الإعلامي عبد العزيز كوكاس

موقع خاص بالكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس

Archives de la catégorie “ورد وشوك”

وزارة للكسل

عبد العزيز كوكاس

« إذا كانت كذبة واحدة قادرة على تدمير حياة، فإن حقيقة واحدة لا تكفي لإعادتها » مثل أمريكي

تبدو جل حكومتنا في وضع من يزرع أوهام التقدم والتنمية على سطح بناية لا في أرض حيث تمتد الجذور وتثمر الأشجار وينبت الربيع، فتجعلنا خمّاسين في حقول الوهم إلى أن يهطل المطر فتزهر الحقيقة.

في كل مرحلة تبرع حكومتنا في خلق الأساطير التي لا تدفئ فئات عريضة من المجتمع المغربي التي لم تعد قادرة على تصديق الحلم لأن الواقع يكذب باستمرار.

13590415_1048487435231694_8788951371491297298_n

هو ذا ما حمله بين يدي مستثمر نشر أمامي ملفاته، وقادني إلى دهاليز معاناته من شباك إلى شباك، من دروب مقاطعة إلى أخرى، ومن أروقة وزارة إلى شقيقتها المزاحمة لها في الاختصاص… وكانت اللازمة الرئيسية للمسؤولين في كل مرة: المدير غائب أو في عطلة أو منشغل في اجتماع، الملف لم يصلنا بعد، الملف ناقص…

ولأنه صدّق خطاب محاربة الرشوة، فإنه أصر على أخذ وثائقه بقوة الحق لا  بـ « مْصيريف » القهوة… وحين اقترب المشروع من لحظة الصفر، وجد أن عليه إعادة الحكاية من جديد لأن هناك وثائق انتهى أجلها وأخرى ناقصة… ولأنه، كأي خبير تجاري، يتقن عملية الحساب، فقد وجد أن ربع تكلفة المشروع ضاعت بين دهاليز الإدارات، وثلث الزمن الذي كان مقررا لبداية إنتاج الثروة في معمله الجديد ليحقق التوازن بين الرأسمال ومصاريف الإنتاج قد عطِّل الحلم بكامله.

حكاية هذا المستثمر غيض من فيض، في زمن الحديث عن إدخال المغرب إلى عالم العلم والمعرفة، حيث بدأت تختزل كل عمليات تحديث المؤسسات في إدخال الحواسيب والأنترنيت إلى عالم الشغل، رغم أن مقياس التقدم لا يعود إلى التقنية ذاتها وشكلها الحداثي، بل إلى ربح الزمن الذي توفره، ففي القرن 18 بأوربا كان حصاد آر واحد من الحبوب بالمنجل التقليدي يستغرق حوالي ساعة، وبعد صنع المنجل الكبير تقلص الزمن إلى ربع ساعة، وبعد ظهور الآلة الحاصدة أصبح الحصاد في دقيقتين ليتحول إلى ثلاثين ثانية فقط، لقد تم اختصار مدة العمل إلى عدة أضعاف وهو ما دعَّم مؤشر التقدم.

في المغرب، رغم تقدم استعمال أحدث التقنيات في إدارتنا، لازال الإنجاز بطيئا، فالزمن الذي كان يستغرقه الحصول على وثيقة إدارية قبل نصف قرن، هو نفسه اليوم!

إن التنمية هي نتاج توافق ثلاثة مؤشرات أساسية هي عمل الإنسان وإنتاج الثروة وتوزيع الخيرات المنتجة، وهو ما لازلنا بعيدين عنه بُعد السماء عن الأرض، فإداراتنا تبدو كما لو أنها قاطرة تسير في الاتجاه المعاكس لقطار التنمية، ورغم التخمة التي تعاني منها إدارتنا التي تعج بغير أهل الاختصاص، فإن التماطل والانتظار يصدان المواطن في كل مرة يقصد فيها إحدى الإدارات للحصول على وثيقة ما.

لقد عملت فرنسا في 1981 على إنشاء وزارة الراحة  « Loisirs » التي يعرفها معجم روبير بـ « إمكانية استخدام الزمن بكل حرية »، ولأننا لا نعرف كيف نستغل زمننا، فلماذا لا تفكر حكوماتنا في إنشاء وزارة للكسل « Paresse » مادامت تنقصنا فضيلة العمل أو ما أسماه ماكس فيبر بـ « روح الرأسمالية »؟! وهكذا تصبح لدينا وزارة للكسل ولن نضطر نهائيا لاستجلاب أطر من الخارج وبالعملة الصعبة، فالحمد لله بلادنا لم تفلح سوى في إنتاج الكسالى.

Publicités

Navigation des articles