، الطمع الذي يمكن أن ينتهي بالمفاجأة » (ص14)، رسائل سعد الإلكترونية كانت أشبه بنصب الفخاخ نحو « فريسته » صنو عزلته الباردة، مبرئة من سقم علاقة سابقة بصديقتها « أريد في البداية أن أقدم لك نفسي لكي تسهل مهمتي » (اللعين أنا، لماذا أريد فعل ذلك، وكان من الممكن أن أشرح لها مباشرة ما كنت أريده منها؟ ما المهمة أيها اللعين؟) (ص15)

لقد كتب رسالته الأولى المفترض أنها جد عادية للتعريف بنفسه وكيف حصل على بريدها الإلكتروني عبر صديقتها، وأن الهدف من التواصل هو أن يعرض عليها مقترح ترجمة كتاب، بدل أن تصبح هي ذاتها ترجمان للأشواق.. إنها رسائل مناورة غامضة وماكرة وغير محايدة ألبته.. ذات المكر سيتعامل به السارد اتجاه قرائه المفترضين حين يوهمهم بعلاقة افتراضية مع حنان الداودي بعد أن يبدأ بالشكوى من أنه لا يملك موضوعا للكتابة، إذ « اللغة تسعفني ولا يسعفني الموضوع »، ثم يؤكد  » ها الموضوع فأين اللغة؟ »

وستكون الوحدة القاتلة والعزلة الباردة دافعا له لكي يختلق علاقة افتراضية لم تتحقق مطلقا بين كائنين (الشخصية والمرأة).

« بستان السيدة » رواية زئبقية بامتياز، بلغة إشارية ذات نفس صوفي، فالعنوان نفسه ذو منشأ صوفي من بستان السيدة فاطمة الزهراء إلى « بستان الواعظين ورياض السامعين »، لابن الجوزي وكتاب « بستان العارفين » ليحيى بن شرف النووي، وحلقات المديح والسماع الصوفي الذي يسمى لدى الصوفية « بستان السماع »، ولغة الحلم لأن الرواية كلها هي خيال ورؤيا، « غير أنني أرى لقاء ما يدعوني إليه »(ص63)، و »حلمت بأن اللقاء الباريزي » و »أنت في حلمك يا هذا ذاهب إلى باريس »(ص65)، و »كانت تلك الأيام في الحلم باردة »، « هل كان من المفروض أن أتوقع كل شيء في الحلم » (ص66).

 

المرأة التي تملك من الضجر ما تؤرق به الملائكة

عبد العزيز كوكاس

30226673_10214661674869691_568970561267433472_n

عائشة البصري ليست طارئة على الشعر ولا أتت إلى أرضه الطيبة متأخرة، منذ ديوانها الأول « مساءات » تبدو قصائدها كالبنيان المرصوص، مكتنزة بماء الشعر ورونقه، بذرة جمالها ذلك التآلف المطرز والمتناغم بين الصور والإيقاع والأساليب التي تنم عن تملك قوي لصناعة الشعر، لقد قررت القصيدة بمشيئة أن تأتي إلى عائشة البصري مثل الربيع الطلق، مكتملة البناء تامة المعمار، ممشوقة القوام، والدليل « أرق الملائكة » الديوان الثاني الذي اخترت قراءة مصاحبة فيه تركز على النصوص الموازية من مفتتح الغلاف وعنوان الديوان إلى الإهداء..

في عتبة الولوج، يطالعنا عنوان النص هذه الثريا المشعة مثل بلور متعدد الأضلاع، يعطي لكل الوجه الذي يريد، « أرق الملائكة » خبر لمبتدأ محذوف ومضاف إليه، مع وجود توتر دلالي بين المسند والمسند إليه، فالأرق سارق النوم، حين يخاصم النعاس الجفون، فهو نقيض الراحة الجسدية والنفسية، والأرق له أسباب ارتبطت في الذاكرة الشعرية باللوعة:

إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى   وأذللت دمعا من خلائقه الكبر (أبو فراس الحمداني)

والفراق واللوم والهجران، وهو صنو الليل الذي أرخي سدوله بأنواع من الهموم ليبتلي..

حين قال:

يا ليل الصب متى غده  أقيام الساعة موعده (الشاعر القيرواني)

فيا لك من ليل كان نجومه    بكل مغار الفتل شدت بيذبل  (امرؤ القيس)

-والخوف والعتاب والحزن كما لدى النابغة الذبياني:
كليني لهمٍ، يا أميمة َ، ناصبِ  و ليلٍ أقاسيهِ، بطيءِ الكواكبِ.

تطاولَ حتى قلتُ ليسَ بمنقضٍ   وليسَ الذي يرعى النجومَ بآيبِ.

ومنهم من رأى الليل هما ثقيلا كالشاعر بشار بن برد حين قال:

وطال عليَّ الليل حتى كأنه بليلين موصول فما يتزحزح

وهناك ملاحظة أساسية وهي أن جل دواوين الشاعرة عائشة لها علاقة بالليل:

مساءات: منشورات دار الثقافة للنشر، الدار البيضاء، المغرب 2001.

أرق الملائكة : منشورات دار عكاظ، الرباط، المغرب 2002.

شرفة مطفأة : منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب 2004.

ليلة سريعة العطب: دار النهضة، بيروت، لبنان 2007 – الطبعة الثانية صدرت عن منشورات مرايا، طنجة، المغرب 2009.

وحتى روايتها، تحيل على زمن الليل:

ليالي الحرير: رواية عن مكتبة الدار العربية للكتاب بالقاهرة . مصر 2013″

والأرق صنو الليل وربيب الخلوة، أما الملائكة، فمن الملأك، الذي تعني الألوكة، أي الرسالة التي يبعثها الله مع الملائكة، الذي يحيلون على مخلوقات نورانية تعيش في السماء، مطيعة لا تعصى أمرا إلاهيا، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون… فيما ملائكة عائشة البصري يحلمون، يعشقون، يشاكسون ويشتكون من الضجر ويتساءلون حيارى، ويرفضون الإيقاع المتكرر لوطأة الزمن، ولهم من الوجود حد القلق والأرق.. إن الملائكة أيضا يحيلون على الأطفال الذي يضحكون مع الملائكة من صنفهم، وتحضر في الديوان أسماء وأعلام تتقاطع مع أسماء أبناء عائشة البصري: لينا، شامة، والمهدي.. كل منهم له حلم وقلق وتطلع نحو أن يشذبوا أغصان الكون من شوكه، ويقطفون موز الحدائق ويعصرون غيم الأفق ليقطر شهده في فم العطشى.

29791335_10214633520325845_422804794848958987_n

بهذا الأفق المفتوح والمصاحبة العاشقة، نستمر في رسم جماليات الكون الشعري لعائشة البصري من خلال ديوانها الثاني « أرق الملائكة »، لقد قرأت شعرا موقعا في محكي المبدعة عائشة البصري أكثر مما وجدته في دواوين كثيرة ترمي بها المطابع اليوم، وقرأت سردا مكثفا وموحيا في قصائد عائشة البصري أكثر مما وجدته في روايات عديدة.. إن ما يغذي شعرية ديوان « أرق الملائكة » هو القدرة على الانتقال السلس من الحلم إلى الواقع، التوتر المقصود ب »سوء نية » لإقلاق غبطة الدليل اللغوي وسعادته، دون غموض مصطنع بين مدارج المبنى ومراقي  المعنى.. ذاك جزء مما يصنع حيوية التجربة الشعرية لعائشة البصري التي لا يسندها غير الماء الطاهر لقصيدتها، ولا يسهم في تألقها سوى سوء نيتها الشعرية وغوايتها في نقل ما لا يقال في زمن حراس الحب ».

 

 

Navigation des articles